خريطة الطريق

القائد عبدالله اوجلان

0

القائد عبدالله أوجلان :

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها :

تَسَلُّلَ الحداثةِ الأوروبيةِ في ثقافةِ الشرقِ الأوسط، بعدَما صارَت مع نابليون حملةً استراتيجيةً في مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر، إلى جانبِ ممارساتِ الاحتلالِ والاستعمارِ المتصاعدةِ طردياً؛ قد أَطرَأَت التغييراتِ على التوازناتِ الموجودة، وهَزَّتها من أركانِها. بالإضافةِ إلى ثقافةِ ونمطِ حياةِ الحداثةِ الرأسماليةِ المتناميةِ باكراً في صفوفِ الشعوبِ المسيحية، والتي استثارَت وأَجَّجَت النزعاتِ الدولتيةَ القومية. إنّ حداثةَ القرنَين التاسعِ عشر والعشرين مَزَّقَت ثقافةَ الشرقِ الأوسطِ المتميزةِ بتكامُلٍ امتدَّ لآلافِ السنين، وجَزَّأَتها بعامِلِ الدولةِ القومية، مُفسِحةً المجالَ بذلك أمام انجرارِها وراء فوضى عارمةٍ وأزماتٍ حادةٍ واشتباكاتٍ ضارية. هكذا تَشَتَّتَت الإمبراطوريةُ العثمانيةُ وانهارَت عن طريقِ مشروعِ الدولةِ القوميةِ ذاك للحداثةِ الغربية. إنّ جمعيةَ الاتحاد والترقي، التي عَوَّلَت على الطغمةِ العسكريةِ بُغيةَ تشكيلِ دولةٍ داخلِ الدولة، قامت بتجذيرِ أزمةِ الدولةِ أكثر فأكثر، بانتقالِها إلى مرحلةِ الطُغمة المُسَلَّحةِ في 1906. حيث اتّجَهَت نحو إنشاءِ نزعةٍ قومويةٍ هي الأكثر رجعيةً وشوفينيةً وفاشيةً بذريعةِ سدِّ الطريقِ أمامَ ميولِ الدولةِ القوميةِ لدى الحداثة. هذا التيارُ التركياتيّ، الذي يطغى فيه وزنُ الذين ليسوا أتراكاً، بات دافعاً مُعَيِّناً ومصيرياً في انهيارِ الإمبراطورية، وفي شَحنِ سياقِ الجمهوريةِ بالمخاضاتِ الأليمة، وفي مسارِها المُناهِضِ للدمقرطة. أي أنه ساهمَ في التشرذُمِ والانسدادِ بقدرِ الدولِ القوميةِ المنافِسة.

قامَ مصطفى كمال بإحياءِ مصطلحِ ونظريةِ ومؤسساتِ الجمهوريةِ الفرنسيةِ الثالثة، التي اختارَها نموذجاً لنفسِه، وذلك عن طريقِ الثورةِ اليعقوبيةِ المنجزةَ فيما بين عامَي 1919 و1922 (تجاه موجةِ الاحتلالِ الأجنبيِّ المتزايدةِ من جهة، وتجاه أزلامِ السلطنةِ من الجهةِ الثانية)؛ مما غدا حلاً لأزمةِ الدولة، ولو بحدود. بمعنى آخر، فالجمهوريةُ التركيةُ شُيِّدَت على أنقاضِ الإمبراطوريةِ التي آَلت بها طُغمةُ الاتحاد والترقي نحو الانقسامِ والانهيار، وعلى أرضيةِ الأزمةِ التي عَمَّقَتها تلك القيادة. هكذا تمّ حلُّ مشكلةِ الدولةِ قسمياً، ولكنّ القضايا الاجتماعيةَ ازدادَت عُمقاً. فمشروعُ الجمهوريةِ ما كان سوى مشروعاً حداثوياً. حيث دارت المساعي لإحيائِها بمصادقةٍ من القوى الغربيةِ المهيمنةِ في معاهدةِ لوزان. كان بوسعِ الثورةِ اليعقوبيةِ فيما بين 1920 و1922 ألا تقتصرَ على تجاوُزِ أزمةِ الدولةِ وحسب. وكان بإمكانِ الجمهوريةِ التطور طبيعياً صوب الديمقراطيةِ بكلِّ سهولة، لو لَم يتمّ إقصاء القوى المتحالفةِ المؤلَّفةِ من القومويين الأتراك العلمانيين والاشتراكيين والقومويين الإسلاميين وممثلي المجتمعِ الكردي؛ وذلك حصيلةَ مكائد ومؤامراتٍ لا يفتأُ الكشفُ تماماً عن وجهِها الباطنيِّ عسيراً. فبأيةِ حال، كان النصرُ قد تحققَ تحت ظلِّ تحالُفِ هذه القوى. إنّ عدمَ عَزوِ الإقصاءِ المُطَبَّقِ بالمؤامراتِ والحِيَلِ إلى مصطفى كمال، يتسمُ بالأهميةِ من أجلِ القيامِ بتحليلٍ صائب. حيث كانت حُبِكَت مؤامراتٌ وألاعيبٌ وعملياتُ اغتيالٍ جادةٌ ضد مصطفى كمال أيضاً. وللكادرِ الاتحاديِّ الذي طَوَّقَ مصطفى كمال، نصيبُه المُحَدِّدُ في ذلك. ذلك أنّ “حزب الشعب الجمهوريّ CHP” قد تَغَيَّرَ اسماً، ولكنه مضموناً يُعَدُّ الشكلَ الجديدَ الذي اتَّخَذَه حزبُ الاتحادِ والترقي لنفسِه. لقد حاولَ مصطفى كمال كسرَ شوكةِ احتكارِ CHP عبرَ تجربةِ “الفرقة الحرة” (عام 1930)، ولكنه عجزَ عن ذلك. فبرنامجُ CHP ونظامُه الداخليُّ لِما بَعدَ عامِ 1935 قد اتَّخَذَ من الحزبِ الإيطاليِّ الفاشيِّ نموذجاً له بكلِّ علانية، مما كان واجَه ردودَ فِعلِ أتاتورك الصريحةِ للغاية.

ينبغي التبيان بكلِّ أهميةٍ بأنّ ما زادَ شأنُه وطغى بعدَ عامِ 1926، ليسَ الاعتبارَ الشخصيَّ لأتاتورك، بل هو استيلاءُ الكادرِ الاتحاديِّ على الجمهوريةِ خطوةً خطوة، وتجربتُه في مَأسَسةِ ذهنيةِ التحولِ الفاشيِّ تأسيساً على نزعةِ الدولتيةِ القوميةِ المفرطة. ذلك أنّ موقفَ أتاتورك الشفافَ جداً في إبقاءِ الجيشِ خارجَ إطارِ السياسة، وتأسيسِ دولةِ القانون، ورفضِ الأسسِ المرتكزةِ إلى الطبقةِ أو الزمرة، وفي اتّباعِ سياسةِ الاستقلالِ والحريةِ تجاه الخارج؛ قد أُفرِغَ من محتواه عبرَ المؤامراتِ والسياساتِ الامتيازيةِ والمحسوبياتِ التي سَلَكَها الكادرُ الذي يُطَوِّقُه ويحاصِره، ولا تَبرحُ المساعي دائرةً حتى راهننا، في مزاولةِ هذه السياسةِ من خلالِ الانقلابات. موضوعُ الحديثِ هنا هو تجاربُ الانقلاباتِ داخلَ القصورِ والسَّرايا، والمؤامراتُ والانقلاباتُ الاتحادية؛ والتي أَخرَجَت الدولةَ من كونِها دولة، واستحوذَت عليها، وواظَبَت على تقاليدِ الحُكمِ الاستبداديِّ المُسَلَّطِ على المجتمع. ومقابل ذلك، ثمة كفاحاتٌ جدُّ هامةٍ في سبيلِ الاستمرارِ بالدولةِ كدولةٍ حقيقيةٍ بالفعل. وتشييدُ مصطفى كمال للجمهورية، يأتي في مقدمةِ هذه المساعي والمحاوَلات.

هذان المفهومان المتعارِكان بالتبادلِ في مرحلةِ الحداثةِ الغربية، أَبقَيا الدولةَ ضمن أزمةٍ دائمة، تماماً مثلما تَرَكا المجتمعَ وجهاً لوجهٍ أمام قضايا ثقيلةِ الوطأة، وأعاقا تطبيقَ ديمقراطيةٍ مبدئيةٍ راسخة. هكذا، لم تتخلصْ الجمهوريةُ من كونِها بوابةً للانقلاباتِ والامتيازاتِ ولسمسرةِ الاحتكاراتِ الأوليغارشية، وعجِزَت عن التحولِ إلى دولةٍ علمانيةٍ واجتماعيةٍ وديمقراطيةٍ بالفعل، وإلى دولةِ قانونٍ حقيقية. والسببُ الأوليُّ وراءَ ذلك هو – بطبيعةِ الحال – القضاءُ على التوافقِ الاجتماعيِّ الديمقراطيِّ المُبرَمِ في مستهلِّ أعوامِ العشرينيات، إلى جانبِ مساعي الاحتكاراتِ الانقلابيةِ والامتيازيةِ والأوليغارشيةِ المهيمنة. ذلك أنّ الكفاحاتِ المُخاضةَ داخلَ الدولةِ لَم تَكُنْ معنيةً بالقانونِ أو بمصطلحاتِ الدولةِ الاجتماعيةِ والعلمانيةِ والديمقراطية؛ بل كانت تطمعُ في الاستيلاءِ على الإتجارِ والسمسرةِ بالسلطةِ التي كانت ضخمةً للغاية.

بمقدورنا تقسيم هذا السياقِ إلى ثلاثِ مراحلٍ ممتدّةٍ على طولِ تاريخِ الجمهوريةِ. يمكن وصف المرحلةِ الأولى، التي تشملُ الأعوامَ ما بين 1926 و1950، بطابعِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ التسلطيةِ ذاتِ الحزبِ الواحد. المرحلةُ الثانيةُ تمتدُّ من 1950 إلى 1980، هي فترةُ المشاحناتِ الحادةِ والانقلاباتِ التي بادرَ إليها كلٌّ مِن أصحابِ الأراضي والبورجوازيةِ التجاريةِ والصناعيين الغرباءِ المُستَورَدين المتطلعين إلى مشاركةِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ وإعادةِ تشاطُرِ سمسرةِ الدولةِ معها. المرحلةُ الثالثةُ ما بين 1980 و2010، هي الفترةُ التي اتَّضَحَ فيها أكثر الدخولُ في سمسرةِ الدولة، بتدخُّلٍ مباشرٍ من رأسِ المالِ الماليِّ العالَميّ. الخاصيةُ المشتركةُ للمراحلِ الثلاث، هي مرورُها مليئةً بمَشادّاتِ وصراعاتِ الأحزابِ والنقاباتِ المتمحورةِ حول الاستيلاءِ والاستحواذِ على الدولة، وبالإداراتِ الأوليغارشيةِ الصارمةِ جداً، والتي سَلَّطَتها احتكاراتُ الدولةِ والاحتكاراتُ الخاصةُ المتناميةُ على شرائحِ الشعبِ والمجتمع. أما القوةُ المهيمنةُ المتحكمةُ بهذا السياقِ من الخارج، فهي أساساً الإمبراطوريةُ البريطانيةُ من 1925 إلى 1945، وأمريكا من 1945 إلى 2010. هذا وقد شارك الاتحادُ الأوروبيُّ وصندوقُ النقدِ الدوليِّ والبنك العالميّ أيضاً في هذا السياقِ نسبياً بعدَ الخمسينيات. في حين أنّ شبكةَ غلاديو في حلفِ الناتو هي المُديرُ الرئيسيُّ له.

أما القوى المتحالفةُ في تأسيسِ الجمهورية، فبَقيَت بطبيعةِ الحالِ متخذةً حالةَ المقاومةِ تجاه الهيمنةِ المُسَلَّطةِ عليها. إذ نَشهَدُ تصديَبعضٍ من هذه القوىإزاء النظام، ومساعيَبعضِها الآخرِ في الالتحامِ والاندماجِ معهعلى مدارِ المراحلِ الثلاث، ولو بنحوٍ متبعثرٍ ومنفصلٍ عن بعضِها البعض. إنّ روسيا السوفييتيةَ ذاتَ النفوذِ في عهدِ تأسيسِ الجمهورية، والاشتراكيين والشيوعيين التابعين لها، كانوا أولَ القوى الضحيةِ التي تعرَّضَت لضرباتِ القوةِ المهيمنةِ وقمعِها. أما مرحلةُ الإبادةِ البادئةُ مع مجزرةِ مصطفى صبحي ورفاقه، فتعمَّقَت مع حظرِ الحزبِ الشيوعيِّ عام 1927 واعتقالِ د. حكمت كفلجملي وناظم حكمت[1]. وتَرَكَّزَ القمعُ والحظرُ بعد الخمسينيات كوسيلةٍ للدخولِ إلى الناتو. هذا وأُعيدَ قمعُ الاشتراكيين بانقلابِ 12 آذار 1971، رغم مساعيهم في إبرازِ حضورِهم وإسماعِ صوتِ الديمقراطيةِ، عندما واتَتهم الفرصةُ مع الانقلابِ البيروقراطيِّ الحاصل في 27 أيار 1960. ورغمَ محاولاتِهم في المواظبةِ على المقاومةِ حتى مطلعِ الثمانينيات، إلا أنّ انقلابَ عام 1980 قَصَمَ ظَهرَهم، لدرجةٍ عجزوا عن تحقيقِ الصحوةِ حتى يومِنا بأيِّ شكلٍ من الأشكال. ولا يَنفكّون يَتخبّطون للاستمرارِ بوجودِهم الواهنِ للغايةِ والبعيدِ عن المسؤولية، والمتشتت، عاجزين عن البلوغِ بذاتِهم إلى تنظيمٍ متحدٍ وتعدديٍّ على محورِ الديمقراطيةِ الراديكالية. من هنا، تنتظرهم مهامُّ تنشيطِ ذاتِهم وخطوِ خطواتِهم على دربِ الدمقرطةِ بما يتماشى وطاقاتِهم الكامنة.

أما القومياتُ الإسلامية، فواجَهَت الضرباتِ التي لَحِقَت بها وعملياتِ الحظرِ والنفيِ والتشريدِ التي تَعَرَّضَت لها بمقاومةٍ أدنى مستوىً، ولكن مع مُراكَمةِ ردودِ فعلِها وحِنقتِها ضمنياً. وما مقاومةُ المتنورين المتجسدةُ في شخصياتِ محمد عاكف وسعيد النورسي ونجيب فاضل[2] في غضونِ أعوام 1923 و1950، سوى مساعٍ إسلاميةٌ في الاستحداثِ والعَصرَنة. إنها ضربٌ من ريادةِ التآخي الإسلاميِّ والتصدي الإسلاميِّ المستَحدَثِ مجدَّداً في تركيا. لكنها، وخلالَ الفترةِ بين 1950 و1980، عقدَت علاقاتِها مع بعضِ القوى المهيمنةِ ذاتِ النفوذ، سواءً داخلياً أم خارجياً، مشارِكةً بذلك في السلطة، وبالتالي في سمسرةِ الدولة، ومبتدئةً بذلك في سياقِ التحولِ إلى احتكارِ رأسِ المالِ عن طريقِ الرأسماليةِ الخاصة. وما “حركةُ أربكان[3]” سوى حركةٌ إسلاميةٌ نموذجيةٌ آنذاك، وتُعَبِّرُ عن مصالحِ وآمالِ وطموحاتِ العديدِ من التياراتِ الموجودةِ حينها لتمثيلِ ذاتِها في السلطة. بينما تستمرُّ حركةُ سعيد النورسي باسمِ “النورانية” بمنوالٍ أكثر باطنيّةً وعلى شكلِ عدةِ فروعٍ متشعبة. في حين، تَتخفى نقشبنديةُ[4] القرنِ التاسعِ عشر في الخلفيةِ التاريخيةِ لجميعِ تلك الحركاتِ، التي عجزَت عن سلوكِ موقفٍ ديمقراطيٍّ مبدئيٍّ ومِنهجيّ، مع أنها طَوَّرَت نظاماً ديمقراطياً اقتصَرَ عليها فقط. وعلى الرغمِ من عثورِها على شمسيةٍ حاميةٍ لها مُشَخَّصةً في تورغوت أوزال خلالَ الفترةِ ما بين 1980 و2010، إلا أنها بقيت مُعَرَّضةً للتهديدِ الدائمِ على يدِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ في عهدِ التحولِ إلى سلطةٍ ورأسِ مال. أما العلاقاتُ التي أَبرَمَتها مع أمريكا والاتحادِ الأوروبيِّ وصندوقِ النقدِ الدوليِّ والبنكِ العالميِّ على وجهِ الخصوص، وكذلك مع بعضِ أوساطِ رأسِ المالِ العربيّ؛ فقد صَيَّرَتها شريكةَ النظامِ القائم. وقد اكتَسَبَت هذه الشراكةُ سمةَ الاستمراريةِ بعد أعوامِ 2000، أي في عهدِ تَرَأُّسِ رجب طيب أردوغان للوزارةِ والحزبِ الحاكمِ بعدَ رئاسةِ نجم الدين أربكان المحدودةِ الأجَل لها.

إنّ هذه القوى وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ دمقرطةٍ ثقيلةِ الوطأة، حيث تَجِدُ نفسَها تجاه الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ مُحاقةً دوماً بالتهديد. لذا، إما أنْ تتخطى هذا التهديدَ بحملةٍ من الدمقرطةِ التامة، أو أنْ تَخسرَ وضعَها الحاليَّ على يدِ حملاتِ كَيلِ الضرباتِ والتعريضِ للتشتتِ بما يُشبهُ حالَ اليسار. ومحاكَمةُ الأرغانَكون يُفيدُ بهذه الحقيقة.

الكردُ الذين كانوا قوةً حليفةً في تأسيسِ الجمهورية، باتوا في وضعٍ هو الأكثرُ حرجاً ومأساويةً تجاه الأوليغارشيةِ البيروقراطية. فعلى الرغمِ من كونِهم عنصراً أصيلاً لا استغناءَ عنه في الجمهوريةِ وفي حربِ التحرير، إلا أنّ الوضعَ الذي أُقحِمَ فيه الكردُ يَحفُّه الضبابُ والظلامُ الدامس، لارتباطِه بكثيرٍ من المؤامراتِ والمكائدِ وعملياتِ التنكيل. من هنا، فإنّ سلوكَ سياسةِ تطهيرِ بلادِ الأناضولِ من الكردِ فيما بين 1925 – 1950 مثلما حلَّ بالرومِ والأرمن مِن قبل، وفرضَ سياسةِ اجتثاثِ الكردِ، وبدءَ سياقِ العصيانِ في غضونِ 1925 – 1938؛ كلُّ ذلك يُعَدُّ أمراً مفهوماً تأسيساً على هذه السياسةِ المُتَّبَعة. ودورُ الإمبراطوريةِ البريطانيةِ في ذلك مُطابِقٌ تماماً لدورِها في القضاءِ على الأرمنِ والرومِ والآشوريين. كما أنّ العلاقةَ المَعقودةَ مع الإمبراطوريةِ البريطانيةِ غَدت مُعَيِّنةً في انجرارِ الجمهوريةِ وراء نظامٍ تسلُّطيّ، وفي تَبَعِيَّتِها للحداثةِ الرأسماليةِ في وقتٍ مبكِّر. هذا وبالمقدورِ القولُ أنه كان هناك مشاحناتٌ ونزاعاتٌ ضاريةٌ بين كوادرِ مصطفى كمال وبين الكوادرِ التابعين إلى عصمت إينونو، وأنّ انزلاقَ الجمهوريةِ صوبَ اليمين على مسارٍ مناهِضٍ للديمقراطية لعب دورَه في تلك المشاحنات. فبينما اتَّبَعَ مصطفى كمال موقفَ الصداقةِ مع السوفييت والمُناداةِ بالاستقلال، قامَ الطرفُ الآخَرُ بعقدِ العلاقةِ المتعددةِ الجوانبِ مع الإمبراطوريةِ البريطانية.

                                                                                            يتبع …..


[1] ناظم حكمت: شاعر تركي شيوعي شهير حُظِرت أشعاره في تركيا فترة طويلة (1902 – 1963). عارض الإقطاعية وشارك في حركة أتاتورك التجديدية، ولكن بعدها عارض النظام المُشاد وسجن في السجون التركية حتى 1950. كتب عدة روايات ومسرحيات منها: “الرجل المنسي” و”فرهاد وشيرين” إلى جانب دواوين الشعر منها “ملحمة الشيخ بدر الدين” و”مناظر طبيعية وإنسانية من بلدي” (المترجِمة).

[2] نجيب فاضل: مفكر وكاتب مسرحي وشاعر وصحفي وروائي قُلِّدَ وسام “أشعر شعراء اللغة التركية” ونال عمادة الأدب التركي بجدارة (1905 – 1983). له مؤلفات عديدة فيالسيناريو والمذكرات والدراسات الفكرية والأدبية والفنية وفي الأديان والتاريخ. في 1943 أصدر مجلة “الشرق الكبير” العلمية والفكرية والأدبية والسياسية، والتي هي أطول المجلات عمراً في تركيا. من أهم دواوينه “بيت العنكبوت” و”الأرصفة”. ومن مسرحياته “البذرة” و”الهوية” و”حجر الصبر” (المترجِمة).

[3] حركة أربكان: حركة سياسية إسلامية ساهمت سنوات طويلة في صياغة المشهد السياسي التركي بأسماء متعددة: “حزب السلامة الوطني” ثم “حزب الرفاه” ثم “حزب الفضيلة” وحالياً “حزب السعادة”. عاشت الحركة مراحل ذهبية من 1990 إلى 1997، وبرزت في إدارتها للبلديات ثم كفاعل سياسي في أنقرة، واستطاعت أن تكيّف نفسها مع الواقع السياسي لتشكل حكومات ائتلافية مع أحزاب علمانية وقومية. عاشت الحركة انقسامات واستقالات متعددة أيضاً لأسباب عدة (المترجِمة).

[4] الطريقة النقشبندية: تنسب إلى محمد بهاء الدين شاه نقشبند. يقول أصحابها أن طريقتهم كانت تسمى “الصديقية” نسبة إلى أبي بكر الصديق. انتشرت الطريقة في جميع أنحاء العالم، وخصوصاً في كردستان وبلاد القوقاز وبخارى وسمرقند وتركمان وشبه القارة الهندية وفي معظم البلاد العربية. ظهرت النقشبندية في كردستان أوائل القرن التاسع عشر تزامُناً مع معركة جالديران بين الصفويين والعثمانيين (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.