حروب المدنية وإيكولوجيا الحرية

0

أحمد بيرهات

يتناول هذا البحث في محوره الأول ماهية الإيكولوجيا ومكوناتها والمشكلات التي تواجهها، والبحث في أسباب اختلال التوازن بين البيئة والمجتمع ودور المدنية والصناعوية وهيمنة “الإنسان المركز” عليها، والتطرق إلى المفاهيم العامة للحلول المجتمعية.

وفي المحور الثاني من بحثنا نتطرق إلى الحرب وأسباب اندلاعه ومآلات الحروب ضمن تجارب عدة دول وتأثيراتها على البيئة والمجتمع ودور المدنية والصناعوية في ذلك.

حاولنا من خلاله الإجابة عن بعض الأسئلة الوجودية حول ما نعيشه من أمراض وتلوث وبطالة وفقر وما آل إليه المناخ والاحتباس الحراري والأسباب الكامنة وراءه وكيفية مقاومة ومناهضة أعداء الإيكولوجيا من قوى الهيمنة والأوليغارشيين وأصحاب الرأسمال المالي.

تكمن أهمية هذا البحث في محاولة توضيح الأسباب الكامنة وراء المآسي التي نعيشها نتيجة السلطة الهرمية وتأثيراتها البيئية والاجتماعية، هذه اللاعقلانية الهرمية والسلطة المهيمنة على الطبيعة حوَّلت العالم إلى ميدان توسّع من المصانع والاستهلاك غير الرشيد. ولتحقيق هذا الهدف لجأت لخوض الكثير من الحروب ومحاولة الانتصار فيها وصنعوا الكثير من الأسلحة للفتك بالإنسان والطبيعة والهيمنة عليهما وابتكار وإنشاء تركيبات تدميرية.

ولاستيعاب الهدف من بحثنا هذا تعمقنا  في المفاهيم الأساسية كضرورة بحثية، لذلك ارتأينا استخدام عدة مناهج: أكاديمية وتاريخية وعلمية سوسيولوجية في كتابة هذا البحث.

وتوصلنا إلى الاستنتاج بأن الداء بما يخص الحرب وتأثيراتها على البيئة هي فكرة الهيمنة التي بدأت بهيمنة الإنسان على الإنسان ثم الهيمنة على الطبيعة والبيئة، وهذا ما يجعل الحل لغالبية مشاكلنا البيئية في الأساس اجتماعياً؛ فكلما كانت جذور مشاكلنا البيئية من الأساس ذات أصول اجتماعية فإن الحل يكون اجتماعياً بالعمل على القضاء على جميع أنماط المؤسسات الهرمية المتداخلة والمتنوعة داخل الجسد الاجتماعي واستبدالها بمؤسسات جديدة وحرة وغير هرمية وعقلانية.

الإيكولوجيا (Ecology): يتكون من مفردتين: إيكو- لوجيا أي (علم البيئة).

هو العلم الذي “يهتم بدراسة العلاقة بين الكائنات الحية بما فيها البشر، وبين بيئتهم المادية، ويسعى إلى فهم الروابط الحيوية التي تربط بين النباتات والحيوانات وبين البيئة من حولهم”.(1)

استُخدم لأول مرة عام 1874من قبل الفيلسوف والعالم البيولوجي الألماني إرنست هايكل (1834-1919)

مكونات الإيكولوجيا:

1-“الطبيعة: ويمثل الأرض وما عليها من ماء وما حولها من هواء وما ينمو عليها من نبات وما تحتضنه من حيوانات، وجدت بشكل طبيعي وتمثل الطبيعة الموارد المتاحة للإنسان للحصول على حاجاته الأساسية من غذاء ودواء ومأوى ومواد مختلفة.

2-السكان: مجموعة الأفراد القاطنين على الأرض في عصر ما، والسكان هم المكون المؤثّر والمغير في المكون الطبيعي للبيئة من أجل حياة مريحة تليق بكرامة الحياة البشرية.

3-التنظيم الاجتماعي: وهي الأنشطة التي يمارسها السكان في علاقاتهم مع الوسط المحيط بهم والذي يحتوي أوجه حياتهم ومعيشتهم، بكل ما فيها من نظم وتنظيمات للعلاقات وإشباع للحاجات ومعايشة المشكلات.

4-التكنولوجيا: يقصد بها مختلف أنواع التقنيات التي استحدثها الإنسان والتي مكنته من استثمار موارد البيئة لتلبية حاجاته وتطلعاته”(2).

عليه يمكننا الإدراك أن:

القوانين الإيكولوجية الثلاثة (قانون الاعتماد المتبادل، وقانون ثبات النظم البيئية، وقانون محدودية موارد البيئة) تنظم المكونات الطبيعية للبيئة وتحفظ توازنها بشكل محكم ودقيق، ويبقى التعامل مع البيئة بمكوناتها المتعددة في ضوء هذه القوانين وبعقلانية وحكمة في الاستخدام وترشيد وضبط الاستهلاك هو الضمان لتلبية حاجات الإنسان والإيفاء بمتطلباته عبر الأجيال المختلفة.

وللطبيعة آلية دفاع تقوم بها عندما تستشعر “بالخطر الذي يتحضّر جراء حدوث خلل في العناصر التي تتألف منها أو أي تبدل طارئ على النسب الموجودة في كنفها، المجتمع ليس بالظاهرة الغريبة أو التي تختلف عن الطبيعة، فليس بمقدور أي مجتمع أن يعادي الطبيعة. والمجتمعات الأكثر أماناً واستقراراً هي التي تحاكي ما في الطبيعة من حقائق وظواهر وتفاعلات ما بينها”، وأحياناً تعبّر عن غضبها على شكل كوارث كالزلازل والفيضانات والبراكين  والأعاصير و… .

مشكلات البيئة الرئيسية:

هناك ثلاث مشاكل أساسية تتعرض لها الإيكولوجيا؛ وهي:

1-التضخم السكاني:

“سكان العالم يتزايدون بشكل مذهل إلى الحد الذي يسميه البعض انفجاراً سكانياً وآخرون نمواً زائداً أو إفراطاً في النمو، المشكلة تتمحور حول اضطراب معادلة السكان والغذاء ولعلّ تحقيق التوازن بين عدد السكان في مجتمع ما وبين المتاح لهم من وسائل العيش يقف في مقدمة المشكلات التي تواجه ذلك المجتمع”.

2-التلوث بأشكاله الرئيسية الستة:

تلوث المياه، والهواء، والتربة، والغذاء، والتلوث الكهرومغناطيسي (الإشعاعي)، والسمعي (الضجيج كإنشاء الطرق، وآلات زراعية وصناعية، ووسائل الترفيه كالتلفاز والراديو).

3-استنزاف موارد البيئة؛ ظهور مفاهيم كالأمن الغذائي وأزمة المياه وظاهرة النينو والأمطار الحمضية واضمحلال طبقة الأوزون والاحتباس الحراري وغيرها … وبات البحث عن النجاة والحلول تحمل أهمية قصوى، ويدخل السؤال كيف يمكن الحفاظ على البيئة وإدخالها في أجنداتنا؟“(3).

السوسيولوجيا البيئية وهيمنة ذهنية “الإنسان المركز”:

“الإيكولوجيا تعني صداقة الطبيعة والاعتقاد بالدين الطبيعي وهي بجانبها هذا تفيد بالالتحام مجدداً وبوعي يقظ وحسّاس، مع المجتمع العضوي الطبيعي المتناسق والمتكامل”(4).

و”الإيكولوجيا موضوع اجتماعي إشكالي، وهو علم تحليل العلاقة المتينة بين التطور الاجتماعي وبيئته وقد بات حديث الساعة عندما بدأت قضايا البيئة تدق نواقيس الخطر، فأصبح حقل بحث مستقلاً بذاته، رغم ما يتخلل ذلك من معانٍ مريبة، فهي على غرار الصناعوية، قضية لم يبتكرها المجتمع بل هي آخر ابتكارات المدنية”.

“تتميز الإيكولوجيا بأهمية وشأن كبيرين من النظام الرأسمالي التي عملت على تفكيك وبعثرة المجتمع من جميع النواحي (التردي الأخلاقي، اللاسياسة، البطالة، التضخم المالي والدعارة وغيرها)، بل بلغت حد تهديد البيئة وحياة كل ما فيها من كائنات حية (هنا يظهر عداء الاحتكار للمجتمع بشكل واضح)، المجتمع يوصف بالطبيعة المتحلية بأعلى مستويات الذكاء والمرونة نسبة لجميع الكائنات الحية الأخرى، وهو ثمرة أجواء مناخية منسّقة بانتظام بالغ الحساسية، وهو ثمرة التطور الطبيعي للغطاء النباتي والحيواني والمنظومات التي يتعلق عليها وجود هواء ومناخ عالمنا وعالم النبات والحيوان ويسري على المجتمع البشري أيضاً كونه إجمالي مجموعها.

هذه المنظومات حساسة للغاية ومترابطة ببعضها البعض بمثابة بالغة، وكأنها تؤلف سلسلة؛ فكيفما تفقد السلسلة وظيفتها بمجرد انقطاع حلقة مهمة من سلسلة تطوره”.(5)

وبالرغم من ذكرنا للمشاكل البيئية إلا أنه بحسب المفكر الأمريكي موراي بوكتشين (1930-2006)، لا يمكن أن تكون مفهومة دون فهم فلسفي وعلمي دقيق لفكرة اللاعقلانية التي تهيمن على المجتمع والتي نراها في أمور عدة: اقتصادية وعرقية وثقافية وخلال النزاعات بين الجنسين وأمور أخرى كثيرة والتي تكون جميعها في جوهرها معبرة عن أكثر الاضطرابات البيئية التي نواجهها اليوم بصرف النظر عن تلك الناتجة من الكوارث الطبيعية، فإنه لا يمكن النأي بالمشكلات البيئية عن المشكلات الاجتماعية، فأسلوب التعامل بين الكائنات البشرية مع بعضها البعض أمر أساسي في حل المشكلات البيئية، وعدم الإقرار بذلك سوف يفشل الجهود في فهم أنَّ العقلية التراتيبية الهرمية للعلاقات القائمة على الطبقية التي تنتشر بعمق كبير داخل المجتمع تتسبب في فكرة الهيمنة على عالم الطبيعة، فهيمنة الإنسان على الطبيعة تنبع من هيمنة الإنسان على الإنسان، وهذه الهيمنة نتاج تاريخ طويل من النظم الهرمية الاستغلالية والسلطة العبودية التي مرّت وتطوّرت عبر جميع المراحل التاريخية، ولكي نصل إلى حل مشاكلنا يجب علينا إنهاء علاقات السيطرة في المجتمع ومن ثم تأسيس نظام إيكولوجي اجتماعي جديد قائم على اللامركزية واللاسلطوية متجاوزاً التراتبية وبالتالي الانفتاح والتعايش مع الطبيعة.

“فلقد كانت العلاقة بين الإنسان والبيئة مضطربة، فالإنسان بدأ حياته على الأرض، وهمّه الأكبر حماية نفسه من غوائل البيئة (شر وفساد) خاصة ما يعايشه من حيوانات مفترسة وكائنات دقيقة تبين له أنّها تسبب له الأمراض وفيضانات وثلوج وصواعق وعواصف وانحباس الأمطار، أي أنَّ الإنسان في هذه المرحلة (مرحلة حماية الإنسان من البيئة الطبيعة)، واستنبط الإنسان من بيئته وسائل عيشه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ووسيلة انتقال وسيلة ترفيه.

لم يكن استغلال الإنسان للمصادر الطبيعية بطرق سليمة ورشيدة بل بطرق استنزافية ومسرفة خاصة المصادر غير المتجددة كالفحم والبترول والمياه الجوفية الحفرية، أما المصادر المتجددة كالنباتات والتربة والمياه فقد أسرف الإنسان في استغلالها بمعدل يفوق معدل تجددها تحت الظروف الطبيعية (الاستغلال – الجشع – الأنانية)، فتعويض شجرة في الصحراء يحتاج إلى عشرات السنين وتعويض طبقة رقيقة من التربة يحتاج إلى مئات من السنين، وقد واكب الثورة الصناعية ونجمت عنها مشكلات التلوث بالمواد الكيماوية التي تقذف بالهواء والماء والأرض وما يحدث ذلك من تلويث لمأكل الإنسان ومشربه، وهكذا تدرَّجت العلاقة بين الإنسان والبيئة إلى أن أدّت إلى ضرر كبير أحدثه الإنسان في البيئة وفي مكوناتها وأصبح همُّ الإنسان الأكبر هو حماية البيئة من غوائل (فساد وشر) فعل الإنسان”، وهذا يؤكد ضرورة التعرُّف والتعمُّق بشكل أكثر على الإيكولوجيا وعلاقتها بالمجتمع.(6)

الصناعوية والزراعة الهرمونية والاختلال في التوازن البيئي:

“الثورة الصناعية تتميز بخاصية أشبه ماتكون بالعقل التحليلي ومن منتوجه وخاضعة للنفوذ الصارم للرأسمال، لم يبتكر الرأسمال كل الأدوات الصناعية ولكنه ركز على تحويلها إلى أدوات تدر الربح وإخضاع ما يحتاجه منها لملكيته.

يُعد الإنتاج السريع والرخيص فرصة تطور عظمى بالنسبة للمجتمع والصناعة المسخّرة لخدمة المجتمع تعتبر قيّمة كما العقل، أي المعضلة لا تكمن في الصناعة بحد ذاتها بل في نمط استخدامها، فالصنعة تماماً مثل المستلزمات النووية، فإذا استخدمت لخدمة مصالح الاحتكارات، فقد تتحول إلى أداة تهدد الحياة بأعلى المستويات بدءاً من الكوارث الإيكولوجية حتى اندلاع الحروب، علماً أن استخدامها بهدف الربح قد سرّع من وتيرة الدمار البيئي ويزج بها للتوجه سريعاً صوب المجتمع الافتراضي ويحل التحول الآلي محل أعضاء الإنسان بسرعة، وإذ ما استمرت الحال على هذا المنوال، فسيصبح الإنسان بلا فائدة تدريجياً”.(7)

ينبغي عدم اعتبار ظاهرة الصناعة مسؤولة بمفردها عن هذا المنحى، بل يمكن للصناعة المتكاملة مع مبررات وجود المجتمع أن تؤدي دوراً مصيرياً في الرقي بالعالم إلى مستوى الطبيعة الثالثة كما أكد عليه المفكر الإيكولوجي موراي بوكتشين.

ومثلما “تشهد الزراعة العامل الأصيل للمجتمع البشري ووسيلة وجوده، تشهد دماراً مَهولاً حيال الصناعة تمهيداً لإتباعه بسيطرة الصناعة ولا يمكن تفسير دخول الصناعة التابعة للرأسمال – الربح إلى ميدان الزراعة على أنه فرصة للإنتاج السريع والوفير”.

الخطورة تكمن في “الإسراف في استخدام المركبات الكيماوية بهدف زيادة خصوبة التربة الزراعية وبالتحديد هذين النوعين من الأسمدة الفوسفاتية والأسمدة الآزوتية كماً ونوعاً وزماناً ومكاناً، هو السبب الرئيسي الذي يخل بمعادلة التوازن بين ما يحتاجه النبات من هذه المخصبات ويؤثر أيضاً في العناصر البيئية المحيطة بالتربة. ومع مرور الوقت يذوب في التربة ويصل إلى المياه الجوفية في باطن الأرض.

وبسبب البذور المنثورة في التربة المعدلة هرمونياً فقد باتت الاحتكارات الصناعية في وضع أشبه ما تكون فيه بمن ترغب في الأمومة بالتلقيح الصناعي، فمثلما أن الحمل والأمومة لن يكونا سليمين من مني غريب، كذلك فتلقيح الأرض بالبذور المعدلة هرمونياً أيضاً لا يمكن أن يقحمها في وضع الأمومة الحسنة.

وكذلك البراكين تقذف غازات كثيرة وبكميات ضخمة في الهواء محدثة تغييراً لمكوناته الطبيعية كثورة بركان كاتماي في آلاسكا عام 1900 الذي أطلق كميات هائلة من الغبار والرماد والغازات التي ظلت تدور حول العالم لمدة عامين”.(8)

فالكون ملَّك الطبيعة آليات دفاعية ذاتية، فهي كائن حي شأنها شأن الكائنات الحية الأخرى تتأثر وتؤثر كما تقوم الكريات البيض بالدفاع عن الجسم حال تعرضه لمؤثرات خارجية من أمراض مختلفة فكذلك حال الطبيعة، فالزلازل والأعاصير وبعض الأوبئة هي بمعنى من المعاني شكل من أشكال ردة الفعل على ما تتعرض له الطبيعة من عدوان بشري عليها سواء كان تغيير مجاري الأنهار ومصدات الرياح وقطع الأشجار ونفايات المصانع وما تنفثه المعامل والمصانع من دخان وأبخرة ومخلفات تلوث المناخ إضافة إلى التجارب النووية تحت الأرض وفوقها وما لذلك من انعكاسات على ضرورة إيجاد آليات لوقف التدهور الحاصل في عناصر البيئة النظيفة والحد من الاستثمار الجائر للمياه ووقف التصحر المتشكل من قطع الأشجار لجهة التوسع في المدن الإسمنتية على حساب المساحات الخضراء، و كذلك حرائق الغابات التي كان لها انعكاس كبير على التوازن البيئي، ناهيك عن تآكل طبقة الأوزون وما لذلك من انعكاس على ارتفاع درجة الحرارة على الأرض، إضافة إلى ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي الذي ينذر بأنه إنْ استمر بغرق العديد من المدن في شمالي الكرة الأرضية وجنوبها فقد يصل إلى حدود الطوفانات التي حدثت عبر التاريخ، وأزالت حواضر وحضارات سادت ثم بادت بفعل ثورة الطبيعة.

على ضوء ما أشرنا إليه يمكننا القول إن:

“البشرية تطلق صرخات الاستغاثة المدوية حيال دمار البيئة الحاصل، وكأن ساعة القيامة قد دَنَت، ولابد من تَمَثُّل وتبني النضال ضد الصناعوية كحركة تتطلع إلى تأمين وجود المجتمع، ومثلما يستحيل إخماد النار بالنار، فمن غير الممكن خوض الكفاح الإيكولوجي دون مُساءلة الحياة القابعة في مستنقع الصناعوية والتحقيق فيها والتخلي عنها”.(9)

وما ظهور جائحة فيروس كوفيد 19 “كورونا” في الآونة الأخيرة إلا بمثابة إنذار ورسالة شديدة من طبيعة لا تعرف الاستكانة والصمت ولسان حالها يقول: توقفوا عن عدوانكم وأدعوكم مجدداً للتفكير بالعمل والعيش في كنفي بسلام وإلا فردّي سوف يكون قاسياً ومدمراً.

وتعتبر هذه دعوة صريحة لإعادة التوازن في العلاقة بين الإنسان والطبيعة وكذلك الصداقة بينهما والوقوف في وجه عدم تحول الثقافة المتطورة التي يبدعها ويصنعها الإنسان في أفعاله الهدامة واعتدائه على البيئة والطبيعة، ويجب أن يتم ابتكار أدوات والعمل في الصناعة الإيكولوجية الصديقة للبيئة ومواكبة العصر وعدم الانقطاع عنها، ومواجهة الدول الصناعية لعدم تقديم المنافع الاقتصادية (الربح الأعظمي) على استمرار الحياة البشرية على الكرة الأرضية.

الإيكولوجيا المجتمعية:

كما هو معروف فإن “الإيكولوجيا معنية بالبحث في العلاقة القائمة بين المجتمع والبيئة، وهذا العلم سوف يلعب دوراً ريادياً في تأمين تخطي التناقض الوجودي بين المجتمع والطبيعة بشكل متداخل مع بقية العلوم الأخرى.

الوعي البيئي سيحقق وثبة ثورية ملحوظة مع الإيكولوجيا، لقد كان يشكل الرابطة مع الطبيعة في المجتمع المشاعي كرابطة الجنين بأمه حين ينظر إلى الطبيعة بعين حيوية.

فقد كانت القاعدة الأولية للدين (في شكلها البدائي) هي عدم الوقوف في وجه الطبيعة أو التعرض لعقابها أي دين الطبيعة هو دين المجتمع المشاعي البدائي وما من تناقض أو أمر غير اعتيادي في تكوّن ذلك المجتمع إزاء الطبيعة، والفلسفة ذاتها تُعرف الإنسان بأنه “الطبيعة الواعية لذاتها” فالإنسان في فحواه هو أرقى أجزاء الطبيعة تقدماً”.

في هذه الحيثية لا بد لنا من رؤية حقيقة “انسدال الستار عن حقيقة النظام الاجتماعي المناقض للطبيعة وغير المتآلف معها، وصانع التناقض بين الطبيعة وبين أرقى أجزائها تقدماً، فإيصال الإنسان إلى حالة يصبح فيها بلاء على الطبيعة، بعد أن كان ملتحماً بها بتناغم أشبه بنشوء الأعياد وبهجتها (الأعياد في حقيقتها ليست سوى صورة عن الاتحاد المثمر والمعطاء بين الطبيعة والنشوة) وهذا ما يشكل إثباتاً قاطعاً على مدى بلاء هذا النظام” (الجشع الرأسمالي).

والتاريخ يعلمنا أن علاقة الطبيعة والإنسان والثقافة التي تمخضت عن هذه العلاقة أسست لخلق وإبداع الديانات والأعياد والطقوس. وعند مقارنة هذا الاستنتاج مع ما توصلنا إليه الآن من خراب وتسخير كل الطبيعة والبيئة لمصالحه الأنانية والجشعة يدعونا إلى إعادة صياغة التاريخ بحلة نستطيع من خلالها زيادة الوعي التاريخي والأهمية البيئية وإعادة الأهمية القصوى للبيئة وآليات الحفاظ عليها وكيفية مواجهة الحروب التي تشعلها قوى الهيمنة والحداثة الرأسمالية لفائدتها القصوى دون اعتبار للقيم الطبيعية والإنسانية الأخلاقية، فالبقاء الوجداني والأخلاقي في مواجهة لوياثانات الاحتكار العالمي يفتح المجال أمامنا لإحياء القيم الطبيعية والبيئية وجعلها ثقافة اجتماعية بحيوية معاصرة ونشرها كإحدى أدوات الكفاح البيئي، لذلك لا بد لأي نظام اجتماعي أن يتكامل مع الطبيعة.

ويُلاحظ أيضاً أن:

“العلاقة جدلية بين الفوضى التي يمر بها نظام المجتمع الرأسمالي وبين الكوارث البيئية القائمة، ولا يمكن تخطي تلك التناقضات الجذرية مع الطبيعة إلا بالنفاذ من ذاك النظام وتجاوزه والعجز عن حل تلك التناقضات عبر الحركات المعنية بالبيئة وحدها، إنما يتأتى من طبيعة ومزايا تلك التناقضات ذاتها. ومن جانب آخر يستدعي المجتمع الإيكولوجي تحولاً أخلاقياً بالضرورة ولايمكن التخلص من مناهضة الرأسمالية للأخلاقيات إلا بالسلوك الإيكولوجي. تتطلب العلاقة الكاملة بين الأخلاق والضمير (الوجدان) روحانية تعاطفية واعتناقاً (تقمصاً) عاطفياً، وهذه بدورها لن تكتسب قيمتها الحقيقية إلا بالتعبئة اإايكولوجية القديرة”(10).

وما نشهده اليوم من انتشار الحروب والكوارث الطبيعية وتفاقم الصراعات بين دول العالم ونضوب الموارد الطبيعية وتفشي الأوبئة المهلكة وظهور أمراض لم تعرف من قبل (كورونا، إيبولا …) وازدياد الأطفال المشوهين والمعاقين جسدياً ونفسياً بسبب إفرازات الحروب وما يُستخدم فيها من أسلحة بيولوجية وكيماوية نجم عنها التشتت الأسري والمجتمعي (إضافة لفقدان الطبيعة توازنها لنهبها المستمر من قبل الطاغية المسمى “الإنسان الماكر”، إلى حالة الشقاء والحزن والفقر المنتشرة في عالمنا هذا نتيجة طغيان المادة على العالم الروحي وتهالك القيم الأخلاقية.

هذه النتائج “أثرت كثيراً في الإنسان وقوته والنقص من قوته وإرادته”.

ويعتبر علماء الاجتماع أن من “أهم أسباب شقاء الإنسان الغربة التي يعيشها مع الطبيعة فالفجوة كبيرة بين الإنسان والطبيعة، كلما ازداد تحضراً ورقياً في مجال العلوم والتقنيات، ازداد بعده عقوقاً لها وأمعن في تدميرها والإساءة إليها.

وهذا ملاحظ في الانتهاكات بحق البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية والإفساد في الأرض بشتى أنواعه. ولتخفيف شقاء الإنسان وإحساسه بالغربة لا بد من رجوعه إلى أمه (الطبيعة) والعودة إلى أحضانها والعيش في كنفها محترماً لقوانينها ونظامها بصفات أخلاقية وهنا يكمن الحل، كما يتربى الطفل في حضن أمه وما يشكل علاقة وثيقة وعميقة ويتعلم منها الكثير فيغدو عارفاً بما تحب وتكره ويسعى جاهداً لإرضائها وتجنب ما يغضبها (أهمية الفهم وإدراك الحياة من قبل الإنسان تحمل في طياتها الكثير من المعاني).

ليصل الطفل إلى مرحلة يشعر فيها أنه بدون الأم لا يمكن العيش، إن طفلاً كهذا تخاف عليه أمه عندما يكبر ويبتعد عنها، لأنه توفرت له أسباب المحبة الحقيقية وعلم ما ينفعه وما يضره وعليه أن يشق طريقه في الحياة وفق المبادئ التي أرضعته إياها، فنرى أن كل ما يقوم بعمله يكون متوافقا مع مبادئ أمه ومنسجماً مع تعاليمها، وعلى العكس من ذلك فالطفل الذي ينشأ ويتربى بعيداً عن أمه لن تنشأ بينه وبينها هذه العلاقة الوثيقة ولن يستطيع الانسجام معها لأنه يجهل طبيعتها ومبادئها ويعيش حياة بائسة متهالكة”.(11)

ما أردنا قوله والإشارة إليه فيما سبق أنه:

كلما توثقت العلاقة بيننا وبين الإيكولوجيا وتعرفنا إلى قوانينها وانسجمنا مع نواميسها فستكافئنا بالعيش في سلام وأمان في كنفها.

أهمية الوعي الإيكولوجي والعودة إلى الطبيعة:

الإطار النظري في هذا الشأن هام وعليه يمكن القول إنه:

1-“لا يمكن لطبيعة المجتمع تأمين ديمومتها، إلا بعلاقات وثيقة مع البيئة التي هي ثمرة ملايين السنين والأمكنة المناسبة ولا يمكن لأي منظومة صناعية أن تقوم مقام البيئة بوصفها كياناً معجزاً للكون، لقد بلغت حركة المرور منذ الآن أبعادها الكارثية براً وبحراً وجواً وفضاءً، فالصناعة المعتمدة على وقود المستحاثات تُسمم المناخ والبيئة باستمرار، وثمن كل تلك الفواجع هو تراكم الربح لقرنين من الزمن. والسؤال هو: أكان هذا التراكم يستحق هذا الكم من الأضرار؟

ومثلما أن الأضرار الناجمة عن ذلك لم تتسبب بها مجموع الحروب الناشئة في التاريخ فإن الخسائر البشرية أيضاً لم تقدم بسبب أي نوع من الأحداث الأخرى، أكانت بفعل الانسان أم بفعل الطبيعة.

فلا يمكن لأي منظومة صناعية وزراعة هرمونية أن تقوم مقام البيئة بوصفها كياناً معجزاً للكون”.(12)

2- يجب العودة من المدنية إلى الأرض والزراعة وفق شعار الأرض والزراعة لأجل الوجود ومواجهة الفناء، ذلك أن رأس المال-الربح لا يوفر علاقات الصداقة والتكافل بين الصناعة من جهة، وبين الأرض والزراعة من جهة أخرى، بل يتخمها بالتناقضات المتراكمة كالجبال ويؤجج بينها العداء”.

وهنا “يجب استيعاب نظرية الفوضى الرأسمالية المضادة لكل القيم المجتمعية والطبيعية والبيئية وتخطيها عبر تعزيز السلوكات الكومونالية والديمقراطية التي سلكتها الشعوب في المجتمعات البدائية الطبيعية (صديقة للطبيعة والبيئة وعدم الإضرار بها).

3-تجاوز الأساليب القديمة في مناهضة أعداء الطبيعة والقيم المجتمعية بوضع أطر نظرية مرحلية واستراتيجية وتأسيس مجتمع منظم على أسس ديمقراطية إيكولوجية متحررة جنسوياً لا تتمحور حول التدول والسلطة، فمتطلبات الشعوب في الحرية والمساواة وطبيعة جميلة لن تتحقق بالحروب بل بالوقوف في وجه الحروب وليست برفع شعارات تنادي بالقوموية أو السلطة التي تأخذ منحى إيديولوجياً تجريدياً، وفي نهاية المطاف لن تذهب أبعد من الانصهار في بوتقة النظام الرأسمالي أو تعزيزها”.

وهذ الإطار النظري يوصلنا إلى أنه:

“لامناص من تطوير تنظيم المجتمع الديمقراطي على شكل شبكة اجتماعية واسعة الآفاق المتكونة من التنظيمات الإيكولوجية مروراً بالكومونات والمجالس ومنظمات المجتمع المدني وتأسيس الأحزاب المتمحورة حول السياسة الديمقراطية، ذلك أنه من العبث بناء المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي دون تطوير هذه المؤسسات والأحزاب والتنظيمات”.

ويمكننا القول إنه:

“لن تنجو أية تعبئة اجتماعية مفتقرة للوعي الإيكولوجي من الانهيار والتردي (تجربة السوفيت)، الوعي الإيكولوجي هو وعي أيديولوجي أولي وهو أشبه بالجسر الرابط بين حدود الفلسفة والآفاق الأخلاقية”.

والسياسة الهادفة إلى الخلاص من الأزمة العصرية لن تفضي إلى نظام اجتماعي صحيح ما لم تكن سياسته إيكولوجية تجاوز (مفهوم السلطة الأبوية وما تمخض عن أضرار بالبيئة).(13)

 

الحروب وتأثيراتها على الإيكولوجيا

عندما نسمع أو نتلفظ بكلمة الحرب نتذكر أو تتراءى لنا مشاهد القتل والنهب والسلب والمجازر والجرحى والهجرة والتهجير والخراب. والأنكى من كل ذلك هو ما نتلمسه من الاستهداف المباشر للإيكولوجيا وتسخيرها لأصحاب الرؤوس الحامية لتشكل خطراً وجودياً كونياً.

فالحرب: هي نزاع بين الكيانات غير المنسجمة لهدف إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية والاستيلاء عليها والحصول على النتائج المرجوة والمخطط لها كما هي تعبير عن السياسة بوسائل عنيفة وتَكون بتحالف “الراهب والتاجر وكل من يمتلك ويستخدم العنف (العسكر)”، وهو أوج الصراع بين قوى متعارضة حول الرغبات وتناطح الأقطاب والهيمنة، وقد ساهم اكتشاف النار والحديد والديناميت (البارود) والتكنولوجيا (ابتداءً من الحجر إلى السلاح النووي) في اندلاع الحروب وتطور أشكالها، بالإضافة إلى الحاجة الملحة للمقومات الأساسية للبقاء واستمرارية الحياة، والحاجة للأسواق لصرف منتجات الشركات الرأسمالية بحجج ومبررات عديدة عبر تدخلات مباشرة تحت شعار الحرية والديمقراطية، ويُستغل اختلاف الأديان لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية عبر صراع الإيديولوجيات والمذاهب والطوائف والطبقات أيضاً.

لكن السؤال المطروح هو: لمصلحة من تندلع الحروب؟!

من يفكر ويتعمق في مفهوم السلطة الذي يتخذ من “الإنسان المركز” أساساً يرى أن لها مصلحة قصوى في إعلان الحروب وتصرف من أجل هذه الحروب ميزانيات ضخمة عبر شراء واختراع الأسلحة والأساطيل لقمع شعوبها وتسخير كل التكنولوجيا للاستيلاء على خيرات الشعوب من خلال السيطرة على البيئة والطبيعة عبر استخدام كل أدوات القمع والاستغلال، حتى أنهم وللحفاظ على سلطتهم قد كبّروا من شأن الحروب وعدّوها مقدسة وخلقوا آلهة للحرب وكبّروا من شأن القادة ومجّدوا فيهم وألّفوا الكثير من الأساطير والكتب والشعر خدمةً لمصالحهم.

وهذا يعني أن “تحليل ظاهرة الحرب لا ينسجم ولا يتوافق مع المجتمع البشري، لأنه لا يمكن النظر لأي حرب بأنها مباحة لأنها تعكس القوى التسلطية والطبقية الكلاسيكية” (عند قراءتنا لملحمة كلكامش نلاحظ أن محاربة كلكامش وأنكيدو لقائد قبيلة غابة الأرز “خامبابا”، كان بهدف قطع الأشجار ونهب خشب الغابة لبناء مدينة أوراك كونه الملك ويمثل السلطة، وحصل ذلك عندما تحالفا وقتلا قائد القبيلة معاً، وهذا التعبير الملحمي يوضّح الهدف الأساسي للحرب؛ وهو القضاء على الإنسان الأخلاقي والاستغلال والإضرار بالبيئة).

ما لم تكن بغرض الدفاع الاضطراري والمحتوم، فالحرب تتضمن السلب والنهب والاضطهاد وهي بطبيعتها تعني الاستيلاء والتسلط والقمع والدمار مهما أريد مواراتها بأقنعة مختلفة ويسودها الاعتقاد بالحق في تملك كل شيء بالفتح (على حساب البيئة والطبيعة والإنسان). تسخير كلكامش والمدينة خشب الغابة لبناء المدنية على حساب القبائل في المجتمع الطبيعي، فالحرب تعتبر من أفظع وأخطر السيئات والكوارث ولن تكون ذات معنى إلا في حال انعدام السبل والحلول المسالمة والمؤدية للحفاظ على الوجود والحرية والكرامة وتوطيدها”.(14)

 

الحروب وتأثيراتها على الإيكولوجيا:

للحرب أساليب كثيرة تؤثر في الإيكولوجيا وتشكل زيادة على الضغط المطبق على النظام البيئي الطبيعي والسكان والقاطنين في الجبال وعلى حوافها والأرياف والقرى. وفي هذه الحيثية أرى أن هناك أهمية لإعطاء أمثلة حول تأثيرات الحروب على البيئة الطبيعة والإنسان كونهما جزءاً من البيئة.

1-سياسة الأرض المحروقة:

في الطبيعة تشكل الحرائق بكافة أنواعها وأشكالها أحد مصادر تلوث الهواء بما تنفثه من أدخنة وغازات وجسيمات.

وسياسة الأرض المحروقة هي استراتيجية تقوم بها القوة العسكرية لأسباب سياسية توسعية لعدم استفادة الطرف المقابل من أي شيء تمت زراعته وبناؤه ولعدم استعمالها كمؤونة والتنقل والاتصالات والموارد الصناعية دون ضوابط أخلاقية إنسانية وطبيعية بالرغم من حظرها دولياً بموجب المادة 54 لاتفاقية جنيف عام1977.

وقد استخدمت سياسة الأرض المحروقة تاريخياً في الكثير من الحروب كما قرأنا في الموسوعة العالمية في حرق روما والحروب الروسية تجاه نابليون وألمانيا وكذلك استخدمه السكوثيون (قبائل رُحل) ضد الإمبراطورية الفارسية واستخدمه لاحقاً الفرس ضد الإسكندر المقدوني وكذلك استخدم في الحروب الغالية (الحروب الرومانية ضد القبائل الكلتية) واستخدم في الحروب الأوربية في ألمانيا وسويسرا واستخدمه الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان ضد الموالين لعلي بن أبي طالب بحرق المحاصيل والمنازل في الحجاز واليمن، بحسب ما رواه الطبري.

أرى أنه من الأهمية أن أسلط بعض الضوء على الأساليب القمعية التي مارستها بعض الدول في محاربة الشعوب واستخدام كافة أنواع الأسلحة لقمع تمرداتها وثوراتها وهذا ما سوف يساهم في فهمنا وإدراكنا لدور الحرب في الخلل الموجود الآن وعدم التوازن بين المجتمع والإيكولوجيا.

أ-تركيا والذهنية الأحادية في محاربة الكرد:

تشن تركيا منذ تأسيس جمهوريتها عام 1923 حرب الإبادة ضد الشعب الكردي وحرقت من خلالها آلاف القرى والغابات واستخدام كافة أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوية التي قتلت ودمرت البيئة والطبيعة (الإيكولوجيا) والإنسان على حساب الركود والانهيار الاقتصادي الذي تعيشها هذه الدولة ذات الذهنية الإقصائية المخالفة لقانون الطبيعة المعتمدة على الاختلاف والتعددية في كل شيء، فهي تتدخل في شؤون البلدان كـ ليبيا وسوريا والعراق وتستخدم الأيديولوجية في ذلك وتدعم الجماعات ذات التوجه الديني الإخواني بعقلية توسعية وتحارب الشعب الكردي وحركته التحررية بكل السبل وتموّل هذه الحروب والتدخلات “ميزانية الدفاع لأنقرة تشكل أكبر بند من الميزانية مقارنة مع غيرها من القطاعات، إذ تبلغ (19,7 مليار دولار إلى 25 مليار) 13% من حجم الإنفاق، إضافة إلى الإنفاق بنشر السفن الحربية  على البحر المتوسط وبحر إيجة. ومنذ 1949 حتى 2012 أنفقت تركيا على الأسلحة والقوات العسكرية مبالغ طائلة”(15) على حساب الاغتراب عن البيئة والإنسان والتصالح معهما.

من يقرأ التاريخ يتوصل إلى أن النظم الدولتية تعتاش على الحروب كأحد أساليب الهيمنة التوسعية، فتركيا تحارب الكرد وتتوسع على حساب الشعوب في المنطقة، وكذلك تفعل الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها العالمية في أفغانستان والمنطقة بحجة محاربة الإرهاب، وكذلك تفعل روسيا في حروبها في القرم وأوكرانيا، والدول الأوروبية فعلت وتفعل ذلك في كل القارات.

وهذا يعني أن الدول والسلطات وعلى رأسها النظم الرأسمالية تعتاش على خلق الأزمات عن طريق إشعال الحروب ونقلها من مكان لآخر وبوسائل عدة بحسب مصالحها تارة عن طريق استخدام السلاح الفتاك وتارة بالوسائل البيولوجية والاقتصادية، وكل ذلك على حساب تخفيض الإعانات وخدمة أفراد المجتمع والحفاظ على التوازن البيئي كون الرأسمالية نظام أزمة، كما مر معنا.

وعند استطرادنا الحالة والتجربة الكردية نرى بوضوح أن الكرد ونتيجة الظلم المطبق ضدهم اضطروا إلى الالتجاء للجبال واحتموا بها وبطبيعتها وبأشجارها وسكنوا فيها ضمن جغرافية وطنهم كردستان مع التلاحم والعيش مع السكان للاختباء والتمهيد لتصعيد المقاومة والنضال في سبيل استرداد حقوقهم المسلوبة من النظم الحاكمة والمحتلة لأراضيها فكانت الدول المحتلة لكردستان تلجأ إلى استخدام شتى أنواع الأسلحة والأساليب لإبادتهم كسياسة الأرض المحروقة (وإبادة البيئة والبشر والحجر) واستخدام الأسلحة الكيماوية ضدهم في قمع غالبية المقاومات والثورات الكردية كـ مجزرة كليه زيلان قُتل فيها 15 ألف كردي في عام 1930، وثورة ديرسم عام 1937-1938 فقد قتل أكثر من 40 ألف مواطن كردي نتيجة تلك السياسة، ومجزرة حلبجة التي قام بها نظام صدام حسين في العراق عام 1988 بإبادة كل شيء في المدينة عبر استخدام السلاح الكيماوي فقتل أكثر من 5 آلاف شخص وما زالت تأثيرات استخدام السلاح الكيماوي في هذه المجزرة موجودة حتى الآن، ويستخدم الجيش التركي بين الفينة والأخرى هذه الأسلحة الكيماوية آلاف المرات ضد المقاتلين الكرد دون رادع إنساني حقوقي ودولي.

وهذا ما شاهدناه ونشاهده مؤخراً ما يقوم به الجيش التركي ومرتزقته في مدينة عفرين المحتلة، مدينة الزيتون والسلام، من خلال استهداف وتهجير سكانها وقطع أشجارها وحرقها، وما هذا إلا استمرار لعقلية استهداف الطبيعة والإنسان.

ب- حرب الولايات المتحدة الأمريكية ضد الشعب الفيتنامي:

“الحرب التي شنها الجيش الأمريكي على فيتنام من 1955حتى 1973 والتي أسفرت عن مقتل أكثر من أربعة ملايين مواطن فيتنامي، استُخدمت فيها كافة صنوف الأسلحة منها أكثر من 20 مليون غالون من مبيدات الأعشاب، رُشّت من أجل إزالة الغابات وإيقاف نموها على طول حدود المواقع العسكرية والقضاء على المحاصيل للفيتناميين”.(16)

إنّ هذه السياسة التي استخدمتها أمريكا لأهداف سياسية وعسكرية “أثرت ودمرت البيئة وأدت إلى عدم تجدد النباتات لشدة تأثير المبيدات وهذا ما أثر على الحياة البرية أيضاً فقد انقرضت عدة أنواع من الطيور والثدييات من تلك المنطقة”.

“فمبيدات الأعشاب التي تستخدم كوسيلة حرب، ناهيك عن الأرقام الفلكية من القنابل المتنوعة والصواريخ المدمرة والحارقة وغير ذلك، وكان من آثار ذلك علاوة على إتلاف الغطاء النباتي، تآكل التربة وموت أعداد هائلة من الأحياء البرية ولم تسلم الأحياء المائية من ذلك عندما ينسكب النفط في البحار والخلجان، أما تأثيرات تلك النشاطات العسكرية على تلويث الهواء والماء فغنية عن التعريف. فالنشاطات العسكرية بحاجة إلى مساحات كبيرة من الأراضي لإيواء الجيوش وتدريبها ويبلغ معدل استهلاكها 6% من نفط العالم بالإضافة إلى موارد معدنية كبيرة، ولا ننسى الإشارة إلى ملايين الألغام الأرضية التي تركتها وتتركها تلك النشاطات العسكرية في الأرض، وما لذلك من آثار مدمرة”.(17)

جـ – الحرب القبلية في رواندا:

قامت هذه الحرب بين قبيلتي هوتو وتوتسي عام 1994 قُتل فيها 800 ألف شخص وخلقت هجرة جماعية مليونية إلى دول الجوار كالكونغو وتنزانيا، وهذا ما أثر على النظام البيئي المحيط بشدة فقد أزيلت الغابات من أجل توفير الحطب لبناء الملاجئ ولتشكيل مواقد الطهي وهذا ما شكل تهديداً على الموارد الطبيعية.

كذلك “استخدمت في الحرب العالمية الثانية تقنية الطيران لإلقاء القنابل على مواقع العدو وهذا ما أدى إلى نتائج مأساوية بحق الطبيعة من التلوث الضوضائي (السمعي) وكذلك جلب الأعشاب الضارة والأنواع المُستنبتة إلى النظم البيئية للجزيرة المحيطة عن طريق مهابط الطائرات المستخدمة للتزويد بالوقود.

كما استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلة ذرية فوق مدينة هيروشيما في اليابان عام 1945 أسفرت عن إبادة  70 ألف ياباني خلال 9  ثوانٍ، ووصلت درجة الحرارة أثناء الانفجار إلى 300 ألف درجة، والقنبلة الثانية ألقتها نفس الدولة على مدينة ناغازكي الصناعية اليابانية بعد 3 أيام وأسفرت عن إبادة 35 ألف شخص على الفور، فقد وصلت درجة الحرارة إلى 7200 درجة ومع ارتفاع درجة الحرارة دُمرت جميع النباتات والحيوانات إلى جانب البنية التحتية والحياة البشرية في منطقة تأثير التفجير فدُمرت الأشجار والمباني على طول مسار الانفجار.

الغابات في أوربا واجهت نفس المصير خلال تلك الحرب، فقُطعت أخشاب أشجارها لإخلاء الطريق للقتال وتعرضت الغابات المُدمرة في مناطق القتال للاستغلال”.

واستخدمت ألمانيا أيضاً غاز الخردل والكلور التي خلقت أضرار وتسمم الأراضي الزراعية في ساحات القتال ودفن براميل كيماوية في قاع المحيطات للتخلص منها عبر حاويات معدنية فتضررت النظم البيئية البحرية أيضاً خلال تلك الحرب، وما زالت تستخدم هذه الحاويات في بعض الأماكن وهناك تسرب النفط إلى الماء من حطام السفن خلال هذه الحرب وما زالت مستمرة”.(18)

ما أردنا أن نظهره في هذه الأمثلة هو أن:

الحروب بأشكالها الكلاسيكية والمعاصرة لها دور رئيسي في انخفاض أعداد البشر والأحياء البرية بشكل خاص إضافة لما هو موجود من العناصر البيئية داخل المتنزهات والمناطق المحمية في كل العالم وأن نلمح أن إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سوف يلعب دوراً رئيسياً في إعادة الأمور إلى نصابها ولو نسبياً.

2-الحروب البيولوجية:

هي الحروب الجرثومية والميكروبية والتي “تستخدم بشكل مدروس ومتعمد عن طريق الجراثيم أو الفيروسات أو كائنات حية دقيقة وسمومها، ويؤدي ذلك إلى نشر الأوبئة بين البشر والحيوانات والنباتات وسُبل مقاومة هذه الأوبئة ومسبباتها. وهذه الحروب لها تاريخ غارق في القدم كتسميم مياه الشرب والنبيذ والمأكولات وإلغاء جثث المصابين بالأوبئة في معسكرات الأعداء ويستخدم ذلك لتدمير المحاصيل والغابات. ويستخدم وسائل كثيرة كالجلد والمشروبات والمأكل، استخدام السفن والقنابل والمدافع والصواريخ. وهذه الحروب لا يمكن ضبطها بسهولة وهي أخطر من أسلحة الدمار الشامل”.(19)

3-الحروب الإيكولوجية وتبعاتها:

إنَّ استخدام الفحم الكربوني (نتيجة نقص النفط بسبب الحرب وأنانية السلطة والهيمنة والربح) يشكل تهديداً غير مسبوق بانهيار مُناخي بسبب ارتفاع لدرجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي، بحسب صحيفة الغارديان  15 حزيران 2022 فإنّ “زيادة غير عادية لارتفاع درجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي قد تصل إلى سبع مرات أسرع من المتوسط العالمي”، وهذا يعني ذوبان مساحات واسعة وشاسعة من جبال الثلج الذي سيؤدي إلى تعميق ظاهرة النحر (مزيد من البحر) على حساب البر والتهديد باختفاء مزيد من المدن الساحلية حول العالم (وما مبادرة النظم الرأسمالية بمحاولة إيجاد حلول لأزماتها وسياستها الربحية التي لا تعرف حدوداً وعلى حساب الطبيعة والإنسان، فقد باتت تهددهم نتيجة التجارب التي يجريها علماؤها).

إضافة لظاهرة النحر هناك المساحات الزراعية وقلة الإنتاج العالمي من الحبوب كمادة أساسية (استخدمت كما ذكرنا كحرب اقتصادية).

فالتأثيرات التي تخلفها الحروب بأشكالها المتعددة على الإيكولوجيا:

وفي سرد بسيط لما تعانيها بعض البلدان نلاحظ أنه في باكستان يتفشى وباء الكوليرا وتنتشر الحرائق في الغابات، ما يجعل التطورات المناخية عنصراً هاماً في مسيرة الحياة اليومية، ومع تعطل وصول سفن الحبوب التقليدية من أوكرانيا تحديداً تصبح مخاطر الأزمة الغذائية مخيفة في هذا البلد.

كذلك بنغلادش حيث تسببت الفيضانات في تقطع السبل بملايين الأشخاص، وكارثة نقص الغذاء شملت الهند أيضاً أكبر دولة موردة للحبوب، فانخفاض محصول القمح أثر ويؤثر على ملايين من الناس هناك، فمع الطقس السيئ تراجع محصول القمح 3.5 بالمئة فخفضت حكومة الهند صادراتها من القمح”.(20)

فالحروب عامة والمناخية منها خاصة آتية من حرب الربح الأعظمي والسياسة اللاأخلاقية تجاه الطبيعة بهدف خلق المجتمع اللاطبيعي واللاعقلاني والتي لها تأثيراتها الكبيرة.

التلوث بالأسلحة والغازات الكيماوية وتأثيراتها على البيئة:

“لا يقتصر تأثير الأسلحة الكيماوية المستخدمة في الحروب على الإنسان (الجينوسيد والتشويه الجيني) فقط كما حصل ذلك في الحرب العالمية الثانية من قبل أمريكا ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان كما ذكرنا، أو مدينة حلبجة في إقليم كردستان واستخدمها آلاف المرات (أنواع متعددة) ضد مقاتلي قوات حماية الشعب  HPGفي كردستان، بل يمتد أثرها إلى تلويث الهواء والتربة والنبات والحيوان وبالتالي كل عناصر البيئة وبالتالي يؤثر على الإنسان لتقتله أو تهجره، إن هو سلم منها في المرة الأولى ويتعدى تأثيرها إلى أجيال وأجيال، وتشتمل الأسلحة الكيماوية على أنواع عديدة منها:

1-غازات الأعصاب (مثل الزاين).

2-غازات الدم (مثل حامض الهيدروسيانيك).

3-الغازات الكيماوية (مثل الخردل الحارق).

4 -الغازات الخانقة (مثل الفوسجين).

5-الغازات المقيئة (مثل الأدمسيت).

6-الغازات المسيلة للدموع (مثل الكلور واسيتوفيتون).

7- غازات الهلوسة (مثل L.S-D).

وهذه الغازات إما أن تكون قاتلة مباشرة أو مزعجة أو شالّة للقدرة والحركة وتختلف من حيث مدة بقائها في البيئة، ففي حين تستمر غازات الأعصاب والغازات الكاوية من 12 ساعة إلى عدة أيام، نجد أنواعاً أخرى لا تدوم إلا دقائق أو بعض ساعات”.(21)

 

بعد كل ما ذكرناه عن الحروب وتأثيراتها نلاحظ أنه:

بعد أن تضع الحروب أوزارها يتبين للجميع مدى تأثير الحروب على الإنسان والبيئة والخسائر التي تكبدتها جراء الحروب التي تُقام تحت عناوين وعقائد دوغمائية وأيديولوجيات دينية وقوموية … وباستخدام سيئ ومنحرف للمبادئ والمفاهيم الأخلاقية كالحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان وإخراج كل هذه القيم من سياقها.

حتى بعد الانتهاء من الحروب تبقى آثارها باقية (تأثير الحرب الفيتنامية على الجنود الأمريكيين وسميت بعقدة فيتنام) على كل الصعد سواءٌ كانت روحية ونفسية أم مادية، فالكوارث الناتجة عن كل هذه الحروب باتت واضحة.

“التغيرات البيئية الناتجة عن الحروب تتفاقم بشكل كبير كما يظهر ذلك جلياً في بلدان كثيرة، فكلما زادت حدة العنف أثر بشكل أكبر على مستوى ندرة الموارد خاصة وفي إحصائيات دولية عن النزاعات المسلحة من عام 1950 حتى 2000 وفي بؤر غنية بالتنوع البيولوجي أدى إلى تعرض التوازن البيئي الدقيق للخطر”.

إن نسبة 40% من النزاعات المسلحة الداخلية التي وقعت في الستين عاماً الماضية تتصل بالموارد الطبيعية، وإذا كانت الحرب تنطوي على قدر معين من الضرر البيئي الملازم لها، فلا يجوز أن يكون الضرر مطلقاً بلا حدود، وأن المسؤولية تقع على جميع أطراف النزاع المسلح في اتخاذ إجراءات لحماية البيئة وقت الحرب”.(22)

ومن المفيد ذكر الأضرار المباشرة للحروب المتعددة خاصة في الأماكن السكنية سواءٌ في المدن أو الأرياف كالدمار الذي يُلحق بالبنية التحتية في مناطق سكنية كتعطيل خدمات المياه أو الصرف الصحي أو الكهرباء وتلوث المياه والتربة والأرض وإطلاق الملوثات في الهواء نتيجة المواد التي تصنع منها القذائف والمتفجرات والتي تلوث كل شيء تقريباً كما مر معنا وبالتالي التأثير واضح على كل الحياة البشرية والبيئية حتى يحصل تغيير في المناخ جراء التدمير الهائل بحرق الغابات وإتلاف المنشآت النفطية أو المنشآت الصناعية الكبيرة وأثر ذلك على شكل الإدارات والهياكل الأساسية من التدهور البيئي.

الحروب المدنية والصناعوية -الأزمة المعاشة والحلول الإيكولوجية:

“الحروب والنهب والسلب والدمار والزيادات والاحتكارات والضرائب والأتاوات تعتبر علامات رئيسية لتصاعد المدنية ويجب نعتها بالبربرية الحقيقية بدلاً من تسمية المجتمعات الطبيعية والزراعية” بذلك إضافة إلى  الدمار المستمر للقرى والمدن وقتل ملايين البشر وإخضاع سواد المجتمع لنظام الاستقلال؛ كل ذلك ليس ضرورة طبيعية من ضرورات نظام الطبيعة الاجتماعية، وهذا هو المقصود بالحالة الشاذة لنظام المدنية وتطورها خلال الخمسة آلاف سنة المنصرمة. وانفجار الكوارث الإيكولوجية في عصر الرأسمالية التي انتعشت المدنية فيها أقصاها هو برهان قاطع لا يقبل التصفين (التفكير بعمق) فيها بشأن حقيقة هذا الانحراف، بينما الطبيعة الاجتماعية لم تُسفر عن كوارث كهذه في غضون حياتها الممتدة إلى ثلاثة ملايين عام على وجه التقريب. فتناغم المجتمع والبيئة كان يغذي بعضها بعضاً أما الأزمات الإيكولوجية المتفجرة في تاريخ المدنية الوجيز فمرتبطة بمضمونها الهدام الهادف إلى الربح”.

أما في “عصر الأزمة الإيكولوجية العارمة فالصناعوية والتصنيع والحداثوية المعتمدان على محروقات المستحاثات، عاملان أوليان في هذا التعيين، فضلاً عن أن استخدام محروقات المستحاثات في السيارات أدى بشكل غير مباشر إلى الكوارث التي تسببت بها حوادث السير والتي بدورها أسفرت عن سلسلة متصلة من الدمار. وهكذا تتحول الكوارث البيئية إلى نكبات اجتماعية وتتحول هذه الأخيرة بدورها إلى بيئة مرة أخرى”.

هنا “يتبين بسطوع كاف أن الذكاء التحليلي ذكاء أعمى وتدميري تماماً بالنسبة للذكاء العاطفي الوحيد الذي تتسم به البيئة”.(23)

مما سبق يتبيّن لنا أن:

“البيئة لم تعد تطيق تحمل ظاهرتي التضخم السكاني وتعاظم المدينة اللتين تسارعتا بإفراط مع تحول المدنية والطبقة الوسطى إلى بؤر للسلطة، وفي حال استمرار هذه الأزمة فسوف يصل الانهيار أبعاداً لا تطاق.

فقد ظهرت جلياً نتائج الحرب العالمية الأولى والثانية وما تمخض أثناء الحرب الباردة من الثورات التحررية واستقلال البلدان وحروب وثورات التحرر الوطنية وحرب الخليج الأولى والثانية وغزو العراق والهجمات الشرسة للأنظمة التسلطية على الكرد في المنطقة من مجازر وحرق القرى والغابات. لقد حصلت تصدعات وارتجاجات وتهيجات في العالم قاطبةً وحصلت تغيرات في كل الاتجاهات والمسائل، فالحمم البركانية التي تقذفها تناقضات النظام الداخلية وتزايد حرارتها وانعكاسات ذلك على الشعوب من التعارك والكفاح مع مشاكل البيئة والبطالة والمجاعة والتعليم ومشاكل الصحة، وهذا ما يشغل كل شريحة اجتماعية.

المستنتج من هذه الحروب هو أنه لا يمكن صياغة وتطبيق الحلول الدائمة والراسخة والميدانية تجاه الرأسمالية وأعداء البيئة والطبيعة والمجتمع عامةً إلا بتحويل سلوكيات الشعوب الديمقراطية إلى نظم ديمقراطية شاملة، ولا يمكن بلوغ النظام الديمقراطي البيئي سوى بتحرر الدمقرطة والديمقراطية من عدوى التدول إذ إن أحد الأمراض الأساسية هو مفهوم التدول ولابد من تجاوزها بسلوكات ووعي مجتمعي راق”.(24)

الرؤية الأوجلانية وحل الزراعة والصناعة الإيكولوجية:

طرح المفكر عبد الله أوجلان رؤيته في الحل الإيكولوجي في معتقله بجزيرة إمرالي ابتداءً من عام 2003 من خلال طرحه للصناعة الإيكولوجية كبديل للصناعوية الرأسمالية، وتعتبر الصناعة الإيكولوجية ثالث عامل حل رئيسي لنظريته في العصرانية الديمقراطية (بعد الأمة الديمقراطية والاقتصاد الكومونالي) ضد الصناعوية الرأسمالية التي حوّلت المجتمع المفعم بالحيوية والعواطف إلى روبوت (إنسان آلي) وإحالة  الآلات الميكانيكية إلى المفيدة. ولإعادة الحيوية إلى المجتمع لا بد من كبح لجام الصناعوية، ونزوع الرأسمالية إلى بلوغ أقاصي الصناعوية يعد جانبها هذا أشد فتكاً من الحرب.

حيث بات العالم منذ الآن على عتبة التحول إلى أسير بين الوسائل الافتراضية والمدن المنقطعة عن البيئة الطبيعية، والصناعوية هي ما يمكن من تضخم المدن بالطراز السرطاني، لقد صارت المدن وحوشاً تبتلع كوكبنا ومؤشراً كبيراً للمرض مع تزايد التضخم السكاني لمستوى كبير.

-فالإختراعات الرأسمالية في المدن من المواصلات والحوادث التي تتمخض عنها تتجاوز أحياناً إحصائيات الحروب إضافة إلى تسببها بتلويث الجو والضجيج وحتى تعريض جسد (فيزياء) الإنسان للضمور والتقزم.

– فوسائل التقنية الرأسمالية المقروءة والمسموعة والمرئية والتي خلقت مجتمعاً افتراضياً أدمن عليه الإنسان لصالح الرأسمالية الصناعوية بعدما قطعت روابطها مع الحقيقة، ويطرح البديل في استثمار ومحاربة الطبيعة التي تكمن في الطاقة البديلة الصديقة للبيئة وكيف تستغل الإيكولوجي.

ويشير أيضاً إلا أنه يجب أن يكون “سقف الصناعة مستنداً إلى حدود الإيكولوجيا وحدود تأمين الاحتياجات الأولية، أي لا يمكنه تخطي هذين الحدين، الصناعة التي ستظهر للوسط في هذه الحالة هي صناعة إيكولوجية، فالصناعة اللاإيكولوجية صناعة لااقتصادية والصناعة التي تقطع أو إحداهما من الإيكولوجيا، لا تختلف البتة عن وحش آلي يبيد البيئة من خلال النهش فيها دون توقف”.

كما “يجب مراعاة الاقتصاد الإيكولوجي والصناعة الإيكولوجية في جميع النشاطات الاجتماعية، بناء عليه فالمشاريع التي ستعد بهدف إعادة إعمار البيئة وإنعاش الزراعة وتحويل القرية إلى ساحة حياة تتميز بالبيئة الأكثر صحة وسلامة كلها مشاريع قادرة بمفردها على القضاء على كل ظواهر البطالة والفقر، فالبطالة مناقضة لطبيعة الإنسان إلا بيد العنف البشري (كالحروب وتعطيب عضو أو أعضاء إنتاجية رئيسية).

تُعد الصناعة الإيكولوجية أحد أبعاد العصرانية الديمقراطية والثورة الممنهجة والبنيوية إزاء المفاهيم المنحرفة وتطبيقاتها، فالحديث عن الاقتصاد فيما يتعلق بنشاط مضاد للاقتصاد جوهرياً هو التناقض بعينه، والسبيل الوحيد للخلاص من هذا التناقض هو اقتصاد المجموعات الإيكولوجية؛ إذ إنّ بإمكان الآلاف منها تنظيم ذاتها لمكونات اقتصادية حسب شروط المجتمع الإيكولوجي.

أما الأراضي الزراعية المفتقرة لخاصيتها كوحدة في الزراعة نتيجة اقتسامها على التوالي بين العوائل فإعادة تنظيمها باتت قضية ملحة منذ زمن بعيد مع مراعاة مبدأ الصناعة الإيكولوجية وتأسيس المجموعات الإيكولوجية في الزراعة هو أحد المبادئ الاقتصادية الأكثر أساساً في العصرانية الديمقراطية”.(25)

 

 

الخلاصة كامنة في عودة الإنسان إلى الطبيعة

إن ما وصلت إليه الأوضاع في القرن الواحد والعشرين يصيب الإنسان بالدهشة والألم تجاهها؛ فالدهشة لأن الإنسان قد نسي أو تناسى بفعل الثقافة الاستهلاكية للحداثة الرأسمالية أنه عنصر مكمّل لعناصر البيئة، فاعتبرها مخزناً ضخماً للخيرات والثروات، وراح يستغل ما بها من إمكانات، دون وعي بيئي لوضع خطة لترشيد تلك الاستخدامات وكأن همه هو الاستمتاع بهذه الموارد والخيرات وقضاء حاجاته الآنية بصورة فردية أنانية، دون التفات إلى المستقبل”.

أما الألم بفعل الإنسان فقد عاث في الأرض (بيئة الحياة الكبرى) فساداً وخلّف بممارساته غير الرشيدة، مشكلات بيئية كبيرة (نتيجة أنانيته وحبه للسلطة والتراتيبية ونهب الخيرات لنفسه ولفئته الحاكمة بسبب جشعه المفرط والفظ) فلم يعد علاج هذه المشكلات أمراً هيناً، ويتطلب بالتأكيد جهداً كبيراً ومشاركة مجتمعية شاملة.

إضافة إلى مشكلة التكاثر السكاني المتزايد وهذه بحاجة إلى حلول عاجلة وتضافر الجهود ووضع وسائل وسبل قيّمة واستراتيجية لها بمتابعة وتوجيهات إدارة مجتمعية تمتلك رؤى واضحة ومخطَّطة، ومشاركة شرائح المجتمع في البناء والوعي الإيجابي لزراعة وصناعة إيكولوجية، أي ما يخدم الإنسان والبيئة والطبيعة يتضمن العدل في التوزيع بين أفراد المجتمع، وعقداً اجتماعياً رصيناً ونقياً من الشوائب والفاسدين.

ويمكن إبداء بعض الرؤى للوقوف في وجه الهجمات التي تستهدف البيئة كبنية توعوية نظرية من خلال عدة نقاط:

1-توعية وتثقيف الأفراد لخلق فرد واعٍ وحر يستوعب ويدرك أهمية الطبيعة والبيئة، وهذ ما سيساهم في وعي الإنسان وإدراكه للكون والطبيعة.

2-مواجهة وتعرية الأيديولوجيات التي تدعو إلى العنف في التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وطرح براديغمائيات تدعو إلى السلم كما طرح مفاهيم الساتياغراها في الهند ومفاهيم مارتن لوثر كينغ في أمريكا وقراءة مانيفستو الحضارة الديمقراطية للمفكر وعالم الاجتماع عبد الله أوجلان وأفكار موراي بوكتشين حول إيكولوجيا الحرية؛ وجميعهم دعاة لبناء مجتمع سياسي -أخلاقي -إيكولوجي، عبر التوزيع العادل للثروة التي تنتجها الطبيعة كالمياه والثروات الباطنية الأخرى في مواجهة حرب المياه، حرب الطاقة والغذاء.

3-امتلاك أدوات الدفاع، وأولها التحلي بمسؤولية البحث عن الحقيقة والحرية التي تحمّل مسؤولية للإنسان والتوصل إلى نتيجة أننا بحاجة إلى الطبيعة (كونها الأشمل) وإبرام عقد طبيعي مع الإيكولوجيا كما الحاجة لعقد اجتماعي مع السلطة، (وهنا يظهر لدينا أن هناك اختلافاً ما بين العقد الطبيعي للإيكولوجيا والعقد الاجتماعي للمجتمع).

4-تفعيل وإثارة ونشر ثقافة العمل الكدحي والاقتصادي المجتمعي وتشجيع الزراعة والصناعة الإيكولوجية عبر تفعيل الكومونات ومجالس الأحياء والمدن وبذلك يتم إضعاف النظم الاستغلالية.

5-مواجهة الصناعوية واحتكاراتها اللوياثانية، عبر دعوة المؤسسات المحلية والدولية للقيام بمسؤوليتهم الأخلاقية والإنسانية وتشجيع التقنيات الصديقة للبيئة.

نعتقد أن هذه النقاط سوف تكون مساهمة في  الكشف عن  الخطر المحدق بالإيكولوجيا وهو الصناعوية وتقنياتها التي تحولت إلى أدوات دمار مسلطة على العالم أجمع بما فيها (النباتات والحيوانات).

“فالصناعوية تبتلع الإنسان إيكولوجياً باعتباره كائناً حياً لا يمكنه إلا أن يوجد في بيئته المجتمعية، التي تُشكِّل المجتمع، والمجتمع لا يبقى مجتمعاً ما لم يكن صديقاً وجزءاً من الطبيعة والإيكولوجيا.

فالصناعة غير الإيكولوجية هي أداة لتدمير المجتمع. وبقدر ما تَكون الرأسمالية والدولة القومية الصناعية ضرورة للعصرانية الديمقراطية، بقدر ما تساهم في تمكين وجود المجتمع وتعزيز أركانه الأخلاقية والسياسية والرقي به ديمقراطياً واقتصادياً.

فالدور الذي تؤديه الصناعوية في توفير الربح الأعظم وهو العلة الكامنة وراء كافة القضايا الاجتماعية والوطنية الراهنة وهي السبب الوحيد لقضايا البيئة”.(26)

فهذا النظام لا يتسبب فقط في الحروب والظلم والاستغلال والفقر والبطالة واضطهاد المرأة وعبوديتها بل ويخرب البيئة أيضاً ويهدد مستقبل البشرية أيضاً.

ولكي تتخلص البشرية من كل هذه المشاكل والأخطار لا بد لها من التخلص من هذا النظام الرأسمالي الذي وصل إلى النهاية وإلى طريق مسدود.

فالنتيجة الإيكولوجية هي الحاجة الأولى والحقيقية للمشاكل الموجودة في كل الكرة الأرضية.

 

المصادر والمراجع:

1- ماذا تعني الإيكولوجيا – أكاديمية خان 2021

2- المجتمع صانع التلوث قضايا بيئية – إبراهيم خليفة 1983

3- كتاب الإنسان والبيئة (دراسة في التربية البيئية)- أ.د. راتب السعود 2004

4- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان

5- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان، المجلد الثالث

6- كتاب الإنسان والبيئة (دراسة في التربية البيئية)- أ.د. راتب السعود 2004

7- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان المجلد الثالث

8- كتاب الإنسان والبيئة (دراسة في التربية البيئية)- أ.د. راتب السعود 2004

9- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان المجلد الثالث

10- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان

11- (الإنسان والطبيعة نغمة واحدة -جمعية التجديد)

12- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان المجلد الثالث

13- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

14- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان+ مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) المجلد الخامس-عبد الله أوجلان.

15- موقع سكاي نيوز الأخباري.

16- الموسوعة العالمية وكيبيديا

17- كتاب الإنسان والبيئة (دراسة في التربية البيئية)- أ.د. راتب السعود 2004

18- الموسوعة العالمية وكيبيديا

19-الموسوعة السياسية -المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1990

20- موقع العين الإلكتروني 2022

21- كتاب الإنسان والبيئة (دراسة في التربية البيئية)- أ.د. راتب السعود 2004

– 22-تقرير المبادئ التوجيهية حول البيئة 2009.

23- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان المجلد الثالث

24- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

25- مانيفستو الحضارة الديمقراطية- سوسيولوجيا الحرية – عبد الله أوجلان المجلد الثالث

26- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) المجلد الخامس-عبد الله أوجلان.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.