الأقتصاد والإيكولوجيا،وما هو الأقتصاد الإيكولوجي،وماهي طرق بنائه؟
حاجي چتو
لقد بلغت البشرية في التطور الاجتماعي مرحلة بات لزاماً عليها توسيع نظرتها، بحيث ترى الكل من أجل فهم الأجزاء فهماً أفضل.
لقد منحت التقنية-العلمية إلى العالم إنجازات كثيرة، لكن محدوديَّتها باتت تفقأ العين، ان النظرة التي شُيِّدت عليها طاقتنا وحاجاتنا الاقتصادية ما هي إلا واحدة من نتائج هذا الافتقار إلى الرؤيا، لقد أمسى اتخاذ القرارات ضمن المؤسسات عملية عقلانية فاقدة لحقيقتها الذهنية بالكامل تتأثر بالضغوط الاحتكار المتوحش وحمّى المصلحة الضيقة.
لم تعد القيم الإنسانية اعتباراً، وأقل من ذلك بكثير طرفاً في المعادلة، والروح قد أزيحت، ثمة قطعة حياة حيوية مفقودة، فهل من عجب أن تسود الفوضى ويعم الهلع؟.
إننا نحيا وسط وفرة غزارة المعلومات، لكن الحكمة باتت تَعزّ أكثر فأكثر طرح رؤية جديدة من الفلسفة الإيكولوجية Eco-philosophy، قد يكون من شأنها أن تقدِّم رداً إيجابياً على متطلبات عصرنا الذي بات أقرب للقيامة .
ان حقيقة معادلة الوجود والنشوء إن كان من ذاته( الانشطار) أو من خلال الثنائيات الوجودية( التزاوج) تفرض حتمية وجود بيئة وجودية لأي شكل أو نوع وجودي من أصغر ذرة في الكون إلى أكبر خلية أو كيان حيّ، وذلك من خلال علاقات مترابطة ومتكاملة بالغة التعقيد والمرونة، والحساسة للغاية، كما تفرض حتمية البيئة الوجودية لأي موجود فإن حتمية وجود مناخ بيئي لوجود البيئة ذاتها، وللموجود أمر حتمي لحقيقة معادلة نمو وتطور الحياة، ولأعطاء المعنى لها، وعليه فأن حقيقة الوجود البشري ككيان حيّ مهما علا شأنه فهو جزء لا يتجزء من الحقيقة الكلية هذه، وعبر معادلة النمو الانساني الصحي من خلال ثلاث بنى اساسية الوعي والمجتمع والمناخ البيئي.
أي أن “المجتمع البشري أيضاً كيانٌ حيّ في نهاية المطاف، مهما تم تعريفه بالطبيعة المتحلية بأعلى مستويات الذكاء والمرونة نسبة لجميع الكائنات الحية الاخرى، إنه دُنيَوي، فهو ثمرة اجواءٍ مناخيةٍ منسقةٍ بانتظام بالغ الحساسية، وهو ثمرة التطور الطبيعي للغطاء النباتي والحيواني، والمنظومات التي يتعلق عليها وجود هواء ومناخ عالمنا وعالم النبات والحيوان، إنما تسري على المجتمع البشري أيضاً، كونه إجمالي مجموعها، هذه المنظومات حساسة للغاية ومترابطةٌ ببعضها البعض بمتانةٍ بالغة، وكأنها تؤلف سلسلة، حيث تفقد السلسلة وظيفتها بمجرد انقطاع حلقةٍ منها، فكذلك لا مفر من تأثُر سياق التطور الطبيعي برمته، إذا ما انقطعت حلقةٌ مهمةٌ من سلسلة تطوره، والآيكولوجيا هي علم هذه التطورات، لذا فهي مهمة للغاية، لكن إذا اختل أي من المنظومات الداخلية للمجتمع لأي سبب كان يمكن إعادة ترتيبها بيد الانسان، ذلك ان الواقع الاجتماعي مشيد بيد الأنسان في نهاية المطاف، لكن البيئة ليست كذلك، ومن هنا فإذا حصلت انقطاعاتٌ جديةٌ من الحلقات البيئية بسبب مهارة بعض المجموعات التي تنبع من المجتمع، أو بالأحرى تخرج على المجتمع لتنظم امورها فوق ذلك عبر رأس المال والربح، فقد تترك حالة تسلسل الكوارث الطبيعية كل البيئة ومعها المجتمع وجهاً لوجه أمام القيامة بحد ذاتها.
وينبغي عدم النسيان أن الحلقات البيئية تكونت بالتطور الطبيعي الذي دام ملايين السنين، والأضرار الناجمة عن خمسة آلاف سنة الأخيرة عموماً، وعن المائتي سنة الأخيرة بشكل خاص، قد حققت أقتطاع آلاف الحلقات من سلسلة التطور الطبيعي لملايين السنين خلال هذه الشريحة الزمنية، التي تعتبر أقصر منها بكثير.
إنَّ تداعيات الأنكسار قد بدأت، بحيث لا يعرف كيف يمكن إقافها، كما يتوقع وفق الوضع القائم عدم التمكن من القضاء على التلوث الناجم عن الغازات المنتشرة في الغلاف الجوي وعلى رأسها المعدل المرتفع لغاز ثاني اوكسيد الكربون CO2، حتى خلال مئات بل آلاف السنوات القادمة، هذا وربما لم تظهر للعيان بَعدُ تداعيات حالات الدمار الحاصل في عالم النبات والحيوان بكل معنى الكلمة، ولكن يتضح بجلاء أن كلا العالمين يُرسلان إشارات الإنذار بقدر الغلاف الجوي على الأقل، لذلك ان تلوث البحار والأنهار والتصحر السائد قد بلغا حدوداً كارثيةً منذ الآن، كل المؤشرات تدل بموجب السياق القائم على أن يوم القيامة سيفرض على المجتمع بيد المجموعات المنتظمة على شكل قسم من الشبكات والاجهزة، وليس نتيجة اختلال التوازن الطبيعي، وبكل تأكيد ، سيكون للطبيعة ردودها على هذا السياق، لانها – هي ايضاً – حيوية وذكية وقدرة تحملها محدودة، لكنها ستكشف عن مقاومتها في الزمان والمكان المناسبين، بحيث لن تكترث بدموع البشر، حينها يحين الزمان والمكان، فجميعهم سيكونون مسؤولين عن خيانتهم لمهارتهم وللقيم الموهوبة لهم، أولم ينظر هكذا سلفاً إلى يوم القيامة؟.
فالمجتمع التاريخي كلٌ متكامل كما الحقيقة البيئية والآيكولوجية أيضاً طور حياة حيوية متكاملة.
إشكالية الوعي والادراك البيئي والخلط ما بين بعض المفاهيم والمصطلحات البيئية
ذهبت العديد من الدراسات البيئية إلى أن الوعي والادراك البيئي يعد أهم مداخل حماية البيئة وانقاذها، وموضوع الوعي والادراك البيئي، بات يشغل اهتمام العالم و العديد من الاختصاصات الفلسفية و المعرفية خاصة ذات النزعة الانسانية ومنها الدراسات السوسيولوجية والآيكولوجية، التي اهتمت من خلاله ابراز ماهيته وسيرورته التاريخية في علاقتها بالمتغيرات الاجتماعية، وتقديم أسسها النظرية من خلال دراسة النظام البيئي الحيوي وجوانبه المادية الكلياتية عبر التعمق في علوم البيئة ودراسة المناخ البيئي بمعناه الكلياتي عموماً، اعتماداً على دراسة وفهم أبعاد الوعي البيئي الثلاثة “الوجود النشوء، البيئة الوجودية، المناخ البيئي” والمبادئ الطبيعية لنمو الحياة الآيكولوجية وتطورها” الوعي كمنظومة ذهنية، المجتمع كشكل للعيش، البيئة كأصل للوجود، المناخ الأصل المحفز للولادة “.
البيئة والنظام البيئي:
هي كل ما يحتويه الوسط الوجودي من وجود ومن ضمنه الإنسان من ماء وهواء ويابسة وفضاء خارجي، وكل ما تحتويه هذه الأوساط من جماد ونبات وحيوان وأشكال مختلفة من طاقة ونظم وعمليات طبيعية وأنشطة بشرية، مع العلم بأن لكل وجود بيئته الوجودية مثل “البيئة التاريخية والبيئة الاجتماعية والبيئة الثقافية والبيئة السياسية والبيئة الذرية والكوانتومية … الخ.”
للبيئة مفهومان يُكمّل أولهما الآخر: أولهما «البيئة الحيوية» وهي كل ما يختص بحياة الإنسان والنبات والحيوان كل ما هو حيوي بدأ من التكاثر وشكل الحماية والمأكل والملبس.
أما ثانيهما وهي “البيئة الطبيعية أو الفيزيقية”وهذه تشمل كافة العناصر وموارد الطبيعية.
اذاً النظام البيئي في الايكولوجيا، يمثل النظام البيئي وحدة مكونة من تجمع الكائنات الحية ومحيطها الجيولوجي، متعلقة بالتربة والغلاف الجوي(الوسط)، فهي العناصر التي تشكل النظام البيئي وتطور شبكة من الترابط لتسمح بتطوير الحياة، فالنظام البيئي هو التفاعل بين العوامل الحيوية وغير الحيوية، في المنظومة البيئية يكون التكامل الطبيعي أساس العلاقة لكافة عناصر الوجود ومن ضمنها الانسان .
وهذا ما يبرهن بأن البيئة نظام كلٌ متكامل وهي مجموع العوامل الطبيعية والبيولوجية والفيزيولوجية والعوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتجاور في توازن، وتؤثر على الإنسان والكائنات الأخرى بطريق مباشر أو غير مباشر، وهذا التعريف يدلي بأن البيئة اصطلاح ذو مضمون مركب: فهناك البيئة الطبيعية بمكوناتها، وتشمل كافة العناصر المنحدرة عن عناصر الحياة الاربعة الماء والهواء والتربة والطاقة، وما يعيش على تلك العناصر والمكونات من إنسان ونبات وحيوان، وهناك البيئة الاصطناعية وهي تشمل كل ما أوجده تدخل الإنسان وتعامله مع المكونات الطبيعية للبيئة، كالمدن والمصانع والعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تدير هذه المنشآت، ومن خلال هذا الترابط والعلاقات المتكاملة والمعقدة والحساسة يتشكل “النظام البيئي” والذي يعتبر الرَحم الأُم للمنظومة الوجودية .
أما علم البيئة أو البيئيات فهو علم علوم الاحياء يدرس التفاعلات بين الكائنات الحية وبيئتها الفيزيائية الحيوية، والتي تشمل كلاً من الكائنات الحية والمكونات غير الحية، تشمل الموضوعات ذات الأهمية التنوع البيولوجي والتوزيع والكتلة الحيوية ومجموعات الكائنات الحية، وكذلك التعاون والمنافسة داخل الأنواع وفيما بينها.
النظم البيئية هي عبارة عن تفاعل حيوي بين أنظمة الكائنات الحية والمجتمعات التي تتكون منها والمكونات غير الحية لبيئتها، مثل عمليات النظام البيئية، وأيضاً الإنتاج الأولي، وتكون التربة، وتدوير المواد الغذائية، وعملية بناء الموطن، تنظم تدفق الطاقة والمواد من خلال بيئة هذه العمليات تدعمها الكائنات الحية ذات سمات تاريخ الحياة المحددة، وإنها تتداخل مع العلوم وثيقة الصلة بعلم الأحياء التطوري وعلم الوراثة وعلم الأخلاق، وتدرس كافة البيئات والنظم البيئية مثل .. البيئة الطبيعية، البيئة الاجتماعية، البيئة السياسية، البيئة الثقافية، البيئة السياسية، البيئة التاريخية ..ألخ .
المناخ البيئي:
علمياً المناخ هو الحالة الفيزيائية الطبيعية، أو حالة الغلاف الجوي المتولدة، أو متوسط حالة المكان على المدى الطويل، و يشير مصطلح المناخ إلى كيفية “تصرف” الغلاف الجوي على مدى فترات زمنية طويلة نسبيًا (سنوات أو حتى مئات السنين) وهو القيمة المتوقعة لكل من الرطوبة والرياح والأمطار والحرارة والضغط الجوي، لمنطقة جغرافية واسعة ولكل فصل من فصول السنة، ويعد المناخ من أهم العوامل التي تؤثر في الموارد بأنواعها، ويتغير المناخ حسب الموقع الجغرافي مثل المناخ القاري، المناخ شبه مداري، المناخ الاستوائي، المناخ الموسمي، المناخ المداري، المناخ القطبي..
وكما يعبر مصطلح المناخ في الحالة الإنسانية عن البيئة الحاضنة للتكوين لأي وعي أو علاقة وممارسة فعل في كل مجالات الحياة الإنسانية والاجتماعية، مثل المناخ الثقافي والمناخ العلمي والمناخ الاقتصادي والمناخ السياسي ..ألخ .
إن تطوّر المناخ الذي يعتبر من أكبر تحديات عصرنا، متّصل بحياتنا اليومية بقدر ما هو متصل بالنظام الجغرافي السياسي والاقتصادي العالمي، فهو يُمثّل أحد أبعاد أزمة بيئية شاملة نتجت مباشرة عن العلاقات المُعقّدة بين الإنسان والطبيعة، وبالاخص احتكار واستغلال نظام المدنية المركزية عبر التاريخ والحداثة الرأسمالية وصناعويتها المدمرة لحيوية الحياة والمنتجة للبطالة والتلوث والتضخم السرطاني للسكان والمدن، وما يدفعنا للعمل هو ذلك الوعي بأن الحياة على الأرض يُمكن أن تُصبح أصعب، بل وحتى مستحيلة، إذا لم نتمكّن من السيطرة على التطوّر المناخي وما تنتجه الحداثة والعولمة، حيث يقول الفيلسوف الالماني هانس يوناس:”أعمل بطريقة تجعل تأثير عملك متلائِما مع استمرارية الحياة البشرية الأصلية على الأرض”.
الأيكولوجيا:
الأيكولوجيا (Ecology) هي الدراسة العملية لتوزع وتلاؤم الكائنات الحية مع بيئاتها المحيطة، وللتفاعلات القائمة بين الأحياء كافة وبين بيئاتها المحيطة، ودراسة تدفقات الطاقة والمادة الموزعة في النظام البيئي. وكمصطلح يتكون من الكلمة اليونانية Oikos (المسكن أو البيئة) وLogos (علم) أي علم المسكن أو البيئة. استعمل لأول مرة من قبل العالم البيولوجي أرنست هايكل عام 1874.
أن تناول أصل النباتات (الأنواع)، والتطور التدريجي الذي يحصل بالتوالد والوراثة والاصطفاء الطبيعي؛ وأن الأنواع التي تختل شروطها المناخية والطبيعية والجغرافية، أو تقوم هي بتغييرها، تتعرض للانقراض والزوال، كما أن البعد الهام في صراع الوجود هذا ( إلى جانب الشروط المناخية والجغرافية) ووجود أنواع أخرى أيضاً تتنافس من أجل أراض محدودة أو منابع أخرى، ورغم انبثاق الأيكولوجيا من علم الأحياء، إلا أنه غدا مع الزمن يضم العديد من العلوم التي قد تكون مستقلة عنه.
كما ويبحث العلم الآيكولوجي في خلل التوازن البيئي النابع من انقطاع الإنسان عن العالم الطبيعي، لهذا فإن العلم الايكولوجي لم يعد في يومنا يقتصر على كونه انضباط يبحث وينظم العلاقة بين الإنسان والمحيط بل بدا يحتضن ويدرس كافة القضايا الاجتماعية أيضاً وذلك من خلال دراسة البيئة الإنسانية، فالبيئة الإنسانية جزء من علم البيئة والتي تدرس فضاء الإنسان والنشاطات المنظمة منه ومحيطه، و ظهرت دراسة البيئة الإنسانية في سنة 1920، وأصبح مجالا للدراسة في السبعينيات، فالإنسان هو مستعمر لكل القارات والعامل الرئيسي في البيئة، وأصبحت البيئة الإنسانية تدرس بفضل انثروبولوجيين، مهندسين، علماء الأحياء، علماء الديمغرافيا، علماء البيئة، مخططين وأطباء.
قاد تطور علم البيئة الإنسانية إلى تخصيص جزء مهم للبيئة في التخطيط الإقليمي، بالإضافة إلى ذلك، طبقت فلسفة البيئة في المجتمعات الإنسانية وطورت” البيئوية”، وأصبحت البيئة الإنسانية في السنوات الأخيرة موضوع مهم للمتخصصين في النظرية التنظيمية علم البيئة يميل إلى احترام التوازنات الطبيعية، والبيئوية أو حركة البيئيين لها ثلاثة أصول أساسية، حيث تهدف إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية، الحفاظ على الحياة البرية و تدعو إلى مكافحة التدهور الحاصل في وسط الحياة، هذه الأطر الاجتماعية و السياسية تحتج على التدهور الطبيعي الذي يسببه الإنسان ولاسيما التلوث .
النظام البيئي والتوازن الأيكولوجي:
إن البيئة بمفهومها السابق، يحكمها ما يسمى بالنظام البيئي، والتوازن الإيكولوجي وهما فكرتان متلازمتان من الناحية العلمية، والإنسان جزء من نظام معقد يتفاعل معه ويؤثر فيه عن طريق المجتمع ومن خلاله، والظواهر البيئية الناتجة عن التغيرات التي يحدثها الإنسان في بيئة الأرض من خلال الأنشطة المختلفة التي يقوم بها، لا يمكن فهمها إلا في إطار علاقة ثلاثية تبادلية تقوم بين الإنسان والمجتمع والبيئة، وعليه فإن النظام البيئي كما عرفه البعض هو عبارة عن “وحدة أو قطاع معين من الطبيعة بما تحويه من عناصر وموارد حية نباتية وحيوانية وعناصر وموارد غير حية، تشكل وسطاً حيوياً تعيش فيه عناصره وموارده في نظام متكامل، وتسير على نهج طبيعي، ثابت ومتوازن، تحكمه القدرة الإلهية وحدها، دون أي تدخل بشري أو إنساني”. ويعرفه البعض الآخر بقوله “أن النظام البيئي عبارة عن وحدة بيئية متكاملة تتكون من كائنات حية ومكونات غير حية متواجدة في مكان معين، يتفاعل بعضها ببعض، وفق نظام دقيق ومتوازن، في ديناميكية ذاتية، لتستمر في أداء دورها في استمرارية الحياة”. نلاحظ أن القاسم المشترك بين هذين التعريفين يدور حول علاقة الكائنات الحية في منطقة ما، ووسطها المحيط، قائمة على التأثير المتبادل، لذلك يمكن أن نعرف النظام البيئي بشكل مبسط بأنه “جملة من التفاعلات الدقيقة بين الكائنات الحية التي تستوطن قطاعاً معيناً من الطبيعة، والوسط المحيط بها”.
والنظام البيئي بهذا المعنى يقوم على نوعين من العناصر، النوع الأول، العناصر الحية: وهي عديدة تشمل الإنسان، والنبات والحيوان، وتعيش هذه العناصر على اختلاف أشكالها، في نظام حركي متكامل، كل عنصر يتأثر بالعناصر الأخرى، ويؤثر فيها، ويؤدي دوراً خاصاً به، ويتكامل مع أدوار العناصر الأخرى، ويأتي الإنسان على قمة هذه العناصر فينسق بينها ويسخرها لخدمته.
النوع الثاني، العناصر غير الحية: وأهمها الماء والهواء والتربة، وكل عنصر منها يشكل محيطاً خاصاً به، فهناك المحيط المائي ويشمل كل ما على الأرض من مصطلحات مائية(بحار– أنهار– محيطات- بحيرات) وهناك المحيط الجوي أو الهوائي ويشتمل على غازات وجسيمات وأبخرة وذرات معادن، وأخيراً هناك المحيط اليابس أو الأرضي ويشمل الجبال والهضاب والتربة. ويلاحظ أن هذه الأوساط أو المحيطات ترتبط ببعضها البعض، وبمكونات العالم الحي، أو العناصر الحية السابق ذكرها، بعلاقات متكاملة متوازنة والاختلال الذي يلحق بالتوازن البيئي يتأتى من ازدياد أو نقصان، غير طبيعي، لعنصر من عناصر النظام البيئي، الذي يحكم كل بيئة من تلك البيئات، بفعل تأثير خارجي، كتلوث الماء، أو الهواء، أو التربة، أو انقراض بعض النباتات أو الحيوانات أو غيرها ويمثل الإنسان أحد العوامل الهامة في هذا النظام البيئي، بل هو يعتبر من أهم عناصر الاستهلاك التي تعيش على الأرض، ولذلك فإن الإنسان إذا تدخل في هذا التوازن الطبيعي دون وعي أو تفكير، فإنه يفسد هذا التوازن تماماً.
مستويات الإيكولوجيا
يعمل علماء الإيكولوجيا على خمسة مستويات واسعة لهذا العلم، بشكل منفصل حينًا، وبشكل متداخل بين مستوى ومستوى حينًا آخر، وكل مستوى من هذه المستويات له خصائصه الخاصة، وفيما يلّي نبذة مختصرة عن كل مستوى من هذه المستويات الخمسة:
_مستوى الكائن الحي، ويدرس علماء الإيكولوجيا العضوية في هذا المستوى التكيف، والسمات المفيدة الناشئة للانتقاء الطبيعي، التي تسمح للكائنات الحية بالعيش في موائل معينة، إذ يمكن أن تكون هذه التكيفات مورفولوجية، أو فسيولوجية، أو سلوكية، ويهدف لدراسة استجابة هذه الكائنات للمؤثرات في محيطها.
_المجموعة هي مجموعة السكان التي تتكون من كائنات حية من نفس النوع، وتعيش في منطقة معينة بذات الوقت، وتهدف لدراسة تغيرات حجم، وكثافة، وهيكل السكان، على مر الزمن، ووتيرة هذه التغيرات ودلالاتها.
_المجتمع البيولوجي هو المجتمع الذي يتكون من جميع المجموعات ذات الأنواع المختلفة، التي تعيش معًا في نفس المنطقة، ويهدف لدراسة التفاعلات التي تحدث بين هؤلاء السكان، وكيف يمكن لهذه التفاعلات أن تشكل المجتمع وتؤثر عليه.
_النظام البيئي يتكون النظام البيئي من كل الكائنات الحية التي تعيش معًا في المنطقة والمجتمع ككل، وينظر هذا العلم في العوامل اللاأحيائية التي تؤثر على هذا المجتمع، ويهدف علماء النظام البيئي لدراسة تدفق الطاقة وكيفية إعادة تدوير العناصر الغذائية مرة أخرى. _المحيط الحيوي المقصود بالمحيط الحيوي هو كوكب الأرض، الذي ينظر إليه على أنه نظام بيئي كامل، ويهدف علماء البيئة الذين يختصون بالمحيط الحيوي إلى دراسة الأنماط العالمية، مثل: المناخ، وتوزيع الأنواع، والتفاعلات بين النظم البيئية، والظواهر التي تؤثر على كوكب الأرض بأكمله وغيرها.
ظهور قضية البيئة
تاريخ المدنية تاريخ دمار وإنكار البيئة والمحيط
تاريخ المدينة هو تاريخُ دمارِ وإنكار البيئة والمحيط، حيث يتحول ذلك إلى عادةٍ متأصلة في التاريخ بحكم تشكل قيم المدنية كثقافةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ بالتأسيس على إنكار قيم المجتمع النيوليتي (تفنيدها ديالكتيكياً) ، رغم أن المجتمع النيوليتي أيكولوجيٌ على صعيد قيم كلتا الثقافتين، فالبيئة في عالمه المعنوي وفي دينه حيويةٌ وتقدسٌ كأسمى قيمة، كما أن تنامي إمكانيات التغذية بالالتفاف حول المرأة هو بمثابة بداية الاقتصاد، أي أن الطبيعة والمرأة ضمن اتحادٍ متناغم، كما يرمز بالإلهة الأُم إلى مفهوم الدين الطبيعي الحيوي، فالقسم الأكبر من وسائل الإنتاج المادي من اختراع المرأة، وثقافة المأكل والملبس أيضاً تحمل طابعها، كل هذه القيم ستتعرض من المدنية إلى الإنكار، وستصير وسائل ربحٍ وقمعٍ تحت ظل هيمنة الرجل، كما ستُستَحقَرُ الأرضُ الأُم.
والأنكى أن المدن السومرية مهدت السبيل أمام تملح الأراضي بسبب استخدامها الدائم بهدف الربح، ما عظم من مخاطر التصحر الطبيعي من خلال رفده بالتصحر الاصطناعي، ودور التمدن لافت للأنظار جداً في تَصحُّر ميزوبوتاميا، لطالما يُنظر بعين الاستحقار والاستهجان إلى الطبيعة والبيئة والارض في وجهة نظر المدنية، إن هذا الموقف أيديولوجيٌ في أصله! ويهدف إلى الحط من شأن مجتمع الزراعة – القرية – والتحكم اليسير به، لأنه تصاعد على أساس التضاد معه، لقد ابتدعت المدنية تصوراً ايديولوحياً عن العالم وكأن هدا العالم عدوٌ لدودٌ للبشرية، وأنه موجودٌ فقط كي يحاسبه الإنسان، كما تقول الكتب المقدسة: “أنه مكانٌ لامتحانكم، لا غير”، مقابل ذلك، وبينما يخلق الدولتيون جناتهم في هذا العالم، فهم لم يؤمنوا البتة بالأديان التي ابتكروها، لأنهم يعلمون علم اليقين أنهم هم من يُرغم على انكار جوهرها ايديولوجياً مع تقدم ( في الحقيقة يجب القول مع تراجع ) تاريخ المدنية، ليغدو على تضاد وتنافر معه عبر تصورات العالم الآخر الخيالي والمجرد.
يكمن جوهر القضية الأيكولوجية في هذه الحقيقة القائمة، بالتالي، نستطيع الإدراك أنها قضيةٌ أجتماعيةٌ تماماً بكل خطورتها، ولا يمكن لمجتمع مرغم على إنكار جوهره بهذا المنوال أن نجعله قادراً على الاستمرار بحياته حتى أجل طويل، فمنطق احتكار السلطة والأستغلال في الربح، والحروب الايديولوجية والعسكرية التي شنتها في سبيل ذلك؛ إنما هي أيكولوجية مضادةٌ وبيولوجيةٌ مضادةٌ ومجتمعيةٌ مضادة، أما الأزمة المعاشة راهناً، أي العصر المالي للهيمنة الرأسمالية؛ فكأنها نقشت كل هذه الوقائع في اذهان وعيون البشرية جمعاء، وتُبين للجميع علناً أن العالم المزيف الذي اختلقته هذه الهيمنة، قد بات محض لفائف ورقية، ولم تغترب البشرية في أية مرحلة من مراحلها إلى هذه الدرجة عن الطبيعة والحياة والمجتمع.
يعدّ اختلال التوازن الحسّاس للعلاقة بين المجتمع والبيئة من القضايا الأساسيّة الناجمة عن تضخم الذهنيّة الدولتيّة ونظام المدنيّة، ولطالما بقيت الطبيعة الاجتماعيّة مرتبطةً بهذا التوازن الحسّاس والدقيق من خلال تناغمها مع البيئة طيلة وجودها ومراحل تطوّرها المديدة، ويعزى عدم العثور على حالات الشذوذ والانحراف أو الأزمة التي قد تخلّ بالتوازن بشكل جذريّ خلال تطوّرها التلقائي إلى كونه من دواعي التطوّر الطبيعي المتّصف بالتدريج اللازم للحياة، فالأنظمة تتقدّم أساساً على خلفية تغذية بعضها البعض وليس بإفناء بعضها البعض، ولدى حدوث التجاوزات أو الانحرافات يتوجّب تجاوزها من قبل منطق النّظم القائمة، وبهذا المعنى تظهر المدنية كشذوذ ضمن نظام الطبيعة الاجتماعيّة وتزايد تعمّق الانحراف مع تركيزها في الذهنيّة وسلوك الأفراد الحاملين لهذه الذهنيّة.
إن تاريخ الحضارة المركزيّة أو المدنيّة المعمّرة لأكثر من خمسة آلاف عام هو في الوقت نفسه تاريخ تطوّر وتعاظم هذا الانحراف، وانفجار الكوارث الإيكولوجيّة في عصر الرأسماليّة التي انتعشت المدنيّة والمركزيّة فيها إلى أقصاها؛ برهانٌ قاطعٌ لا يقبل التفنيد بشأن حقيقة هذا الانحراف، فبينما لم تسفر الطبيعة الاجتماعيّة عن هكذا كوارث في غضون حياتها الممتدّة إلى ثلاثة ملايين عام على وجه التقريب، فأنظمة المجتمع والبيئة كانت تغذّي بعضها البعض وتكملان بعضهما.
أما الأزمات الإيكولوجيّة المستفحلة والمتفجّرة في تاريخ المدنية الوجيز فترتبط بمضمونها الهدّام الهادف إلى الربح، فالأمر ليس منحصراً بالربح الرأسماليّ فحسب، بل أصبحت قيماً متراكمة يداً بيد مع دمار كلتا الطبيعتين خلال جميع مراحل المدنية، تراكمت الأهرامات أيضاً، ولكن بالمقدور تصوّر مدى وماهيّة الدمار الاجتماعي الناجم عنها بصورة تقريبيّة، والمراكمات الشبيهة التي لا حصر لها قد حمّلت البيئة أحمالاً إضافيّةً على الدوام، وجلب الانهيار الاجتماعيّ الانهيارات البيئيّة معه، فبنى الحداثة الرأسمالية المرتكزة إلى الربح الاحتكاري اللامحدود، قد حملت المجتمع وتوازنه القائم مع البيئة أعباء تفوق طاقته مراراً وتكراراً، ليدخل في نهاية المطاف عصر الأزمة الأيكولوجية العارمة.
الاقتصاد و الأيكولوجيا
“كلُّ مُكوّنٍ أو وحدة أقتصادية، لا يمكن عيشها إلا بالوعي الأيكولوجي“
من أهمِّ قضايا الكائنِ الحيِّ هو تأمينُ الاقتصادِ أو مستلزماتِ الحياةِ المادية، فالاقتصادُ ضرورةٌ لأجلِ تَحَقُّقِ التطورِ الطبيعي، فنظامُ الكائن الحي يُؤَمِّنُ استمراريتَه من خلال المواد التي يحتاجها ويحصلُ عليها من الوسطِ الخارجيّ، ثم يُطرِئُ عليها التغييرَ عن طريق التفاعلات الكيماوية، فيُحَوِّلُها إلى موادّ تتناسبُ ونظامَ الهضمِ لديه، إنه قانونٌ كونيّ، فالتطورُ الطبيعيُّ يُؤَمِّنُ سيرورةَ الحياةِ بالتنوعِ والاختلاف، فهو يتَّبِع أو يُمَكِّنُ مِن وجودِ توازنٍ معيَّنٍ على الدوام، في سبيلِ الحدِّ من التكاثرِ المفرطِ لنوعٍ ما من الكائناتِ الحية، وإعاقةِ استيلائِه على الأنواعِ الأخرى؛ كي لا يتَسَبَّب بالتالي في إفنائها. أما فيما يتعلق بالتساؤل: ولِمَ يَفعَلُ التطورُ الطبيعيُّ هذا؟، فيمكن الردُّ عليه بالنظرِ إلى النتائجِ الناجمةِ عنه، إنّ العلةَ الأوليةَ في ذلك تَعُودُ إلى تأمينِ رُقِيِّ وديمومةِ نظامِ الكائناتِ الحية.
ان أَهَمُّ جوابٍ يمكن إعطاؤه على هذا السؤال هو قيامُ التطورِ الطبيعي بالرصدِ الدائمِ للمهارةِ والمقدرة، وبمعنى من المعاني، فكأنّ الكونَ يَرصُدُ نزوعَه، ويُبَيِّنُ ميولَه إلى الكفاءةِ والكمالِ ضمن تدفقِ الزمان، وإلا، فكيف لنا إيضاحُ التطورِ الطبيعيِّ المرتقي إلى حالةِ الإنسان، وكذلك إلى حالةِ المجتمعِ البشري الضيقِ النطاق؟
لطالما بَحَثَت المجموعاتُ في أذهانِها عن الأشياءِ التي تلبي حاجاتِها الماديةَ في رغبةٍ منها لتطويرِها، وكانت همومُها الأوليةُ مُنصَبّةً على تأمينِ الغذاءِ والمأوى والتكاثرِ والحماية، ولتلبيةِ متطلباتِها من هذه الحاجاتِ الأساسية، اكتَفَت المجموعاتُ الأولى بما تَجِدُه من قُوت، وسكنَت في الكهوفِ والمغارات، وأَمَّنَت حمايةً أفضل لنفسِها على تخومِ البحيراتِ ووسطَ الغابات، واعتَرَفَت بأولويةِ منزلةِ الأمِّ المنجبة، ومع مرورِ الزمن، تدخلُ مزاوَلةُ الصيدِ أيضاً في الأجندة، فدافعُ تأمينِ الحماية، والرغبةُ في التغذي على اللحومِ قد أدَّيا إلى تطويرِ هذه الثقافة، لكن، وابتداءً من مرحلةٍ معينةٍ من المجتمعية، بالمقدورِ ملاحظةُ التوترِ والحزازيات، وبالتالي تصاعُدِ سياقاتٍ مختلفةٍ من التطورِ الثقافيِّ بين المرأةِ المهتمةِ أساساً بجمعِ الثمارِ والرجلِ الذي احتَرَفَ مهنةَ الصيدِ بالأكثر.
هكذا تُوضَعُ لبناتُ أُولى المفاهيمِ الاقتصاديةِ المتباينة، إذ تَبلُغُ ثقافةُ المرأةِ ذروتَها في العصرِ النيوليتي، كما إنّ الغنى الوفيرَ لشتى أنواعِ النباتِ والحيوانِ الذي ظهرَ بعدَ العصرِ الجليديِّ الأخير، أي ابتداءً من أعوامِ 15000 ق.م، وخاصةً على حوافِّ سلسلةِ جبالِ زاغروس – طوروس؛ قد مَهَّدَ السبيلَ لتصورِ حياةٍ أَشبَهُ ما تَكُونُ بالجنة، هذا التطورُ الاجتماعيُّ البارز، سيستمرُ في وجودِه كنهرٍ رئيسيّ، مع تَبَدُّلِه ضمن سياقِ التاريخِ المكتوبِ والمدنية؛ لِيَترُكَ بصماتِه على العولمةِ في يومنا الراهن، وما المستجداتُ المعتمِدَةُ على المجموعاتِ اللغويةِ التي بلغَت يومَنا الراهن، سوى ثمرة من ثمارِ ذاك العصر.
الأمرُ الوحيدُ المهمُّ الذي يمكنُ قولُه بشأنِ الرأسماليةِ خلال هذه المرحلةِ التاريخيةِ الطويلةِ للبشرية، هو أنّ ثقافةَ الصيدِ قد حَوَّلَت الرجلَ شيئاً فشيئاً إلى حاكمٍ مهيمن، وحسبَما تَمَّ تشخيصُه، فالثقافةُ النيوليتيةُ الراسخةُ في أعوامِ 10 آلاف ق.م يَغلبُ عليها طابعُ المرأة، فالخروجُ في مرحلةِ القطفِ والجمعِ من الكهوف، والاستقرارُ بالقربِ منها في الأكواخِ الشبيهةِ بالخِيام، وزرعُ البذورِ النباتيةِ وإكثارُها؛ كلُّ ذلك قد أفضى مع الزمنِ إلى الثورةِ الزراعيةِ والقروية.
وكان فائضُ الإنتاج يُدَّخَر، وإن بنطاقٍ محدود جدًّا.
يمكن إرجاعُ الاقتصادِ من حيث المضمون، لا الاصطلاح، إلى هذا النمطِ من الادّخار، والذي ربما يحصلُ لأولِ مرة. فمثلما هو معلوم، فإنّ مفردةَ “أكو–نوموس eko-nomos” تَعني في اليونانية “قانون العائلة، أو قانون السلالة”. فقد وُلِدَ الاقتصادُ حصيلةَ نشوءِ العوائلِ الزراعيةِ الأولى المستقرةِ بالتمحورِ حولَ المرأة، والوصولِ إلى إمكانيةِ الاحتفاظِ بالغِلال، وتخزينها وإن بنطاقٍ محدود جدًّا؛ وفي مقدمتِها تلك الغِلالُ التي لا تتلفُ ولا تهترئُ بسهولة، لكنّ هذا الادخارَ ليس لأجلِ التجارةِ أو العرضِ في السوق، بل لأجلِ العائلة.
يبدو أنّ هذا هو الاقتصادُ الإنسانيُّ طابعاً والحقيقيُّ مضموناً. فقد تَمَّ تلافي أنْ يَصِيرَ التكديسُ عامِلَ خطرٍ يهددُ بالطمعِ والجشع، وذلك عبر رواجِ ثقافةِ العطايا والهدايا بكثرةٍ في جميعِ الأرجاء، ويبدو أنّ مبدأَ “المال يُعَلِّمُ الطمع” يتأتى من تلك الحقبة. إنّ ثقافةَ العطايا شكلٌ اقتصاديٌّ مهمّ، ويتواءمُ مع نَسَقِ وتناغُمِ تَطَوُّرِ الإنسانِ لأقصى الحدود.
لكنّ الخطرَ الذي طالما كان مُهاباً قد حَلَّ لاحقاً. فعندما أصبحَ استهلاكُ فائضِ الإنتاجِ المتزايدِ مع التقدمِ الذهنيِّ وتراكُمِ التجربةِ أمراً عسيراً عن طريقِ مبادلتِه بالعطايا، يَقُومُ الرَّجُلُ الصيادُ المتأهبُ كعادتِه بالتفكيرِ في التجارةِ بهذه الكمياتِ الزائدة، ويُعَزِّزُ ذلك ضمن ثقافتِه إلى جانبِ مهنتِه الأصلية. فتَراكُمُ الغلالِ المختلفةِ المكدَّسةِ في مناطقَ مختلفةٍ قد فَرَضَ بِدءَ الظاهرةِ المسماةِ بالتجارة، فماهيةُ تبادلِ الحاجةِ من الغلالِ على نحوٍ أفضل، قد وَلَّدَت التجارةَ والتُّجَّارَ كمهنةٍ أو كثاني تقسيمٍ اجتماعيٍّ بارزٍ للعمل، وتتم شرعنتُها، وإن بوَجَلٍ واستحياء، ذلك أنّ الغِلالَ المنقولةَ تُنَمِّي معها تقسيمَ العمل، والذي يُمَكِّنُ بدورِه من تأمينِ إنتاجٍ أفضل وحياةٍ أغنى، عندما تتضاعَفُ الغلالُ والنسيجُ في طرفٍ ما، وتتواجد مكامنُ المعدنِ بوفرةٍ في طرفٍ آخر، تغدو التجارةُ أمراً قَيِّماً وذا أهمية.
نتائجُ الدمارِ والانحلالِ الناجمَين عن ولوجِ المجتمعِ البشريِّ واقتصادِه تحت ظلِّ هيمنةِ الصناعويةِ بموجبِ قانونِ الربحِ الأعظميّ، قد تَبَدَّت كفايةً عبر ممارساتِ القرنَين الأخيرَين. والدمارُ الناجمُ عن الاحتباسِ الحراريِّ الكونيِّ لوحدِه، يُشَكِّلُ نتيجةً تُشَخَّصُ عِلمياً مع مرورِ كلِّ عامٍ بأنّها تُقَرِّبُ موعدَ القيامةِ أكثر فأكثر. فعيونُ العقليةِ العمياء بسببِ فاشيةِ الصناعوية، عاجزةٌ عن رؤيةِ البنيةِ الأيكولوجيةِ التي لا غنى عنها للمجتمعِ ونسيجِه الاقتصاديّ، وعن إدراكِ معنى هذه البنية. ما هو أخطرُ من عنفِ السلطة، هو الحِراكُ وفق حساباتِ تأمينِ سيرورةِ قانونِ الربحِ الأعظميّ في تطبيقِ الصناعويةِ على الحياةِ الاقتصاديةِ وكافةِ الأنسجةِ الاجتماعية (وبالمقدور تسميتها بالميادين أو المؤسسات الاجتماعية).
يتميزُ مجتمعُ الشرقِ الأوسطِ بدورٍ طليعيٍّ في تكييفِ ذاتِه مع الحياةِ الأيكولوجية، فقِصّةُ آدم وحواء وقصةُ نوح تُنَبِّئان بالكوارثِ الأيكولوجية، تؤدي الحياةُ الأيكولوجيةُ دوراً رئيسياً في ثقافةِ الأنبياء، فاعتبارُ الأنبياءِ للحياةِ الخارجةِ من كونِها أيكولوجيةً بأنها المحشرُ واللعنةُ وفرعون ونمرود، يُعَدُّ قاعدةً اجتماعيةً أساسيةً ينبغي أنْ تَكُونَ ساريةً الآن أيضاً، فمن دونِ هذه القواعدِ تَغدو إمكانيةُ سيرورةِ المجتمعاتِ في خطر، وعدمُ بلوغِ التقنيةِ الصناعيةِ إلى مستوى الصناعويةِ في المجتمعِ الاقتصاديِّ الشرقِ أوسطيّ، رغمَ استِخدامِها منذ آلافِ السنين، إنما هو متعلقٌ بالثقافةِ المعنويةِ للمنطقةِ وبِبُنيتِها الأخلاقية، إذ اعتُبِرَ التمردُ على الطبيعةِ مساوياً للتمردِ على الرب، بينما التمردُ على الطبيعةِ والتحكمُ بها يُعَدُّ في الثقافةِ الغربيةِ مبدأَ انطلاقةِ فلسفاتِها (فلسفة ديكارت). أما في المجتمعِ الشرقيّ، فالتناغُمُ والتأقلُمُ مع الطبيعةِ هو المبدأُ الأوليّ، إنّ التمردَ على الطبيعةِ وعدمَ التخلي عن التحكمِ بها، هو جوهرُ تصاعدِ الحداثةِ الرأسمالية، وهو في المرحلةِ الحاليةِ يعني بلوغَ الحياةِ الاجتماعيةِ منذ الآن مشارِفَ استحالةِ سيرورتِها في جميعِ الميادين.
بناءً عليه، فالتقاليدُ الاجتماعيةُ الشرقُ أوسطية متيقظةٌ ومتناغمةٌ مع الأيكولوجيا، والمَهَمَّةُ التي يجبُ القيامَ بها، هي مواجهةُ مواقفِ الرأسماليةِ والصناعويةِ الغازيةِ والمُبيدةِ والاحتلاليةِ بإعادةِ إنشاءِ المجتمعِ الأيكولوجيّ، السلاحُ الأوليُّ للعصرانيةِ الديمقراطية، هو اتخاذُها الاقتصادَ والمجتمعَ ذا الجوهرِ الأيكولوجيِّ أساساً لها، بينما الدورُ التاريخيُّ للصناعويةِ في الشرقِ الأوسط، هو تفكيكُ والقضاءُ على المجتمعِ الزراعيِّ التقليديِّ المُعَمِّرِ عشرةَ آلافِ سنة، فمجتمعُ الزراعةِ – القريةِ الذي كان يُشَكِّلُ مع اقتصادِه الجزءَ الأُمَّ من الاقتصادِ والمجتمعِ حتى قبلَ خمسين عاماً من الآن، بات مع التوجهِ صوبَ راهننا مُعَرَّضاً للتفككِ والانحلالِ سريعاً، مُنجَرّاً نحو الإفلاسِ والبطالة، مُغرَقاً بالديون، ومُرغَماً على الهجرة. أما التفكيكُ والتهجيرُ والتصفية، فيَعودُ إلى العداءِ المَكنونِ تجاه هذا المجتمع، ذلك أنه، ومن دونِ بعثرةِ وتشتيتِ مجتمعِ الزراعةِ- القرية، يستحيلُ تكرار النجاحاتِ الرأسماليةِ العالميةِ المتحققةِ في أصقاعِ العالَمِ الأخرى، مثلما ستصبحُ مضطرةً للدخولِ في خطرٍ يُهَدِّدُها، مثلما يُعاشُ منذ الآن (الخوفُ من المجتمعِ الإسلاميّ، ذُعرُ الإسلام).
ما غَذّى المجتمعَ والثقافةَ الماديةَ والمعنويةَ في جغرافيا الشرقِ الأوسطِ ابتداءً من العصرِ النيوليتيِّ وعلى طولِ عصورِ المدنيةِ برمتها، إنما هو حياةُ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاقتصاديّ، بينما قامت الرأسماليةُ والصناعويةُ والدولتيةُ القومية، والتي تُعتَبَرُ أحصنةَ الحداثةِ الرأسماليةِ الثلاثيةَ العَدّاءةَ صوب إقامةِ المحشر، بِدَهسِ هذه الثقافةِ الاجتماعيةِ والإخلالِ بها وطَعنِها بخنجرِ الغَدرِ وتَجزيئِها، مقابل ذلك، فالمَهَمَّةُ الأوليةُ التي يجب القيام بها هي نضالُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الإنشاءِ بناءً على الدعاماتِ الثلاثيةِ التالية: الدعامة الديمقراطية – الاشتراكية، والأيكولوجية – الاقتصادية والأخلاقية – السياسية.
تأثير الحداثة الرأسمالية على الأيكولوجيا
“عيونُ العقليةِ العمياء بسببِ فاشيةِ الصناعوية، عاجزةٌ عن رؤيةِ البنيةِ الأيكولوجيةِ التي لاغنى عنها للمجتمعِ ونسيجِه الاقتصاديّ، وعن إدراكِ معنى هذه البنية.”
لَم يَنحَصِرْ تطبيقُ الحاكميةِ الصناعيةِ على الاقتصاد، الذي أناطَته الحداثةُ الرأسماليةُ بالثورةِ الصناعية، بالهيمنةِ الاقتصاديةِ فحسب، بل ولها تداعياتُها الهامةُ على الاحتكاريةِ الأيديولوجيةِ واحتكاريةِ السلطةِ أيضاً. وبمعنى آخر، فالاقتصارُ على تحليلِ الصناعويةِ بأنها منطقٌ تكنولوجيٌّ بالمعنى الضيق، إنما يؤدي إلى أخطاءٍ أساسيةٍ جادة، مثلما اختزالُ الرأسماليةِ إلى الاقتصادِ فقط، فالوظيفةُ التي أناطَتها الرأسماليةُ بالصناعوية، إنما تُقَوِّضُ المجتمعَ الاقتصاديَّ عموماً ومجتمعَ الزراعةِ – القريةِ على وجهِ الخصوص، وتتحولُ الصناعويةُ في هذا المضمارِ إلى ممارسةٍ عمليةٍ بوصفِها احتكاراً أيديولوجياً واحتكارَ سلطة، وكلما تَقَوَّضَ وانهارَ المجتمعُ الاقتصاديّ، كلما بدأَ قانون الرأسماليةِ في الربحِ الأعظميِّ بالعَمَل. وهذا ما يتطورُ بدورِه بالتداخلِ مع احتكاريةِ الدولةِ القومية، من هنا، لا مفرَّ من ارتكابِ الأخطاءِ الأساسيةِ ونشوءِ النواقصِ في السياسةِ العمليةِ وباسمِ علمِ الاجتماع، ما لَم يُصَغْ تحليلُ الرأسماليةِ تأسيساً على دعاماتِ الحداثةِ الثلاث.
تَحمِلُ الصناعويةُ ضمنياً معنى تطبيقِ القواعدِ والمبادئِ النظريةِ والعمليةِ للفيزياءِ والكيمياءِ والبيولوجيا على المجتمع، وبالأخصِّ على بنيتِه الاقتصادية، وهذا ما يَجلبُ بدورِه دحضَ ورفضَ الطبيعةِ الاجتماعيةِ المختلفةِ كثيراً عن ذلك، فالطبيعةُ الاجتماعيةُ لا تُطِيقُ حَملَ نظامٍ مُنجَرٍّ دوماً وراءَ الربحِ الأعظميِّ على كاهلِها مدةً طويلة، ونخصُّ بالذكرِ أنّ الاستخدامَ الطويلَ الأَمَدِ لقواعدِ الطبيعةِ الموضوعيةِ الشيئانيةِ يعني الخروجَ من كينونةِ المجتمع، والفرديةُ الرأسماليةُ تُؤَيِّدُ صحةَ هذه الحقيقة، ذلك أنّ آليةَ عملِ قواعدِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ خاصةٌ بها، حيث تَعمَلُ أخلاقياً وسياسياً، بينما السلوكُ الصناعويُّ مُرغَمٌ على تصفيةِ الآليةِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ عاجلاً أم آجلاً.
البطالةُ التي في الاقتصادِ مسؤولةٌ عن الهُوَّةِ بين الأزمةِ والواردات، والعواملُ الأوليةُ المُوَلِّدةُ للأيكولوجيا تَنبعُ من واقعِ الصناعويةِ ذاك المُعَرَّفِ باختصار، إذ لا يُمكِنُ لمجتمعِ العصرِ الصناعيِّ الاستمرارَ بحياتِه، دون تطويرِ أيكولوجيتِه في جميعِ الميادين، فكيفما أنّ الدساتيرَ الديمقراطيةَ تَهدفُ إلى تحجيمِ اللوياثان (وحش الدولة القومية)، فما سيُحَجِّمُ وحشَ الصناعويةِ أيضاً هو الأيكولوجيا، لذا يتوجبُ الإدراكَ على أحسنِ وجهٍ أنّ حياةَ جميعِ الكائناتِ الحية، بما فيها النوعُ البشريّ، كانت في مرحلةِ ما قبلَ العصرِ الصناعيِّ أيكولوجيةً مشحونةً بالوعيِ الفطريِّ الغرائزيّ (الذكاء العاطفيّ الأكثر حِدةً وحسماً). إذ يستحيلُ على أيِّ كائنٍ حيٍّ غيرِ أيكولوجيٍّ الخلاص من الزوالِ والفناء، ولا ريبَ أنّ لكلِّ كائنٍ حيٍّ ذكاءٌ أيكولوجيٌّ خاصٌّ به، هذا وبالإمكان تقييم الصناعويةِ أيضاً على أنها العصرُ المتمردُ على الحياةِ الأيكولوجية، أما التمردُ على الأيكولوجيا، فهو سَيرٌ نحو القيامة، والمَحشرُ الذي نَبَّأَت به الأديانُ قبل زمنٍ غابر، معنيٌّ جوهرياً بخروجِ المجتمعاتِ من كونِها أيكولوجية.
تلعبُ الصناعويةُ دوراً رئيسياً في حروبِ الإمبرياليةِ في الشرقِ الأوسط وفي هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ ضمنه، فالصراعُ على المياهِ والنفطِ نموذجيةٌ في هذا الشأن، وستُضاعَفُ كثافةُ حروبِ المياهِ مستقبلاً، كما أنّ التحولَ ذا الأساسِ الرأسماليِّ في تفعيلِ الأراضي وتوظيفِها ميدانُ حربٍ أساسيةٍ أخرى سوف تَنشُب، إذ ينبغي فهمَ فَصلِ القرويِّ عن الأرضِ على أنه حرب، فغايةُ الحداثةِ الرأسماليةِ من الغزوِ خلالَ القرنَين الأخيرَين، هي وضعُ نهايةٍ لوجودِ ثقافةِ الحياةِ التي كَوَّنَها المجتمعُ الزراعيّ، الذي يُشَكِّلُ النهرَ الأمَّ والجزءَ الأساسيَّ من البشريةِ على مدارِ خمسة عشر ألف سنة، هذا ويجب البحثَ عن الإبادةِ الثقافيةِ ضمن هذا الواقع، فالدفاعُ عن المجتمعِ يعني صَونَ وحمايةَ ثقافةَ الحياةِ العظيمةَ تلك، ودَمَقرَطَتَها ونيلَ حريتِها تجاه إبادةِ الحداثةِ لها، ولدى تفسيرِ تاريخِ المدنيةِ على أنه حروبٌ احتكارية، فستُستَوعَبُ بنحوٍ أفضل أهميةُ صَونِ القبائلِ والجماعاتِ الدينيةِ لوجودِها بصفتِها أشكالَ القوةِ الأساسيةَ في الحضارةِ الديمقراطية، كما واضحٌ جلياً أنه عند إضفاءِ المعاني على تاريخِ المدنيةِ بهكذا دياليكتيك، فستُصاغُ تحليلاتٌ سديدةٌ أكثر بصددِ الصراعاتِ الدائرةِ حالياً، وسيُلاحَظُ أنّ الشيءَ المسمى بالحروبِ العشائريةِ والمذهبيةِ يعني حمايةَ المجتمعِ لوجودِه وهويتِه، ولو بمنوالٍ مُحَرَّف، النتيجةُ التي يجب استخلاصها من هذا السردِ المُعَقَّد، هي إدراكُ كونِ اللوياثانِ الحقيقيِّ هو الصناعويةُ المَعروضةُ على أنها الوسيلةُ المُحَبَّذةُ والأفضل للخلاص.
العنصران الأيكولوجيان الأساسيان اللذان يَخطران بالبالِ لدى ذِكرِ مجتمعاتِ ومدنياتِ وحضاراتِ الشرقِ الأوسط، هما سلسلةُ جبالِ طوروس – زاغروس ونظامُ أَنهُرِ النيل – الفرات – دجلة – البنجاب. والمجتمعُ الذي غَذّاه هذان النظامان، يَمُرُّ الآن بأكثرِ مراحلِه مأساةً، فلَطالما قَدَّمَت القومويةُ والدينويةُ والشيوعيةُ المشيدةُ نفسَها على أنها المُنقِذ، لكنّ النتيجةَ البارزةَ للعيان تُضاهي ما في السابقِ سوءاً بأضعافٍ مضاعَفة، إذ لا مَهربَ من ظهورِ النتيجةِ بهذا الشكل، ما دامَ التحليلُ خاطئاً، فهذه الأيديولوجياتُ الاحتكاريةُ التي لا تُجانِبُ مصطلحَ الحداثةِ الرأسمالية، ككلياتيةٍ متكاملةٍ أم كـ”فترةٍ بنيوية”، عندما يأتي الدورُ على الصناعوية، فإنها تَسجدُ أمامَها بخشوع، وكأنها التَقَت معاً عند إلهِها المشتَرَك.
إنّ الأيديولوجياتُ المذكورةُ تَعبدُ الصناعويةَ وكلُّها إيمانٌ بأنها ستَفتحُ لها بابَ الجنة (ثاني أعظمِ صفةٍ للإلهِ الدُّنيَوِيِّ بَعدَ الدولةِ القوميةِ هي الصناعوية). ومِن وضعِ الفوضى الذي تَحياه أُمَّةُ هذا الإلهِ الدُّنيَوِيِّ الجديد، بوِسعِنا الاستنباط بالأكثر مدى استحالةِ العيشِ الصائبِ لحياةٍ مُؤَسَّسةٍ بشكلٍ خاطئ، ودونَ أيِّ تردد، بالمقدورِ القول أنّ هذا الإلهَ أكثرُ جُوراً وتَعَسُّفاً بكثير من جميعِ آلهةِ العصورِ المنصرمة، والعصرانيةُ الديمقراطيةُ مُلزَمةٌ بالنظرِ من هذا المنظورِ التاريخيّ، لدى تَخَطّيها للحداثةِ الرأسماليةِ المتصاعدةِ كأطروحةٍ مضادةٍ لها، وبوصفِها حاضرَ هذا التاريخ، فهي مُكَلَّفةٌ بامتلاكِ التعبيرِ العلميِّ والبنيةِ التنظيميةِ بأكملِها لعمليةِ البناءِ بنحوٍ حرٍّ وديمقراطيٍّ ومفعمٍ بالمساواة.
ان الدروسِ المُستَخلَصةِ من إحصائياتِ الحروبِ وعملياتِ الدمارِ المُعاشةِ في فترةِ ثلاثةِ قرونٍ بحالِها من تَصَلُّبِ نظامِ واستيفاليا (أول نواةٍ لتوازنِ الدولةِ القومية)، الذي أُعِدَّ عامَ 1648 كحلٍّ لوضعِ الفوضى البارزةِ للوسطِ بعدَ الحروبِ المذهبيةِ المُرَوِّعة، التي تُضارِعُ ما شَهِدَه التاريخُ البشريُّ برمتِه منها أضعافاً مضاعفة. فكيفما تَطَوَّرَ نظامُ واستيفاليا كأطروحةٍ مضادةٍ للحروبِ المذهبية، فنظامُ الاتحادِ الأوروبيِّ أيضاً تَطَوَّرَ كأطروحةٍ مضادةٍ لنظامِ واستيفاليا بصددِ الدولةِ القومية، والذي سعى إلى تغييرِ تَصَلُّبِه بالإصلاح، لا بالثورة، أما الخلاصُ بانطلاقةٍ إصلاحيةٍ من فاشيةِ الدولةِ القوميةِ التي بَلَغَت أَوجَها في الحربِ العالميةِ الثانيةِ وانتَهَت إلى الإبادة، فهو اسمٌ لإعادةِ إنشاءِ الذاتِ في هيئةِ قانونِ حقوقِ الإنسانِ ومجموعةِ الدولِ القوميةِ الديمقراطية، لكن، ولأنه بدأَ بانطلاقتِه من أرضيةٍ خاطئة، فهو عاجزٌ عن تحقيقِ التعمقِ في أهدافِه، بل وعن تشكيلِ كونفدراليةٍ رَخوةٍ للغاية. وسببُ ذلك يُعزى إلى كونِه انطلقَ في دربِه من عقليةٍ صناعيةٍ بحتة مِن قبيلِ “منظمة الفحم والصلب “، إذ يستحيلُ إنشاء مجتمعٍ حرٍّ مفعمٍ بالمساواةِ بالالتفافِ حولَ هكذا اتحادٍ ووفق إطارِ أهدافِ حقوقِ الإنسانِ والدولةِ القوميةِ الديمقراطية.
المهمُّ هنا هو شعورُ الحداثةِ الرأسماليةِ بالحاجةِ لتمريرِ نفسِها من الإصلاحِ في وطنِها الأمّ، ومع ذلك، فولوجُها في سياقِ إصلاحِ الاتحادِ الأوروبيّ، بَعدَ خَوضِها تجربةَ استحالةِ قيادتِها للنظامِ العالميِّ بِبُنيةِ الهيمنةِ القديمةِ الصارمة، يُعتَبَرُ حَدَثاً سيَكُونُ له تأثيرُه المُعَيِّنُ على النظام، أما عدمُ إبداءِ أيةِ قوةٍ حداثويةٍ – فيما خَلا الاتحادِ الأوروبيِّ – المهارةَ أو القدرةَ على الشعورِ بالحاجةِ إلى إطراءِ الإصلاحِ على ذاتِها جوهرياً، فيَنبَثِقُ من شكلِ الهيمنةِ الصارمِ والمتصلب، يَلوحُ أنْ لا خَيارَ أمام قوى الحداثةِ الأخرى سوى اقتفاء أثرِ الاتحادِ الأوروبيّ، ما دامَت تابعةً لدعاماتِ النظامِ القائمِ الأساسية.
بناءً عليه، فاتنظارُ التَحَوُّلِ الإصلاحيِّ من الحداثةِ الرأسماليةِ الساعيةِ لإنشاءِ ذاتِها في الشرقِ الأوسطِ طيلةَ قرنَين من الزمن، يَبدو أمراً غيرَ واقعيّ، قد تَشهَدُ إمكانيةَ الإصلاحِ ضمن التحالفِ مع الاتحادِ الأوروبيّ، وفي هذه الحالةِ سيتجذَّرُ باستمرار وضعُ المنطقةِ المتأزمُ والفوضويّ، والواقعُ اليوميُّ القائمُ يُؤَكِّدُ صحةَ هذا الحُكم، ولهذا السببِ بالذات، يُعَدُّ تجاوُزُ نظامِ الاتحادِ الأوروبيِّ شرطاً لا بدَّ منه لأجلِ الإصلاح، فلا الجريانُ التاريخيُّ للشرقِ الأوسط، ولا شروطُه الاجتماعيةُ المرحليةُ مساعِدةٌ لأجلِ إصلاحاتٍ من نوعِ الاتحادِ الأوروبيّ، والبحثُ عن سُبُلٍ جديدة، يتأتى من هذا الواقع، لقد شَدَّدنا مَرّاتٍ عديدةً أنّ الإسلامَ الراديكاليَّ والجمهوريةَ الإسلاميةَ وبُحوثُ الجماعاتِ لا هَمَّ لهم – نظرياً أم عملياً – بتجاوُزِ الحداثةِ الرأسمالية. فالحدُّ الأقصى من برنامجِهم يتمثلُ في حداثةٍ رأسماليةٍ ذاتِ طلاءٍ إسلاميّ، أي أنّ الصَيرورةَ صوبَ سَلَفِيةِ الإسلامِ الجديدة، أو صوبَ البروتستانتية (الكالفينية)، لا همَّ لها سوى الاستيلاء على الدولةِ والمجتمع بالتأسيسِ على ذلك، وما عَجِزَ العلمانيون عن النجاحِ التامِّ فيما رغبوا القيامَ به عبر القومويةِ التي هي دينُهم الدُّنيَوِيّ، إنما يَجهدون لإكمالِه بالقناعِ الإسلاميّ، أي أنّ جوهرَهم نفسُه، ألا وهو الحداثةُ الرأسمالية.
أما الاشتراكيةُ المشيدةُ بوصفِها الجناحَ اليساريِّ للعلمانية، فلا مشكلة لديها أصلاً باسمِ التضادِّ مع الحداثة، فكلُّ ما تَوَدُّ النجاحَ فيه هو إحلالُ رأسماليةِ الدولةِ مَحَلَّ الرأسماليةِ الليبرالية، أما نتيجةُ ذلك، فكانت إنشاءَ حداثةٍ أفظعَ تَعَسُّفاً ودماراً من الرأسماليةِ الليبرالية.
أهمُّ درسٍ سيُستَخلَصُ من تجربةِ الاتحادِ الأوروبيّ، هو التِماسُ المجتمعِ الاقتصاديِّ حلقةَ انطلاقةٍ إصلاحيةِ جذرية، وبالمسافةِ التي ستُقطَعُ انطلاقاً من ذلك، ستَغدو الإنشاءاتُ الاجتماعيةُ والسياسيةُ الأخرى ممكنة، وإذ ما وَضَعنا نُصبَ العينِ أنّ الفولاذَ والفحمَ أداتان أساسيتان بِيَدِ الصناعوية، فسنستطيعُ الإدراكَ بنحوٍ أفضل مدى تناقُضِها مع المجتمعِ الأيكولوجيّ. وهذا هو السببُ البنيويُّ الذي يُعيقُ وصولَ الاتحادِ الأوروبيِّ إلى المجتمعِ الأيكولوجيّ، ذلك أنّ المجموعاتِ المُنشَأةَ على خلفيةِ الفولاذِ والفحمِ مُناهِضةٌ للأيكولوجيا، وهذا ما مفادُه أنّ إجراءَ الإصلاحِ في النظامِ لا يَكفي لوحدِه، هذا إنْ كان الهدفُ هو المجتمعُ الأيكولوجيُّ بالطبع !!
ماهية الاقتصاد الأيكولوجي ومنهجية وأسلوب إعادة هيكلته
“محالٌ نشوءُ المجموعاتِ الأيكولوجيةِ والمجتمعِ الاقتصاديّ، دون نشوءِ الوعيِ والتنظيمِ والإرادةِ العمليةِ التي تتعدى الرأسماليةَ والصناعويةَ والدولتيةَ القومية”
أن البيئة لم تعد تطيق تحمل ظاهرتي التصخم السكاني وتعاظم المدنية اللتين تسارعتا بإفراط مع تحول المدنية والطبقة الوسطى إلى بؤر للسلطة، كما لا تستطيع طبيعة المجتمع أيضاً تحملهما، فتعاطم السلطة والدولة بالتدخل مع مسار مراكمة رأس المال يتميز بأحجام واثقال لا يمكن لأي توازن اجتماعي وبيئي تحملها، وتدخل أزمة البيئة والازمات الأجتماعية واكتسابها السيرورة، هو متعلق ايضاً بالتعاظم الاحتكاري في كلتا الساحتين، حيث تغذيان بعضهما البعض كنظامي أزمة، كل التشخصيات العلمية تُجمع على أنه لا تطاق لكن الطابع الأعمى لأحتكار رأس المال والسلطة، والمؤدي إلى الدمار، لا يرى ذلك، ولا يسمعه، وهو كذلك بحكم جوهره.
علم البيئة وحركاته الحديثة العهد نسبياً بتاريخها يتطوران مع مرور الإيام، ومثلما الحال في الحقيقة المرأة، فالوعي يتنامي مع تقدم العلم بشأن ظاهرة البيئة، والحركة تتصاعد مع تنامي الوعي، أنها الحركة الأكثر رواجاً في المجتمع المدني، وتجذب المنادين بالاشتراكية والفوضويين طردياً، كونها الحركة التي تفرض تضادها مع النظام اكثر من غيرها، كما أن الانخراط فيها اتسم بنوعيةٍ فوق قوميةٍ وفوق طبقية، لأن المجتمع كله معني بها، هنا ايضاً بالمستطاع ملاحظة الآثار الكثيفة للهيمنة الايديولوجية الليبرالية على هذه الحركة.ومثلما الحال في كل قضيةٍ اجتماعية، فإن الليبرالية تغض النظر عن المضمون البنيوي للقضية الأيكولوجية ايضاً، سعياً منها لإلقاء المسؤولية على التقنية ووقود المستحاثات والمجتمع الاستهلاكي، مع أن كل هذه الظوهر الجانبية منتوجُ نظامها (لا نظامها) الحداثوي، بالتالي، ومثلما الحال في الحركة الفامينية، فالحركة الأيكولوجية بحاجةٍ ماسةٍ للماهية الايديولوجية، يجب إخراج تنظيمها وممارستها من شوارع المدينة الضيقة، وسكبها على المجتمع أجمع، وبالاخص مجتمع القرية – الزراعة الريفي، فالايكولوجيا اساساً دليل عمل ممارسة الريف والمجتمع القروي – الزراعي وجميع البدو الرحل العاطلين عن العمل والنساء.
وهذه الوقائع التي تشكل أرضية العصرانية الديمقراطية ايضاً، تشير بكل جلاءٍ إلى مدى أهمية الدور الذي ستلعبه الأيكولوجيا في نشاطات إعادة الهيكلة .
قد تَكُونُ فرصةُ التطورِ في الشرقِ الأوسطِ ممكنة، إذ ما أُلقِيَت خطوةٌ ملموسةٌ ومرحليةٌ بشأنِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ اعتماداً على الظروفِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ للمنطقة، ومُلاقاةُ استنساخاتِ الحداثةِ الصعوبةَ في الرسوخِ فيها خلالَ القرنَين الأخيرَين، إنما تؤيدُ صحةَ هذا الحُكم، وتُعَدُّ الأجواءُ الأيكولوجيةُ التي تَبرعَمَ فيها المجتمعُ النيوليتيُّ وأطروحتُه المضادةُ للمدنيةِ بمثابةِ حقلٍ للحضارةِ الديمقراطيةِ وعصرانيتِها. فأراضي المدنيةِ المركزيةِ المتصاعدةِ على طولِ خمسةِ آلافِ عامٍ في أوديةِ أَنهُرِ النيلِ ودجلة والفراتِ والبنجاب، هي مراكزُ الأزمةِ الإقليميةِ الراهنة، والدولُ القوميةُ المُشَيَّدةُ في غضونِ القرنَين الأخيرَين كأكثر دعاماتِ الحداثةِ الرأسماليةِ تَصَلُّباً وتَعَصُّباً، إنما هي مؤثرٌ أساسيٌّ في هذه الأزمة، ونظراً لافتقارِ هذه الدولِ للمهارةِ في الشروعِ بالإصلاحِ والحذوِ حذوَ الاتحادِ الأوروبيّ، فإنّ الأزمةَ والفواصلَ البَينيةَ للفوضى تتفاقمُ بانكساراتٍ حادة، وبالرغمِ من انعكافِ أمريكا – الاتحادِ الأوروبيِّ كهيمنةٍ للنظامِ المتحالفِ عليها، إلا أنّ المشقاتِ قائمةٌ في إيجادِ المَنفَذ، والعجزُ سائدٌ في إعادةِ إنشاءِ الدولةِ القومية، وهذا الوضعُ بِحَدِّ ذاتِه يُجَذِّرُ الأزمةَ العالميةَ ويُصَيِّرُها دائمةً من جهة، ويُبدي تأثُّراً معاكساً بإكثارِه من العربدةِ والفوضى العارمةِ من جهةٍ أخرى، بالتالي، لا ملاذَ من أزمةِ النظامِ البنيويةِ في الوطنِ الأمِّ للمدنيةِ المركزيةِ بالأغلب، وكأنها تَنتَقِمُ لذاتِها.
يقدم حوضا دجلة والفرات بما يَزيدُ عن الحدِّ ما يَلزَمُ من مياهٍ وطاقةٍ وأراضٍ لتلبيةِ المنتوجاتِ الزراعيةِ التي هي احتياجاتٌ أولية، إذ يستحيلُ تَطَوُّرُ المجتمعيةِ الأيكولوجيةِ والاقتصاديةِ للشرقِ الأوسط، ما لَم تُؤَمَّن هذه الموادُّ كفايةً، ولكن، يستحيلُ على هذه الموادِّ البنيويةِ أيضاً تَكوين المجتمعِ البنيويِّ بمفردِها، دون تَكَوُّنِ تراكُمٍ كافٍ من المعنى الذهنيّ، وبالتالي، فهي لَن تتخلصَ حينئذٍ من خدمةِ الحداثةِ الرأسماليةِ والانصهارِ في بوتقتِها، مثلما حالُ مجتمعاتِ الاشتراكيةِ المشيدة، لذا، قد يَكُونُ التنظيمُ الأكاديميُّ للتراكُمِ الناشئِ تاريخياً وفي الكفةِ الديمقراطيةِ للحداثةِ (العصرانية) على السواء، بدايةً سديدةً وقويمةً من أجلِ تراكُمِ المعنى الذهنيّ، ينبغي عدم النسيان أنّ الزقوراتِ السومريةَ، التي تُعَدُّ أولى الأكاديمياتِ تاريخياً، وبيوتَ الحكمةِ في نيبور وبابل ونصيبين وأورفا وبغداد، تعبيرٌ عن حقيقةِ استحالةِ كينونةِ المدنياتِ من دونِها، إذ لا يُمكِنُ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ التطور بلا أكاديميات، فعالَمُ العلمِ والمعنى الجديدُ، الذي هو مُلزَمٌ بتنظيمِ ذاتِه كبديلٍ للعالَمِ الأكاديميِّ المتأزمِ للحداثةِ الرأسمالية، إنما لا استغناء عنه من أجلِ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاقتصاديّ، حيث أنّ خَلاصَ العلمِ من كونِه احتكاراً أيديولوجياً ومن استخدامِه كأداةٍ بِيَدِ السلطة، غيرُ ممكنٍ إلا بإنشاءِ المجتمعِ الحرِّ والديمقراطيِّ الذي تَعُمُّه المساواة (بِمَعِيّةِ الوعيِ واليقظة)، وبعيشِ ذلك بمنوالٍ متداخل، إذ لن تستطيعَ أيةُ مجموعةٍ أيكولوجيةٍ التحليَ بالمعنى القَيِّم، إلا بإنشائِها كوعيٍ وتنظيمٍ يتعدى نطاقَ الحداثةِ الرأسمالية، أي، محالٌ نشوءُ المجموعاتِ الأيكولوجيةِ والمجتمعِ الاقتصاديّ، دون نشوءِ الوعيِ والتنظيمِ والإرادةِ العمليةِ التي تتعدى الرأسماليةَ والصناعويةَ والدولتيةَ القومية، أما المفهومُ القائلُ بأنّ العلمَ والوعيَ شيء، والمجتمعَ شيءٌ آخَر مختلف؛ فهو من تحريفاتِ المدنية، ومرتبطٌ باستعبادِ المجتمع.
لا يُمكِنُ عيش المجتمعِ الحرِّ والديمقراطيِّ إلا بوعيِ المعنى اللازمِ له، وكلُّ مُكَوّنٍ أو وحدةٍ Birim اقتصادية، لا يُمكِنُ عيشها إلا بالوعيِ الأيكولوجيّ، والوحداتُ والحَيَواتُ الاقتصاديةُ غيرُ المعتمدةِ على الوعيِ الأيكولوجيّ، لن تَخلُصَ من العيشِ بالانصهارِ في بوتقةِ الحداثةِ الرأسمالية، هذا ويجب عدم التفكيرِ بالوحداتِ الأيكولوجيةِ – الاقتصاديةِ على أنها وحداتٌ بسيطةٌ ومفتقرةٌ للتكنولوجيا، إذ بالمقدورِ استخدام أرقى وأعقدِ أنواعِ التكنولوجيا في الوحداتِ والاتحاداتِ الأيكولوجيةِ – الاقتصادية، عندما تقتضي الحاجة، بل إنّ الوحداتِ الأيكولوجيةَ – الاقتصاديةَ هي وحداتُ التكنولوجيا المُثلى، وهي ميادينُ الاستخدامِ الاجتماعيِّ للتكنولوجيا بأكثرِ الأشكالِ فائدةً، فالثورةُ التكنولوجيةُ في المجتمعِ الشرقِ أوسطيِّ ضروريةٌ بالأكثر من أجلِ المجتمعِ الأيكولوجيِّ – الاقتصاديّ، وبهذا المعنى، فالثورةُ التكنولوجيةُ مناهِضةٌ للصناعوية، فبينما تؤدي التكنولوجيا المُسَخَّرةُ في خدمةِ الصناعويةِ إلى العبوديةِ والدمار، فالتكنولوجيا المُسَخَّرةُ في خدمةِ المجتمعِ الاقتصاديِّ والأيكولوجيِّ تُفضي إلى حياةٍ أكثر حريةً وديمقراطية،وباقتضاب، فأَثمَنُ معاني التوازنِ بين التكنولوجيا والأيكولوجيا، تُحَقِّقُها شروطُ العصرانيةِ الديمقراطية، ولأجلِ ذلك فالصراعُ الأيديولوجيُّ أمرٌ لا غنى عنه في الصراعِ بين الحداثةِ والعصرانية، ومن دونِ خوضِ هذا الصراعِ بنجاحٍ بارز، سوف تَظَلُّ فرصةُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الحياةِ وثُبوتُها ورسوخُها تجاه الحداثةِ الرأسماليةِ مجردَ احتمالٍ ضعيفٍ وأملٍ واهنٍ ومحضَ يوتوبيا.
الخاتمة:
لقد خاضت الحداثة الرأسمالية خلال القرنين الماضيين صراعاً تحت أسم الثورة الصناعية والتطور التقني والتكنولوجي أسفرت عن استنزاف مهول للموارد البيئية وتدمير هائل للطبيعة حتى باتت الارض شبه مكب للنفايات البلاستيكية، والجرثومية والكيميائية، وازدادت المساحات التي طغت عليها التصحر والقحط الكلي، حيث اصبح تلوث المياه العذبة، وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات بسبب ذوبان الثلوج في القطبين، وارتفاع كبير على درجات الحرارة، وانتشار للاوبئة والامراض الفيروسية والجرثمومية ، والمجاعات والجوع والفقر والبطالة والتضخم الكبير في التعداد السكاني والصناعوية الفجة، أكبر معضلات العصر وكأن موعد القيامة على الارض وطبيعة الحياة برمته قد حان .
ما يعشه العالم اليوم من حرب عالمية ثالثة شعواء متشابكة وخبيثة، تُدار رحاها ما بين النظم أو الدول الرأسمالية النامية والمنظومة الرأسمالية صاحبة القطب الواحد لتشكل عالم متعدد الاقطاب، ولكن كلها صاحبة عقلية واحدة هي الرأسمالية، وصراعهم مبني على الهيمنة ومد النفوذ والتشارك في ما بينهم والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من فوائض والربح.
لن تأتي هذه النظم السلطوية بالحلول لأخطر قضايا هذا العصر، البيئية و الايكولوجية التي تواجه البشرية والحياة برمتها، ومن يدفع الثمن هم الشعوب والمجتمعات، والطبيعة برمتها.
داخل هذه الحالة التي يعيشها العالم المتأزم والتشاؤم الطاغي على كل شيء، لأول مرة عبر التاريخ الانساني الحديث باتت المعضلة البيئية والايكولوجية محل تفكير ونقاش معمق على الساحة العالمية للشعوب والمجتمعات لإيجاد أفضل الحلول، ربما وحسب معرفتي، ورغم وجود الكثير من النظريات الفلسفية والعلمية في العالم إلا ان ثورة روجافا – شمال شرقي سوريا تعبر اللبنة الاولى لنشوء منظومة فكرية فلسفية علمية، وعملية تعتمد في كينونة بناها على احداث ثورة ذهنية بيئية ووعي ايكولوجي واسع تطغى على حياة الانسان ونمو الطبيعة.
منظومة العصرانية الديمقراطية التي صاغها القائد والمفكر عبد الله اوجلان عبر سلسلة مرافاعاته تنتهج الحقيقة البيئية والايكولوجية والاقتصاد المجتمعي وحرية المرأة جوهراً لحياة الانسان ونمو الحياة الطبيعية على هذا الارض وحلاً شاملاً ومتكاملاً لتلك المعضلات والقضايا .
المصادر والمراجع :
١- مرافعة الدفاع عن الشعب – عبدالله أوجلان / الطبعة الاولى شباط ٢٠٠٥
٢- مانيفستو الحضارة الديمقراطية – سوسيولوجيا الحرية – عبدالله أوجلان/المجلد الثالث
٣- مانيفستو الحضارة الديمقراطية-
أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط – عبدالله أوجلان / المجلد الرابع الطبعة الثالثة
٤- مانيفستوا الحضارة الديمقراطية –
القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية – عبدالله أوجلان / المجلد الخامس الطبعة الثانية
٥- الجغرافيا والبيئة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة الثقافة، دمشق
٦- أرنست، ماير، هذا هو علم البيولوجيا، ترجمة: عفيفي محمود سلسلة عالم المعرفة.
٧- سكوليموفسكي، هنريك، ماهي الفلسفة الايكولوجية؟ ترجمة: معين روميه .
٨- كرام، فهمي، أثر التقدم العلمي على الانسان والبيئة في العصر الحديث، مجلة كلية الآداب بجامعة حلوان، العدد 01 .
٩- الموسوعية العلمية ويكيبيديا .