زلال جكر
لكل داء دواء ولكل هدف غاية كذلك الأمر بالنسبة للحرب الشعب الثورية. الشعب المنظم والطموح ثائر يعمل على التخلص من نظام العبودية ليقف على أقدامه ضمن مشروع يحميه ويصون مبادئه الاجتماعية وفق آلية عمل ناجحة، لذلك سأقوم بتسليط الضوء في مقالي هذا على الدور الريادي والهام للكومينات والمجالس المنظمة ضمن مشروع حرب الشعب الثورية.
عندما نسعى لتعريف وتقييم الكومين نستطيع القول بأنه لُبّ مشروع الكونفدرالية الديمقراطية الذي يراه القائد (آبو) من عوامل نظام الامة الديمقراطية الذي يشير إليه ويطرحه ليكون نظاماً مخلصاً للشعوب من النظام الرأسمالي.
ما هو الكومين
نظام الكومين هو الخلية الأصغر والأساسية في المجتمع. وينظم نفسه على أساس تنظيم المجتمع ضمن كافة المجالات الحياتية. ويفتح المجال أمام شرائح مجتمعه، ليكون لهم الدور في التنمية والتطوير، وحتى اتخاذ القرارات الخاصة بهم دون الانتظار إلى السلطة الحاكمة. بل ليس هناك حاكم ومحكوم ضمن الكومين، فكل فرد فيه يعمل ويطور ذاته، ويفعل ذلك من أجل الجميع، والجميع يعمل ويطور نفسه من أجل فرد الكومين. أي يشبه الأنظمة القديمة للمجتمعات، بحيث كان له مكانة مؤثرة في تطوير ما نحن عليه في وقتنا الحالي. أي في المجتمع الطبيعي الذي لعب دوراً ريادياً، وترك أثره ليومنا الحالي كما ذكرت سابقاً، ففي تعريفه الأساسي في المضمون: “إدارة الشعب نفسه بنفسه” وإدارة شؤونه من كافة الجوانب، وحماية وخدمة نفسه.
وعندما ننظر إلى نظام المجتمع الطبيعي في ذلك الوقت، هو بالأساس نظام الكومين في المجتمع في وقتنا الحالي. ومن أهم مبادئه التماسك والتعاون بين أفراده، لذلك عندما كان هناك (فرداً ما/ شخصاً ما) من الكومين يحتاج لأمر ما يخصه يلجأ للكومين، فالجميع يعمل مع بعضه البعض، من أجل إدارة وتسيير الأمور المتمثلة بروح التكاتف الجماعي. أي بمعنى ليس هناك معنى للروح الفردية، فالروح الجماعية جذورها ممتدة ومتماسكة.
في المجتمع الطبيعي الذي أتطرق له لتوضيح معنى الكومين في جانب أخذ القرارات، كان واجب من الجميع التجمع ليتخذوا قراراً مشتركاً، إن كان يخص القرار قراراً للسلام أو للحرب في المجتمع، وهذا الأمر كان طاغياً على المرحلة تلك.
أعمدة الكومين تعتمد على الذهن والجهد
لكل نظام أعمدة يستند عليها ليقف على قدميه ويمد تأثيره على المحيط من خلالها، وأعمدة الكومين الأساسية هي لجانه. والكومين يستند في تسيير أعماله على اللجان التي تبذل الجهد الذهني قبل الجسدي، ومن هذه اللجان: “الخدمية، الحماية، الاقتصاد، المرأة، الصحة، الصلح” وغيرها من اللجان، بحسب متطلبات الكومين ليأخذ كل شخص مكانه في الكومين بالتساوي وبحسب قدرته لتطوير ذاته ومحيطه وأن يكون له دوراً فعالاً، وبهذه الطريقة يتشكل مجلس الكومين.
ووفقاً لذلك يمكنهم الاجتماع شهرياً مرة واحدة أو بحسب ما يتطلب الأمر من تقييم الأعمال التي يقومون بها، ووضع خطة عمل جديدة. بالإضافة إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة والقرارات التي تلبي احتياجات الأفراد ضمن الكومين، لأنه ضمن هذا التنظيم المجتمعي يستطيع أي شخص ضمن فئات المجتمع (الطفل/ة ذو 7 سنوات حتى المسن/ة 70 عاماً) المشاركة في عمل الكومين بحيث يتم التواجد من كافة الشرائح المحصنة بالعلم من (أطباء، محامين، مهندسين، معلمين، وتجار) وغيرهم من المجالات الموجودة أن يلعبوا دورهم في تنظيم بعضهم البعض. والكل له رأي يفيد ويستفيد بمعنى أنه لا يستثنى أحد. ولذلك نعتبر الكومين بأنه نظام ديمقراطي وكل شخص يمثل نفسه فيه.
ومن خلال أخذ كل الأشخاص لمكانهم في لجان الكومين، يكون باستطاعتهم تسيير أعمال الكومين في منطقتهم، لذا الكومين يلعب دوراً هاماً في بناء المجتمع، باعتباره الخلية الأساسية في المجتمع دون تحديد هوية المجتمع. لأن لكل الأشخاص دون استثناء أهميتهم في بناء وتأسيس وتطوير وتنظيم مجتمعهم وتلبية كافة احتياجاته من الجانب الإداري.
هناك بعض الأمور والأعمال التي قد تتجاوز قدرات الكومين، فيتم اللجوء إلى المجلس الأعلى منها، المتمثل بمجلس الناحية أو القرية، فبما أننا نقول إنه نظامنا هو نظام ٌكونفدرالي، بحيث يأخذ من الخلية الأصغر أساساً لنجاحه. ويشرح القائد هذا النظام من خلال تشبيهه بمسبحة الصلاة، تتكون من الحبات التي تمر من خلالها سلك أو خيط بشكل دائرة وفي آخره يوضع الرأس، بهذه الطريقة يتماسك مع بعضه وفي حال قُطِعَ الخيط تتساقط كل حباته ويبقى الرأس لوحده، لذلك نستند على الخلية الأصغر في نظامنا. كما يممكن توضحيها عبر نظام الأهرامات، أي الهرم المقلوب أيضاً، كذلك الخلية الأصغر تستند إلى الخلية الأكبر أو الأوسع منها، كما وأنه نظام لا يقبل القيود والتضييق وإتخاذ القرارات من الأعلى بل على العكس من ذلك.
وفي كل مجلس كومين رئاسة مشتركة ولكل لجنة ممثل عنها وهؤلاء يصبحون أعضاء المجلس العام أي مجلس الناحية او القرية، وبهذا الشكل يقومون بتلبية الاحتياجات وفقاً للمبادئ التي تناسب المجتمع بالتساوي.
ولكن إن لم يتمكن أعضاء الكومين من حل أو أخذ أي قرار بحق بعض الأمور وفقاً للإمكانيات التي يتمتعون بها، فيتم تحويلها إلى المجلس العام، فأعضاء المجلس يقومون بدراسة المقترحات المرسلة من الكومينات، ويصدرون بحقها القرارات بما أن عمل المجلس يكون على نطاق أوسع، ويمكنه معرفة قدرات الشعب الذي يحيطه من كافة الجوانب، وفي حال المقترحات تساعد على تطوير المجتمع، وفتح المجال لرفع مستوى الشعب معنوياً قبل أن يكون مادياً، فتمد يد المساعدة دون قتل قدرات المجتمع للتقدم على العكس من ذلك، فإدارة المجلس تقدم طرق التطوير وخاصةً من الجانب التدريبي (الفكري، العملي، الإقتصادي، السياسي) وغيرها من الجوانب، كما أن المجلس يدعم نفسه بأكثر الفئات عطاء وقدرة على البناء، بحيث يكونون أعمدة الأساس في التطور، ألا وهما المرأة والشبيبة لأنهما الأكثر نشاطاً وفعالية لتأثيرهما على المجتمع، لأجل تطوير عمل المجلس.
فمن خلال تجربة الكومينات والمجالس تمكنت النساء من المساهمة في توعية المجتمع وتخليصه من القيود التي زرعها نظام الرأسمالية فيه، وبدأت خطواتها من تأسيسها لمجلس التدريب وقيامها بتوعية النساء في كل مكان، وساهمت في القيام بحل قضاياهن، وحتى من جانب تنمية قدراتهن. وخلال هذه السنوات فتحت العديد من المشاريع الاقتصادية الكومينالية ضمن الكومينات والمجالس: منها مشاريع زراعية، تجارية وغذائية، بالإضافة إلى تأسيس أكاديميات فكرية أيديولوجيا لتوسع فيها نطاق تفكير المرأة كي ترى دورها الريادي داخل المنزل وحتى خارجه، وبأن مكان المرأة ليس فقط في المنزل بل في كل مجالات الحياة. لأن المرأة لعبت دوراً محورياُ في نهضة المجتمعات القديمة والحديثة، وأثبتت من خلال هذا الدور قدرتها على التغيير الإيجابي في تلك المجتمعات، فحضورها اللافت في مختلف جوانب الحياة وإصرارها على الوقوف على قدميها إلى جانب الرجل ومساندتها له، دليل على كونها عنصراً أساسياً في مشروع التغيير في المجتمع، بكونها تتميز بقدرتها الطبيعية النابعة من داخلها للعطاء والتجدد. فهي في كل مكان تستطيع فرض رونق قدراتها على المحيط، لإيصال المجتمع إلى مفتاح الحماية الذاتية، أن كان ذلك في حقبة المجتمع الطبيعي، أو كان في حقبة ما بعد المجتمع الطبيعي التي لم تقتل محاولاتها للتخلص من النظام السلطوي الرأسمالي، والوصول إلى نظام المساواة والعدالة الذي سيوصلها اليه إذا ما حاول النظام السلطوي إلى كسره، وتغييره نحو القيمة الوجودية لها.
فيما لم يكتفي نظام المجالس بهذا القدر بل جعل من شبيبة المجتمع أساس نجاح المشروع، لأن الشبيبة لها القدرة على الوقوف أمام كل الأنظمة حتى الرأسمالية، فلجنة الشبيبة التي كانت سابقاً، عملها فقط تنظيم الشبيبة لفعالية ما، أما الآن تحولت إلى شرارة من القوة والحماس، تتحكم بقدراتها وتفتح أمامها كافة المجالات (من التنظيمية إلى الفكرية، ومن الفكرية إلى التوعوية، ومن التوعوية إلى العلمية، ومن كل ذلك إلى روح المقاومة). والتي تهدف إلى تنمية الشبيبة من كافة الجوانب التي تسعى الرأسمالية على كبح وتحطيم إرادتهم، لكل شاب/ة طاقة تستطيع امداد مجتمعها بالمعنويات والمقاومة والاستمرارية في إثبات وجودهم.
علاوةً على ذلك أيضاً، أن من ضمن آلية عمل المجلس أن لا يكون القرار فيه فردي بل جماعي، لأنه يجب على المجلس أن لا يقطع ذهنية تفكيره من ذهنية الكومين، الذي يتغذى على روح العمل الجماعي والمشترك في كل مهامه وخطواته، كما يسعون إلى تطويره بين كل أفراد المجتمع، ومع العلم بأن المجالس والكومينات تواجه بعض المصاعب التي تبطء عملهم ولكنها لا تتوقف عن العمل وتستكمل ما تقوم به لأن هدفهم هو تسيير الأمور وليس إعاقتها وبما أن المجتمع يحاول بكل إمكانياته المشاركة فيهما ولعب دوره الفعال ضمنهما، فهذا يظهر مدى تعزيز الشعب نفسه فكرياً، للتوجه نحو تنظيم نفسه وأن لا يدخل في حالة الفوضى، التي تعمل على تفكيك المجتمعات. كمثال على ذلك: ما حصل بعد حقبة المجتمع الطبيعي فبعد كسر النظام المتساوي والمتوازن في المجتمع، أدى بالمجتمعات للتوجه نحو الحروب والصراعات للحفاظ على وجوده، ولكن حرب الشعب الثورية من خلال الكومينات والمجالس، يؤكد أهمية الحماية للحفاظ على وجوده، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتخطي حالة الفوضى التي حصلت وشتت المجتمعات.
جذور حرب الشعب الثورية “الكومين”:
بقدر ما ذكرته بأن للكومين دوراً هاماً في المجتمع، بالطبع له ذات الأهمية للعب دوره في حرب الشعب الثورية. فبقدر ما يكون الكومين له روحه الاجتماعية وتمسكه بجذوره المتينة، بهذا القدر يكون حرب الشعب الثورية لها تأثيرها الهام جداً. كالتثبيت السابق الذي أشرت إليه ضمن شرحي، عن الترابط والتوافق بين نظام المجتمع الطبيعي ونظام الكومينات، الذي فقط مارس حقه المشروع، بحيث يستطيع كل شخص أن يكون له مكانة لحماية نفسه والأنظمة الشعبية تقوم على هذه الأمور. ففي المجتمع الطبيعي تقدم التفكير والذهن البشري في الكثير من الأنظمة كنظام الطب، الزراعة، الاقتصاد… إلخ. والمرأة كانت تصنع روح التكاتف والتجمع الموحد بين الجميع، لهذا فخطوات التقدم البشري وضعت جذورها على الأرض لتتمدد وتتماسك بكل قوتها ليومنا هذا.
فوضع الكومين وحرب الشعب الثورية يظهر أهمية التكاتف الحساس للمجتمع، لأنه مكان التلاحم بينهم جميعاً، ولا يفرض أي جوانب تساعد على تفكيك هذا التلاحم.
ولحرب الشعب الثورية أهمية بقدر أهمية إدراك الشعب لوجوده ومصيره، لأنه بحسب إمكانيات تطوير الشعب نفسه ذهنياً وعلمياً ومعرفياً يمكنه أن يوصل حرب الشعب الثورية إلى مبتغاه المطلوب لأي مجتمع.
لماذا يجب تطبيق مشروع حرب الشعب الثوري
ما هي الحرب الشعب الثورية؟ ما الذي تجلبها معها؟ وما النتائج التي ستحدث مع تطبيقها؟ فعندما نهدف إلى تعريف او تقييم حرب الشعب الثورية من المؤكد تقييمها بمنطق الحرب والحماية الذاتية اللذان ينفصلان عن بعضهم البعض بالمعنى وسنشرح ذلك.
مصطلح الحماية الذاتية يأتي من صلب الجوهر الحي داخل كل كائن حي موجود على الأرض، إن كان حيوان أو نبات، وهذا يدعونا للعودة إلى المجتمع الطبيعي قليلاً. فنظام الحماية الذاتية يدل على أنه لكل فعل ردة فعله الدفاعي، فمثلاً: عند الحيوانات منها، القنفذ الذي يحمي نفسه بتغطية نفسه بأشواكه عندما يتم مهاجمته، أما النباتات فمثلاً الوردة: تحمي نفسها من خلال أشواكها، وهناك الكثير من الأمثلة، وأيضاً للإنسان له آلية الحماية في المجتمع الطبيعي وهي اجتماعيته، وبهذا استطاع الوقوف أمام العواصف والكوارث الطبيعية والحيوانات المفترسة، وحتى من الإنسان نفسه للحفاظ على وجوده في الحياة. حتى وأنهم لم يفكروا بالحروب الكبرى والصراعات ضد بعضهم، على العكس كانوا يعملون على حماية أنفسهم عبر الأزمان، قبل الدخول إلى حقبة الغزوات والهجمات والاحتلالات وانتهاك حقوق المجتمعات.
ردة فعل الإنسان لحماية نفسه أو الدفاع الذاتي لدى الجميع نسبتها قوية، فمجرد أي هجمة يظهر الرد بحركة لا إرادية لا شعورية، وهذا ما يسمى بالحماية، وهذا النوع كان قائماً في ذهنية المرأة والمجتمع، بهدف حماية المجتمع من الإنكار والإمحاء حتى انتهاء حقبة المجتمع الطبيعي، فبتلك الحقبة لم يكن يلجؤون للحرب لتوسيع رقعة الأرض التي تقع تحت سيطرتهم فهي ملك الكل وبالتساوي والتوازي. لذا هنا يكمن معنى الفرق بين الحرب والحماية الذاتية، لأن الحرب في نظام الحماية الذاتية ما هي إلا لحماية الوجود، وليس للمصالح الشخصية التي كانت في مقدمة حقبة ما بعد المجتمع الطبيعي، وتحولت الحرب لأهداف أخرى منها: عسكرية وإعلامية واقتصادية، وغيرها من أنواع الحروب إلى جبهات قتالية مليئة بالأسلحة التي تمحي وجود البشرية وأي كائن حي بدلاً من حماية وجوده.
وبدأت هذه الحقبة ما بين (200) عام و (500) عام الأخيرة، بعد دخول البشرية إلى نظام السلطة والإمبراطوريات المتمثل بنظام الدولة، وبالرغم من تشكيلها في المجتمعات لكيفية حماية النفس في نظامه، نظام الحرب الشعب الثورية. ولكن ليس بالشكل المطلوب كالمجتمع الطبيعي، الذي كان قوياً كثيراً، بحيث أن النظام السلطوي الرأسمالي لم يكن مسيطراً حينها، بل كان ضعيفا لأنه حدث اختلاف عندما كان سابقاً وتراجع تدريجياً. مع العلم أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ مؤسس وداعم إستراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد، ودعمه الشعبي لإنشاء مجموعات مسلحة بنظرية ثورية أغلبها شيوعية، إلى أن تطورت وأصبحت إستراتيجية خاصة بالشيوعيين في العالم. كما ومحاولة فرنسا تشكيل نظام جماعي مساواتي بنظرية ثورية إشتراكية بحيث قامت بها أكثر الفئات المظلومة. ولكن لم تتقدم هذه المفاهيم بالشكل المطلوب ليكون في خدمة الشعب وتحقيق مطالبه، حتى أنها انحرفت عن مسارها ولم تحقق أهدافها الثورية.
لذلك عندما نقيم مشروع حرب الشعب الثورية، فهذا يعني أن الشعب هو نفسه من يحقق هذا المشروع، وأن يتواجد في جميع أشكال الحروب، ويلعب دوره في الحماية ويحمي نفسه، ومن خلال الكومينات والمجالس يهدف إلى تثبيت مفهوم هذا المشروع، وكيفية تطويره ضمن تنظيم الكومين وتنظيم نفسه. وهذا ذو أهمية كبيرة، ووجدنا هذا في المثال الحي والواقعي في يومنا الحالي ألا وهو في روج آفا.
ففي بداية عام (2011) عندما بدأت الثورة في روج أفا، كان هناك أساس فمفهوم الحرب لدى الشعب كانت موجودة، ويعملون وفقاً لآلية الكومينات والمجالس، ولديهم الحماس والشغف للعمل. وهذا كله كان بفضل قدرات القائد عبد الله أوجلان الذي عمل بشكل دؤوب، خلال أعوام متواصلة في سوريا، التي بقي فيها كثيراً للوصول إلى هذه الذهنية، وتحضير الشعب لمثل هذا اليوم لكي يستطيع أن يخوض حرب الشعب الثورية. وأن يكون له دوره في نظامه التنظيمي سابقاً، أي أنه كانت الآلية التنظيمية للكومين موجودة، ولكن اسم الكومين لم يكون موجوداً. فكانوا يعملون ضمن المجالس (كمجلس غربي كردستان) الذي تشكل في أوائل عام (2011)، ومع الأيام وصلنا لتشكيل (اتحاد ستار) الذي استطاع الوصول إلى مستوى (مؤتمر ستار) في وقتنا الحالي، بالإضافة إلى تشكيل (حزب الاتحاد الديمقراطي) عام (2003)، وهذا على أساس تطويرهم لمهامهم. ناهيك عن تطور نشاط الشبيبة الذي تقدم بشكل بارز في الوسط، وغيرها من التطورات التي حصلت ومازالت تحصل.
في الأساس الهدف كان تقوية العمل الاجتماعي، وثورة روج آفا أصبحت الفرصة الثمينة التي بين أيدينا، عندما جاءت موجة الثورات أو موجة ربيع الشعوب في شهر تشرين الثاني من العام (2011). بدأنا في ذلك الوقت بحملة تشكيل الكومينات، وفقاً لنظام الأمة الديمقراطية الذي من اسمه يوضح معنى التنظيم والعمل الديمقراطي الذي يتلقى هجمات لكسر هذا المفهوم، ومع دخولنا لعام (2012) كانت الكومينات تأخذ مكانها المطلوب في العمل، وطورت الكثير من الجوانب في حياة المجتمع. وخاصةً أنه كانت هناك الكثير من الهجمات على هذه الثورة وهذا المشروع، فالكومين كان مكان التجمع والتدريب والمعرفة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والخدمية في ظل كافة العوائق، والحماس الملحوظ الذي كان يشاهد بين المجتمع، وتغلب على كافة الاحتمالات التي قد تضعف أو تهز إرادة الشعب، للوصول إلى تنظيمه ومشروعه المتماسك، فقوة المجتمع هي التي جعلت من الخيال واقعاً لتحقيق هذا المشروع.
وهناك الكثير من المواجهات التي أثبتت عمل الشعب وتمسكه، ففي عام (2012) انتشرت في كافة مناطق الجزيرة، كوباني، عفرين، وحلب وأصبح كل شيئ ظاهراً للعيان، وأخذوا على عاتقهم العمل وتحملوا كافة النتائج، وجعلوا من نظام الكومينات والمجالس التي شكلوها أساساً ظاهراً لإرادتهم القوية من الأعماق، من خلال تشكيلهم قوات الحماية باسم (YXK)، عبر لجنة الحماية الموجودة داخل الكومينات. لأنه وفق أسس الحماية التي تنص في حال حدوث أي هجمة أو حدث يهدد أمن وأمان المنطقة، يحق للجميع وبشكل وحدات وتجمعات القيام بواجب الحماية للحد من أي خطر يواجه مصيرهم، والجميع يتطوع حينها كي يكون له دور الحماية، إن كانوا شباباً أو شابات، نساءً أو رجالاً، فحماسهم كان يجعل الأمور سهلة امامهم، وكل هذا لإنهم كانوا منظمين. وفيما بعد تشكلت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، والذي أدى إلى تمركز الآلاف من الأشخاص ضمن هذه القوات، لكن المهم هنا ايضاً، هو كيف يمكن أن نطور ونغير في هذا النظام للأفضل.
ولذلك وسعت المجالس رقعة عملها من جانب الحماية، وما أقصده هنا هو لجنة الحماية، التي تستمر وتتطور استناداً لدور الفئة الشابة من الدرجة الأولى. فكما ذكرت سابقاً: بأن لجنة الحماية في الكومينات أدت إلى تشكيل وحدات الحماية والمجلس، وإنشاء روح المسؤولية لحماية الوطن، وذلك عبر قوات حماية المجتمع التي تتمثل بتسميتها (الجوهرية)، وتشتهر بين الشعب بهذه التسمية، نسبة إلى أن الكل يتطوع لحماية نفسه ومحيطه، وللحفاظ على جوهرهم الأخلاقي والإنساني، عبر تكاتفهم سوياً. بحيث يكون لهذه القوات الدور الكبير ضمن حرب الشعب الثورية، لأنها تفتح المجال أمام المجتمع للعمل على نفسه. ومن الجانب العسكري حمايته لنفسه، وحماية جوهره الأخلاقي المجتمعي. وأهم ما تقوم به هو جعل كل منزل مركزاً توعوياً لحماية حيه أو ناحيته أو قريته أو مدينته، ومن ثم هذا يؤدي إلى حمايتهم للوطن تلقائياً، لأنه كل الأفراد ينخرطون ضمن صفوف هذه القوات، وذلك على مبدأ المساندة الجماعية. وهذا الجانب من الحماية يطور المجتمع من الناحية الذهنية، وناحية المعرفة بأن يحمل الكل على عاقته مسؤولية الحماية. وهذه القوات استطاعت التأثير على المجتمع من صغاره حتى كباره، ليرى نفسه ضمن هذه القوات ليتمكن من حماية وجوده على أرض وطنه.
ثورة روج أفا أنشئت حرب الشعب الثورية
(19) تموز عام (2012) هي ثورة نشأت على أساس حرب الشعب الثورية بغية إظهار قوة الشعب، الذي كان من المهم أنه كيف سيلعب دوره لمواجهة المصير الذي تخبأه الأيام له، والتهديدات التي تحصل والموازين التي قد تنقلب رأس على عقب من خلالها، لأن الثقة التي يتحلى بها الشعب كانت قوية وكافية لإثبات نفسها للأيام وللمستقبل الآتي.
وبالفعل واجهنا ذلك في حلب بدايةً لتكون المحطة الأولى، التي من خلالها استطاع الأهالي تشكيل الكومينات، وتنظيم أنفسهم وفق مبادئ حرب الشعب الثورية، في ظل الحصار المفروض والهجمات المتواصلة من قبل المرتزقة، فالجميع خرج للتكاتف والمساندة. فالذي كان يخرج للجبهات ليحمل السلاح، ومنهم ما كان يسارع للقيام بطهو الطعام وإرسالها للجبهات ومنازل الأهالي، التي انقطعت عنهم كل الإمكانيات. ومنهم من يقوم بتعليم الأطفال في الأقبية، لعدم انقطاعهم عن الدراسة في تلك الظروف، فهذا الدور الريادي لما كان سيحصل لولا الروح الجماعية، التي تشكلت من خلال مبادئ حرب الشعب الثورية، فتلك الظروف كانت كافية لبناء أنفسهم ضمن كل هذه المصاعب.
ففي حربنا ضد داعش والمرتزقة مثل، (عفرين) التي تطورت بشكل ملحوظ وسريع في تلك الفترات، وكانت أمام أنظار أطماع المرتزقة، ولكننا أيضاً كنا نعاني من أخطاءً تنظيمية، وتغلبت علينا في (مقاومة العصر). لو كنا قد نظمنا أنفسنا بالشكل المطلوب، وتخطينا النواقص التي واجهتنا، كنا قد قاومنا ليس (58) يوماً فقط، فحسب وجهة نظري كنا نستطيع المقاومة حتى عاماً كاملاً، حسب الإمكانيات التي كانت تمتلكها مدينة عفرين في ذلك الوقت، وبشعبها الذي أثبت جدارته في (58) يوم.
وبهذا الصدد هناك مقولة (للقائد أبو) يقول فيها: (بحجم تنظيمك للشعب فهو لك، وبحجم تنظيمك للمكان الذي أنت فيه هو مكانك). فنحن لم نتخذ حينها من هذه المقولة أساساً لنا، ولو كنا قد أخذناها بجدية أكثر، لم نكن لندخل بتلك الأخطاء، ولكن (لكل داءً دواءً) ونحن وصلنا إلى لنتيجة مفادها: (أن حرب الشعب الثورية هي الدواء المعالج لهذه الأخطاء، التي يمكننا الآن مد جذورها في كافة المناطق).
ضمن تنظيم حرب الشعب الثورية، لا يجوز أن يتكئ شخص على الآخر، وأن يحاسب أحداً على شيء وهو مكتوف الأيدي، كما أنه ليست هناك طبقات ضمن المجتمع، بل الكل سواسية، ولا يجوز أن يؤجل العمل والتطور في المجتمع لوقت آخر. فبعضهم يقول بأنه عند حدوث شيئ ما حينها ننظم أنفسنا وفق حرب الشعب الثورية. على العكس، ففي كل ثانية ودقيقة نعيش فيها يجب أن نكون حاضرين وجاهزين وفق تنظيم حرب الشعب الثورية، وألا يخدع أحد نفسه، بأنه في الحرب توجد فقط الجيوش أو القوات العسكرية للحماية، بل الشعب هو الذي سيكون القوة الحقيقية للحماية وصد كافة الهجمات بجميع أشكالها. وللجميع دوره الهام في حرب الشعب الثورية، الذي من الواجب علينا في كل يوم أن نطور أنفسنا، فمن يستطيع حمل السلاح ليدرب أبناء حيه أو قريته، ومن يستطيع جمع المعلومات يمكنه تكوين مصادر خاصة به، وهناك من يستطيع تأمين الاحتياجات اليومية وإيصال المواد اللوجستية والذخائر، أما الشبيبة يمكنهم تنشيط دور الشبّان والشابّات، لأنهم المحرك الرئيسي للمجتمع، كما تستطيع الأمهات إعطاء الإرادة والقوة للتمسك بمبادئ الحياة، كي يكون المجتمع قادراً للوقوف على قدميه، وألا ينتظر أي قوة لحمايته بل أن يكون جديرا بمبادرته لحماية نفسه والأخرون وذلك يكمن عبر تطوير عمله ونفسه أيضاً. وبهذه الحالة يتم توزيع المهام والأعمال على كافة فئات المجتمع من شباب وشابات، شيوخ ونساء، والأهم من ذلك أن نتجنب التحرك الفردي، فكل عمل يجب أن يكون منظماً في حرب الشعب الثورية قبل حدوث المواجهات والتصعيدات، كي يكون الشعب حينها على أهبة الاستعداد في أي وقت كان. ويكون قادراً على الوقوف أمام كل العوائق التي ستواجههم، وألا يتركوا المجال للعدو وفرض حاكميته على المنطقة، بل العكس يجب أن يواجهون العدو بكل إمكانياتهم، لتجنب الإبادة والإمحاء، لأنه لا حل لدينا سوى المقاومة وتنظيم أنفسنا ضمن هذا النطاق لأجل حماية وجودنا واستمراريتنا.
بهذا الشكل أن استطعنا القيام بكل ذلك، فسيكون بالتأكيد الكومين والمجلس هو الذي يمثل إرادة الشعب بكل ما للكلمة من معنى، ليستطيع حينها الكومين أو المجلس من تنفيذ مهامه، وإحياء الذهنية الديمقراطية البعيدة، التي ترفض وبشكل قاطع قتل قدرات المجتمع، بل تعمل على تطوير بيئته المحيطة، وتهدف إلى تعريف الشعب على أهمية عمله وتطويره وتنظيمه لنفسه، ليستطيع الاعتماد على طاقاته وقدراته، واكتشاف مستوى تقدمه الفكري والتحليلي للمرحلة التي يمر فيها كي يكون على أتم الاستعداد والتأهب لصد أي خطر. فالهدوء الذي يعيش فيه المجتمع من الحين للأخر لا يفيده، فما بعد الهدوء عاصفة، ولكل عاصفة وسيلة تعمل على كبحها، وحرب الشعب الثورية هو الوسيلة التي ستكبح كل العواصف التي ستعيق تطور المجتمع. لتكن لدينا ثورة (19) تموز تجربة نظرية وعملية ملحوظة، مثل ما جرى في حلب وعفرين والمناطق الأخرى.
الشعب يحتاج لحرب الشعب الثورية:
في هذا الإطار على الشعب ان يكون مستعداً لأن حاجتنا كبيرة لثورة، كثورة شعب فيتنام والصين، التي كانتا مصدر لوضع إستراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد، وبها انتصروا على حكم الاضطهادين. وخاصةً أننا في القرن (21)، قرن حرية الشعوب أمام الأنظمة السلطوية والرأسمالية وأن نجابه العدو بطريقة الحماية الذاتية والجوهرية، اللذان يكملان حرب الشعب الثورية. وبالأخص أنها الكفيلة بإحباط أي هجمة ضد الشعوب، فيجب علينا تعزيز روح التكاتف والتشبث بالأرض ومنطق الحماية الذاتية. وذلك يكون باعتمادنا على أفكار القائد عبد الله أوجلان فعند مواجهة الشعوب المخاطر الوجودية الجدية، فلا سبيل لها إلا أن تخوض نموذج حرب الشعب الثورية.
وبهذا الصدد يقول القائد أبو: (إذا العالم كله كان لي فلن أهاجم احداً، ولكن إذا العالم هاجمتا سأقاوم حتى النهاية). وهذا هو منطقنا الأساسي الذي يجب التمسك به، وبهذه الذهنية ينبغي علينا العمل إلى جانب قواتنا. لأننا في مرحلة تقييم مكاننا في حرب العالمية الثالثة، الذين ينظمون أنفسهم وفقاً لها، وخاصةً نرى معظم جيوش العالم بدأت تتجه نحو تعليم وتطبيق تكتيك حرب الشوارع وحرب العصابات، ومن المهم جداً بالنسبة لنا معرفة العدو الداخلي قبل الخارجي في هذه المرحلة، لأنه روح حرب الشعب الثورية تبدأ من تعزيزنا عوامل المناعة في المجتمع، وتثبيت البعد المجتمعي للمقاومة والحماية. ويجب علينا حماية ذهنية المجتمع، لأن الحماية لا تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل من المهم جداً أن تتحول إلى ثقافة مجتمعية، وتتخذ الوسائل الكافية للحماية والمقاومة وهي رد فعل المجتمع. فتجربة كوباني وحلب تبين لنا الإجراءات التي يجب الاعتماد عليها لتطوير النفس ضمن مشروع الأمة الديمقراطية، وأن نأخذها كالمنطق الأساس للمقاومة والجاهزية كاملة المنبع من إرادة وقرار المجتمع الذاتي بحق المقاومة، ومجابهة المصير الذي يهدد المجتمع.
من هنا نصل لرؤية واضحة: بأنه النموذج والمشروع الذي سيؤدي بالمجتمع إلى بر الأمان، بتنظيم أنفسهم بمسؤولية أكبر ضمن الكومينات والمجالس. وأن يخضعوا لدورات تدريبية بحسب مبادئ حرب الشعب الثورية، بهذا سيكون مشروعنا مثالي ونموذجاً بارزاً لتطوير وحماية المجتمع من جميع أشكال المخاطر، لذلك من المهم أن يصل شعبنا إلى هذا القرار الذي يعزز وجوده.
ومن خلال مقالتي هذه حاولت الوصول إلى ما هو دور الكومين والمجلس ضمن حرب الشعب الثورية، الذي لا يترك المجال لانفصالهم عن بعضهم لأنهما كالروح والجسد، أي بمعنى أن الروح لا تستطيع تنفيذ شيء دون الجسد، والجسد ليس له أي أهمية دون الروح. أي أنه لا يمكننا فصل الكومين والمجلس عن حرب الشعب الثورية، فهما من سيقومان بحرب الشعب الثورية لتحقيقها وحماية المجتمع، لأنه بالتنظيم الناجح تصل إلى الشعب الناجح، والساعي نحو تحقيق الديمقراطية دون انتظار حاكم يحكمه، بل على العكس هو ما يدير شؤونه بنفسه، وذلك يعود بنا إلى نفس النقطة، التي تفيد بأن الكومين والمجلس هما العاملان الأساسيان، اللذان يمكن التصريح بأنهما نواة حرب الشعب الثورية، كنواة الكرة الأرضية التي لا يمكن للأرض دونها. وبإيصال هذه الفكرة نكون قد أشرنا إلى كيفية تحقيق حرب الشعب الثورية.