السياسة والأيكولوجيا، والعلاقة بينهما، ودور السياسة في الأكولوجيا

0

سهام داود

النظام العالمي يتغير. ترددت هذه العبارة بشكل كبير وملحوظ على ألسنة العديد من المفكرين والمحللين السياسيين مع ظهور جائحة كورونا في نهاية عام 2019 وبدايات عام 2020 لا سيما مع التساؤلات التي طرحتها هذه الجائحة بحد ذاتها، من قبيل ، هل هذه الجائحة جاءت كنتيجة طبيعية للتحورات الجينية لدى بعض الفيروسات، أم أنها كانت مصطنعة ومصنعة في المخابر وهل لدى المخابرات العالمية علم بها؟ إلى جانب ماهية الهدف منها. إن جائحة كجائحة كورونا التي اجتاحت العالم والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من البشر، وضعت النظام العالمي وجها لوجه أمام التزاماته الأخلاقية وأظهرت مدى اهتراء وزيف ادعاءاته بحماية حقوق الانسان ودفاعه عن القيم الإنسانية التي ينادي بها. لاسيما بعد إغلاق كافة المعابر ومنع وصول وسائل المساعدات الطبية أمام روما مهد الحضارة الأوروبية. سلطت هذه الجائحة الضوء وبشكل ساطع على حقيقة النظام العالمي والأزمة التي يعاني منها والمرحلة التي وصل إليها. والتخبط الكبير الذي يعاني منه في كافة مجالات الحياة ولاسيما الاقتصادية منها والحروب المنتشرة في أصقاع العالم اجمع، والتي تشكل الأكثر ضراوة وشراسة على مر التاريخ.

وقد يتبادر لذهن القارئ تساؤلٌ من قبيل ما علاقة موضوع بحثنا هذا مع الأزمة التي يعاني منها النظام العالمي، ولماذا بدأنا بحثنا هذا بعبارة النظام العالمي يتغير. بالتأكيد ثمة رابط قوي ما بين الأزمة في النظام العالمي والأيكولوجيا، ولكي تتوضح العلاقة ما بين السياسة العالمية والأزمة البيئية وضرورة الأيكولوجيا، سنبدأ بحثنا هذا في تعريف النظام العالمي والأزمة التي يعاني منها هذا النظام، متى ظهر مفهوم الأيكولوجيا، ما هي الأسباب التي دعت إلى ظهوره.

يعتبر المؤرخون والمهتمون بعلم الاجتماع ولا سيما الذين يتبنون فكرة التطور المستقيم للتاريخ البشري بأن الرأسمالية هي إحدى المراحل الحتمية التي تأتي بعد البرجوازية والإقطاعية. في سيرورة التطور البشري، والتي تسبق الاشتراكية، ويتبنون فكرة تاريخ ظهور الرأسمالية بأنه يعود إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر وحتى يومنا الحالي، أي أنّ تاريخ القرون الخمسة الأخيرة يتعلق بتطور الرأسمالية بكافة ابعادها وأشكالها، وقد ظهرت الرأسمالية في شمال غرب أوروبا في بريطانيا العظمى وهولندا، وتعتمد على النهج التحليلي ومبدأ تراكم رأس المال أو تراكم فائض الإنتاج، وقد تحولت من نظام محلي محدود الحركة إلى نظام عالمي بريادة كلاً من ديكارت وروجر بيكون وفرانسيس بيكون الذين يعدون منظرو النظام الرأسمالي أو أصحاب أطروحة النظام الرأسمالي، عبر استنادهم على المنهج العلمي المستند أساسا على ثنائية الذات العاقلة والموضوع الشيء، أي ثنائية الفاعل و المفعول به، ليصبح هذا النظام هو النظام المهيمن على العالم اجمع ويقوم هو أي هذا النظام بإدارة دفة الحكم فيه والتحكم بكافة موارده البشرية وبناه التحتية والاقتصادية ، ووضعها جميعها لصالح فئة من أصحاب رؤوس الأموال والشركات وبعض الدول المهيمنة والمتحكمة بالعالم أجمع.

النظام الرأسمالي هو نظام ربحي احتكاري، أيديولوجيته هي الليبرالية التي تتبنى فكرة بناء الفرد الأناني الذي ينتهج مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، ولقد حدد الفيلسوف ايمانويل فالرشتاين الخصائص الأولية للرأسمالية التاريخية، أولها أن الرأسمالية نسق يتطلب التوسع لامحالة، التوسع في الإنتاج الكلي، والتوسع الجغرافي ليتمكن من الحفاظ على هدفه الأولي، وهو التراكم الغير محدود لرأس المال. وثانيها: أن من العناصر الجوهرية لتكديس رأس المال بالنسبة للرأسماليين، ولا سيما كبار الرأسماليين، ألّا يسددوا فواتيرهم. وذلك ما يدعوه إيمانويل فالرشتاين (السر القذر) للرأسمالية.

معلوم تماماً أن دورة الحياة لكل الموجودات في هذا الكون تبدأ بالولادة ثم تكبر وتنمو وتتطور وتزدهر وتصل إلى الذروة، لتبدأ بعدها مرحلة الانحدار والتقهقر والتراجع والنهاية، لتبدأ دورة جديدة له. وإذا ما اسقطنا هذه الحقيقة على النظام العالمي باعتباره إحدى هذه الموجودات، فإنه ومع نهايات القرن العشرين قد دخل مرحلة الانحدار، مرحلة الأزمة. ولعب المنهج العلمي الذي طوره كل من روجر بيكون وفرانسيس بيكون وديكارت والذي جعل النظام الرأسمالي نظاما عالميا، دوراً كبيراً في إيصال النظام الرأسمالي العالمي إلى حافة الهاوية وأدخله أزمة دائمة لا يمكن الخروج منها عبر بعض الإصلاحات والقرارات أو الترقيعات، ويشير إيمانويل فالرشتاين إلى الأزمة في النظام العالمي في كتابه (نهاية العالم كما نعرفه) بوضوح بقوله: إن الأنساق التاريخية شأنها شأن الأنساق كافة لها أعمار محددة. إن لها بداياتها، تليها فترة تطور طويلة، ثم تصير أخيرا إلى زوال بعد أن تبتعد عن نقطة التوازن وتصل حدود التفرع والهلاك. ثم يعاود القول: إن النسق العالمي المعاصر، بوصفه نسقا تاريخيا، قد دخل أزمة الاحتضار، وأنه من غير المحتمل أن يبقى قائما بعد خمسين سنة من الآن – ويقصد هنا النصف الأول من القرن الحادي والعشرين-ويكمل بقوله: وعلى الرغم من ذلك، ومع أن حصيلته النهائية غير مؤكدة، فإننا لا نعلم ما إذا كان النسق (أو الأنساق) التي ستتأتى عنه ستكون أفضل أم أسوأ من النسق الذي نعيش في ظله الآن. إلّا أننا نعلم حق العلم أن مرحلة الانتقال ستكون عصيبة وحافلة بالمتاعب، لأن المخاطر في فترة الانتقال هذه كبيرة ونتائجها غامضة جدا، وقدرة المدخلات الصغيرة على التأثير على المخرجات عظيمة كل العظم.

ما شهده العالم مع نهايات القرن العشرين وما شهده ويشهده مع دخول القرن الحادي والعشرين من أحداث سياسية متسارعة وحروب ضارية بدأ مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989 والاضطرابات التي شهدتها البوسنة والهرسك، وانهيار مركز التجارة العالمي في أمريكا، وصولا إلى حرب الخليج وانهيار نظام الحكم في العراق إلى ما يسمى بأحداث الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط، وصولا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، بؤر التوتر المنتشرة في العالم أجمع، الأحداث السياسية المتسارعة التي تعصف بالعالم بشكل عام وتركز بؤرتها في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وعدم القدرة على التنبؤ أو الاستنتاج إلى ماذا ستفضي كل هذه الأحداث والصراعات في المستقبل، لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد، جميعها مجتمعة تشير إلى مدى عمق الأزمة التي يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي، أو النسق العالمي الذي نعيش فيه على حد قول إيمانويل فالرشتاين، أو ما يتم تسميته بالحداثة الرأسمالية.

النظام الرأسمالي نظام أزمة: إن طبيعة النظام الرأسمالي المركزي المهيمن هو نظام أزمة ويعيش على اللا استقرار، وسبب تأزمه الدائم هو مبدأه الأساسي الركض وراء الربح الأعظم. والذي غالبا ما يسعى إلى تحقيقه بالبحث عن أسواق لصرف المنتجات، أي عبر تحقيق عمليتي العرض والطلب والاعتماد على استغلال الأسعار في السوق، أي معادلة تكاليف الإنتاج-سعر البيع في السوق. وهذه العملية بحد ذاتها تجعل النظام العالمي في حالة أزمة. ليس هذا مقصدنا عندما نتحدث عن الأزمة في النظام العالمي، وإنما نودّ أن نشير إلى أنه هناك أزمات أخرى يعاني منها النظام العالمي ومنها: أزمة دورية حيث يدخل النظام في أزمة في جانب واحد من جوانب الحياة، ويستطيع الخروج منها عبر بعض القرارات او الإصلاحات او الحلول المتوسطة المدى. وعلى سبيل المثال فإن النظام العالمي في بدايات القرن العشرين، كان يمر في مرحلة أزمة في الجانب السياسي، واستطاع الخروج منها بطرحه لمفهوم الدولة القومية، وما نتج عنه هو تجزئة الشرق الأوسط وبناء الدول القومية فيه. أما النوع الآخر من الأزمة التي يعاني منها نظام الحداثة الرأسمالية والذي كنا قد أشرنا إليه آنفا، ألا وهو أن الأزمة التي يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي في هذه المرحلة من تاريخ البشرية هي أزمة دائمة، طويلة الأمد، ليس لأن عمرها طويل بل لأنها تشمل كافة جوانب الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

أولاً- الأزمة من الجانب السياسي:  يمر النظام العالمي بأزمة جدية، حيث تشكل الدولة القومية القدم السياسي للنظام العالمي، لكنها لم تعد الحل للنفاذ من الفوضى التي يمر بها، لقد انهارت قداسة الدولة القومية في أذهان الشعوب، ولم تعد هي ظل الله على الأرض كما قال عنها هيجل لنابليون بونابرت مؤسس الدولة القومية الفرنسية، واتضح دورها الأساسي كأداة للقمع والنهب والاستغلال والاحتكار مسلطة على رقاب المجتمعات كافة، ووصلت الشعوب إلى حقيقة أن الدولة القومية التي تم بذل الدماء الغالية من أجل تحقيقها تحولت إلى سيف مسلط على رقاب هذه الشعوب بحد ذاتها، ومن أجل ذلك لم تعد هي –أي الدولة القومية- حلاً لخروج النظام العالمي من أزمته في الجانب السياسي. وبهذا الصدد يقول القائد أوجلان في كتابه مانيفستو الحضارة الديمقراطية المجلد الخامس: إن الدول القومية في الشرق الأوسط هي وسائل لتجذير الأزمة (كونها المؤسسات العميلة الأكثر تركيزا للدولة القومية المهيمنة)، وليس للنفاذ منها. ويصب هدفها في تمكين الاستقرار العالمي للدولة القومية المهيمنة. وهذا ما يعولم أزمة الرأسمالية في نهاية المآل.

وأكبر دليل على الأزمة في الجانب السياسي هو عدم وضوح الرؤية التي تفضي إلى ماهية النظام السياسي العالمي، هل سيبقي النظام العالمي على شكل الدولة القومية الحالية التي تدافع عن وجودها مع اجراء بعض الإصلاحات الديمقراطية عليها؟ أم إن لم يخنا التعبير هل سيتم بناء نظام كونفدراليات على ضوء خارطة الشرق الأوسط الجديد؟

ثانيا- الأزمة في الجانب الاجتماعي: إن علم الاجتماع الأوروبي المركز جعل الحياة مثقلة بالمشاكل والقضايا الاجتماعية التي أوصلتها إلى حد الاختناق، فالتردي الأخلاقي الكبير، مأسسة العبودية في كافة مفاصل الحياة بدأ من مؤسسة العائلة إلى أعلى المؤسسات رتبة، قضايا المجتمع الأخلاقية والسياسية، قضايا العنف الممارس على المرأة والمجتمع، وتلقي القيم المجتمعية ضربة قوية بناء على الترويج لأيديولوجية النظام العالمي المهيمن الليبرالية، بشتى الأدوات والوسائل: الحروب، الفقر المدقع، انتشار الفحوش والدعارة، التضخم السكاني الكبير، التفكك الأسري، وغيرها إنما هي مؤشرات على عمق الأزمة الاجتماعية التي يعاني منها النظام العالمي. وعلى الرغم من انتشار الكثير من المنظمات والمؤسسات التي دعت إلى توطيد الحياة الاجتماعية وتقويتها، وتعزيز الروابط الأسرية ولا سيما في أوروبا، إلا أنها لم تفي بالغرض المطلوب، وتشير معظم الدلائل إلى فقدان الحالة الاجتماعية والحياة الأسرية وهجها وترابطها المتين.

ثالثا ورابعا- الأزمة في الجانب الاقتصادي والبيئي: وهذا ما يهمنا في بحثنا هذا وبشكل خاص، هو أن النظام العالمي يعاني من أزمة حادة في الجانبين الاقتصادي والبيئي، وإلى حد كبير فإن هذين الجانبين مرتبطين بشكل كبير مع بعضهما البعض. لقد وصلت الطبيعة والحياة إلى حد النفاذ. وسببه هو النظام الرأسمالي، والذي لا يمكن أن نعرفه بأنه نظام الاقتصاد كما عرفه ماركس ولينين، إن النظام الرأسمالي هو نقيض الاقتصاد وقاتل له، أي أن الاقتصاد لا يساوي المال، وإنما يعرف الاقتصاد بأنه البنية التحتية من الموارد الطبيعية والبشرية المتواجدة في مساحة جغرافية معينة. لكن شكل الإنسان الحالي وذهنيته الذي تمت صناعته وأدلجته وفق مقاييس وذهنية النظام الرأسمالي وأيديولوجيته الليبرالية (أي الإنسان النهم الجشع الطماع، والذي هدفه هو الركض وراء الربح الأعظم، وتحقيق عملية تراكم رأس المال، وبالتالي تعزيز السلطة والمركزية وتمأسسها). الأمر الذي أدى إلى زيادة نسبة الحروب والعنف حول العالم أجمع، التي هي نتاج ممارسات هذا النظام العالمي، الذي استهلك الموارد الطبيعية ( النفط، الغاز، التربة، الهواء، الماء، وغيرها الكثير من الموارد الطبيعة)، وظهر مفهوم الأمن القومي الغذائي الذي يعقد من أجله الكثير من المؤتمرات على مستوى الدول العظمى سنوياً، وبالتالي بات البحث عن الأراضي الخصبة المدرّة للموارد الغذائية والبشرية، والبحث عن أسواق لتصريف المنتجات والتي تعد أولوية لدى هذا النظام، هي السبب الرئيسي لزيادة حدة العنف حول العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن العالم بات منقسما إلى غرب فاحش في الغنى وشرق مدقع في الفقر الأمر الذي انعكس على عملية وجود أسواق التصريف، بما معناه هناك غرب منتج ويملك زيادة في الإنتاج يقابله شرق لا يستطيع الشراء، وهذه المعادلة بحد ذاتها تعني الأزمة في النظام العالمي.

سنقوم بعرض مستفيض هنا حول نفاذ الموارد الطبيعية ونقصانها، والتخريبات البيئية الكبيرة التي أثرت على التوازن الطبيعي في البيئة، بهدف التعريف عن الدور السلبي أو الأثر السلبي الحاصل على البيئة والاقتصاد نتيجة ممارسات النظام العالمي المركزي والمهيمن طيلة الخمسمئة عام المنصرمة ونتائجها في يومنا الحالي، أي ماذا جنت البشرية على نفسها جراء ممارساتها الرعناء والعشوائية ضد النظام البيئي المتكامل.

أولاً: التغيير الكبير الحاصل في المناخ نتيجة التقلبات داخل النظام المناخي والتي سببها عوامل طبيعية وبشرية بشكل خاص ومكثف. وثانيا: الاحتباس الحراري الحاصل من زيادة نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي كغاز ثنائي أكسيد الكربون والميثان وغيرها، والناتجة من الانبعاث الكبير لها من المعامل والمصانع الكبيرة، يؤثر بشكل ملحوظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض، والذي كان عاملا مسببا في ثقب الأوزون، حيث أن الأوزون هو الطبقة التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية كما هو معلوم. ويرى أغلب العلماء أن هذه الظاهرة قد بدأت منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ولكنها اشتدت في أواخر القرن العشرين لعوامل عدة منها:

أولها: تزايد الأنشطة الصناعية منذ بدايات القرن العشرين بدرجة لم يسبق لها مثيل، سواء لتلبية الطلب الاستهلاكي المتزايد، أو لتوفير المستلزمات الضرورية للصراعات الدولية –لنضع خطين تحت عبارة الصراعات الدولية-التي تجلت بوضوح في الحربين العالميتين. وما تم بينهما من استعدادات، وما حدث بعدهما من حروب باردة ومسلحة. ثانيها: التطور الكبير والسريع للتكنولوجيا الضارة بالبيئة، والمتمثلة في التنوع الرهيب للآلات، والأدوات، والتجهيزات، ووسائل النقل المختلفة الأرضية والجوية. ثالثها: تطور قدرة الإنسان، بما صنعه من معدات، على الغوص في أعماق الأرض والمحيطات، بحثا عن المعادن ومصادر الطاقة والمياه. إلى جانب ارتفاع المستوى المعيشي للبشرية أجمالاً، وتزايد الاستهلاك للموارد الطبيعية السطحية والباطنية، والمحاصيل الزراعية، والموارد المصنعة على السواء، نتيجة للتضخم السكاني الهائل. رابعها: زيادة شدة التفاوت الاجتماعي المفرط في العالم، وما نتج عنه من زيادة ضغط الأغنياء على الموارد العالمية بالاستهلاك المفرط، وزيادة ضغط الفقراء على موارد بيئاتهم المحلية بالاستغلال المباشر. لقد زاد هذا التفاوت الاجتماعي في العالم من حدة الإجهاد البيئي، ذلك أن من يستهلك كثيرا يستنزف موارد مناطق تبتعد عن مكان إقامته آلاف الأميال، ومن لا يملك مقومات الاستهلاك بمعيار السوق، قد يستغل موارد بيئته المحلية بشكل جائر يفضي إلى التدهور. فإذا كان الغني يستنزف الغاز والنفط مثلا فإن الفقير يستنزف أخشاب محيطه الطبيعي، وبالتالي يصبح التفاوت الاجتماعي على المستويين المحلي والعالمي، عاملا إضافيا من عوامل الضغط على الموارد العالمية. المترفون يستنزفون عبر السوق والمعدومون يستنزفونها مباشرة من الطبيعة. وخامسها وأهمها هو مفهوم مفعول التراكم، ويقصد به تراكم الملوثات المنتجة في فترات سابقة، وبقاؤها كامنة في كل الأنظمة البيئية من دون أن تكون بارزة أو ذات مفعول مباشر. وهذا يعني أن الملوثات التي تنبعث حالياً تضاف إلى الكميات التي انبعثت سابقا، ولم ندرك وجودها وأثرها إلا عندما عجزت الأنظمة البيئية عن استيعابها، أي بعد اندلاع الأزمة البيئية.

كل التقربات التي ذكرناها سابقاً كان لها أثرها الكبير وانعكاساتها على البيئة والإنسان الأمر الذي يشير إلى بوادر خطيرة تتجلى في الطبيعة. ومنها: ذوبان كتل الجليد في القطبين، وما قد يسببه من ارتفاع مستوى منسوب مياه المحيطات والبحار في غمر مساحات واسعة من الأراضي الساحلية المأهولة والمزروعة تحت مياه البحر، مع العلم أن معظم سكان الأرض يرتكزون مع أنشطتهم الزراعية والصناعية قرب السواحل، إلى جانب أن هذا الارتفاع سيزيد من شدة عمليات النحت والانجراف بالسواحل ومن ظاهرة تملح التربة. زيادة نسبة الأعاصير القوية في بعض مناطق الكرة الأرضية مقارنة مع نسبتها خلال الخمس وثلاثين سنة الماضية حسب مراكز البحث الجيولوجية، والتي لها علاقة كبيرة مع الاحترار العالمي، والتي قد ينجم عنها اضطراباً كبيراً في الأنظمة المطرية واختلال توزعها الجغرافي، إذ يتوقع زيادة حدة الأمطار في بعض المناطق يقابله جفاف حاد في بعض المناطق الأخرى، وهذا من شأنه إعادة رسم خرائط جديدة لموارد المياه المتجددة في العالم، وما يسفر عنه من أزمات وهجرات وتوترات. وانتشارٍ للأمراض المنقولة عن طريق الحشرات التي بإمكانها أن تصبح قادرة على الوصول إلى مناطق كانت أقل حرارة أو إلى ارتفاعات أعلى مما كانت تصل إليه في درجات حرارة أقل، كما يمكن ان ترتفع نسب الأمراض المرتبطة بالحرارة. والحديث هنا يطول عن الأزمة البيئية والانعكاسات البيئية من جراء ممارسات الإنسان تجاه الطبيعة واغترابه عنها ودوره السلبي في اختلال التوازن البيئي.

ولا بد لنا هنا من الاستدلال بمقولة إيمانويل فالرشتاين (إن المآزق البيئية التي نواجها اليوم هي بصورة مباشرة نتيجة لكوننا نعيش في نظام اقتصاد رأسمالي عالمي. ويتابع القول: ويستدل من الاقتصاد السياسي الراهن على أن الرأسمالية التاريخية هي في أزمة فعلا، لأنها لا تستطيع أن تتوصل الى حلول معقولة لمآزقها الحالية، وعلى رأسها عجزها عن احتواء التدمير البيئي، وهو المأزق الأكبر، إن لم يكن الوحيد). إذاً نحن نقف الآن وجها لوجه أمام أزمة بيئية مستفحلة سببها ممارسات النظام القائم على مدار قرون عدة، ونحن بحاجة ماسة إلى وضع هذه الممارسات تحت مجهر الأخلاق وإعادة النظر إلى السياسة الأيكولوجية، وجعلها الركيزة الأساسية في حل كافة القضايا الاجتماعية التي نعاني منها، وجعل الأيكولوجيا والتقرب الأخلاقي من البيئة موضوع البحث الرئيسي للنفاذ من الفوضى التي تعم العالم أجمع. أي بالنظر إلى ما تطرقنا إليه آنفاً وتحدثنا عنه بشكل مستفيض ودقيق، فإننا بحاجة ماسة إلى العودة إلى الأيكولوجيا الاجتماعية، كما يدعو إليها القائد عبد الله أوجلان في كتابه الدفاع عن الشعب، إذ يقول: لا يمكن بتاتا الدفاع عن أخلاقية أو عقلانية أي نظام اجتماعي غير متكامل مع الطبيعة. لهذا السبب يتم تجاوز كل نظام يكون على خلاف أكبر مع البيئة الطبيعية، سواء على الصعيد الأخلاقي أو العقلاني (العقلي). نستخلص من هذا التعريف المقتضب أن العلاقة جدلية بين الفوضى التي يمر بها نظام المجتمع الرأسمال، وبين الكوارث البيئية القائمة. لا يمكن تخطي تلك التناقضات الجذرية مع الطبيعة، إلا بالنفاذ من ذلك النظام وتجاوزه. والعجز عن حلول شاملة ومحاولات ستبذل بغرض تحويل طبيعتنا إلى غطاء أخضر ومشعب وزاه، ترعى فيه الحيوانات، بعد أن غدت الآن صحراء مجدبة. يجب إتاحة الفرص لنشر الغابات في الطبيعة وتشجيرها. وأظن أن شعار (تمر الوطنية المثلى من التشجير ونشر الغابات)، سيكون من أثمن الشعارات وأقدسها. وسيدرك بجلاء أكبر، أن من لا يحب الحيوانات، ومن لا يرعاها أو يحميها، لن يقدر على حب الناس أيضا. وكلما أدركنا ان النبات والحيوان هما أمانة أؤتمن عليها الإنسان، ستزداد حينئذ قيمة الإنسان مرتبة أخرى.

في معرض حديثنا عن الأيكولوجيا الاجتماعية، فإن موراي بوكتشين الفيلسوف الاشتراكي اللا سلطوي كان قد طور مفهوم الآيكولوجيا الاجتماعية أيضا، في كتابه آيكولوجيا الحرية. إنه يميز بشكل واضح مفهوم الآيكولوجيا عن مفهوم حماية البيئة وارتباطه الكبير وصلته المباشرة مع المجتمع. إذ يقول: تتعامل الآكولوجيا ببساطة مع التوازن الديناميكي للطبيعة. والاعتماد المتبادل بين الأشياء الحية وغير الحية، وبما أن الطبيعة تتضمن الجنس البشري أيضا، فعلى العلم أن يتضمن الدور البشري في العالم الطبيعي. وخاصة سمات علاقات البشر مع الأنواع الأخرى وشكلها وبنيتها، وسمات علاقاتهم مع الطبقة غير العضوية للبيئة الأحيائية. ومن وجهة نظر نقدية، تفتح الآيكولوجيا موضوع اخلال التوازن الذي نتج عن الانفصال بين البشرية والعالم الطبيعي على نطاق أوسع، لقد تطور الإنسان العاقل، وهو أحد الأنواع الطبيعية والفريدة للغاية، من العالم الطبيعي إلى عالم اجتماعي فريد من تلقاء ذاته، ومع تفاعل العالمين أحدهما مع الآخر عبر مراحل معقدة للغاية، أصبح من المهم كثيراً أن نتحدث عن ايكولوجيا اجتماعية بمستوى أهمية حديثنا عن الايكولوجيا الطبيعية.

إن مفهوم الايكولوجيا مرتبطة بشكل كبير مع طريقة تفكير الإنسان وذهنيته وشكل تقاربه منها، إنها منظومة فكرية متكاملة ومترابطة بشكل مكثف ودقيق، توضح الترابط الكامل ما بين علاقات المجتمع والطبيعة وتأثيرهما المتبادل على بعضهما البعض، والنتائج المستخلصة من هذا التأثير، إنها تعتمد على مبدأ وحدة التنوع الديناميكية على حد قول موراي بوكتشين: إذ يتم الوصول إلى التوازن والتناغم في الطبيعة من خلال التمايز المتغير باستمرار، والتنوع المتزايد باستمرار. كما إن الاستقرار الايكولوجي ليس مهمة البساطة والتجانس في الواقع، بل هو مهمة التعقيد والتنوع، ولا تعتمد مقدرة النظام الايكولوجي على الحفاظ على سلامته وعلى وحدة البيئة وتماثلها، بل على تنوعها. يسلط موراي بوكتشين هنا على بعض الخصائص الكونية أمثال التنوع والتغيير والسعي الى التوازن والاستقرار والحركة الدائمة في الطبيعة، إن القوانين الكونية هذه متواجدة لدى الانسان أيضا باعتباره إ حدى نتاجات الطبيعة، أو هي الطبيعة الواعية لذاتها حسب قول الفيلسوف الألماني فيخته، وهذه الفكرة بحد ذاتها تشير إلى أننا جزء من الطبيعة ويتوجب علينا العمل من أجل مصلحتها. يتوجب علينا عدم النظر إلى الطبيعة بأنها خالية من الحياة، وأنها وجدت لخدمة الإنسان فقط. وتحطيم ثنائية (الإنسان الفاعل-الطبيعة المفعول به) في أذهاننا هذه الثنائية الفظة والمتضادة التي قام بتطويرها علم الاجتماع الأوربي المركز باستخدامه العقل التحليلي وإضفاء صفة القداسة عليه، وهذه النظرة حققت حالة اغتراب كبيرة ما بين الإنسان والإنسان أولاً وما بين الإنسان والطبيعة ثانياً وانقطاع كبير عنها، بدهاء كبير يجعلنا خطيرين على أنفسنا وعلى الطبيعة على حد سواء. ما جعل الحياة والمجتمع والطبيعة معاً مثقلة كاهلها بالكثير من القضايا الاجتماعية، لا سيما قضايا المجتمع الأخلاقية والسياسية والذهنية والاقتصادية والايكولوجية والتمدن والتعصب الجنسوي وقضايا المرأة والأسرة وغيرها من القضايا الاجتماعية، لقد حقق هذا النظام عبر تطويره لثنائية الذات العاقلة-الموضوع الشيء، والمستند على المنهج العلمي الذي طوره وقام بقيادته كلا من بيكون وديكارت، إلى تحويل كل الموجودات الحية والغير حية ومن ضمنها الإنسان والمجتمع والطبيعة إلى شيء أي تحقيق حالة التشيئ، عبر تحويلهم الى وسائل انتاج وأهداف للهيمنة والتحكم والتسلط القائم داخل المجتمع وعلى الطبيعة، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام جهنم وبئس المصير. يقول القائد أوجلان: المجتمع الرأسمالي لم يكن نتيجة طبيعية لهذه المرحلة (ويقصد هنا مرحلة عصر النهضة)، بل كان محرفها ومظللها ولعب دوره في تقهقرها وجزرها، فالإدارات المستعمرة للإنسان تطورت بالتوازي مع استغلال الطبيعة. والتحمت الهيمنة على الإنسان مع الهيمنة على الطبيعة والتحكم بها، وابتدأت أشد أشكال الهجوم التي شهدها التاريخ على الطبيعة، بحيث اعتبرت تلك الإدارات أن استغلال الطبيعة وظيفة ثورية، ضاربة بذلك عرض الحائط كل قدسياتها وحيويتها وتوازنها. وهمشت على نحو تام القدسية التي كانت موجودة – وإن كانت بشكل منحرف-في الذهنيات السابقة ورأت من حقها التصرف بالطبيعة كيفما تشاء دون رادع أو ريبة.    

 

العودة إلى الايكولوجيا إحدى مسارات الخروج من الفوضى:

يطلق على هذه المراحل من تاريخ البشرية أو تاريخ الإنسان بمراحل الفوضى البينية، أي المرحلة التي تتوسط مرحلة انهيار نظام قديم وبناء نظام جديد. إن لمراحل الفوضى البينية هذه سماتها الخاصة فهي المراحل الأكثر دموية وعنفاً ووحشيةً، ولكنها بالمقابل أكثر المراحل إنتاجية، أي أنها مرحلة مثمرة إذا ما تم قراءتها بالشكل الصحيح وبالتالي إبداء ردود الفعل المناسبة إزاءها على كافة الأصعدة بما يوازي حكمة الآلهة. وهنا يقول القائد أوجلان: ما سيتمخض من هذه المرحلة البينية هي ما ستحدده مساعي قوى الحياة الجديدة في البناء وقوة المعنى لديها. وهذه المساعي تسمى في مجال الأدب بالنضال الأيديولوجي والسياسي والأخلاقي. لقد اضطررنا هنا للعودة إلى الحديث عن الأزمة في النظام العالمي والمرحلة التاريخية الهامة التي تمر بها الإنسانية، بهدف الخروج من هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، وإنقاذ البشرية والطبيعة من براثن وهمجية ووحشية النظام القائم. ولان موضوع بحثنا هو الايكولوجيا والسياسة، فإن القضية الايكولوجية في المجتمع، وصرخاتها العالية، وباعتبارها إحدى جوانب الأزمة للنظام القائم، فإنها تحتم علينا إعادة النظر في علاقاتنا القائمة مع الطبيعة والحياة، والسعي الجاد نحو حلول ناجعة من شأنها أن تعيد التوازن الحساس للعلاقة ما بين المجتمع والبيئة إلى مسارها الطبيعي، وتوطيد أواصر العلاقة فيما بينها بشكل كبير.

ومن أجل ذلك تستطيع الحركات الايكولوجية أن تلعب دورا مهما في إعادة تحقيق التوازن ما بين الإنسان والطبيعة عبر تصاعدها بالتزامن مع تنامي الوعي الايكولوجي بشأن ظاهرة البيئة، وتسطيع أن تلعب دورا رياديا في جذب المنادين بالاشتراكية والاشتراكيين والأنا رشيين، وإضافة الحركات النسوية إليها، كونها جميعها مجتمعة تمثل الحركات المناهضة للنظام القائم، وتعتبر مضادة لها. وتعد حركات عابرة للقوميات والطبقات لأن المجتمع كله معني بها. أي يجب على مصطلح الايكولوجيا أن يتحول إلى مفهوم أيديولوجي. يقول القائد أوجلان: ومثلما الحال في الحركة الفامينية، فإن الحركة الايكولوجية بحاجة ماسة إلى الحسم الأيديولوجي. يجب إخراج تنظيمها وممارستها من شوارع المدينة الضيقة، وسكبها على المجتمع اجمع، وبالأخص على مجتمع القرية –الزراعة الريفي. فالأيكولوجيا أساسا دليل على ممارسة الريف والمجتمع القروي –الزراعي وجميع البدو والعاطلين عن العمل والنساء.

ويعاود القول: بأنه لن تنجو أية تعبئة اجتماعية مفتقرة للوعي الايكولوجي، من الانهيار والتردي، مثلما لوحظ بكل سطوع في ظاهرة الاشتراكية المشيدة. الوعي الايكولوجي هو وعي أيديولوجي أولي. وهو أشبه بالجسر الرابط بين حدود الفلسفة والآفاق الأخلاقية. والسياسة الهادفة إلى الخلاص من الأزمة العصرية الراهنة، لن تفضي إلى نظام اجتماعي صحيح، ما لم تكن سياسة ايكولوجية. ومثلما هي الحال في معضلة حرية المرأة، فمفهوم السلطوية الأبوية الدولتية المهيمنة هو الذي لعب دوراً أساسيا في الحياة المشحونة بهذا الكم الهائل من الأخطاء والإهمال في حل المشاكل الايكولوجية. كلما طورنا من الايكولوجيا والفامينية، فستختل توازنات نظام السلطوية الأبوية الدولتية الحاكمة. لن يتسم أي نضال أو صراع حقيقي في سبيل الديمقراطية والاشتراكية بالتكامل، إلا لدى تطلعه إلى حرية المرأة وتحرر البيئة كمأرب أولي. وصراع نظام اجتماعي جديد متكامل على هذه الشاكلة، إنما هو أحد أشكال النفاذ من الفوضى الحالية بأسمى المعاني.

يدعو القائد أوجلان إلى بناء مجتمع أخلاقي سياسي أيكولوجي حر، إن عبارة (مجتمع أخلاقي سياسي أيكولوجي حر) بشكلها المكثف والعميق، تمثل جوهر العصرانية الديمقراطية كأطروحة حل، والتي تعد بمثابة خارطة الطريق للخروج من النفق المظلم الذي وصلت إليه الحياة بيد النظام الرأسمالي العالمي. العصرانية الديمقراطية هي نظام اجتماعي جديد ومتكامل ولعلها هي ثمرة المراحل البينية بوجهها الخلاق والمثمر. فالمجتمع في نظام العصرانية هي منظومة أخلاقية متكاملة مبنية على العلاقة الوثيقة والترابط المتين بين الفرد ومجتمعه، إنها علاقة تكاملية بين الفرد الحر والكومونة التي ينتمي إليها والتي تضمن سيرورة المجتمع ضمن نظام اقتصادي كومونالي متكامل، على عكس الأنانية والفردية التي عززتها حتى نقي العظام في الفرد الرأسمالي الأناني الذي ينتهج مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ومبدأ تراكم الربح الأعظمي أو الركض وراء الربح الأعظم. وصراعاتها السياسية التي جلبت هذا الكم الهائل من الدمار والحروب والعنف. والأيكولوجيا هي بعد أساسي من ابعاد العصرانية الديمقراطية. ويوضح القائد رؤيته هذه بقوله: التكامل الصناعي الايكولوجي لقيمة الاستخدام وقيمة المقايضة يعد أساس البعد الاقتصادي للعصرانية الديمقراطية. إذ يستند سقف الصناعة إلى حدود الأيكولوجيا وتأمين الحاجات الأولية. أي أنه لا يمكن تخطي تلك الحدود. والصناعة التي تظهر في هذه الحالة هي صناعة ايكولوجية. فالصناعة اللا أيكولوجية هي صناعة لا اقتصادية، والصناعة التي تقطع أواصرها مع الايكولوجيا، لا تختلف البتة عن وحش آلي يبيد البيئة وينهش فيها دون التوقف. وإلى جانب ذلك، لا قيمة للصناعة المنفلتة من روابطها التي تربطها باقتصاد الاحتياجات الأولية، سوى تطلعها إلى الربح. بناء على هذه الحقائق، فإن الصناعة الايكولوجية مبدأ أساسي ينبغي أن تلتزم به جميع النشاطات الاقتصادية. وفي هذه الحال تجد الممارسة الاقتصادية معناها الحقيقي، ويخلو الميدان من: الأرضية الاجتماعية للبطالة، الإنتاج الزائد أو الناقص، البلدان والمناطق النامية أو المتقدمة، تضاد القرية والمدينة، الهوّة الموجودة بين الطبقات، ومن الأزمات الاقتصادية والحروب. 

نظام الإدارة الذاتية والايكولوجيا: تتخذ الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا الايكولوجيا مبدأً لها، وتعتمدها في الكثير من أدبياتها ولا سيما في العقد الاجتماعي لها، إذ تسعى إلى تعزيز وترسيخ الايكولوجيا كثقافة مجتمعية، عبر إعطائها الأولوية في أكاديمياتها الفكرية المنتشرة بكثافة، وقد أحدثت مؤخراً هيئة مستقلة للبيئة، إدراكاً منها للمخاطر التي تتعرض لها البيئة.  لكن ما تتعرض له الإدارة الذاتية من ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، الحصار الاقتصادي، الحرب على الإرهاب، التدخل الإقليمي والدولي في الأزمة السورية، عدم وجود مصافي سليمة لتكرير النفط وتصديره وغيرها يجعل من تطبيق السياسة الايكولوجية خلال المرحلة الراهنة صعبا نوعا ما، بالإضافة إلى أن تغيير الذهنية والنظرة إلى البيئة بنظرة كلية متكاملة ومتحدة مع الإنسان والمجتمع لا يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها، فسنويا يتم زرع المئات من الأشجار في شمال شرق سوريا، إلا أن نسبة ضئيلة منها فقط تجد النور وتنمو عاليا.

ختام:

لا يمكن انقاذ الطبيعة في مساحة جغرافية محددة دونما غيرها، حتى ولو اتبعت السياسة الأيكولوجية الصحيحة والسليمة، إنها هنا فقط تلعب دور الحل على المدى القريب أو المتوسط ولا تلعب دور الحل الجذري للأزمة البيئية، لأن الطبيعة على كوكب الأرض كل متكامل ومتحد ومؤثر ببعضها البعض، الطبيعة ليست مجزأة ولها قوانينها الخاصة التي تتحرك وفقها. لكن ما بني بيد الإنسان يمكن هدمه بيد الإنسان أيضاً، والمرحلة هذه غنية ومثمرة، ووسائل الهدم القديمة متوفرة ذهنياً وفكرياً سواء أكان ذلك على شكل آمال أو على شكل مخاطر، والأمر نفسه ينطبق على إعادة الإعمار فالأنقاض نفسها عبارة عن مناجم لإعادة تدوير نفايات عالم شديد التلف وتحويلها إلى هيكلية حرة وجديدة. كل ذلك يعتمد على مستوى الكفاحات الباسلة والمقاومات العظيمة التي يمكن أن تبديها حركات التحرر والحركات الفامينية والحركات الأيكولوجية مجتمعة لأحداث زلزال كبير في نظام الهيمنة الرأسمالية العالمية التي وصلت بنفسها إلى حافة الهاوية. وإن المستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات، ويمكننا بناء مستقبل أفضل، إذا ما استثمرنا طاقاتنا الأخلاقية في بنائه، واعددنا العدة اللازمة من أجل مكافحة كل من يحاول بناء مجتمع لا أخلاقي لا مساواة ولا عدل فيه ولا ديمقراطية، وجعلنا بناء مجتمع أخلاقي سياسي أيكولوجي حر أعظم مهامنا الثورية، وطورنا أدواتنا ووسائلنا اللازمة لتحقيق أفضل ما يمكن تحقيقه، من أجل إنقاذ الحاضر وإنقاذ المستقبل وإنقاذ الإنسانية. أي على حد قول إيمانويل فالرشتاين: هناك شيء ما يحدث في هذا العالم، إذا لم يكن لنا دور في كتابته، سيكتبه الآخرون لنا. وهي مطابقة إلى حد كبير مقولة القائد عبد الله أوجلان: الذي يتمكن من إنقاذ اللحظة، يتمكن من إنقاذ المستقبل.

 

المصادر والمراجع: 

الدفاع عن الشعب، مانيفستو الحضارة الديمقراطية المجلدين الثالث والخامس للقائد عبدا لله اوجلان

المجلد رقم 37 المعنون باسم الاحترار العالمي لمجلة عالم الفكر

كتاب نهاية العالم كما نعرفه للمفكر ايمانويل فالرشتاين

كتاب إيكولوجيا الحرية موراي بيكو تشين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.