هيزل عفرين
أن الحروب والأزمات والمصائب والجنون الذي يعاني منه كوكبنا، والهموم والقلق الذي يعاني منه سكان المدن المسماة بالعصرية، تتولد عن الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية صنيعة الرأسمالية، ولم يعد هناك شك فقد بتنا في عصر تسيطر فيه الأنظمة الرأسمالية على كل تفاصيل الحياة ومجالات العلم، فتطلق العنان والدعم لتلك الأنظمة التي تدر بالربح والمال عن طريق التقنية والآلات والروبوتات، والفن والسينما ومصانع الأسلحة الفتاكة والمجنونة، التي بات بإمكانها أبادة الكرة الأرضية بأكملها، وذلك تحت مسميات حماية الأمن القومي وحدود الدولة، وبالمقابل تقلل من شأن تلك العلوم الإنسانية والتاريخية والأخلاقية، التي أصبح المجتمع البشري برمته في أمس الحاجة إليها .
إن كل هذه الممارسات اللاأخلاقية والبعيدة عن طبيعة المجتمع الحقيقي، أدت من جهة إلى ردود فعل قاسية للطبيعة حيث بات القلق الجدي يسيطر ليس فقط على علماء البيئة والطبيعة فحسب بل على المجتمع البشري بشكل عام.
الحرب مفهوماً:
الحرب تعني استخدام العنف بهدف فرض إرادة طرف على آخر، وقد تطورت الحرب ارتباطاً بتطور المجتمع الطبقي وإنشاء المدن، وإنشاء الدولة، وانتشار المفاهيم السلطوية والدولتية لدى شرائح المجتمعات، وللحرب وسائلها وأدواتها وبتطور هذه الوسائل والأدوات تتطور الحرب من حيث السرعة والتأثير والشمولية وحجم الخسائر، فالحروب كانت محدودة النطاق عندما كانت الأسلحة تقتصر على الرمح والقوس والنشاب، ثم تطورت وسيلة الحرب مع العهد البرونزي، وانتشرت أكثر عند اكتشاف الحديد واستخدامه في صناعة السيوف، حيث بات بالإمكان تجهيز جيش كامل بالأسلحة المعدنية، ثم جاء اكتشاف البارود ليزيد من فتك الأسلحة المتفجرة، وهكذا تطورت الحرب طرداً مع تطور وسائلها، حتى الوصول إلى الوسائل الحديثة كالأسلحة النووية.
كذلك تم تقديس المقاتل لدى القبيلة، فهو الشخص القوي البنية الذي يجيد استخدام السلاح، ويحظى بالإحترام والتقدير لأنه يعمل لصالح القبيلة سواء في الاعتداء على الآخرين أو عند الدفاع عن القبيلة، ولهذا كان المحارب مقدساً لدى المدنيات التي تطورت عبر التاريخ على شكل احتكارات الرأسمال والسلطة.
ولهذا فقد ازدادت الحروب وانتشرت مع احتكارات السلطة ورأس المال، حيث أصبح لاحتكارات السلطة جيوشها الغازية، حتى وصلت تلك الاحتكارات إلى مستوى إمبراطوريات عالمية، بل أصبح غزو الأمم الأخرى بالحروب أمراً مقدساً بذرائع مختلفة كنشر القيم والشرائع، بينما في الحقيقة هي لزيادة احتكارات السلطة والرأسمال وبسط الهيمنة، وهذه الاحتكارات هي التي تحدد قدسية حرب ما، أو قدسية المحارب.
ولولا احتكار السلطة ورأس المال لما تكلف المجتمع بإعاشة الجيوش والصرف عليه، على حساب رفاهيته ولقمة عيشه، ولكن احتكار السلطة يؤسس الجيوش لتوسيع سلطاته ويفرض هيمنته على مجتمعه والمجتمعات الأخرى، وكذلك احتكار رأس المال يؤسس الجيوش ويسلحها، بهدف مضاعفة احتكاراته الرأسمالية، من خلال غزو المجتمعات الأخرى والإستيلاء على فائض إنتاجها.
مع تنوع وسائل الحرب وغاياتها تطورت فنون الحرب أيضاً، وأصبح هناك متخصصون في فنون الحرب، وعرَّفتهم المدنية بالقادة العظام، فالقائد العظيم هو الذي يجيد فنون الكر والفر واستخدام الأسلحة والتموقع المناسب وتوزيع المهام على القادة العسكريين والقطعات التابعة له، وإدارة الجيوش حتى تحقيق النصر، وتاريخ المدنية مليء بأسمائهم من ملوك آشور إلى الإسكندر وصولاً إلى نابليون وهتلر.
تطور الحرب وانتشارها مع تطور وسائلها وأساليبها، أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالبشرية، فقديماً كانت تلتقي الجيوش في ساحات معينة خارج المدن، والجيش الذي ينتصر في المعركة يستولي على مدينة أو وطن الجيش المهزوم ويتم الاستيلاء على فائض الإنتاج، والشعب يصبح موالياً للحاكم الجديد ويخضع للإرادة الجديدة المفروضة عليه وينتهي الأمر. ولكن تطور المتفجرات والأسلحة التفجيرية وأسلحة الدمار الشامل، أدى إلى امتداد الحرب إلى المدن وتدمير البشرية التي لا علاقة لها بالحرب، وبات لا فرق كبيراً بين المنتصر والمهزوم في حرب طاحنة بين طرفين، فحتى الطرف المنتصر يتعرَّض لخسائر كبيرة في منشآته ومؤسساته ومواطنيه، كما حدث في الحربين العالميتين.
مما دفع العالم إلى إبرام معاهدات واتفاقيات، ووضع قوانين ونظام حقوقي خاص بالحرب، مثل عدم الاعتداء على الأهداف المدنية واستثناء بعض المؤسسات والمنشآت من الحرب، ومنع استخدام أسلحة الدمار الشامل (معاهدة جنيف، ومعاهدات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل) وغير ذلك من المعاهدات الدولية، وسميت هذه الحرب التي تجري حسب القوانين بـ “الحرب المقوننة” (Conventional) أو الحرب التقليدية، والأسلحة المستخدمة فيها بـ “الأسلحة التقليدية”.
الحرب الدفاعية أو الحرب المشروعة:
مقابل حروب الغزو وتحطيم الإرادة وسلب فائض الإنتاج والاستعمار، هناك الحرب الدفاعية المشروعة التي يخوضها شعب ما أو مجتمع ما في مواجهة الغزو الذي يهدف إلى استعباده واستعماره وسلب خيراته، وهي حرب مشروعة تستخدم فيها نفس الوسائل والأساليب، كحروب تحرير الأوطان من الاستعمار، أو سبل أخرى لمواجهة قوة كبيرة بقوة أصغر حجماً وأسلحة أقل فتكاً ولكن بأساليب أكثر نجاعة، مثل: حرب الكريلا التي تعتمد على الإرادة وعدالة القضية على الأغلب، وهناك أمثلة كثيرة على هذه الحرب كحرب فيتنام وحروب أمريكا الوسطى والجنوبية في مواجهة الاستبداد والاحتلال.
بما أن تكاليف الحرب التي تهدف إلى فرض الإرادة والاستعباد ونهب فائض الإنتاج أصبحت باهظة جداً، كان لا بد من اللجوء إلى وسائل أخرى أقل تكلفة وخطراً على الطرف الذي يرى مصالحه في الغزو، ولهذا تم ابتكار ما يسمى بالحرب الخاصة، والولايات المتحدة الأمريكية هي أول من استخدمت هذا المصطلح خلال الحرب العالمية الثانية.
الحرب الشعبية: تعرف بالحرب طويلة الأمد أو الحرب الشعبية الطويلة هي استراتيجية عسكرية وضع أساسها ودعائمها الأساسية الزعيم الصيني (ماو تسي تونغ) كوجه عسكري للانتقال إلى الاشتراكية وحكم الشوعية، ويعتمد المفهوم الأساسي لتسمية الحرب الشعبية على إنشاء دعم شعبي للمجموعات المسلحة بنظرية ثورية في الغالب شيوعية وقد تطورت إلى أن أصبحت استراتيجية خاصة بالشيوعيين الماويين في العالم.
تعتمد الحرب الشعبية على ركائز متعددة أهمها الحفاظ على الدعم الشعبي للعناصر العسكرية واندماج القوات العسكرية بين الفئات الشعبية المساندة لها واستقطاب عناصر جديدة ضمنها.
- دور الشعب:
في ظل هذه الأزمات التي تجتاح العالم بأسره سواء الاقتصادية منها أو البيئية أو السياسية أو الأخلاقية والتي باتت تفرض علينا كمجتمع بشري يجب علينا أن نعيد النظر في كل شيء. وأن نقوم بتصحيح التعاريف والمصطلحات المشوهة التي تجرفنا إلى الهاوية وتكاد تلقي بنا في سعير جهنم. وعليه فأن الحروب والويلات التي حدثت في القرنين الأخيرين تحت مسميات القومية والدولة ولا زالت قائمة، أدت إلى إبادة شعوب كاملة كالهنود الحمر.
كل ذلك أدى إلى تقسيم مريع وتشكل صراع هائل بين الشعوب والأمم، فمنهما المتطورة نسبياً من حيث التكنولوجيا والعلم والصناعة وتعيش في رفاهية مؤقتة، ومنها من تعيش في حالة من الفقر والحاجة والذل، وفي كلا الحالتين هي شعوب مسحوقة تحت عجلة الرأسمالية العالمية التي تستنفذ طاقات المجتمع وخيراته.
وبالرغم من أن الشعوب قاومت هذا الواقع من خلال ثورات عدة، وتولت دورها الطليعي وقاومت وناضلت إلى حد يدعو إلى الذهول في مراحل متعددة من تلك الثورات، وتحملت تلك الشعوب مسؤولياتها التي القى بها التاريخ على عاتقها، إلا أن الأزمة المجتمعية تثبت بشكل لا جدال فيه أن كل تلك الثورات اخترقت وسرقت من قبل نفس الزمرة الرأسمالية السلطوية، التي مهرت كل شيء بمهرها وحولت كل شيء بما في ذلك مفهوم الحقيقة والثقافة والثورة إلى ما يخدم مصالحها، لدرجة بات من الصعب حتى على أكبر العقول معرفة الخطأ من الصواب والحقيقي من المزيف، وانتقت من بين التاريخ والثقافة البشرية بالكامل ما يلائمها ويدعم مصالحها، وشوهت ما تبقى من الحقائق بطرق خبيثة وماكرة جداً لتحقيق كينونتها بكل هذا الثقل، والنتيجة ان الشعوب تعيش أسوأ مراحلها التاريخية، مرحلة مثقلة بقضايا ومشاكل قومية واجتماعية وأخلاقية خطيرة لا يمكن حلها، ولمعرفة هذه الحقائق وتغيرها بشكل جذري فنحن بأمس الحاجة إلى ثلاثة أمور:
– أولاً: تحليل وتفسر مستوى الانحطاط الذي وصلت إليه المجتمعات، بالرغم من التطور في المجال التكنولوجي والعلمي وتمتلك إجابات مقنعة للأسباب المؤدية إلى ذلك، إضافة إلى نموذج حل ينقذ البشرية والطبيعة من الكارثة.
– ثانيا: آلية ذات قوة روحية وفكرية هائلة لتطبيق هكذا نموذج وترجمة الأقوال إلى أفعال على الأرض، وذلك من خلال الكوادر والمناضلين المؤهلين لذلك على كافة المستويات.
– ثالثا: شعوب تؤمن بالديمقراطية وتواقة إلى درجة العشق للحرية، وتمتلك روح التضحية والفداء لأجل قضايا المجتمع الإنساني جله، كما وتؤمن بأن هذا العصر هو عصر الأمم الديمقراطية والشعوب الثورية.
إن اجتماع هذه الأمور في ثورة ونهضة عظيمتين تضاهي عظمة النهضة الأوربية، وممهورتان بمهر الأمة الديمقراطية، قادرة على إجراء تغييرات جذرية وتصحيح مجرى التاريخ وإعادة تسطيره.
ب- دور المناضل:
إذا ما كان الموضوع يتعلق بالثورة وحقيقة الشعوب الثورية، فأن قضية المناضل تحتل الدرجة الأولى وقد يكون هذا من نواميس وقوانين الطبيعة بصفتهم قادة ومسؤولين عن الثورة، كما ويكونون القدوة والنخبة التي تتخلص من عادات وأفكار وذهنية المجتمع القديم وفلسفة الطبقة الحاكمة، وفي نفس الوقت يكافحون من أجل خلاص المجتمع برمته من هذه الذهنية الخنوعة، وليس ذلك فحسب بل يستشهدون في سبيل تحرير المجتمع من هكذا نمط من الحياة. حيث تصبح قوانين الرأسمالية ما يشبه القدر على رقاب البشر المحرومين من كل شيء، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المجتمعات عندما تبدأ الثورة فبالضرورة يكون قد أن الأوان لتغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي. وبالتالي: فإن بناء شخصية متمردة وعارفة بواقعها الحالي وماضيها المتقزم وكيفية مستقبلها، تعد من المسائل التي قد تؤدي أما إلى انتصار ثوراتها أو العكس تماما، ولكن لماذا؟ فهناك أكثر من سبب منها في زمن الثورة تكون ظروف الموضوعية قد اكتملت فيه لقيام نظام جديد حيث يصعب تحديث وصيانة مؤسسات النظام القديم، وبالتالي فلابد من بناء مؤسسات جديدة تمثل فكر وتطلعات وأحلام الشعوب في حريتها، وهذه المؤسسات تبنى بأيدي النخبة المناضلة والثورية. لذلك فأن المستوى الذي تصل إليه هذه الشخصيات من الحرية والثقافة والإيمان والتغيير، ويحدد بالمقابل مستوى النضال والثقافة الجديدتين، ونمط الحياة الجديدة للمجتمع بأكمله، لذا بالإمكان القول أن عملية تحول وتطور المجتمع منوط بقدرة المناضلين والكوادر لأداء دورهم بشكل جيد وعلى مدى قدرتهم على الإدارة، وبالطبع تعد هذه من اللحظات التاريخية التي تمر فيها المجتمعات أما إلى الديمقراطية و الحرية أو إلى الهلاك حيث لا يمكن الاستهانة بقوة القديم التي تصل إلى العمق وبناء على ما ذكر، فإن الشخصيات المناضلة والثورية يكونوا بمثابة الطرق والإشارات التي توجهه المجتمع إلى النجاة .
لذلك فإن الدور الذي يلعبه المناضل الثوري يحدد مستوى الإيمان بالقضية وبالثورة لدى الشعوب في هذه المنعطفات التاريخية. فبقدر ما يكون المناضل مؤمناً بعظمة أفكاره وأهدافه، بقدر ما يمكنه النجاح في خروج المجتمع من الأزمة، وبناء الجديد بروح من التضحية والتفاني، والعكس صحيح.
إن ما يجعلنا نتعمق في شرح شخصية المناضل ودوره في المجتمع وفي الثورة، هي المرحلة الأنية التي نمر بها حيث الثورة والتغيير يمران في أصعب الظروف الحساسة، حيث تتم ترجمة الأقوال والكم الهائل من الأفكار إلى ساحة الأفعال والتطبيق.
لا يمكننا الإنكار بأن مصداقية الثوار والمناضلين وقوة إيمانهم وطموحاتهم في التغيير والحرية على المحك ففي هذه المرحلة التاريخية، أما أن تنزل ضربتها القاضية على الذهنية القديمة. وذلك بانتصار الثورة أو الهبوط إلى الدرك الأسفل من الفشل الذريع، وفي كلا الحالتين: فإن القيام بالدور الواجب القيام به ليس سهلاً بل مليء بالصعاب والآلام والعذاب من جهة، وبالفرح والحماس من جهة أخرى، وفي الحالتين فإن الشخصيات الثورية والمناضلة تجد نفسها مضطرة إلى خوض النضال والحرب في كافة مجالات الحياة، وجميع الميادين الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والإيكولوجية والاقتصادية داخل الوطن أو خارجه. وهذا يستدعي معرفة العيش كالرسل والحواريين أمثال القديس بولص، وماني، وأويس القرني، ومنصور الحلاج، ويونس أمره، وبرونو، والإيمان العميق بأن الثورات والثوريين لا يموتون، إنما يثبتون أن الحياة ممكنة فقط بتبني ميراث هؤلاء الأشخاص، وأن الثورة الحقيقية هي ثورة توحيد الفكر والقول والعمل، وعشق عيش الحياة بحرية أو الموت دون ذلك. وهنا يتملكهم ذلك الشعور العظيم بأنهم امتداد لصراع الخير والشر، الجديد والقديم، والعبودية والحرية، وامتداد لنضال كاوا الحداد ضد الحاكم الظالم، ونضال النبي إبراهيم ضد عبادة الأصنام، ونضال النبي موسى ضد الفراعنة. أخدين على عاتقهم الثأر لجميع هؤلاء العظماء والمفكرين ومحاكمة من قتلوا الحلاج، وأحرقوا برونو، وصلبوا مارتن لوثر، وأعدموا غاليليو، وسجنوا مانديلا، وهذا ما يجعلهم أشخاص غير عاديين بل ويرتقون إلى مستوى العظمة بما يتناسب مع عظمة الفكر وروح التغيير، ويعيشون بين مطرقة الجديد وسندان القديم، في حالة من التجدد المستمر نحو الأفضل وفي حالة من الصراع المستمر. إذ أنهم يعرفون حق المعرفة إن الشخصية التي تصبو إلى هكذا هدف يجب ألا تكون شخصية عادية، بل تملك قدرات تميل إلى الخارقة للعادة في كثير من الأحيان. هذه هي شخصية المناضل الثوري والذي غالباً مالا يتسنى له الفرصة بالعيش في ذلك المجتمع الجديد الذي حارب من أجله، إذ يرتقي إلى أنبل درجات الشرف والعزة ألا وهي الشهادة. وهنا يكمن سر عظمتهم.
ثورات ربيع الشعوب:
اجتاحت منطقة الشرق الأوسط موجة كبيرة من الاحتجاجات والتظاهرات الناقمة على الأوضاع المعاشية المتردية، وعلى الفساد والديكتاتورية ونهب ثروات الشعوب، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية. متأثرة بالثورة التونسية التي اندلعت جراء إحراق محمد البوعزيزي نفسه، وباتت تلك الاحتجاجات تٌعرف في القاموس السياسي الدولي بـ “الربيع العربي”، أو “الثورات العربية”، رغم أن هذه الاحتجاجات تجاوزت المنظومة العربية، وطالت دولاً أخرى غير عربية، وبذلك يصبح المصطلح الأصح في وصف الحال هو “ثورات ربيع الشعوب. فمعظم الدول العربية تملك سجلاً سيئاً في حقوق الإنسان، وذلك لاستبداد الحكام وتشبثهم بكرسي السلطة لعقود طويلة، ومجيئهم للحكم بطرق غير شرعية.
الثورة التونسية:(والتي تعرف أيضًا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة 17 ديسمبر) هي ثورة شعبية اندلعت أحداثها في 17 ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي، الذي قام بإضرام النار في جسده. أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات في يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة، وعدم وجود العدالة الاجتماعية، وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم.
الثورة المصرية: ثورة 25 يناير هي مجموعة من التحركات الشعبية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، انطلقت 25 يناير 2011 الذي اختير هذا اليوم ليوافق عيد الشرطة، وحددته عدة جهات من المعارضة المصرية والمستقلين، جاءت الدعوة لها احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية السيئة.
الثورة الليبية: هي ثورة شعبية اندلعت شرارتها يوم الخميس 17 فبراير عام 2011 “يوم الغضب” على شكل انتفاضة شعبية شملت معظم المدن الليبية، وسبقت الثورة احتجاج يوم 14 يناير بمدينة البيضاء على الأوضاع المعيشية، وقد تأثرت هذه الثورة بالحراك الشعبي في الشرق الأوسط. قاد هذه الثورة الشبان الليبيون الذين طالبوا بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.
الثورة السورية: الانتفاضة السورية هي انتفاضة شعبية انطلقت يوم الثلاثاء 15 مارس عام 2011، ضد القمع والفساد وكبت الحريات، في تحدٍ غير مسبوق لحكم بشار الأسد، متأثرة بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011. بحيث اندلعت شرارة الثورة عندما كتب أطفال من درعا البلد شعارات على حائط المدرسة متأثرين بربيع الثورات العربية الشعب يريد إسقاط النظام، فقامت قوى الأمن باعتقالهم وقلع أظافرهم مما جعل الأهالي يطالبون بأبنائهم، فكان الرد القبيح من مسؤول الأمن السياسي. فثار الأهالي بمدينة درعا وتم اقتحام الجامع العمري بالطائرات المروحية والقوات الخاصة وحدثت مجزرة رهيبة للأهالي ومن ثم انطلقت الثورة. وقاد هذه الثورة الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: “حرية… حرية”، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية واجهتهم بالرصاص الحي فتحول الشعار إلى “إسقاط النظام”. انتشرت المظاهرات لتعمَّ العشرات من مدن سوريا، لتشمل دمشق وريفها وحمص وحماة واللاذقية ودرعا وبانياس والقامشلي ومناطق أخرى عدة، واستمرَّت بعدها بالتوسع والتمدد شيئاً فشيئاً أسبوعاً بعد أسبوع، وبعد القمع الدامي للانتفاضة من قبل القوات السورية تم تشكيل الجيش السوري الحر.
وكما أشرنا في البداية أن الدافع الأكبر وراء هذه الثورات ضد الأنظمة الفاسدة والديكتاتوريات المترهلة، كانت عزيمة الشباب المطالبة بالخبز والحرية، ولعل عبارة كهذه يمكن لها أن تختصر أهداف الشريحة الشبابية التي فجرت تلك الثورات، فالأنظمة العربية فشلت في تأمين الخبز والحرية لشعوبها. ردت على فقدان الخبز بالادعاءات الكاذبة بـ”التحضير للمعركة وتحرير الأرض” تارة، أو بـ”الحصار الدولي الاستعماري على خلفية المواقف الوطنية المقاومة” طوراً، وردت بنفس المقدار والعيار من الكذب والدجل على دعوات الحرية، بـ”الظروف الاستثنائية التي تفرضها واجبات التحضير للمعركة”، وبـ ” الخصوصية الوطنية النابعة من التراث”، والتي “تغني هذه المجتمعات عن الديمقراطية وترجماتها الغربية”!. وبذلك استمرت هذه الأنظمة عقوداً طويلة على سدة الحكم، وقادت مجتمعاتها من كارثة إلى أخرى. فهي فشلت في معارك التحرير والتنمية على السواء. وخلقت إنسانا محطماً. ووطدّت فكراً ديكتاتوري إقصائي يحتاج المرء سنين طويلة للتخلص من تبعاته، ومن ثم جاءت بحاشية طويلة عريضة من المستفيدين والمتزلفين والمنافقين.
ففي مصر وتونس حققت الثورة جزئاً كبيراً من أهدافها، حيث رحل رأسي النظامان وظهرت محاكمات لرموزهما. ولكن السؤال الحاسم هو: هل يمكن بناء نظام جديد يضمن وعلى المدى الطويل الخبز والحرية؟ وهل يحمل هؤلاء الثوّار مشروعاً بديلا للقيادة والإدارة حقاً؟
فالواقع المقروء حتى اللحظة يقول بأن الثورة مازالت في طور محاسبة النظام القديم، بمعنى أن الحساب مع القديم لم ينته بعد، أي أن القديم لم يمت بعد، لكي نرى ولادة النظام الجديد. ولأن القطاعات التي قامت بالثورة كانت تمتلك هامشا من الدراية والمعرفة (متابعة الإنترنت والفضائيات والتفاعل معهما، وثقافة سياسية لا بأس بها)، وهي طبقات جامعية ومتعلمة في سوادها الأعظم، لذلك فهي تحاول الآن بناء نفسها وتثبيت نظام جديد لا يقوم عليه القديم المتمثل في حاشية الأنظمة المتداعية من الذين تلبسوا بلباس الثورة.
لا أحد يستطيع أن ينكر سقوط تماثيل الرؤساء الدكتاتوريين، ولكن هل هناك من ينكر بأن الأزمة لازالت قائمة بل وازدادت عمقاً في أغلبية البلدان المنتفضة، وثمة تساؤل هنا يدل على مدى قوة القديم في الأنظمة العربية الجديدة.
لماذا لم تحرك مصر وتونس الثورة بما فيه الكفاية، لدعم ثورات الشعوب السورية واليمنية في وجه جلاديها الذين قتلوا الآلاف؟ من الذي منع سحب سفراء مصر وتونس من هاتين الدولتين؟ ولماذا ظلت مصر وتونس الثائرتين في ركب الدول التقليدية المحافظة، وصمتت طويلا على سفك الدماء السورية واليمنية والليبية، والطامة الكبرى التي شوهت صورة الثورات في هذه البلدان، بل وجعل الدعم الدولي والتعاطف معها يتقلصان إلى حد بعيد، وهو أن قوى الإسلام السياسي اقتنصت الفرصة وهي الآن تحاول ملئ الفراغ، وقطف ثمار الثورة، وطرح برامجها الرامية لأسلمة المجتمع علانية، وحدث ذلك في مصر التي كان فيها هامش من الحرية، حيث خرج السلفيون يطالبون بـ “دولة الخلافة”، وتحاول تنظيمات الإسلام السياسي في تونس السير على نفس المنوال، محاولة التضييق على القوى اليسارية الديمقراطية، والتي كانت عنوان الحراك المعارض لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ومن المهم القول هنا بأن حركات الإسلام السياسي العربية مدعومة من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والتي من الملاحظ أنها هذه التنظيمات والإمبراطورية الإعلامية التي تؤيدها تستفيد بشكل كبير من المظاهر الدينية للحراك الثوري في المنطقة العربية. فالخروج أيام الجمعة، والتجمع أمام المساجد (وهو المتاح فقط كنوع من التجمع المشروع بغرض الصلاة والتعبّد)، إضافة إلى الشعارات ذات الوقع الديني عند تشييع الضحايا الذين يسقطون خلال التظاهرات، كل ذلك صب المياه في طاحونة التنظيمات الإسلامية الرجعية، وباتت هذه التنظيمات تعتقد بأنها صاحب الحراك الحقيقي ولها الفضل في إطلاقه والإشراف عليه. وبذلك لم يكن غريباً عندما نظم مئات الآلاف من السلفيين في مصر تظاهرات كبيرة في (ميدان التحرير)، تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية فوراً، واعتبار الأقباط المسيحيين أقلية يجب معاملتها وفق أحكام الذمة وقوانين العصور الوسطى.
فهذه التنظيمات لديها مفهوم آخر للمواطنة يختلف عن المفهوم الديمقراطي المعروف والحديث المعمول به في أغلب دول العالم.
ومن هذه الثغرة دخل حزب العدالة والتنمية التركي، والذي اكتشف الفراغ الكبير في مشروع الثورات العربية، وعلم بقلة الخبرة لدى الشباب، فبات يطرح نفسه كمثال للحكم، ويروج “للإسلام المرن” الذي يقول بأنه “يحافظ على الأصالة والروح الإسلامية”، ولكنه “حديث ويواكب العصر ولديه علاقات جيدة مع الغرب” أيضاً. فالحزب الحاكم في تركيا لديه خطة استراتيجية، وإن كانت خفايا هذه الخطة الخبيثة تكاد تكون مفضوحة وواضحة وضوح الشمس. فتركيا وإيران تتشاركان الحلم نفسه وهو بناء إمبراطوريتهما الفارسية والعثمانية، وهما مستعدان من أجل ذلك لارتكاب أفظع أنواع الاستبداد والظلم والقمع والإرهاب من جهة، ومن جهة أخرى تقديم التنازلات والخنوع للقوى الرأسمالية العالمية.
فلم تكن سراً عمليات الإعدام للشباب الكرد الثائر التي كثرت في إيران، والتي لم تتوقف أصلاً وإسكات الأفواه المطالبة بالحرية والديمقراطية، إن كانوا من الشعب الكردي أو من الحركات المعارضة في إيران. هذا من جهة، ومن جهة أخرى التوصل إلى اتفاق شبه تام في معضلة الطاقة النووية مع دول الغرب، وكل ذلك خوفا من امتداد الثورات القائمة إليها أو على الأقل تأخير الحراك الثوري في بلدانها.
وتحاول التهرب عبر أطروحة الإسلام المرن وتحاول ملئ الفراغ في الدول العربية، وتأهيل تنظيمات الإخوان المسلمين، ومساعدتها لتبني النموذج التركي للانقضاض على الحكم، وتحاول تسويق هذه التنظيمات في الغرب، ولدى الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص.
أما العامل الآخر فهو سياسي تكتيكي بحت، يقوم على إبقاء الإتصالات مع رموز الأنظمة القديمة، من أجل الحفاظ على المصالح الاقتصادية، بعيداً عن أعين الشعوب. وبالتالي التغلغل في المنطقة عبر سوريا، وتقدم نفسها كزعيمة للعالم الإسلامي الآن، والترويج لفكرة إن الشرق الأوسط مساحة يشغلها أناس محبطون وتواقون إلى العصرنة والتقدم. فتحاول أنقرة أن تقدم لهم الترياق هنا: “الحرية المطعمّة بالإسلام السياسي مع علاقات جيدة بالغرب”، معادلة صعب تطبيقها لدى العرب، ولكن الحزب الحاكم في تركيا يتحرك بقوّة ويراهن عليها حالياً.
ففي مصر تم تشكيل حزب جديد تحت اسم (حزب العدالة والحرية)، وهو واجهة للإخوان المسلمين. وفي سوريا هناك خطط تركية لتشكل جبهة موالية. وهدف هذه الجبهة في المقام الأول “حرمان الكرد والمكونات الأخرى من إدارة أنفسهم”، فثورات المنطقة ماتزال تتحرك في فضاء غير واضح المعالم، والقديم يحاول التجدد والانخراط ضمن الجديد في هذه الثورات، والبعض يتحدث عن خطط لإجهاض هذه الثورات، أو “ثورات مضادة” يقوم عليها الطاقم القديم المتغلغل في الحكم والإدارة الجديدة. فالشباب والتنظيمات اليسارية والديمقراطية لم تتمكن من بلورة البديل الواضح القادر على جذب الجماهير.
كما أنه هناك نقص كبير في التروية الإعلامية لهذه القوى، إمكاناتها محدودة للغاية، وهي فقيرة جداً بالمقارنة مع تنظيمات الإسلام السياسي، ووسائل الإعلام الهائلة التي تدعمها، كما إن تنظيمات اليسار ترفض أي دعم خارجي حفاظاً على إستقلاليتها، ووطنيتها، وإيماناً منها بان التغيير الصادق يأتي من عمق الجماهير، وليس مفروضاً أو مدعوما بقوى خارجية ذات أجندة متباينة، وبالتالي فإن ثورات الشرق الأوسط تحتاج إلى قوى ديمقراطية، يسارية، علمانية تقوم على الإعتراف بكل الخصوصيات والهويات الوطنية مع ضمان حقوق كافة الشعوب.
ثورة روج أفا (ثورة المرأة):
مع إندلاع الثورات أو ما يسمى بربيع الشعوب في الشرق الأوسط، تحولت فيه معالم العديد من الدول، واتجهت هذه الدول نحو مسارات عدة، ففي سورية وعلى مدار اثنا عشر سنة وبالتزامن مع الدخول إلى السنة الثالثة عشر، التي قطعت فيها الأزمة السورية شوطاً ملحوظاً، لا تزال معالم الحل للأزمة السورية عالقة وغائبة في حضور أصحاب الحل. فلقد تغير مسار الثورة السورية وانحرفت من مضمونها، وخاصة بعد ظهور معارضات شكلية مصنوعة من قبل بعض الدول الإقليمية، التي لها أجندات خاصة في سورية وعلى رأسهم تركيا.
فهي لا تمثل الشعب السوري كما حال إدعاءاتهم، فبعد تدخل بعض الأطراف الإقليمية والدولية وبشكل ملحوظ في النزاع السوري، وظهور معالم الصراع الواضح والصريح على السلطة، ومطالبة البعض بتغييرات ليس سوى إعادة وتكرار للنظام الإستبدادي الذي يحمل في مضمونه الإقصاء والظلم والإنكار ولكن بشكل آخر، وليس سوى تعميق للدولة القوموية وإنكار حالة التنوع الفسيفسائي الموجود في سورية. فتحولت بذلك سورية إلى ساحة حرب بالوكالة بين أطراف عدة ليس للشعب السوري فيها شيء من الفائدة ومن الحل الوطني الشامل، وبالتالي تداخلت الأمور وغاب دور الشعب السوري الصاحب الفعلي والحقيقي لإرادته الحرة وتقرير المصير بنفسه والتوجه نحو سورية جديدة.
معارضة تنطلق من تركيا وبعض الدول الإقليمية لتحديد مصير شعب وفق أجنداتهم الخاصة، حيال نظام قمعي ومستبد وشوفيني الذي يتخذ مفهوم نظام الحزب الواحد وبالمقابل معارضة مذلولة، خنوعة ترعى في كنف المتآمرين على سورية وأمام ظهور مغول العصر من أصحاب الفكر التكفيري الترهيبي، وهذا ما أدى إلى ظهور حالات تهجير قسرية وإرتفاع عدد القتلى إلى (500) ألف تقريباً، بالإضافة إلى (6) مليون مهجر داخلياً وخارجياً وفق إحصاءات الناشطين.
فكانت ولادة الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج أفا شمال وشرق سوريا، صفعة قوية على وجه أعداء الشعب السوري والمكونات المتعايشة على الجغرافيا السورية، وخاصة إن هذه الولادة جاءت نتيجة سياسية التزمت فيها هذه المكونات التي تعيش في الجزء الصغير من سورية، ألا وهي سياسية الانتهاج بالخط الثالث حيث لا نظام قمعي مستبد ولا معارضة هشة تابعة، فكان شعار الحماية الذاتية جوهر أساسي في بناء حياة حرة وكريمة. لذا بدأت هذه المكونات من كرد، عرب، سريان، آشور، كلدان، شيشان، تركمان بالالتفاف حول قواتهم وحدات حماية الشعب(ypg)، التي أقسمت على الحفاظ على هذه اللوحة الفسيفسائية التي تزين روج أفا، وهذا بدوره يساهم في خلق الأرضية المناسبة لمفهوم الأمة الديمقراطية.
ولأول مرة في الشرق الأوسط عامة يُطرح نموذج العصرانية الديمقراطية، والذي بدوره يتميز بالإصرار والنموذجية والعملياتية في سياق قضية المرأة وثورتِها.
فالمشاريع التي تشتَمِل عليها عناصر العصرانية الديمقراطية، لا تُخَطط أو تُنَفذ من دون المرأة. وبالعكس، إنها مشاريع بمثابة ثورات سوف تتحقق في كل خطوة من خُطاها بمشاطَرة الحكمة والممارسة العملية مع المرأة، فالعصرانية الديمقراطية هي عصر ثورة المرأة وحضارتها.
وقد نالت كوباني شرف انطلاق ثورة التاسع عشر من تموز، فقامت بتحرير المنطقة من قوى النظام البعثي، ومنع تمركز أية قوى متسلطة فيها، لتستعر الثورة في باقي مناطق روج أفا وتحرر شعوبها من قوى الاستبداد.
وتميزت هذه الثورة عن باقي المناطق الأخرى بأنها ثورة شعبية نابعة من إرادة الشعب، وولدت عن إدراك ووعي وحسابات سياسية شاملة، وانفردت بذهنية إحلال الديمقراطية لجميع الشعوب، وإحياء دور المرأة، حيث إن الدور الذي قامت به المرأة في جميع الميادين أضفى على ثورة التاسع عشر من تموز لوناً وطابعاً خاصاً بالمرأة المناضلة.
بحيث شهدت منطقة روج أفا أعنف الهجمات من القوى الراديكالية برعاية تركية، كانت بدايتها مع بعض الفصائل التي قاتلت باسم الجيش الحر، ومن ثم جبهة النصرة فمدينة سري كانيه (رأس العين)، كانت المحطة الأولى لبداية معركة المصير المهدد لهوية جميع المكونات في سورية، ومن ضمنهم من يعيش على تلك الجغرافيا الصغيرة في شمال سورية التي تحولت فيما بعد إلى أكبر منطقة دحرت الإرهاب والفكر الدخيل على ثقافة المجتمع السوري ومجتمع تلك المنطقة وبهذا الإنتصار على دعاة القتل، دكَّ مضاجع أسيادهم فما كان لهم سوى الوقوع في حالة هيستيريا وتخبط واضح، تم فيه رفع مستوى عامل الانفتاح لديهم. فكانت منطقة روج أفا شمال وشرق سوريا محطة رحال لآلات قتلهم للشعب السوري، وإستباحة دمائه بالفتاوي الطائفية التي ذاق منها شعبنا الويلات.
أمام حالة الوجود أو اللاوجود، فقدان الهوية أو الحفاظ عليها بالدم، فما كان إلا أن تكوّن وحدات حماية الشعب (ypg) ووحدات حماية المرأة (ypj)صادمة بالألوان التي تزينوا بها بانتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية، لتوحد الجميع وتختلط الدماء ببعضها، وتحويل تلك المعنويات الكبيرة والعالية المستمدة من إرادة هذه الشعوب، وبالإمكانات المتواضعة ليكون الإرهاب هدف لفوهات بنادقهم.
تلك الإرادة هي صاحبة النصر في سورية ألا وهي روج أفا، القلب النابض ضد القهر والإستبداد ومن ثم بعد هذا النصر، كان لابد من التوسع والدخول بمرحلة التطوير العسكري، فتم إنشاء (قوات سورية الديمقراطية) التي ضّمت في صفوفها العديد من الفصائل والألوية من الجيش الحر، والتركمان، والسريان، وقوات الصناديد العربية، بالإضافة إلى كل من وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، وبالتالي تحولت قوات سورية الديمقراطية إلى الضمانة الأساسية للحفاظ على الجغرافية السورية، وتحرير المناطق واحدة تلوى الأخرى.
كما أعلنت عن جاهزيتها في أي مشاركة عسكرية جدية من أي طرف يريد الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ويعمل على حماية جغرافيتها، ودحر الإرهاب من سورية.
آلية التنظيم الشعبي:
عند إلغاء العمل المركزي والرفض القاطع لنمط الدولة القومية، والعمل على اتجاه جديد يتماشى مع روح المرحلة ويتم فيها تجسيد البرغماتية الحقيقة لمشروع الأمة الديمقراطية، الذي يعتبر كمشروع حل لجميع المعضلات التي خلفتها الدولة والأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط، فإن المعادلة الجديدة في الإتجاه الديمقراطي تقتضي إلغاء هرم السلطة المعتاد وإلغاء السلطة ذاتها لينقلب الهرم رأساً على عقب، ويتم فيه بهذا الشكل إعادة المسار الطبيعي لعلاقة الشعب مع الإدارة على أسس الحماية الذاتية والدفاع المشروع، وبالتالي يتحول فيه الشعب إلى مصدر قرار جماعي ليتم من خلاله إدارة المجتمع وفق نظام الكومين، الذي تقوم فيه الإدارة بتنظيم المجتمع ضمن كومينات شبيهة بالكلّانات، ففي كل قرية أو حي أو بلدة يتم تشكيل كومين، يتضمن هذا الكومين لجان منتخبة من أعضاء الكومين أنفسهم، فيتم إنتخاب رئيسين مشتركين للكومين رجل وامرأة. بالإضافة إلى لجان اجتماعية واقتصادية وثقافية ولجان الصلح الاجتماعي، ليتم من خلال هؤلاء الأعضاء المنتخبين في اللجان التي تم ذكرها إدارة الحي وحل مشاكله.
الخاتمة:
تحظى إعادة النظر في تعريف الثورة بأهمية ملحوظة، من أجل تحليل مراحل الأزمات لصالح التيارات الديمقراطية البارزة. فتقييم الثورات الأوربية عموماً بأنها (ثورات بورجوازية)، إنما هو ثمرة التقرب الطبقي المحدود للماركسية، وكأنه هدية موهوبة للبرجوازية، تحت ذريعة التشبث بالبروليتارية، لا جدال في وجود التأثير الأعظم للتعليل الدوغمائي للمادية الديالكتيكية في ذلك.
فما من مفكر أو سياسي أو كاتب تداول فكرة أو نظرية أو برنامج معين بصدد الثورات التي قامت بها الشعوب، وقدمت فيها الغالي والنفيس، وأراقت الكثير من دماءها، سواء في الثورة الروسية أو الفرنسية أو غيرها.
فالذين لعبوا أدوارهم في هذه الثورات لم يعلنوا أنفسهم كممثلين للطبقة البورجوازية، حيث كانت الغالبية الساحقة من الجماهير المنخرطة في صفوف هذه الثورات، تتشكل من الفقراء المطالبين أساساً بالحرية والمساواة، كذلك فالزعم بأن الحركات النهضوية والإصلاحية والتنويرية السابقة لها، اتخذت الطبقة البورجوازية أساساً لها، إنما هو مبالغة مفرطة. فالبرجوازية كانت تبذل جهودها في سبيل التأثير على السلطة والاستحواذ عليها، لتستولي على دفة الحكم، كلياً أو نسبياً. وقد نجحت في ذلك.
ويجب علينا الإدراك يقيناً أن جميع القوى الهرمية والدولتية، اعتمدت على ضرورات الفن المسمى بـ “السياسة”، لتستلم دفة الحكم لكنها لم تكن تملك بين يديها نظرية وبرنامجاً ثورياً بشكل خاص. وإن الشروط الموضوعية الكامنة في أسس الثورات هي حصيلة للتطور الطبيعي الطويل الأمد للتاريخ. بل يمكننا القول أن كل اليوتيوبيات المكتوبة أيضا مناقضة للرأسمالية.
إذاً والحال هذه كيف صار واعتُبِر هؤلاء المفكرون والمناضلون أناساً بورجوازيين، وغدت الثورات ثورات بورجوازية؟
إن المفكرون والناشطون السياسيون كأعضاء ذاتيين لم يكونوا يمتلكون برنامجاً، أو حتى حزباً ثورياً برجوازياً خاصاً بهم، لقد كانوا يشكلون تيارات مدعومة بحماية بعض الرجال الأغنياء، الذين كانوا في غالبيتهم من ذوي السمات الإقطاعية، ومن المعنيين بالعلم والفن، أما المطالب البارزة في الصدارة، فكانت الحنين إلى عالم إنساني مثالي، حر ومتساوياً.
إذاً يمكن القول إن جميع الثورات هي ثمرة كدح ودماء الشعوب، ولكن انضمام القوى القديمة أو الدولتية إلى ثورات الشعوب بين الفينة والأخرى، وخاصةً أيام ازدهارها وانتصارها ومهارتها في استثمار مطاليب المسحوقين لصالحها، هذا أدى إلى انحراف مجرى هذه الثورات سواء أحرزت النصر أم لا.
إنه لشيء يدعو إلى الحزن والأسف، أن يتحول كل ذلك الجهد والكدح الهائل للأنبياء والفلاسفة والثوار والتضحيات العظيمة التي قدمتها الشعوب الثائرة، والنضال من أجل التمتع بحياة حرة وعادلة، إلى شكل جديد من الظلم والاستبداد وخلق نمارِدة في هيئة جديدة.
وإنطلاقاً من كل ما ذكرناه أنني أؤمن بأن من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الخلل الفظيع، وهذه النكسات التي كادت أن تقصم ظهر البشرية، هي إستبعاد المرأة عن أداء دورها الحقيقي في المجتمع. وبالتالي في الثورات حيث يعكس الرجل الهيمنة التي تطبقها عليه السلطة على المرأة، ولتعكسها هي بدورها على الأطفال، وبالتالي تكتمل فاعلية الهيمنة من الأعلى نحو الأسفل، ويسفر مستوى عبودية المرأة في هذه الآلية عن أكثر الظروف سلبية وسوءاً.
أي أنه يطِّور على الدوام من مستوى عبودية المجتمع، وهكذا يصبح بإمكان حزام السلطة الأعلى توجيه المجتمع الأنثوي، وتصبح المرأة ورغم الظلم القاسي المفروض عليها، إلى وسيلة لتطبيق الظلم الأكبر على المجتمع أيضاً، يقول: (جان جاك روسو) ملهم الثورة الفرنسية كما لقب في هذا الإطار، تريدون أن تردوا الناس إلى واجباتهم الفطرية؟ ابدأوا أولاً بالأم فسوف تدهشكم النتائج.
ويقول القائد والفيلسوف (عبد الله أوجلان): أن الصعوبة التي يلاقيها الشرق الأوسط من الداخل، هي بسبب العلاقات المفروضة على المرأة والعلاقات الخارجية المفروضة عليه، والمقحِمة إياه في الاستسلام والخنوع. انطلاقاً من هذه البواعث فإن فرصة أي حركة في بلوغ المجتمع الجوهري والحر الراسخ، تكون محدودة ما لم تعتمد على عملية حرية المرأة، وعجز التوجهات التي تنادي ببلوغ السلطة والإشتراكية والتحرر الوطني وغيرها، أولاً عن الوفاء بوعودها وتحقيق المراد إنما يَمُتّ بِصِلة جوهرية بهذه الحقيقة، لذا يشكل نضال حرية المرأة مضمون المساواة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان العامة، والتي تتجاوز إلى حد كبير إطار المساواة الجنسية.
ويضيف أن الحالة المزرية التي تعيشها البشرية في القرن الواحد والعشرين يحتم علينا ويفرض إيلاء الأولوية لثورة المرأة حيث بات جلياً استحالة تحرير الحياة ما لم تعاش ثورة نسائية (جذرية)، وما لم يتحقق التغير الجذري في عقلية وحياة الرجل، ذلك أن العامل الرئيسي في الحياة، بل الحياة بذات نفسها تتحول إلى سراب، مالم تتحرر المرأة بصفتها قمة الحياة كما ستظل السعادة خيالاً أجوفاً ما لم تتحقق مصالحة الرجل مع الحياة ومصالحة الحياة مع المرأة.
لا حدود للحقائق الاجتماعية بشان المرأة والحياة الحرة، لكن المجتمع والمرأة الشرق أوسطيين أُسقِطا بما فيه الكفاية وأُخرِجا من كينونتهما، لذا فتحليل القضية الاجتماعية عبر المرأة والتوجه صوب حلها عن طريق الظاهرة عينها، أنما هو الأسلوب الصحيح ولا يمكن بلوغ الحقيقة بخطى سديدة فيما يتعلق بأم القضايا، إلا بفرض ثورة المرأة، ووفق نموذج الحل المطروح في الفلسفة الأوجلانية لحل قضايا العالم بشكل عام والشرق الأوسطية بشكل خاص، فإن إعادة الأمور إلى نصابها يكون من خلال بناء مؤسسة الأمومة والنظام الأمومي، لإنه يعتبر بداية الخلل هو تصاعد النظام الأبوي في أعوام (5000) ق.م، والذي جرب فيه أول قمع واستغلال اجتماعيين وعبور الحاكمية على الأطفال والأملاك إلى الرجل، ويعتبرها أول ثورة جذرية مضادة للبشرية وللمرأة، وتنحي ثقافة الآلهة الأم عن مكانها لثقافة الملوك (الآلهة الذكور) وسيطرة السلالاتية المنشأة، الغير طبيعية والإستغلالية المرتكزة إلى الرجل، ولتقوم الحداثة الرأسمالية بعد ذلك بتطوير هذا النظام أكثر فأكثر.
والترتيبات الحاصلة لم يكن لتؤمن المساواة للمرأة وكم هو مؤلم انه، وبالرغم من كونها صاحبة الكدح الأكثر تعرضاً للقهر إلا إنه ما من تعاليم بما فيه الماركسية ترى داعياً للتحدث عن حقوق المرأة وكدحها.
قد يُقال: “إذن والحال هذه، ما من ثورة قامت بها الشعوب وفلحت”. لذا، سنكتفي بالقول: “لا محاولات الشعوب ذهبت سدى، ولا مشكلة السلطة تم حلها“.
فإذا ما سلمنا بأن غاية الثورات هي بناء مجتمع أخلاقي سياسي اقتصادي عادل، فالحالة المتعايشة لا تدل على انتصار الشعوب، لكن بالمقابل أيضاً فإن إستمرار الشعوب من دون كلل وإستسلام في ثوراتها وإستمرار روح المقاومة والرفض لنمط الحياة التي تفرضها الرأسمالية دليل على عدم هزيمة الروح المجتمعية.
نعيد ونؤكد أن عدة عوامل أساسية ساعدت في تفاقم الأزمة، أولاً: عدم العودة إلى منبع المشكلة وأصل الخلل، وثانياً: إعتبار السلطة والدولة تطوراً طبيعياً من طبيعة المجتمع، وثالثاً: عدم الإدراك أن مشاركة المرأة في الثورات كما في كل تفاصيل الحياة يشكل عاملاً مفصلياً وجوهرياً في فشل أو نجاح ثورات الشعوب.