حركة PKK والحرب الشعبية الثورية

تحليلات القائد بخصوص حرب الشعبية الثورية

0

عبدالله أوجلان 

كنتُ قد نوهتُ إلى الرعشةِ التي دَبَّت في عقلي وفؤادي، وإلى حالةِ الإغشاءِ التي تلَتها بعدَ وصولي إلى التشخيصِ الذي مفادُه أنّ “كردستان مستعمَرة”. كان هذا بالنسبةِ لي حدثاً فريداً أمرُّ به لأولِ ولآخِرِ مرة. وبالفعلِ كنتُ قد استغربتُ من ذلك. لكنّ المتغيراتِ اللاحقةَ كانت ستُظهِرُ لي أسبابَ تأثيرِ مصطلحٍ ما إلى هذه الدرجة. لكني ما زلتُ عاجزاً عن إيضاحِ أسبابِ التأثرِ به منذ بدايةِ الأمر. إنّ اتخاذي (وبمفردي) لقرارِ الانبعاثِ الاصطلاحيِّ في أنقرة، في ظلِّ الأجواء التي صدَرَ فيها فرمانُ الموتِ بحقِّ كردستان والكردايتية وطغى عليها الظلامُ الدامس؛ يقتضي تحليلاً جاداً لدرجةٍ تؤهِّلُه ليَكُونَ موضوعَ رواية.

كنتُ أتميزُ بحضوري البارزِ في أوساطِ حركاتِ الشبيبةِ الثورية، الكرديةِ منها والتركية. من الواضحِ أني تأثرتُ بها. فمناصَرةُ كياناتٍ مثل “المراكز الثقافية لثوار الشرق DDKO” و”الشباب الثوري Dev-Genç” وهي في قمةِ رواجِها، لَم يَكُن حدثاً قليلَ الشأن. كما كنتُ قد سمعتُ بأسماءِ “جبهة حزب التحرير الشعبي في تركيا THKP-C” و”الجيش الشعبي لتحرير تركيا THKO” و”جيش تحرير العمال والفلاحين التركي TİKKO” (الذي يُعَدُّ الجناحَ العسكريَ لـ”الحزب الشيوعي التركي/الماركسي اللينيني TKP/ML”). وكنتُ شاهداً على الشهادةِ البطوليةِ لقياداتِها الباسلة. فمقاومةُ ماهر جايان، قائدِ “THKP-C”، في منطقةِ “مالتَبه” بمَعيّةِ حسين جواهر؛ ثم استشهادُ حسين؛ وإلقاءُ القبضِ على ماهر وهو جريح، ثم اعتقالُه فهروبُه من السجن، وأخيراً استشهادُه مع رفاقِه التسعة في حادثةِ “قزل دره”؛ جميعُها كانت أحداثاً بالغةَ التأثير. إذ تركَت لديَّ أثراً شديداً لدرجةٍ ساقَتني إلى ريادةِ أولِ اعتصامٍ نُظِّمَ في مبنى “كلية العلومِ السياسية” احتجاجاً على تلك المجزرة. كما كنتُ شاهداً على سَوقِ دنيز كزميش، قائد “THKO”، مع رفاقَيه الاثنَين إلى منصةِ الإعدام. وتأثرتُ كثيراً باستشهادِ إبراهيم كايباكايا، قائد “TİKKO”، في نفسِ الفترةِ بعدَ مقاومةٍ باسلةٍ تجاه التعذيبِ في سجنِ ديار بكر. كنتُ شاهداً على تطرقِ القياديين الثلاثةِ إلى واقعِ الكردِ كشعبٍ وكأمّة، مُضحّين بحياتِهم ثمناً لذلك. وبالإضافةِ إلى العديدِ من العواملِ الأخرى التي تأتي في المرتبةِ الثانيةِ دون ريب، فإنّ بلوغَ هؤلاء القياديين الثلاثةِ الذين ظهروا من أحشاءِ الشبيبةِ منزلةَ الشهادةِ في سبيلِ الحقيقة، كان عاملاً أساسياً مَدَّني بالجرأةِ اللازمةِ للسيرِ على دربِ واقعي الذاتيِّ الخاصِّ بي.

كان التجرؤُ على السيرِ على دربِ الواقعِ الذاتيِّ أمراً مختلفاً عن معرفةِ كيفيةِ السيرِ عليه. كنتُ قد خضتُ تجربةَ إنشاءِ مجموعةٍ من الأطفالِ أَئِمُّها في الصلاة منذ مرحلةِ الدراسةِ الابتدائية. وكانت لديَّ تجاربٌ أخرى في المجموعاتِ الريفية. لكنّ التجرؤَ على السيرِ على دربِ الحقيقةِ المميتة، وخطوَ أولى خطواتِها؛ كان انطلاقةً منفردةً لا نظير لها. ولَطالما دارت النقاشاتُ بعدَها، ووُجِّهَت الانتقاداتُ التي مفادُها: “لماذا عجزَت مديريةُ الأمنِ عن ملاحظةِ ذلك وعن اتخاذِ التدابيرِ اللازمةِ في حينِه؟”. لكن، لَم يَكُ ثمة وضعٌ يستدعي الإجراءاتِ الأمنيةَ آنذاك. بل كانت هناك انطلاقةٌ غريبةٌ يُمكنُ اعتبارُها أقرب إلى حالِ “المجنون”. إنها انطلاقةٌ مُخَوَّلةٌ لتَكُونَ مصدراً للوهنِ والأخطاءِ في حالِ عدمِ الدقة، بقدرِ ما هي حُبلى بالقوةِ والحقيقة. هذا ومن العسيرِ الردُّ على سؤال: كم كانت حركةً تعتمدُ العقل؟ وإلى أيِّ مدى كانت ثمرةَ العواطف؟ ولا معنى كثيراً لهكذا تساؤل. إذ كان من عظيمِ الأهميةِ التمكنُ من السيرِ والعيشِ بمصطلحٍ سياسيٍّ يرتكزُ إلى كلمتَين اثنتَين في فترةِ ما بين أعوامِ السبعينيات والثمانينياتِ داخل تركيا. دعكَ من الأعوام، بل كانت الأيامُ ذاتها تمرُّ ثقيلةَ الوطأةِ كما وَقعُ الرصاصة. والهدفُ الذي يُؤمَلُ تحقيقُه، كان بذاتِ نفسِه مُحاطاً بالغموضِ أكثر من الخيال. لكني كنتُ واثقاً تماماً من أنّ التحولَ إلى مجموعة هو إنجازٌ عظيم. ولكن، ليس من الصعبِ التخمينُ بأنّ لعبةَ إنشاءِ المجموعة، والتي لَعِبناها على مرأى أكثرِ عناصرِ استخباراتِ الأمنِ ثقةً بأنفسِهم، لَم تُؤخَذْ على مَحملِ الجد. بل ونُظِرَ إليها بعَين الاستهزاءِ والاستهتار. جليٌّ جلاءَ النهارِ أنهم لَم يَأمَلوا منها شيئاً، تماماً على غِرارِ عبارةِ القرويِّ الذي ذكرتُ له تجربتي المجتمعيةَ الأولى (تجربة إمكانيةِ أنْ نَكُونَ كُرداً). حيث قال يائساً: “إنك تتحدثُ إلى لوحةٍ خشبية، فكيف ستَجعلُها تَخضرّ؟”[1]. عِلماً أنّ الكثيرَ من المجموعاتِ النظيرةِ لنا كانت لا تتوانى عن نعتِنا بـ”عصابةِ كفانا اللهُ شرَّهم”. بل وأصبحَت “جماعة جيش التحرير الوطني UKO” و”الآبوجيين” من أُولى الأسماءِ المُطلَقةِ علينا. وكان إطلاقُ التسميات مَبعثَ فخرٍ لنا، تماماً كظاهرةِ تسميةِ المولود. لكنّ تلك التسمياتِ لَم تَكُنْ باختيارِنا الذاتيّ، وما كان لنا في فترةِ المجموعةِ إلا أنْ نسميَّ أنفسنا “ثوارَ كردستان“. ولَم نجرؤْ على إطلاقِ التسميةِ الحقيقيةِ على أنفسِنا، إلا بعدَ مرورِ خمسِ سنين على ولادتِنا كمجموعة. أما المسيرةُ المبتدئةُ في نوروزِ عام 1973 على شواطئِ سدِّ جوبوك بأنقرة، والتي كانت مُفعمةً بالغبطةِ والعنفوانِ الأقرب إلى حالةِ “المجنون”؛ فعندما أَفضَت إلى إطلاقِ اسمِ “حزب العمال الكردستاني PKK” على أنفسِنا في قريةِ “فيس” التابعةِ لناحيةِ “ليجة” بمدينةِ ديار بكر في السابعِ والعشرين من شهرِ تشرين الثاني عام 1978، كنا سنَعتَبِرُ أننا قد أَنقَذْنا شرفَنا. وهل كان ثمة هدفٌ أعظم من هذا؟ فأياً يَكُنْ، فقد أُسِّسَ تنظيمٌ عصريٌّ لطبقةٍ عصرية.

1-    PKK وأيديولوجيا الدولتية القومية:

إنّ المشكلةَ الأساسية المتعلقة بتكوينِ PKK تكمنُ في غموضِه بشأنِ أيديولوجيا الدولتيةِ القومية. فقد أثَّرَت أطروحاتُ جوزيف ستالين بشكلٍ خاصٍّ فيما يتعلقُ بالقضيةِ القومية، لأنه يتناولُها على أنها تعني أساساً قضيةَ تشييدِ الدولة. وقد أثَّرت مقاربتُه هذه على عموم النظامِ الاشتراكيِّ وعلى الحركاتِ التحرريةِ الوطنية كافة. كما إنّ قَبولَ لينين أيضاً بهذا الحقّ، وإسقاطَه إياه إلى مستوى بناءِ الدولةِ بوصفِها حقَّ الشعوبِ في تقريرِ مصيرِها؛ كان سبباً أولياً لوقوعِ كلِّ الأحزابِ الشيوعيةِ والاشتراكيةِ في الغموضِ الأيديولوجيّ. والموديلُ الذي اعتمدَه PKK في حلِّ القضيةِ الكرديةِ وبنى عليه انطلاقتَه، كان ذاك الذي طرحَه ستالين وصادقَ عليه لينين، أي موديلَ بناءِ الدولة. وانتهاءُ غالبيةِ الحركاتِ التحرريةِ الوطنية التي بلغَت أوجَها في تلك الفترة (ما بين أعوام الخمسينيات والسبعينيات) ببناءِ الدولة، كادَ يجعلُ من هذا النموذجِ خياراً وحيداً. أي أنّ بناءَ دولةٍ منفردةٍ بذاتِها قد غدا مبدأً اشتراكياً مقدساً ومُسَلَّماً به. بمعنى آخر، فأنْ تَكونَ اشتراكياً، كان يعني أنْ تدعمَ حقَّ الشعوبِ والأممِ المسحوقةِ والمستعمَرةِ في بناءِ الدولة. والتفكيرُ المعاكسُ كان دليلاً على التجرُّدِ من كينونةِ الاشتراكية.

أما المتطلباتُ العمليةُ لنظريةِ التحررِ الوطنيِّ المتمفصلةِ المعتمدةِ على مصطلحِ “كردستان مستعمَرة”، فكانت واضحة. فالهدفُ كان دولةً قوميةً مرتكزةً إلى حربِ التحريرِ الوطنيةِ طويلةِ المدى. بمعنى آخر، فحروبُ التحريرِ الوطنية، التي تكادُ تتكررُ يومياً في أفريقيا، وما يليها من إعلانٍ للدولِ المستقلة؛ كانت ترسمُ كفايةً معالمَ الطريقِ الذي سيُولَجُ من أجلِ حلِّ القضيةِ القوميةِ الكرديةِ أيضاً، دون الشعورِ بالحاجةِ إلى أيةِ نظريةٍ أو ممارسةٍ عمليةٍ أخرى مغايرة. فكان البحثُ في الممارساتِ العمليةِ لسياقِ التحررِ الوطنيِّ يُعَدُّ كافياً، دون الغوصِ في أعماقِ النظريةِ التحرريةِ العامة. علاوةً على أنّ الشهادةَ المُنتَهَلةَ من المعلمَين العظيمَين اللذَين ذكرناهما (لينين وستالين) كانت تَمُدُّنا بكلِّ القُوتِ النظريِّ والقوالبِ العمليةِ المطلوبة. وما تبقّى من الأمرِ كان الإتمامَ السريعَ لتشكيلِ المجموعةِ وفق هذا الإطارِ الأيديولوجيّ، وجعلَها مُلكاً للجماهير. وهذا ما جرى.

وإذ ما أَعَدنا تقييمَ فترةِ 1970–1980، فسنلاحظُ بكلِّ سهولةٍ أنّه، ولأولِ مرة، تَخرجُ القضيةُ الكردية من كونِها مشكلةَ إصدارِ مجلةٍ أو صحيفةٍ أو تأسيسِ جمعية، وترتقي إلى مصافِّ تنظيمٍ حزبيٍّ طليعيٍّ عصريٍّ ذي طابعٍ طبقيٍّ مدعومٍ ببنيةٍ عملياتيةٍ تتنامى متداخلةً معه. المهمُّ هنا لَم يَكُنْ مدى آفاقِ القوةِ التنظيميةِ والعملياتية للحزب. حيث كانت هناك أحزابٌ كرديةٌ تتصفُ بهذه المعايير وموجودةٌ منذ زمنٍ بعيد، مثل “الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ KDP” و”الحزب الاشتراكيّ الشيوعيّ التركيّ TKSP”. أما الجديدُ في الأمر، فكان يأتي من تحقيقِ التداخُلِ لأولِ مرة بين التنظيمِ والممارسةِ العملية. وهذا ما كان يعني بالنسبةِ لجغرافيا كردستان وواقعِ المجتمعِ الكرديِّ تمرداً وحرباً جديدَين منظَّمَين ومتمحورَين حول حزبٍ طليعيّ. أما أنْ تَكونَ الحربُ طويلةَ الأمد وأنْ تتكون من مراحل استراتيجية، فكان أمراً مقبولاً نظريّاً على الأقلّ. موضوعُ الحديثِ هنا هو خطوُ خطواتٍ استراتيجيةٍ وتكتيكيةٍ ناجحةٍ تتناسبُ مع الواقعَين الدوليِّ والقوميِّ السائدَين آنذاك. لكن، ورغم انعكاسِ الواقعِ والإرادةِ بهذا المنوال، إلا إنّ الهواجسَ الكبرى والنواقصَ الفادحةَ كانت تفرضُ وجودَها بعمق.

تجربة الحرب الشعبية الثورية في PKK، ونتائجها:

إنّ تهيئةَ أرضيةِ PKK في أنقرة انعكاسٌ نموذجيٌّ للسياسةِ الاستعماريةِ الكلاسيكية. وقد برزَ عددٌ جمٌّ من هذه الأمثلةِ في عمومِ المعمورة تأسيساً على علاقةِ الاستعمار–المتروبولات. لقد حاولتُ الإشارةَ إلى مخاضاتِ الخروجِ من أنقرة. ومن الساطعِ أنها إحدى أكثرِ المراحلِ مشقّة. لَم تَكُن المشقاتُ تنبعُ من القوةِ الفظة. بل من خصوصيةِ الفاشيةِ التركيةِ البيضاء وأجوائِها النفسيةِ والثقافيةِ الخانقة. فبقدرِ ما كان دخولُها عسيراً، فالخروجُ منها أيضاً كان عسيراً. كانت ماهيةُ الثقافةِ والحالةِ الروحيةِ التي حصلَ الخروجُ بها تتحلى ببالغِ الأهمية. فبَعثُ الحركةِ القوميةِ الكرديةِ وإحياؤُها في أجواءٍ توَّجَت فيها الإبادةُ الثقافيةُ نصرَها المؤزر، هو أَشبَهُ ما يَكُونُ بإخراجِ الميتِ من القبرِ حياً. كان الوضعُ يُذَكِّرُنا بالمَثَلِ الشعبيّ: “لا يأس من جسدٍ فيه روح”. إذ كانت الوظيفةُ الأساسيةُ تتمثلُ في حَمْلِ مريضِنا، الذي تَبدو عليه أَماراتُ الانبعاث، ونَقلِه إلى أوساطٍ أخرى لتأمينِ معالجتِه واستردادِه عافيتَه. كما كان وضعُنا في أورفا شبيهاً بالحالةِ المَرَضيةِ للنبيِّ أيوب. وكان “تَركُ الديارِ” خياراً لا يحتملُ التأجيل. أما اختيارُ أكثرِ ساحاتِ الشرقِ الأوسطِ غلياناً لتَكُونَ ساحةَ نشاطٍ استراتيجيّ، فكان أمراً مبدئياً من حيث علاقتِه بالهدف. إذ كانت العديدُ من القوى المماثلةِ قد اتجهَت إلى أوروبا. لكن أوروبا كانت قد تخلَّت منذ زمنٍ بعيد عن كونِها مركزَ النشاطِ الثوريّ، لتؤديَ دورَ الأبِ والأمِّ للحداثةِ التركيةِ المُسَلَّطةِ بلاءً على الرؤوس. بمعنى آخر، فالثوارُ الذين عُمِلَ على ترويضِهم وتطويعِهم بالعنفِ الفظِّ داخل تركيا، كانوا سيعودون إلى رُشدِهم في أوروبا بالعلاجِ النفسيّ، على حدِّ تعبيرِهم. كان بالوسعِ تسييرُ النشاطِ في أوروبا دون شك. ولكنْ، ما كان لنا أنْ نجعلَها مركزاً استراتيجياً.

مرت أولُ سنةٍ لنا بالانهماكِ بتغطيةِ احتياجاتِنا اللوجستية وبلَمِّ شملِ مجموعتِنا. وإذ ما أَرجَأنا روايةَ قصةِ ذلك، فسنكتفي بالتنويهِ إلى الأهميةِ الكبرى لتقييمِنا الصحيحِ للمكانِ والزمانِ الجديدَين. فقد كان PKK أيديولوجيَّ الطابع في سبعينياتِ تركيا وكردستان. إذ تَمَثَّلَ أيدلولوجيةَ الدولتيةِ القوميةِ للاشتراكيةِ المشيدة. كانت الخصائصُ الديمقراطيةُ موجودةً فيه كطاقةٍ كامنة. لكننا كنا نفتقرُ إلى الآفاقِ التي تُخَوِّلُنا لمكافحةِ النزعةِ التحريفيةِ المتفشيةِ في الاشتراكيةِ المشيدة. وما كان بمستطاعِنا خوضُ الصراعِ الموفقِ إلا بشقِّ الأنفسِ في وجهِ أيديولوجيتَي القوميةِ البدائيةِ والشوفينيةِ الاجتماعية. لكن، ومثلما لَم يَكُن ثمة داعٍ لذلك في أجواءِ المكانِ والزمانِ الجديدَين في الشرقِ الأوسط، فإنّ شروطَه أيضاً لَم تَكُن موجودة. إذ كانت الظروفُ تقتضي تطويرَ PKK ذي الحربِ الثوريةِ في الداخل، وعقدَ التحالفِ مع التنظيماتِ الأخرى ومع دولِ الاشتراكيةِ المشيدةِ في الخارج. كان PKK الأيديولوجيُّ يَعِدُ كثيراً بآمالِ الحياةِ الحرة، بالرغمِ من غموضِ بعضِ العناصرِ في أيديولوجيتِه. لكنّ تلك الوعودَ الأيديولوجيةَ لَم تَكُنْ تكفي بتاتاً لأجلِ حياةٍ حرة. لذا، كان خلقُ PKK الحربيِّ وتفعيلُه مرحلةً اضطرارية. إذ ما كان بالمقدورِ نيلُ أيةِ حرية، من دونِ وضعِ الحربِ في الحُسبان. وما كان بإمكانِنا الحظيُ حتى بهويتِنا الذاتيةِ حينذاك، فما بالك باكتسابِ الحياةِ الحرة. في حين أنّ تصوراتنا في أنقرة كانت بعيدةً عن كينونةِ الحياةِ الحرة؛ وربما كانت منحصرةً في إطلاقِ تسميةٍ على الهويةِ الذاتية. وهذا بحَدِّ ذاتِه كان محفوفاً بالمخاطرِ الكبرى. وفي المحصلة، كنا قد استحوذنا على اسمٍ للهويةِ الكرديةِ الذاتيةِ رغمَ مهالكِها. بالتالي، ما كان للخطوةِ الثانيةِ الكبرى أنْ تَكُونَ تكراراً لِما تمَّ اكتسابُه. لذا، كنا سنُبادرُ إلى خوضِ حربِ الحريةِ لأجلِ الهوية.

ومرةً أخرى كانت المشكلةُ الأساسيةُ التي تُواجهُنا فلسفيةً إلى حدٍّ بعيد. فالقضيةُ الفلسفيةُ الرئيسية تتعلقُ بالعلاقةِ بين الهويةِ والحرية. أَكان بالإمكانِ عيشُ الهويةِ من دون حرية؟ أَكانت الحريةُ بمعناها الفرديِّ ممكنةً من دونِ هويةٍ مجتمعية؟ ولَئِنْ كان من الصعبِ إعطاءُ جوابٍ إيجابيٍّ على هذَين السؤالَين الأساسيَّين، فسيتطلبُ حينها إضفاءَ المعنى على العلاقةِ بين الممارسةِ والحرية، أي بين الإرادةِ والحرية. فطرازُ القمعِ والاستغلالِ المُسَلَّطُ على الهويةِ الكردية، ليس كطرازِ القمع والاستغلالِ الذي تؤديه أيةُ دولةٍ قوميةٍ أوروبيةٍ مثلاً. ذلك أنّ أساليبَ الإبادةِ الثقافيةِ الطويلةِ المدى والمستشرية في كافةِ الحقولِ الاجتماعيةِ قائمةٌ في كردستان على قَدَمٍ وساق. وعليه، يستحيلُ الحديثُ عن الوجودِ أو الهويةِ ما دامَت تلك الأساليبُ سارية. أما الحرية، فلا تَسري عندئذٍ إلا على عناصرِ الحداثةِ للدولةِ القوميةِ الحاكمة، حيث يعيشُ سَوادُ المواطنين –هناك أيضاً– عبوديةً عصرية. أما بالنسبةِ للكرد، فيُستَهلَكُ وجودُهم وهويتُهم جزءاً تلو الآخر إلى أنْ يَزولا. وكلُّ وسائلِ الصهرِ والإبادةِ دائرةٌ على قَدَمٍ وساق في سبيلِ ذلك. موضوعُ الحديثِ هنا ليس قمعاً سياسياً واستغلالاً اقتصادياً فحسب. بل إنّ الوجودَ التاريخيَّ الاجتماعيَّ والهويةَ الذاتيةَ بحَدِّ ذاتَيهما يعانيان من الإنكارِ والإبادة. بالتالي، كان من المحالِ نيلُ الحريةِ بكفاحٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ من الطرازِ الأوروبيّ. كما ولم يَكُن ثمة داعٍ لخوضِ حربِ الوجودِ في أوروبا آنذاك. ففيما عدا بضعة استثناءات، فقد كانت الهوياتُ لا تتعرضُ هناك للإبادة والإنكار، حتى ولو تعرضت للقمع. من المهمِّ التمتعُ بالوجودِ والهوية، مهما قِيلَ أنه لا قيمة للهويةِ الذاتيةِ من دونِ حرية.

الوضعُ مختلفٌ في الظاهرةِ الكردية. إذ يتمُّ إنكارُ الوجودِ الكرديِّ وهويته. وتُنَظَّمُ الإبادةُ التعسفية على الأجزاءِ المتبقيةِ منهما. والحالُ هذه، يغدو الوجودُ والحريةُ مصطلحَين متداخلَين بحيث يستحيلُ تَحَقُّقُ أحدِهما من دون الآخر. أي، عليكَ بكسبِ الوجودِ إنْ كنتَ تَرومُ إلى الحرية، وعليكَ بنيلِ الحريةِ إنْ كنتَ تطمحُ في الوجود. هذا وبالرغمِ من سيادةِ الوسائلِ النفسيةِ والثقافيةِ الكثيفة (الأجهزة الأيديولوجية) خلال مراحل الإنكارِ والإبادة، إلا إنّ أساليبَ التطبيقِ الأوليةَ كانت تستندُ إلى القوةِ الجسدية. فالجيش، البوليس، الكونتر كريلا، الميليشياتُ الفاشيةُ المدنية، المرتزقة، والميليشيات العميلة؛ كلُّهم قائمون على نشاطاتِهم كشبكةٍ متغلغلةٍ في مساماتِ الوجودِ كافة، وبمساندةِ الناتو والقوى الحليفة الأخرى. إنّ قوى الإبادةِ الجسديةِ المرتكزةِ إلى خلفيةٍ تاريخيةٍ عمرُها مئة سنةٍ بأقلِّ تقدير، تطمعُ دوماً في استخدامِ القوى السلطويةِ والهرميةِ التقليديةِ أيضاً. لذا، يستحيلُ كسبُ الوجودِ والهوية أو نيلُ الحرية؛ من دونِ وضعِ حقائقِ تلك القوى الجسديةِ نُصبَ العين، ومن دونِ الشروعِ بممارسةٍ أو خوضِ صراعٍ يستهدفُها.

إنّ بعضَ الانطلاقاتِ الضحلةِ وتياراتِ القومويةِ البدائيةِ الملتفةِ حول الطبقةِ البورجوازية، والتي تُشاهَدُ بين صفوفِ المتواطئين الكردِ العصريين؛ وكذلك الشوفينياتِ الاجتماعيةَ التركيةَ المتواطئةَ مع الدولةِ القوميةِ الحاكمة؛ تقومُ بالتحدثِ عن كفاحٍ عامٍّ ومعياريٍّ لأجل الحرية، دون أنْ تضعَ نُصبَ أعينها نظامَ الإبادةِ والإنكارِ المُسَلَّطَ على الوجودِ والهويةِ الكرديَّين، ولا وسائلَ وسُبُلَ ممارساتِ التطهيرِ العرقيّ. لذا، ومهما كانت صادقة، إلا إنها موضوعياً تؤدي دوراً أكثر سلبيةً مما عليه قوى الإنكارِ والإبادةِ الواعيةُ لمآربِها، نظراً لتغافُلِها عن حالةِ الإبادةِ الجماعيةِ القائمة. فهي تقولُ أنه يمكنُ الحظي بالهويةِ ونيلِ الحريةِ بالثرثرةِ الديماغوجيةِ الزائفةِ التي لا طائلَ منها عملياً. أي أنها تحاولُ فرضَ قولِ “آمين” لدعاءٍ لا يُستجاب، وكأنها تسعى إلى مداواةِ كائنٍ على مشارفِ الإنكارِ والإبادة باقتراحِ أساليبَ أَشبَهُ ما تَكونُ بإعطاءِ الأسبرين مثلاً إلى مُصابٍ بمَرضِ السرطان. وهي بذلك تزعمُ أنها تداويه، لكنها في الحقيقة تتسببُ في وفاتِه. والنتائجُ بَيِّنةٌ للملأ، بالرغمِ من اختبارِها تلك الأساليبَ لسنوات. بمعنى آخر، فهي تظنُّ أنه يُمكِنُها التمتُّعُ التامّ بهوياتِها الذاتيةِ وعيشِها بحرية عبر الرياءِ وبخوضِ نضالٍ أيديولوجيٍّ وسياسيٍّ يَعتقدُ بوجودِ حقوقِ الإنسانِ وحرياتِه التي هي غائبةٌ أصلاً. بل يتعدى الأمرُ كونَه اعتقاداً ليبلغَ حدَّ الترويجِ له، سعياً منها للتشويشِ على وعيِ الشعبِ وتقزيمِ إرادتِه.

من الواضحِ أنّ النضالَ بأساليبَ ووسائلَ تشلُّ تأثيرَ أساليبِ نظامِ الإنكارِ والإبادة –حتى ولو كانت من نوعٍ مختلف– يُعَدُّ شرطاً لا بدّ منه لكسبِ الوجودِ والهويةِ والحريةِ معاً. إذ لا يمكنُ للوسائلِ الأيديولوجية والسياسية أنْ تَكُونَ مُعَيِّنةً في الظروفِ القائمةِ رغمَ ضرورتِها. ولن يصبحَ تأثيرُ هذه الوسائلِ سارياً، ولن يُناطَ بدورٍ ثمين؛ إلا بعدَ الحدِّ من وسائلِ الإبادةِ والإنكارِ عبر الأساليبِ والوسائلِ الثورية. وبالأصل، كانت تلك الحقيقة، أي جرأةُ PKK على الكفاحِ بالوسائلِ والسُّبُلِ والأدواتِ الصحيحة، مؤثراً أساسياً في حظيِ الحالةِ العملياتيةِ الموجودةِ في انطلاقةِ PKK بمؤازرةِ الشعبِ القوية، رغمَ نُقصانِها البليغ. بمعنى آخر، فاستراتيجيةُ حربِ التحريرِ الوطنيةِ المضادةِ للاستعمار، والتي تَبَنّاها في البداية، كانت تشتملُ على حقائق مهمة، بالرغمِ من بعضِ نقاطِ الغموضِ التي تحتويها. ولذلك كانت تَلقى الدعمَ والمؤازرة. فضلاً عن أنّ بعضَ العملياتِ المحدودةِ المُنجَزةِ في هذه الوِجهةِ الاستراتيجية، كانت قد لاقت اهتماماً ودعماً خارقَين. وعند ذهابِنا إلى ساحةِ الشرقِ الأوسط، كانت نقاشاتُنا تجري فيما يتعلقُ بقضايا الوجودِ والحرية. كما كنا ننتقدُ بعضَ الأحداثِ بحثاً عن استراتيجياتٍ وتكتيكاتٍ أصحَّ وأحدث.

الحرب الشعبية الثورية، التصفوية والخيانة:

لَم نَكُن نشكُّ بضرورةِ الحربِ الشعبيةِ الثورية. إذ ما كان ممكناً الحديثُ عن الهويةِ أو الحرية، دون المرورِ بمرحلةٍ كهذه. ولهذا الغرض، كنا نحاولُ منذ البدايات التركيزَ على وظيفةِ العنفِ في المجتمعِ التاريخيّ. علماً أنّ قوى العنفِ المحضِ كانت تصولُ وتعوثُ وتَحَسِّسُنا بوجودِها حتى النخاعِ كلَّ يومٍ وكلَّ ساعة. لذا، لَم يَكُن الفتحُ القسريُّ مجردَ حقٍّ من حقوقِ السيطرة. بل وكان يُعَدُّ واجباً لتنفيذِ أوامرِ الله. ومثلما الحالُ عموماً، فقد كانت القوى الحاكمة على كردستان تقليديةً بقدرِ مزاعمِها في الاستنادِ إلى الحداثة. وكانت كردستان وطناً أو أرضاً مغزوّةً منذ القِدَمِ تلبيةً لأوامرِ الربّ! وعندما تَكُونُ عناصرُ الحداثةِ موضوعَ الحديث، كان يجري التذرُّع بحججٍ إضافية، حيث من المستحيلِ النقاش حول حقِّ السيطرة. فقانونُ الربحِ الأعظم ومتطلباتُ التصنيع كانت تجعلُ من الأراضي الواسعةِ والأسواقِ ضرورةً حتمية. وكان مفهومُ الحاكميةِ الدولتيةِ القوميةِ يرتكزُ إلى نظريةِ القوةِ التي لا تُجَزَّأُ ولا تُشاطَرُ مع الغيرِ قطعياً. ولا يمكنُ المَساسُ ولو بشبرٍ واحدٍ من الحدود. بل ويستحيلُ التنازلُ حتى عن حصاةٍ صغيرة. أما الألوهية، أو بالأحرى ألوهيةُ الدولةِ القومية، التي وكأني بها تقولُ لكلِّ شيءٍ “كُنْ” فيَكُون؛ فكانت مُنزَّهةً عن السجال من خلالِ ما يضاهي الألوهياتِ القديمةَ ألفَ مرةٍ من نفوذٍ متعزز، وقوةٍ مركزية، ومجتمعٍ نمطيّ، ومواطنٍ عبدٍ كلياً، ومفاهيم واحديةٍ في كلِّ الشؤون (“وطنٌ واحد”، “لغةٌ واحدة”، “ثقافةٌ واحدة”، “عَلَمٌ واحد”، و”نشيدٌ وطنيٌّ واحد” وما شابه)، وكذلك من خلال القوى التي تحت إمرتِها. وكان أبسطُ نقاشٍ أو أيّةُ أطروحةٍ مضادةٍ يُعتَبَرُ أخطرَ جُرمٍ يُهددُ “وحدةَ الوطنِ وسيادتَه”، فيُحكَمُ عليه بأشدِّ العقوبات. أما طرحُ أبسطٍ المزاعمِ المضادةِ في أجواءٍ تسودُه هكذا ظروفٌ بقوة، وتَسري فيه بكلِّ أقوالِها وأفعالِها؛ فما كان وارداً إلا بالدفاعِ عن النفسِ عبر التسلحِ بأساليبِ العنف. لَم يَكُن هذا موضوعَ جدل. بل كان النقاشُ يدورُ حولَ متطلباتِه الاستراتيجيةِ والتكتيكية. بَيْدَ أنّ PKK لجأَ أثناء انطلاقتِه إلى وسائلِ الدفاعِ المشروعِ دون أيِّ تردد. أي، كان على PKK أنْ ينظمَ نفسَه كنوعٍ من قواتِ الميليشيا. وإلا، ما كان له أنْ يصمدَ ولو يوماً واحداً. وحتى لو صمد، فكان لن يختلفَ عن غيرِه من القوى، ولن يستطيعَ النفاذَ من التصفية.

كان قد بدأَ البحثُ في الحروبِ الشعبيةِ الثوريةِ المعاصرة. وكانت التجربتان الفييتناميةُ والأفريقيةُ بصورةٍ خاصة من أكثرِ الأمثلةِ المدروسة. إذ كانت حركاتُ التحررِ الوطنيِّ قد ظفرَت بفوزٍ كاسح، في الوقتِ الذي تدورُ فيه الاشتباكاتُ الطاحنةُ بين الاشتراكيةِ المشيدةِ والقوى المهيمنة. كان عددٌ كبيرٌ من الأمثلةِ يؤكدُ صحةَ نظريةِ التحررِ الوطنيّ. والحالُ هذه، كان لا بد من اتخاذِ هكذا نوعٍ من نموذجِ حربِ التحريرِ الوطنيِّ أساساً من أجلِ كردستان التي هي أيضاً “مستَعمَرة”. بالتالي، دَمَغَ هذا النوعُ من الحربِ بصماتِه على الفترةِ الممتدةِ من تأسيسِ المجموعةِ إلى حينِ إتمامِ الاستعداداتِ في ساحة الشرقِ الأوسط. ومنه، كانت الحربُ الشعبيةُ الثوريةُ تتصدرُ مواضيعَ البحث والدراسةِ والتداوُلِ المُقَرَّرةَ في وثائقِ جميعِ الاجتماعاتِ التدريبيةِ والكونفرانساتِ والمؤتمراتِ المُبرَمة. وكانت الاستعداداتُ العمليةُ أيضاً في هذا المنحى.

إنّ ممارساتِ انقلابِ 12 أيلول العسكريّ، وحملاتِ التعذيبِ المُرَوِّعِ بحقِّ الناسِ الذين تعجُّ بهم السجون وعلى رأسِها سجنُ ديار بكر، وكذلك مجالاتِ الحياةِ الاجتماعيةِ التي تحولَت إجمالاً إلى معسكراتِ اعتقال؛ كلُّ ذلك كان يتطلبُ منا الشروعَ بحملةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ لحظةً قبلَ أخرى. كانت ظاهرةُ الإعدامِ متفشية. وكانت عملياتُ الإضرابِ عن الطعامِ حتى الموتِ قد بدأَت. كان الوقتُ مناسباً تماماً لِما يجب عملُه. فالتاريخُ لن يصفحَ عن أيّما تأخير. أما العملياتُ التي كانت بمنزلةِ دفاعٍ عن الذات، فلَم تتوقفْ من الأساس. بل استمرّت دوماً بهذه الدرجة أو تلك. فكان علينا نقلُها إلى مستوى أعلى، حيث اكتملَت استعداداتُ ذلك بما فيه الكفاية. لذا، فمزيدٌ من الانتظارِ أو المماطلةِ فيما يتعلقُ باستراتيجيةِ الحربِ الشعبيةِ المرتكزةِ إلى القوةِ الذاتية، كان سيعني الانتهازية. انطلاقاً من ذلك، وقبل حصولِ انقلابِ 12 أيلول، وبالتحديد في شهر تموز من عامِ 1980؛ كنا قد أرسَلنا أولَ مجموعةٍ لتَعودَ إلى الوطنِ بقيادةِ كمال بير ومعصوم قورقماز. وكان تدفقُ المجموعاتِ سيستمرُّ لاحقاً عبر إيران والعراق. بناءً عليه، وحسبَ رأيي، كان لا بدّ أنْ يَكُونَ عامُ 1982 المفصليُّ عامَ إنجازِ حملةٍ جديدة (وبالأخصِّ بسببِ التعذيبِ وعملياتِ الإضرابِ عن الطعامِ حتى الموتِ في سجنِ ديار بكر). وهكذا نَقَلنا مركزَ الحملةِ الميدانيةِ إلى الوطن، إلى منطقةِ لولان، على أملِ البدءِ بها من هناك. حيث اكتَملَت الارتباطاتُ المطلوبةُ ونقلُ القواتِ اللازمةِ لذلك منذ وقتٍ طويل. لذا، كانت آمالُنا تلك مُحِقَّةً ومعقولة. لكنّ القياديين هناك سلكوا موقفاً يتمثلُ فحواه في الانحرافِ اليمينيِّ البارزِ حسب قناعتي، متحصنين بذرائعَ لا زلتُ عاجزاً عن فهمِ وجهِها الباطنيِّ حتى الآن. لقد كانوا منشغلين بتكرارِ الاستعداداتِ الجاريةِ في الشرقِ الأوسط، أي بعملِ نسخةٍ مُطابقةٍ لها. فكان هذا أولَ انحرافٍ جادٍّ استمرَّ تأثيرُه حتى يومِنا. كانت مخاوفي تزداد. فبدأتُ بتوجيهِ أولى الانتقاداتِ الجادةِ التي يُمكنُ رؤيتُها في العديدِ من الأحاديثِ والتعليمات. ووُضِعَت تلك المقارباتُ تحت مجهرِ المساءلةِ والمحاكمةِ لآخِرِ مرةٍ آنذاك، بتوجيهِ انتقاداتٍ شاملةٍ في اجتماعِ اللجنةِ المركزيةِ للحزب، والذي انعقدَ في شهرِ كانون الثاني من عامِ 1984.

كانت حملةُ 15 آب قد بدأت في نفسِ العام، ولكن متأخرةً جداً، وبطرازٍ غِرٍّ لا يحاكي استعداداتِنا، ولا يَكُونُ جواباً لها. لقد كان معناها التاريخيُّ والراهنُ ثميناً أكثرَ من العمليةِ بحَدِّ ذاتِها. وعليه، كانت ستتركُ بصماتِها على المرحلة دون بد. أما الجيشُ التركيُّ المتخندقُ بموجبِ قمعِ العصياناتِ الكرديةِ الكلاسيكيةِ في كردستان، فلَم يَكُن بالقوةِ التي تؤهِّلُه لسحقِ الحملةِ على الفورِ باستراتيجيتِه وتكتيكاتِه القائمةِ آنذاك. لذا، كان لا مهرب من بقاءِ هذا الجيشِ مكتوفَ اليدَين مقابل تكتيكاتِ الأنصارِ البسيطةِ ضمن إطارِ الحروبِ الشعبيةِ الكلاسيكية. وقد برهَنَت أولى المستجداتِ صحةَ ذلك. لكن، لنَدَعْ جانباً تنفيذَ تكتيكاتِ الأنصارِ للحربِ الشعبيةِ بمهارةٍ وكفاءة، بل لَم تَكُنْ تُطبَّقُ حتى بأبسطِ أشكالها. بالتالي، كان وارداً أنْ تُفرغَ فرصةٌ أو حملةٌ تاريخيةٌ من مضمونِها فتذهبَ سُدى. فالقيادةُ الميدانيةُ في الوطنِ تُعاندُ على عدمِ تحملِ المسؤوليات. فسادت النشاطاتُ الجماعية العفوية حصيلةَ إصرارِ القيادة الاستراتيجية.

كان معصوم قورقماز أولَ مَن لَفتَ الأنظارَ إلى الخطر. إذ كنتُ تحدثتُ إليه مِراراً إِثرَ إنجازِ الحملة. وأرسلتُه مجدَّداً إلى الوطن، بعدَ تذكيرِه بمتطلباتِ روحِ المسؤولية. كان الاعتقالُ المشؤومُ لكمال بير، وشهادةُ معصوم التي لا تنفكُّ تنتظرُ تسليطَ النورِ عليها حسب رأيي، يقَلِّلُ من فرصةِ إنجاحِ الحملة. وعليه، نادَينا الذين هم في موقعِ القيادةِ الميدانيةِ للمجيءِ إلى عندنا. لقد كنتُ مغتاظاً منهم إلى درجةِ أني قمتُ بذاتي بعقدِ مؤتمرِ عامِ 1986، الذي لَم أَكُنْ  أَرى داعياً للحضورِ التامِّ فيه، ثم أرسلتُ أغلبَهم إلى أوروبا. وفي غضونِ الفترةِ الممتدةِ من عام 1987 إلى حينِ خروجي من سوريا في التاسعِ من شهرِ تشرين الأول عام 1998، قمتُ بذاتِ نفسي بإعدادِ الحملاتِ المُضنيةِ والمتواليةِ دون انقطاع، وبإطلاقِها بدأبٍ مذهل؛ سعياً مني لإفراغِ الانتهازيةِ المفروضةِ علينا وشلِّ تنظيمَي الكونتر كريلا وJİTEM اللذَين كانا يستثمران ذلك جيداً. ونجحنا في تمكينِ السيرورةِ وفي تعظيمِ القوةِ في نضالنا. ما كان لهذه الجهودِ أن تحققَ النصرَ بمفردِها. ولكنها كانت قادرةً على شلِّ التداعياتِ السلبيةِ للانتهازيةِ وعلى إفراغِ مخططاتِ الكونتر كريلا التصفوية. وهذا ما حصل. ومع وصولِنا أواخرَ عامِ 1998، لم يَعُدْ ممكناً تصفيةُ حملتِنا التاريخيةِ في الحربِ الشعبيةِ الثورية. ولكننا بالمقابل كنا بعيدين جداً عن بلوغِ النصرِ المُرتَقَب. ،

وعندما أُقَيِّمُ تلك الفترةَ التي كان الغموضُ أثناءها يكتنفُ أيديولوجيةَ الحزبِ بخصوصِ الدولتيةِ القومية، فإني لا أبرحُ مقتنعاً بصحةِ استراتيجيةِ الحربِ الشعبيةِ وبقدرتِها على حصدِ النتائجِ المأمولة. بل كانت الحربُ الشعبيةُ الثوريةُ تُشَكِّلُ الاستراتيجيةَ الوحيدةَ الصائبةَ في تلك الفترة. بينما كانت الأساليبُ الأخرى لن تذهبَ في دورِها أبعدَ من خدمةِ الإبادةِ الجماعية. كما كانت الخطواتُ التكتيكيةُ الأوليةُ أيضاً صائبة. فالتخندقُ في الشرقِ الأوسط، تَلَقّي التدريب، تأمينُ العتادِ واللوازمِ اللوجستية، عبورُ الوطن، القيامُ بالاستعداداتِ المؤقتةِ في مناطقِ التموقع، والحفاظُ على العلاقاتِ التكتيكيةِ تلبيةً لتلك الأهداف؛ كلُّ ذلك كان صحيحاً ويَفي بالغرض. أما ما لَم يَكُن موجوداً، فهو القيادةُ التكتيكيةُ وتطبيقُ تكتيكاتِ الكريلا الاعتياديةِ المألوفة.

أنا لا أتهمُ كلَّ القاعدةِ الكادريةِ والقيادةِ الداخلية. حيث ما من شكٍّ في صدقِ ووفاءِ القِسمِ الأكبرِ منهم. فالأنشطةُ التي أنجزَها سَوادُ الكوادرِ والمقاتلين بجرأةٍ عظيمة، والتضحياتُ الجِسامُ التي أبدَوها خلال القيامِ بها تُعَدُّ جهوداً تاريخيةً بكلِّ تأكيد. هذا أمرٌ مفروغٌ منه، ولا داعي حتى للنقاشِ فيه. فما هو موجودٌ من مكاسب وإنجازات، هو بالأصلِ ثمرةُ تلك الجهودِ الثمينة. لكنّ المشكلةَ في عجزِ تلك العناصرِ عن قولِ “كفى” لهذا الكمِّ من النواقصِ وللسياقِ الذي بلغَ حدَّ الخيانة.

سوف أقومُ بتبيانِ دورِ العواملِ الخارجيةِ في ذلك على شكلِ بنودٍ رئيسية. لكنّ العواملَ الداخليةَ هي المُعَيِّنةُ هنا.

لا أنفكُّ مقتنعاً بأنه في حالِ عدمِ تطورِ حلٍّ وفق السياسةِ الديمقراطية، فمن الضرورةِ خوضُ تجربةِ استراتيجيةِ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ كوسيلةٍ أساسيةٍ لكسبِ الهويةِ ونيلِ الحرية. وكلي إيمانٌ بإمكانيةِ إنجازِ الحلِّ بالسياسةِ الديمقراطية. والشرطُ الوحيدُ اللازمُ لتحقيقِ ذلك هو قيامُ الحكوماتِ التركيةِ والسوريةِ والإيرانية (القوى النافذة في السلطة) بإبداءِ الجرأةِ والإرادة في صياغةِ الحلِّ على الصعيدِ السياسيّ. وإلا، فما سيجري هو الممارسةُ الشعبيةُ الثوريةُ القديمةُ الجديدةُ في آن، وكذلك الحربُ الشعبيةُ الثوريةُ التي هي أرقى مستوياتِ تلك الممارسة. إذ لا يمكنُ تَصَوُّرُ فشلِ الحربِ الشعبيةِ الثورية، التي أَثبَتَت جدارتَها في الماضي لدى اختبارِها بأبسطِ التكتيكات، في إحرازِ النتائجِ المرجوة بعد هذا الزخمِ المتراكمِ من التجارب. والنتيجةُ لن تتغير، حتى لو ارتُكِبَت الإباداتُ الجماعية. كما من غيرِ المتوقَّعِ الاستمرارُ بأساليبِ الإبادةِ الثقافيةِ القائمة، بعد كلِّ هذه الفضيحةِ التي طالَتها والعزلةِ التي أحاطت بها. سوف تتواجدُ القوى المتشبثةُ بتلك الأساليب. لكنّ النتيجةَ لن تتخطى حدَّ الإثمارِ عن نتائجِ أسوأ حينذاك بالنسبةِ إليها. تتجسدُ القضيةُ الأصلُ هنا في سلوكِ المنوالِ الصحيحِ وبالدرجةِ الكافية لتلبيةِ متطلباتِ الحربِ الشعبيةِ غيرِ المُنجَزةِ في الماضي.

الحرب الشعبية الثورية والتحالفات:

  • كلُّ ثورةٍ هي اتفاقٌ وتحالف. حيث لا وجود لقوى نقيةٍ في الثورات، بل يغدو العالَمُ قطبَين متقابلَين. وقد اختُزِلَ جوهرُ تطورِ المجتمعِ الكونيِّ في أيديولوجيةِ الثورات. وتَسري القاعدةُ عينُها في أيديولوجيةِ الثورةِ المضادةِ أيضاً. إذ تتحركُ القوى المضادةُ بزُبدةِ تجاربِها العالمية. أما في الواقعِ السياسيّ، فالتحالفاتُ عينيةٌ أكثر. فمرحليةُ السياسةِ وراهنيتُها تُضفي مزيداً من الوضوحِ الملموسِ على التحالفات. وما مَكَّنَ من وجودِ أيديولوجيةِ PKK هو تجربةُ الاشتراكيةِ المشيدة، والتي هي واقعٌ بَسطَ طابعَه الأمميَّ بكلِّ سطوع. حتى إنّ مفردةَ الأمميةِ بذاتِها تحتوي في معناها على التعاونِ والاتفاقِ على الصعيدِ الدوليّ. وقد سعى PKK إلى تكوينِ نفسِه سياسياً ضمن ظروفِ الاشتراكيةِ المشيدة. أما تحديدُ خَيارِه في مصافِّ معسكرِ الاشتراكيةِ المشيدةِ في ظلِّ الظروفِ الوطنيةِ والدوليةِ لذاك الوقت، فكأنه مُحَدَّدٌ سلفاً منذ انطلاقتِه. أي أنّ المشكلةَ لا تنبعُ من المفهومِ النظريِّ للاتفاق. بل هي معنيةٌ بكيفيةِ رسمِ ملامحِه على أرضِ الواقع. لقد كانت مساعي حلِّ القضيةِ الكرديةِ في ظروفِ الاشتراكيةِ داخل تركيا خياراً صائباً. ولا يُمكنُ تفنيدُ دورِ الحركةِ الاشتراكيةِ التركيةِ في تحقُّقِ انطلاقةِ PKK. فلولا جسارةُ الحركةِ الاشتراكيةِ التركيةِ في خوضِ الحرب، فإنّ الزعمَ بتَمكُّنِ PKK من التجرؤِ على خوضِ الحربِ الثوريةِ بمفردِه يبقى مجردَ احتمال. وعليه، فمن دواعي الطبيعةِ الاجتماعيةِ أنْ يقومَ الروادُ الثوريون للشعوبِ التي نُسِجَ مصيرُها المشتركُ تحت سقفِ نفسِ الدولة، بالحِراكِ المشتركِ ضمن إطارِ التحالفِ فيما بينهم قبل كلِّ شيء.

إنّ التضامنَ بين الطبقاتِ والمجموعاتِ الثقافيةِ التركيةِ والكرديةِ ومثيلاِتها أمرٌ لا يقبَلُ الجدلَ نظريّاً. في حين كان النقاشُ الدائرُ يتعلقُ بالانقطاعِ الموجودِ فيما بينها عملياً.

  • PKKحزبٌ حظيَ بوجودِه ضمن نظامِ الاشتراكيّةِ المشيدة، واتَّخذَه أساساً أيديولوجياً وسياسياً في آنٍ معاً. وعرفَ كيف يتقارب منه باحترامٍ وتقدير، بالرغمِ من موقفِه الذي اتّخذَه منذ البداية إزاء انحرافِ التحريفيةِ اليمينيةِ المتسربةِ إلى بنيةِ النظامِ الاشتراكيّ. كما اقتربَ بوِدٍّ وصداقةٍ وبنحوٍ انتقاديٍّ من البلدانِ الاشتراكيةِ وعلى رأسها الاتحاد السوفييتيّ. وحافظَ على موقفِه المبدئيِّ عينِه تجاه الحركاتِ الاشتراكيةِ في البلدانِ الأخرى أيضاً. وجَهدَ لإخراجِ القضيةِ الكرديةِ من كونِها مشكلةً مقتصرةً على دائرةِ الهيمنةِ العالَميةِ الرأسماليّة، ولتحويلِها إلى جزءٍ من النظامِ الاشتراكيِّ العالَميّ. ومع خروجِ PKK من الوطن، نشرَ موقفَه الأيديولوجيَّ هذا في الساحةِ الدوليةِ بعدَ عامِ 1980. وعقدَ علاقاتِه مع الاتحادِ السوفييتيِّ الذي كان ممثلَ النظامِ الاشتراكيِّ آنذاك. وطوَّرَ علاقاتٍ مماثلةً مع الأحزابِ الاشتراكيةِ في أوروبا. لكنّ هذه العلاقاتِ لَم ترتَقِ إلى المستوى المأمول، ولَم تذهبْ أبعدَ من تلبيةِ الأهدافِ التكتيكيةِ والمنفعية؛ بسببِ التحريفيةِ التي دَمَغَت النظامَ بمُهرِها في عمومِ العالَم. كما سادَ العجزُ عن تخطي المقارباتِ المصلحيةِ للدولتيةِ القوميةِ في الاشتراكيةِ المشيدة. أي أنّ النظامَ الاشتراكيَّ عملَ أساساً بالسياساتِ المنفعيةِ والانتفاعيةِ للدولِ القوميةِ الرأسمالية. وقد تسببَ هذا المفهوم، الذي طغى منذ البدايةِ على النظامِ القائم، بالقضاءِ على المكاسبِ الاشتراكية. كما أعاقَ أيضاً التطورَ البديلَ المتمثلَ في العلاقاتِ الأممية، فصيَّرَها أداةً لخدمةِ المصالحِ المهيمنة.
  • تتسمُ تحالفاتُ PKK في الشرقِ الأوسطِ وأوروبا والمناطقِ الأخرى بالأهمية، باعتبارِه قوةً سياسية. إذ يُعزى تفضيلُه التخندقَ في أشدِّ مناطقِ الشرقِ الأوسطِ غلياناً بعدَ عامِ 1980 إلى خصائصِه الثورية. فتلك المنطقةُ كانت تتحلى بدورٍ استراتيجيٍّ مهمٍّ من ناحيةِ عدمِ انقطاعِه عن النضالِ الثوريّ. في حين ظلَّ دورُ أوروبا منحصراً في المستوى التكتيكيّ. لقد كانت هذه مقاربةً سليمة تُشَكِّلُ جوهرَ التحالفِ مع حركاتِ التحررِ الوطنيّ، التي كانت تُعَدُّ في نفسِ الوقتِ ديناميكيةً مهمةً في عصرِها. فتطويرُ العلاقاتِ التحرريةِ الوطنيةِ على خطِّ سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل كان يعني عقدَ العلاقةِ مع أكثرِ الحقائقِ السياسيةِ غلياناً وحيويةً واتساعاً في العالَم. أما التطوراتُ المُنجَزةُ خلال حوالي عقدَين من الزمنِ بالتأسيسِ على هذه العلاقة، فلَم تقتصرْ على التعريفِ بحركةِ الهويةِ والحريةِ الكرديةِ إقليمياً فحسب، بل وعَرَّفَت العالَمَ أيضاً بها، وارتقَت بها إلى منزلةٍ استراتيجية. علماً أنّ هذه العلاقاتِ لا تزالُ تَصُونُ مضمونَها حتى اليوم.

بالرغمِ من كلِّ التصفياتِ الشاملةِ التي تعرضَ لها PKK داخلياً وخارجياً، إلا إنه عرِفَ كيف يُكَيِّفُ نفسَه مع الشروط، ويحقِّقُ التحولاتِ اللازمةَ بكلِّ إبداعٍ وخلاّقية. وعن طريقِ بديلِه في العصرانيةِ الديمقراطية، تَمَكَّنَ من عرضِ وقفتِه في وجهِ الحداثةِ الرأسمالية، بناءً على إحرازِ نجاحٍ سياسيٍّ أكثر مبدئيةً وثباتاً. كما واظبَ على أداءِ دورِه كعاملٍ متقدمٍ في تحقيقِ الدمقرطةِ الثوريةِ في الشرقِ الأوسط.

تجربة الحرب الشعبية الثورية، والأمة الديمقراطية:

إفساحُ الطريقِ أمام حقيقةِ الأمةِ الديمقراطيةِ هو من أهمِّ النتائجِ التي أسفرَت عنها تجربةُ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ التي رادَها PKK. في واقعِ الأمر، لَم يُشَرْ إلى حقيقةِ الأمةِ الديمقراطية، ولَم يُخَطَّطْ لها بعلانيةٍ ووضوحٍ ضمن بنيةِ PKK الأيديولوجية. ذلك أنّ مصطلحَ الأمةِ السائدَ في أيديولوجيتِه هو نسخةٌ اشتراكيةٌ مشيدةٌ للدولةِ القومية. والأهمُّ من هذا وذاك، أنه يَطغى مفهومٌ واحدٌ مطلقٌ لدى الحديثِ عن الأمة، ألا وهو نزعةُ أمةِ الدولةِ الهيغلية. ولا يَسودُ التفكيرُ بحقيقةِ الأمةِ خارجَ إطارِ هذا المصطلحِ وحقيقتِه. ما من ريبٍ أنّ التفسيرَ الهيغليّ لمفهومِ الاشتراكيةِ العلميةِ الماركسية يُتَّخَذُ أساساً هنا.

لاقت مقارباتُ الاشتراكيةِ المشيدة، التي سلكَها PKK خلال تجربتِه في الحربِ الشعبيةِ الثورية، أكثرَ المشقاتِ بخصوصِ الدولتيةِ القومية. فالحقيقةُ الدولتيةُ القوميةُ للكونتر كريلا التي حاربَها، قد أدّت إلى الترددِ بشأنِ معنى الحربِ الثوريةِ وأهدافِها. والأسوأُ أنّ أساليبَ كِلا الطرفَين بدأت تتشابهُ بالتدريج. فعانَت اشتراكيةُ PKK المثاليةُ من المصاعبِ المتزايدةِ في وجهِ الحقيقةِ الدولتيةِ القومية. هذا هو الواقعُ الكامنُ خلف أزمتِه التي اتضحَت معالمُها اعتباراً من عامِ 1995. فإلى أيِّ مدى تَكُونُ الدولةُ القوميةُ ظاهرةً اشتراكية؟ وكَم يُمكنُ تحقيق ذلك؟ وبناءً على الجوابِ الذي سيُعطى على هذَين السؤالَين الأساسيَّين، كانت الأزمةُ ستؤدي إلى التصفية أو ستؤولُ إلى حلٍّ قوميٍّ مغاير.

 

بالتالي، كان يتوَلَّدُ خطرُ محاكاةِ الأيديولوجياتِ القومويةِ الهادفةِ إلى الدولتيةِ القومية، لدى انزلاقِ المصطلحِ من الطابعِ القوميِّ نحو النزعةِ القوموية. مع ذلك، لَم نَكُنْ في المرحلةِ الأيديولوجيةِ نتحلى بالكفاءةِ التي تؤهِّلُنا لتمييزِ هذا الخطِّ الرفيعِ الفاصل. أما تصعيدُ حملةِ عامِ 1984 إلى الأبعادِ القومية، وإفساحُها المجالَ أمام ظروفِ الحربِ الوطنيةِ الثورية؛ فقد جعلَنا نواجِهُ مصطلحَي السلطةِ والدولِ القوميةِ عن قُربٍ أكثر، كنتيجةٍ لا مَهرَبَ منها. كنا نخوضُ الحربَ بالقوى الشعبية. وكانت ثمة حدودٌ فاصلةٌ بيننا وبين الشريحةِ العليا، إقطاعيةً كانت أم بورجوازية. كما كان رُقِيُّنا إلى مستوى البُعدِ الوطنيِّ لا يفني فاعليةَ مصطلحِ الحربِ الشعبية. وكان مصطلحُ “القومية الشعبية” يتنامى رويداً رويداً عوضاً عن “القوموية البورجوازية”. وإذ ما نظرنا إلى تكامُلِ كردستان ضمن إطارِ هذه المستجداتِ الحاصلة، فبمستطاعِنا تبيانُ النقاطِ التالية:

 

  • يمكنُنا اعتبارُ هذه الظاهرة، التي ابتدأَت في الشرقِ الأوسطِ بعدَ عامِ 1990 تأسيساً على حربِ الخليج، بأنها ثالثُ إفرازٍ مهم لـ”الحربِ العالميةِ الثالثة”: حيث شُيِّدَت الدولةُ القومية التركية كإسرائيل بِدئيةٍ صُغرى على أنقاضِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ المهزومةِ بعد الحربِ العالميةِ الأولى، وشُيِّدَت الدولةُ الإسرائيليةُ الحقيقيةُ بعد الحربِ العالميةِ الثانية، في حين شُيِّدَت الدولةُ القوميةُ الكرديةُ كإسرائيل بِدئيةٍ أفرزَتها “الحربُ العالميةُ الثالثةُ” كوسيلةِ ضمانٍ أساسيةٍ للدولةِ الإسرائيلية. وعليه؛ لاقت الدويلةُ القوميةُ الكرديةُ بعد عامِ 1990 دعماً من قوى الحداثةِ الرأسماليةِ المهيمنة أولاً (أمريكا والاتحاد الأوروبيّ واليابان وغيرها)، ومن الدولتَين القوميتَين التركيةِ والإسرائيليةِ في المنطقةِ ثانياً؛ وذلك بغية تصييرها بديلاً في وجهِ PKK. والحروبُ التي شنتها شبكةُ غلاديو ضد PKK بدعمٍ من الناتو بعد 1990، تؤيدُ هذه الحقيقةَ بسطوعٍ لا غبار عليه. إذ عُمِلَ من خلالِ قومويةِ الدولة على اتخاذِ التدابيرِ اللازمةِ مقابلَ التحولِ القوميِّ الشعبيِّ الذي عمَّ أصقاعَ كردستان كثمرةٍ من ثمارِ خيارِ PKK في الحربِ الشعبيةِ الثورية، ودارت المساعي لإفراغِه من محتواه والقضاءِ عليه. ورغمَ كلِّ نواقصِها وأخطائِها، إلا إنّ تجربةَ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ المبتدئةَ بعد عام 1990، كانت قد أَفرَغَت السياساتِ المرسومةَ بشأنِ كردستان بعد الحربِ العالميةِ الأولى، سواء تلك المرسومةُ بيَدِ قوى الهيمنةِ الغربيةِ أم الدولتَين القوميتَين التركيةِ والإسرائليةِ كقوتَين إقليميتَين. وقد كان الأمرُ كذلك اصطلاحاً وظاهرةً على السواء. ومع تعاظُمِ مصطلحِ الأمةِ الديمقراطية، كانت ملامحُ هذا الواقعِ القائمِ تتبدى أكثر، ليتحولَ هذا التَّجَلّي الشفافُ إلى حقيقةٍ متبلورةٍ كلياً مع حربِ الخليجِ الثانية (فيما بين 2003–2010). أما الخاصيةُ الأهمُّ التي بُرهِنَت صحتُها في هذه الفترة، فكانت استحالةَ تمَكُّنِ PKK من إنشاءِ أو تأسيسِ دولةٍ قوميةٍ كردية، نظراً لعدمِ مساعدةِ الظروفِ على القيامِ بذلك أيديولوجياً وعملياً. ولكن، اتَّضحَ بالمقابل استحالةُ كبحِ لجامِه أو منعِه من تحقيقِ التحولِ القوميِّ الشعبيِّ الموجودِ كطاقةٍ كامنةٍ في بنيتِه الأيديولوجيةِ كخيارٍ للأمةِ الديمقراطية.
  • الأمةُ الديمقراطيةُ ليست مجردَ اصطلاحٍ فحسب. بل وتتجسدُ كواقعٍ قائمٍ بذاتِه. فالنضالُ الذي خاضَه PKK في فترةِ المجموعةِ الأيديولوجيةِ ضد قومويةِ الأمةِ الحاكمةِ وضد قومويةِ الأمةِ المحكومة، لا يزالُ يستمرُّ كنضالِ الأمةِ الديمقراطيةِ تأسيساً على تجربةِ الحربِ الشعبيةِ الثورية ضد كِلتا الدولتيّتَين القوميتَين. وبينما تجهدُ الدولُ القوميةُ الحاكمةُ إلى الصمودِ عن طريقِ العنفِ المحضِ والمتواطئين المأجورين، فإنّ الدويلةَ القوميةَ الكرديةَ لم تتمكنْ من تَجَنُّبِ التعرضِ للعزلةِ على يدِ حركةِ الأمةِ الديمقراطية، رغمَ كلِّ القوموياتِ التي تحيطُ بها ومَن يمُدُّ يَدَ العونِ لها داخلياً وخارجياً. ولأولِ مرةٍ في تاريخِ الثورةِ الكردستانيةِ يسعى كلٌّ من خَيارِ الدولةِ القوميةِ وخيارِ الأمةِ الديمقراطيةِ إلى أداءِ دورِه في آنٍ معاً.

إنّ تمايُزَ هذَين الخيارَين في الثورةِ الكردستانية، وارتسامَ الخطوطَ الفاصلةِ بينهما أيديولوجياً وسياسياً وميدانياً بعدَما كانا متداخلَين في الثورتَين الفرنسيةِ والروسيةِ والعديدِ من الثوراتِ المعاصرةِ الأخرى؛ يُعَدُّ حدثاً ذا أهميةٍ تاريخيةٍ ملحوظة. فما ساد في جميعِ الثوراتِ المعاصرةِ حتى اليوم، كان إما سيطرةَ الشريحةِ العليا بالكامل أو تفوُّقَ الشريحةِ السفلى بمفردِها. وكانتا لا تَخُطّان حدوداً فاصلةً واضحةً فيما بينهما، سواء عندما تَكُونان متحدَتَين أم منفصلتَين. بل إنّ العملَ على تصفيةِ بعضِهما بعضاً داخلياً بات أسلوباً أساسياً تَتَّبِعانه في النضال. لكنّ هذا الوضعَ لَم يذهبْ أبعدَ من تعزيزِ قوةِ الحداثةِ الرأسمالية. أي أنّ مفهوماً نضالياً خاطئاً كان سائداً بين كِلتا الطبقتَين وكلتا الأمتَين. أما في تجربةِ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ الكردستانية، وبينما كان الوضعُ الغامضُ شبيهاً بمثيلاتِها السابقاتِ لها في بدايةِ الأمر، إلا إنّ النضالاتِ الكثيفةَ قد سَرَّعَت في نهايةِ المطافِ من وتيرةِ التمايزِ والجزمِ به. كما لَم تقتصرْ هذه التجربةُ في تلك الأوقاتِ على تخطّي الدولتيةِ القوميةِ الموجودةِ بين ثنايا الاشتراكيةِ المشيدة. بل وطوَّرَت عوضاً عنها نموذجاً يدفعُ إلى تجاوُزِ وتخطّي الدولتيةِ القوميةِ البورجوازيةِ الكائنةِ في أحشاءِ الاشتراكية على الصعيدِ الأيديولوجيّ، ويُخرِجُ القضيةَ الوطنيةَ من كونِها قضيةَ بناءِ دولةٍ قومية، ليَصُبَّها في بوتقةِ إنشاءِ الشعبِ نفسَه بنفسِه كأمةٍ متساويةٍ وحرة، أي مندرجةٍ في معيارِ الأمةِ الديمقراطية. وهكذا جعلَت معيارَ الأمةِ الديمقراطيةِ نموذجاً بديلاً في حلِّ القضايا الطبقيةِ والوطنيةِ على السواء. وصَيَّرَت الأمةَ الديمقراطيةَ من أهمِّ عناصرِ العصرانيةِ الديمقراطية (إلى جانبِ عنصرَي الصناعةِ الأيكولوجيةِ والاقتصادِ التشاركيّ المُعيق للربح). وبتجاوُزِها الدولتيةَ القوميةَ الهيغلية، التي باتت بلاءً مُسَلَّطاً على الاشتراكيةِ العلميةِ منذ ما يناهزُ القرنَ ونصفَ القرن، فتحَت الطريقَ أمام الاشتراكيةِ الأدنى إلى العلمية؛ مُنجِزةً بذلك أهمَّ مساهمةٍ في إنشاءِ الاشتراكيةِ الفلسفيةِ والعلميةِ والأخلاقيةِ والجمالية.

ج – ومقابلَ هذه المساهمةِ التاريخيةِ في الحقلِ النظريّ، فقد تسارعَ نشوءُ كيانَي الأمةِ الديمقراطيةِ والعصرانيةِ الديمقراطيةِ أيضاً داخلَ الواقعِ الاجتماعيِّ الكرديِّ المتجسدِ في كردستان على أرضِ الواقع. فمع تَكَوُّنِ الأمةِ الديمقراطيةِ صارت الحدودُ بين الكردِ في الأجزاءِ الأربعةِ من كردستان بلا جدوى. أي، وبينما تُعَدُّ الحدودُ كلَّ شيءٍ بالنسبةِ إلى الدولِ القومية، فقد أُسقِطَت إلى مرتبةِ اللاشيء بالنسبةِ إلى الأمةِ الديمقراطية. وبينما تشكَّلَت ملامحُ الأمةِ الديمقراطيةِ في عقليةِ الشعبِ كأهمِ ثورةٍ للوعي، فقد أُنشِئَ شبهُ الاستقلالِ الذاتيُّ الديمقراطيُّ أيضاً كأهمِّ ثورةٍ متجسدةٍ عينياً في الأجزاءِ الأربعة. كما جُعِلَت عجلاتُ آلياتِ الإبادةِ الثقافيةِ الخاصةُ بالدولِ القوميةِ التركيةِ والإيرانيةِ والعراقيةِ والسوريةِ تَدُورُ من دونِ جدوى بنسبةٍ مهمة. وبالمقابل، فقد صُيِّرَ الشعبُ الكرديُّ في كلِّ جزءٍ من تلك الأجزاءِ جزءاً مُبدعاً ضمن الأمةِ الديمقراطية ومُنشِئاً إياها. إنّ الحربَ الشعبيةَ الثورية، التي لَم تكتَفِ بإماطةِ اللثامِ عن مؤامرةِ الإبادةِ الثقافيةِ والدولتيةِ القوميةِ العميلةِ النابعةِ من هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ طيلةَ القرنَين الأخيرَين، تُعتَبَرُ نجاحاً عظيماً بتحقيقِها الأمةَ الديمقراطيةَ كبديلٍ راسخٍ في كلِّ جزء وفي ذهنيةِ كلِّ إنسانٍ كرديٍّ صادقٍ ومخلص وفي جسدِ كلِّ مجموعةٍ كرديةٍ وفية. بناءً عليه، فقد أَعَدَّت الأرضيةَ اللازمةَ لتطويرِ التعاونِ والتضامنِ الوديِّ بين شعوبِ الجوارِ أولاً (الشعوب التركية والعربية والفارسية)، وبين ثقافاتِ شعوبِ الأقلياتِ الأخرى والشعوبِ المُعَرَّضةِ للتصفيةِ ثانياً (الأرمن، الإغريق والسُّريان وغيرهم)؛ وهيأَت الأجواءَ لتنظيمِها جميعاً بوصفِها تَجَمُّعَ الأممِ الديمقراطية. كما فتحَت الأبوابَ على مصاريعِها أمام الرقيِّ بهذا النجاحِ التاريخيِّ على الصعيدَين الإقليميِّ والعالميّ، من خلالِ أدائِها لدورِها الرياديِّ في إنشاءِ العصرانيةِ الديمقراطية.

حروب الغلاديو التابعة للناتو ضد الحرب الشعبية الثورية:

بات واضحاً أنّ القوةَ الأساسيةَ التي تحاربُ في كردستان ضد حملةِ 15 آب 1984، هي قوى الغلاديو التي تُعَدُّ الجيشَ السريَّ للناتو. فأهمُّ حدثٍ أثبَتَ عدمَ كفايةِ نظامِ الأمنِ التركيِّ في محاربةِ PKK، هو حملةُ 15 آب 1984. وفي حقيقةِ الأمر، فقد بدأ نُقصانُ نظامِ الأمنِ هذا منذ خروجِنا من أنقرة، وبات أمراً مجزوماً به مع تموقُعِنا في الشرقِ الأوسط وبعد إنجازِ الحملة. وتلا ذلك إدخالُ غلاديو التابعة للناتو (والتي تجعلُ من ألمانيا مركزاً لها) في جدولِ الأعمالِ سنةَ 1985. إذ يجب ألاّ ننسى أنّ ألمانيا هي أولُ دولةٍ أعلنَت PKK “إرهابياً” في 1985، لأنها تُعَدُّ مركزاً أُسّاً لجيشِ الغلاديو. فلدى إنشاءِ غلاديو الناتو، جُعِلَ مركزُه في ألمانيا مسؤولاً عن القِسمِ الذي في أوروبا. لَم نَكُنْ على عِلمٍ بهذه الحقائقِ في البداية. بل وكنا نَعتَبِرُ الاتحادَ الأوروبيَّ والبلدانَ الأوروبيةَ الأخرى، وعلى رأسِها ألمانيا، أصدقاءً للنضالِ الثوريّ. وبعدَ ذلك بزمنٍ طويلٍ أدركنا أنّ ما يجري هو حربٌ خفيةٌ ضد الشعوب (بما في ذلك شعوبُ أوروبا أيضاً، وفي مقدمتِها شعوبُ إيطاليا واليونان والبلقان). فلدى تأسيسِ الناتو، شُكِّلَ هذا الجيشُ أيضاً ضد تَسَلُّلاتِ الشيوعية. وقِلّةٌ نادرةٌ جداً انتبهَت إلى هذا الأمر. هذا وغالباً ما أُدرِجَ الجيشُ السريُّ حيزَ الحركةِ ضد الثوارِ في إيطاليا واليونان وتركيا وألمانيا. ومع انهيارِ الاتحادِ السوفييتيِّ وخروجِ روسيا الاتحاديةِ من كونِها تهديداً، خسرَ الجيشُ أهميتَه في الدولِ الأعضاءِ في الناتو، عدا تركيا التي ارتفعَت فيها أهميتُه إلى مستوياتٍ أعلى بكثير. وقد لعبَت الثورةُ الإيرانيةُ (1979) واحتلالُ أفغانستان من قِبَلِ الاتحادِ السوفييتيِّ (1980) دوراً مهماً في ذلك. علاوةً على الدعمِ اللامحدودِ إلى الغلاديو التركيّ، بسببِ قيامِ تركيا بدورِ الحارسِ في الشرقِ الأوسط. كما إنّ الرغبةَ في حمايةِ إسرائيل أيضاً عاملٌ مهم في هذا الصدد. أما مواردُ النفطِ وضرورةُ حماية السلطاتِ المتواطئة، فهي من العواملِ الأخرى المهمةِ التي دفعَت دوماً إلى الإبقاءِ على الغلاديو في الأجندة.

لَم تَكُن حملةُ 15 آب 1984 في الحُسبان. وعندما تحققَت، اعتُقِدَ بدايةً أنها مغامرةٌ يساريةٌ بسيطة، وأنّ الجيشَ الكلاسيكيّ وقواتِ البوليسِ والاستخباراتِ قادرةٌ على تذليلِها فوراً. لكنّ العجزَ عن إنهاءِ أمرِها في العامِ الأولِ أفضى إلى نقلِ المسألةِ إلى حلفِ الناتو، الذي أقرَّ في 1985 بالتدخلِ بناءً على المادةِ الخامسةِ من قانونِه التأسيسِيّ. فأعلَنَت الدولةُ الألمانية PKK “تنظيماً إرهابياً” بموجبِ ذاك القرار. بعدَ عامِ 1985 أيضاً كنا ظاهرياً نُحاربُ قوات الأمنِ التركيّة. إذ عُمِلَ على إبرازِ هذا المظهرُ عمداً. بينما كانت الحربُ في مضمونِها ضد غلاديو الناتو. لا جدل في أنّ فرعَ الغلاديو في تركيا كان يلعبُ دوراً بالغَ الأهمية. ولكنّه لَم يَكُن الفرعَ الوحيد، لأنّ ضخامةَ العددِ كانت لا تكفي لنيلِ النتيجةِ المرجوة. وكان عصياً على قوات الأمنِ التركيّةِ لوحدِها أنْ تخوضَ حرباً بهذا النطاقِ لمدةِ عامٍ واحدٍ فقط، فما بالكَ بعدةِ أعوام. وحتى لو خاضَتها، لَكان ذلك دليلاً على إفلاسِها كدولةٍ خلال فترةٍ وجيزة. وعليه، فالحربُ كانت حرباً ضد الناتو، حتى وإنْ لَم يَكُنْ ذلك علناً، بل عَمِلَت آلياتُها بسريةٍ كبيرة.

كانت العلاقاتُ مع KDP حرجة. إذ ربما كان يرغب في اتِّباعِ أساليب إزاء PKK شبيهةٍ بموقفِه من الدكتور شفان (أي، سعيد قرمزي توبراق، رئيس فرع KDP في تركيا)، والذي انتهى إلى قتلِ الدكتور شفان وأهمِّ مساعدَين لديه، وإلى بعثرةِ أعضاءِ المجموعةِ الآخرين. فقد كان ممثلو KDP يعارضون قيامَ الكريلا بالحملات. فانشغلوا بزرعِ العراقيلِ على دربِهم واحدةً تلو الأخرى. وتسبَّبَوا في استشهادِ عددٍ جمٍّ من رفاقِنا، وخاصةً أثناء عبورِ الحدودِ لأجلِ دخولِ الوطنِ ثانية. ثم اكتسبَت الاشتباكاتُ وعملياتُ القتلِ طابعَاً متواصلاً. كانت تساورني الشكوك والهواجسُ بأنّ مطالبةَ مسعود البرزاني علناً بالتراجعِ عن حملةِ 15 آب أثناء لقاءٍ له معي في الشام سنةَ 1985، ليست مَطلباً فرضَته قوى الأمنِ الداخليِّ التركيِّ وحسب، بل وكانت مبادرةً على صِلةٍ بإسرائيل وغلاديو الناتو أيضاً. بالتالي، من عظيمِ الأهميةِ عدمُ النظرِ إلى علاقاتِنا وصِداماتِنا مع KDP على أنها أحداثٌ مُوَجَّهةٌ من طرفِ قوى الأمنِ الداخليِّ التركيِّ وحسب. بل وينبغي تقييمُها أيضاً على صعيدِ سياساتِ إسرائيل وغلاديو الناتو. إنه موضوعٌ يستلزمُ البحثَ الشامل. لقد كانت حملةُ 15 آب خارجَ دائرةِ المعلوماتِ الأكيدةِ للنظام، بالرغمِ من تخمينِه سلفاً لمجراها وللعامِ الأولِ الذي تلاها. بالتالي، لَم يُجزَمْ قطعياً بالمسارِ الذي ستسلكُه، ولَم تُخَمَّنْ بتاتاً وِجهتُه وآفاقُه (الأمرُ كذلك بالنسبةِ لنا أيضاً). لا جدال في أنها فتحَت الطريقَ أمام مرحلةٍ جديدة. ولكني على قناعةٍ بأنّ نتائجَها كانت محطَّ دراسةِ قوى الأمنِ الداخليِّ التركيِّ وشبكةِ الغلاديو وحِلفِ الناتو على مدارِ سنةِ 1985 بأقلِّ تقدير، وخاصةً فيما يتعلقُ ببصماتِها التي تركَتها على النظامِ القائم.

 

ثالثُ وأهمُّ مرحلةٍ في حروبِ الغلاديو، هي المرحلةُ المبتدئةُ من عام 1985 وحتى مقتلِ تورغوت أوزال في 1993. ففي عامِ 1985 أُدرِجَت البندُ الخامسُ من القانونِ التأسيسيِّ للناتو حيزَ التنفيذ، والذي ينصُّ على أنّ “أيّ اعتداءٍ مسلَّح على إحدى الدول الأعضاء يُعتَبَرُ اعتداءً مسلحاً على باقي الدول”. لقد نُفِّذَت الممارساتُ ضمن إطارِ الغلاديو. ونظراً لأنّ مركزَ التنفيذِ موجودٌ في ألمانيا، فقد كانت الدولةُ الألمانيةُ أولَ مَن قرَّرَ إعلانَ PKK “تنظيماً إرهابياً”. إذ قامَت ألمانيا، ومركزُ شبكةِ غلاديو التابعةِ للناتو وامتداداتُها في تركيا، وقوى الأمنِ الداخليِّ التركيِّ بجذبِ KDP إلى صفِّها؛ للشروعِ جميعاً في شنِّ هجومٍ مضادٍّ كثيفٍ علينا ضمن إطارِ الخطةِ المرسومة. فالمطالبُ الأساسيةُ في اللقاءاتِ المُبرَمةِ معي، والتي استمرّت عن طريقِ KDP والبرزانيين بوجهٍ خاصّ، كانت تتمحورُ حول إنهاءِ الحملةِ من تلقاءِ ذاتنا. لقد كانت تلك المطالبُ أو المقترحاتُ تعبيراً عن تحديثٍ للقرارِ الذي اتَّخَذَته الهيمنةُ الرأسماليةُ بشأنِ القضيةِ الكرديةِ في مؤتمرِ القاهرةِ المنعقدِ عام 1920. فكما هو معلوم، كان ذلك القرارُ يرتأي تركَ القضيةِ الكرديةِ في حالةٍ دائمةٍ من العقم، والحفاظَ عليها منتعشةً بهدفِ الإبقاءِ على الشرقِ الأوسطِ تحت ظلِّ الهيمنةِ الدائمة. أما الدورُ الذي أُنيطَ به KDP والبرزانيون، فهو مرتبطٌ بتنفيذِ هذه الرؤيةِ المُستَقبليةِ في كردستان. ونظراً لأنّ تلك الرؤيةَ تهدفُ إلى تحقيقِ وجودِ إسرائيل وتوطيدِه، فسيتمُّ التدخلُ في شؤونِ جميعِ الكياناتِ في كردستان، والتي لا تتوافقُ مع محورِ إسرائيل الصغرى البِدئية، وسيتمُّ شلُّ تأثيرِها. بالتالي، فمن المفهومِ قيامُ كلٍّ من إسرائيل وتركيا وقوى KDP بمَعِيّةِ الناتو وشبكةِ الغلاديو بشنِّ الهجومِ على PKK بعد عامِ 1985، أي عقبَ تجربةِ الحربِ الشعبيةِ الثورية. حيث يكمنُ وراءه قرارٌ تاريخيٌّ ومصالحٌ حياتيةٌ مرحليةٌ راهنة.

ولدى إدراكِهم أننا لن نتخلى عن الحملةِ رغمَ البرقياتِ المنقولةِ إلينا عن طريقِ مسعود البرزاني، أُقحِمَ تنظيما “الجيتام JİTEM” و”حزب الله” (حزب الله الذي في تركيا وكردستان) في جدولِ الأعمالِ مع حلولِ عامِ 1986. كانت JİTEM تؤدي دورَ “المنظمةِ الخاصة[2]” التي كانت مُحَصَّنةً بجميعِ الصلاحياتِ والامتيازاتِ في عهدِها. ومعلومٌ أنّ “المنظمةَ الخاصةَ” المتأسسةَ في 1914، هي إحدى أولى التنظيماتِ الفاشيةِ التي لعبَت دوراً مهماً في إبادةِ الأرمنِ أولاً، ثم حُصِّنَت بكلّ الصلاحياتِ التي تُخَوِّلُها لسلوكِ شتى أنواعِ الأساليبِ –وعلى رأسِها ارتكابُ المجازر– بغيةَ خلقِ دولةٍ قوميةٍ تركيةٍ عنصريةٍ نمطية. كما أُدرِجَ فرعٌ إسلاميٌّ دينيّ (اتَّخَذَ سعيد النورسي ومحمد عاكف مكانَهما فيه) في الحراكِ إلى جانبِ ذلك الكيان. واستُحدِثَت ممارساتُ نموذجِ الإبادةِ الجماعيةِ هذا في عام 1986 على طرازِ الجيتام وحزب الله، وزُوِّدَ كِلا التنظيمَين بالصلاحياتِ والمهامِّ المندرجةِ في نفسِ الإطار. وهكذا، شُكِّلَت منسقيةٌ بين KDP وكلٍّ من أمريكا وقوى الناتو وشبكةِ غلاديو وقوى الأمنِ الداخليِّ التركيّ.

أما الخسائرُ التي تكبدناها، فكان تأثيرُها أَشبَهُ بتشذيبِ بعضِ أغصانِ الشجرة، لا غير. لذا، كانت شجرةُ الاستقلالِ والحريةِ تزدهرُ أكثر فأكثر في كلِّ فترة، مواظبةً على تعاظمِها. ولَم نتراجعْ قيدَ أنملة عن الصراعِ الأيديولوجيِّ والسياسيِّ المُخاضِ بشَقِّ الأنفُس. ومع ذلك، لَم نستطعْ بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ إحرازَ النصرِ المؤزرِ أو بلوغَ التوازنِ المأمول. لكن، ومهما حاوَلَت حربُ الغلاديو الخارجيةُ بسطَ نفوذِها، إلا إنها لَم تَكُ مُحَدِّدةً في ذلك. بل إنّ المُحَدِّدَ هنا كان عدم التمكنِ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ من التمكينِ الكافي للقيادةِ التكتيكيةِ ولإداراتِ الكريلا. فقد كانت المشكلةُ الأصلُ تنبعُ من الهيئةِ القيادية، رغم التأثيرِ المهم للمندسين ولمساعيهم التصفويةِ في هذا المضمار. كما كان الصراعُ يفرضُ نفسَه في هذه الساحةِ بالأكثر، سواء طبقيّاً أم على صعيد الشخصية. ورغمَ فشلِ محاولةِ الاغتيالِ في السادسِ من أيار، إلا إنّ العمليةَ الفدائيةَ التي قامت بها زينب كناجي في ولايةِ ديرسم في 30 حزيران، بعدَما انتبَهَت بأفضلِ شكلٍ إلى الخطرِ العظيمِ الذي يدلّ عليه ذلك الهجوم؛ كانت ستُحَوِّلُ سنةَ 1996، التي شهدَت الانسدادَ التكتيكيَّ داخلياً وتنظيمَ الإبادةِ خارجياً، إلى سنةِ الانفراجِ التكتيكيّ ووضوحِ ملامِحِ الدربِ المؤديةِ إلى النصر أكثر.

لقد رأيتُ بكلِّ جلاءٍ في هذه المرحلة، أنّ الحربَ الشعبيةَ هي صراعٌ طبقيٌّ طاحنٌ في الوقتِ نفسِه. فخَصَّصتُ حيزاً فسيحاً لهذا الواقعِ ضمن التحليلاتِ التي صغتُها. وقد كانت هناك فرصةٌ كبيرةٌ لإحرازِ نصرٍ استراتيجيٍّ في أواخرِ أعوامِ التسعينيات، تماماً مثلما كان الأمرُ في مطلعِها. فالحوارُ الذي ابتدأَ مع مبادراتِ تورغوت أوزال، قد استمرَّ في 1997 عن طريقِ رئيسِ الوزراءِ آنذاك نجم الدين أربكان، وجناحٍ من الجيش. ومرةً أخرى دنَونا كثيراً من السلامِ والحلِّ السياسيّ. ولكن، لَم تتمّ الاستفادةُ أبداً من فرصةِ السلامِ والحلِّ السياسيِّ المرتَقَبَة من تلك المحاورات، ولَم يُفسَحْ المجالُ أمامها إطلاقاً؛ بسببِ وضعِ شبكةِ الغلاديو يدَها على الأمرِ مرةً أخرى، ولبدءِ القوى الداخليةِ والخارجيةِ المتسترةِ وراءها بالحراكِ على حدِّ اعتقادي. من هنا، فعدمُ إفساحِ المجالِ أمام الحلِّ السلميِّ والسياسيّ، الذي بُوشِرَ به على مستوى رئاسةِ الوزراء ورئاسةِ هيئةِ الأركانِ العامةِ في آن؛ يبسطُ للمَلأِ وبأسطعِ الأشكالِ وأكثرِها علانية، مدى نفوذِ الناتو والغلاديو وامتداداتِهما الداخليةِ ضمن النظامِ في تركيا. موضوعُ الحديثِ هنا هو نظامٌ انهارَ على الجمهوريةِ ككابوسٍ يَقضُّ مضجعَها.

وفي شهرِ أيلول من عامِ 1998، أُريدَ وضعُ حدٍّ نهائيٍّ لتموقُعي الاستراتيجيِّ في الشرقِ الأوسط، من خلالِ تلويحِ الدولةِ التركيةِ بخطرِ الحربِ على سوريا. وقد كان للموقعِ الاستراتيجيِّ الذي تتحلى به تلك الساحةُ وأتميزُ به أنا دورُه الأوليُّ في الوصول إلى هذه النقطة. لكنّ الدافعَ الأساسيَّ وراء ذلك حسب رأيي، هو دخولُ الحلِّ السلميِّ والسياسيِّ جدولَ الأعمالِ مرةً أخرى وبدرجةٍ لا يُستَخَفُّ بها. إذ كان بإمكانِهم الهجومُ عسكرياً على سوريا قبلَ ذلك بكثير، حيث ما من رادعٍ يَصُدُّهم عن ذلك. أما اختيارُ هذه الفترة، أو هذه السنةِ بالتحديد، فهو معنيٌّ عن كثبٍ باحتمالِ الحلِّ السلميِّ والسياسيّ. وبإيجاز، كان يُرادُ لقرارِ مؤتمرِ القاهرةِ المنعقدِ عام 1920 أنْ يظلَّ قائماً في الأجندة. فإبقاءُ القضيةِ الكرديةِ تسبحُ في بحرِ العُقمِ واللاحلّ يتسمُ بأهميةٍ مصيرية، لِما تتميزُ به منطقةُ الشرقِ الأوسطِ وخاصةً تركيا من أهميةٍ عظيمةٍ بالنسبةِ إليهم. لذا، سيَكونُ من المفيد والمنيرِ أكثر تقييمُ مقارباتِ العديدِ من القوى الداخليةِ والخارجيةِ إزاء PKK، وبالتالي إزاء الكردِ ضمن هذا المحور. كان ينبغي أنْ تَكُونَ سنةُ 1998 فعلاً نقطةَ انعطافٍ بالنسبةِ لي أيضاً. ومثلما ذكرتُ مِراراً في التحليلات، ما كان لحربِ الأنصارِ أنْ ترتقي بمستواها من دونِ تحطيمِ جدران هذه الدوامةِ العقيمة، أو بالأحرى، من دونِ الخلاصِ من التسَمُّرِ والانحصارِ بين فَكَّي ثالوثِ الغلاديو-JİTEM-حزب الله. وقد كانت النواقصُ الداخليةُ ما تزال مُعَيِّنةً في هذا الموضوع. من هنا، وفي حالِ غيابِ الحلِّ السلميِّ والسياسيّ، ما كان بالإمكانِ إلا التفكيرِ بتصعيدِ الحربِ الشعبيةِ الثورية.

KCK وحل الأمة الديمقراطية:

كانت مَهمّةُ PKK أثناء انطلاقِه في مطلعِ السبعينيات تتمثلُ في إخراجِ الوجودِ الكرديِّ من كونِه موضوعَ سجال، وفي العملِ على حلِّ القضيةِ الكرديةِ وفق رؤيةِ بناءِ دولةٍ اشتراكيةٍ مشيدة. ورغمَ إخراجِ الوجودِ الكرديِّ من كونِه موضوعَ سجال، إلا إنه بقيَ وكأنه عالِقٌ بحِبالِ الدولتيةِ القومية. فقد كشفَت مرحلةُ النقدِ الذاتيِّ المُعاشةُ عن جوهرِ الدولتيةِ القوميةِ المضادِّ للاشتراكيةِ والديمقراطية. وعليه، فقد وجدَ PKK حلَّ القضيةِ الكرديةِ في بناءِ الأمةِ الديمقراطية، بعدَ جزمِه بوضوحٍ تامٍّ باستحالةِ إنشاءِ الاشتراكيةِ في حالِ غيابِ المجتمعِ الديمقراطيّ. والانزياحُ الذي رَصَدناه الآن في القضيةِ مرتبطٌ بالردِّ على سؤالِ: هل سيتمُّ بلوغُ هذا الهدفِ بالسياسةِ الديمقراطيةِ العَلنية، أم بالحربِ الشعبيةِ الثوريةِ الشاملة؟.

فقد تحوَّلَت الحربُ المُخاضةُ ضد الواقعِ الكرديِّ وحركةِ الحريةِ الكرديةِ المعاصرَين في غضونِ القرنَين الأخيرَين إلى إبادةٍ ثقافيةٍ متثاقلةِ الوطأةِ تدريجياً. وقد جَهِدَ الكردُ للمثابرةِ على صونِ وجودِهم والحفاظِ على شغفِهم بالحياةِ الحرةِ في ظلّ حملاتِ الإبادةِ المجحفة. فحركاتُ تصفيةِ الإماراتِ والزعاماتِ القَبَلِيّةِ وقياداتِ المَشيَخةِ في كردستان، والتي ابتدأَت في عهدِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ المستحدثة، قد انعكَفَت مع مرورِ الوقتِ على تصفيةِ الواقعِ الكرديِّ الثقافيّ. وقد عمَّقَت الفاشيةُ التركيةُ البيضاء هذه السياسةَ بنشرِها بين صفوفِ المجتمعِ برمتِه، ووصلَت بالكردِ إلى مشارفِ الزوالِ بصهرِهم في بوتقةِ الدولةِ القومية. أما المقاوماتُ المتصاعدةُ ضد ذلك، فلم تسفرْ عن أيةِ نتيجةٍ سوى تجذيرِ التصفيةِ أكثر فأكثر، نظراً لطابعِ زعاماتِها وللبنيةِ الاجتماعيةِ التي اعتمدَت عليها. كما وزادَ في عهدِ نضوجِ الجمهوريةِ تطويرُ المستوِيّاتِ العميلةِ التي سُمِحَ لها بالوجودِ بناءً على إنكارِ الحقيقةِ الكردية، وذلك في إطارِ مساعي تجذيرِ الإبادةِ الثقافية. أما في عهدِ الانهيارِ المبتدئِ اعتباراً من أعوامِ الثمانينيات، فقد سادَ اللجوءُ إلى أساليبِ الحربِ الخاصةِ التي لا نظيرَ لها وبدعمٍ من أمريكا وفقاً لمصالحِها؛ وذلك بغرضِ إنهاءِ الكردايتية، ليس على صعيدِ حركةِ الحريةِ فحسب، بل وبوصفِها وجوداً قائماً بذاتِه (وكوجودٍ أنطولوجيٍّ أيضاً، مثلما لوحِظَ في حظرِ اللغة). ومقابل جرائمِ الإبادةِ التي لا مثيلَ لها، فإنّ حركةَ الحريةِ الصاعدةَ بطليعةِ PKK، ورغمَ الكثيرِ من نواقصِها وأخطائِها، إلا إنها لَم تَكتَفِ بجَزمِ الوجودِ الكرديِّ الثقافيّ، بل وارتَقَت به إلى مستوى مهم باعتبارِه وجوداً متحرراً. كما طالَت تداعياتُ المستجداتِ البارزةِ في هذا المنحى الأجزاءَ الأخرى من كردستان أيضاً. حيث أفضَت في كردستان العراقِ إلى ظهورِ كيانٍ سياسيٍّ يطغى عليه الجانبُ الدولتيُّ القوميّ، في الحين الذي انتَهَت فيه إلى نهضةِ الشعبِ الكبرى ضمن كردستان إيران وكردستان سوريا، وإلى انخراطِه في صفوفِ حركةِ الحرية، وتطويرِه شبهَ استقلاليتِه الديمقراطية.

من المؤكدِ أنّ الحربَ الخاصةَ التصفويةَ التي شنَّتها القوى التركيةُ المهيمنةُ ضد KCK ستؤدي في المستقبلِ القريبِ إلى مستجداتٍ عظيمةِ الأهميةِ استراتيجياً وسياسياً واجتماعياً. ففي حالِ عدمِ إصدارِ قرارِ السلامِ الاستراتيجيّ، فإنّ أهمَّ احتمالٍ سيتطورُ ميدانياً في كردستان، وسيتنامى تدريجياً في بلدانِ الجوار، هو ارتقاءُ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ إلى أعلى المستوياتِ على هدى توجيهاتِ العصرانيةِ الديمقراطية، وتطويرُ الإداراتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلةِ بالتداخلِ مع حروبِ الدفاعِ الذاتيّ في المجالاتِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والدبلوماسية.

 

يعاني KCK من مشكلةِ الفعاليةِ العلنيةِ والرسميةِ على صعيدِ الدولِ القومية. فرغمَ أنه يُولي الأولويةَ للنشاطاتِ العلنية، إلا إنّ عدمَ اعترافِ الدولةِ القوميةِ به يؤدي إلى ظهورِ اقتدارٍ أو إدارةٍ ثنائيةٍ في كردستان. إذ من الواضحِ جلياً أنّ العملَ على تفعيلِ إدارةِ KCK جنباً إلى جنبٍ مع حُكمِ الدولةِ في نفسِ الأراضي ونفسِ المجتمعات، سوف يسفرُ عن اندلاعِ الاشتباكات وحصولِ التوترات. ففي حالِ عدمِ استجابةِ الدولِ المعنيةِ لمقترَحِ النشاطِ العلنيّ والرسميّ، ولجوئِها على النقيضِ من ذلك إلى الملاحَقةِ والمطارَدةِ والاعتقالِ والعنف؛ فمن الساطع أنّ KCK أيضاً لن يتوانى عن بسطِ سيادتِه وممارسةِ إدارتِه بمنوالٍ أحاديِّ الجانب. حيث لَم تُثمِر الحواراتُ المباشرةُ وغيرُ المباشرةِ لـKCK مع الدولِ المعنيةِ منذ إعلانِه في عام 2005 عن حلٍّ قانونيٍّ حتى الآن. وفي حالِ عدمِ جنيِ نتائج إيجابيةٍ من الحوارات، فسيصبحُ لا مفرَّ لـKCK من التجسُّدِ عملياً بشكلٍ أحاديِّ الجانبِ كقوةٍ إداريةٍ وسيادةٍ نافذةٍ في المرحلةِ المقبِلة، سواء داخل المجتمعِ الكرديّ، أم بين الشعوبِ والمجموعاتِ الأخرى التي تُشاطرُه العيشَ في كردستان.

وسيَكونُ التجسدُ العمليُّ لـKCK بشكلٍ أحاديِّ الجانبِ ضمن كافةِ أبعادِ الأمةِ الديمقراطيةِ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ مختلفةٍ عن المرحلةِ التي أنشأَ فيها PKK ذاتَه، أو تلك التي صَعَّدَ خلالَها الحربَ الشعبيةَ الثورية. ففي هذه المرحلةِ لَن تَقتصرَ السيادةُ على إدارةِ الحزبِ والحربِ فقط. فبالإضافةِ إلى نشاطاتِ PKK وHPG والأنشطةِ الدفاعية، فإنّ المَهَمَّةَ الأساسيةَ في هذه المرحلةِ ستَتجسدُ في إنشاءِ الأمةِ الديمقراطيةِ وإدارتِها بكافةِ أبعادِها. جليٌّ جلاءَ النهارِ أنه في ظلِّ هذه الظروفِ الجديدةِ ستُعاشُ أجواءٌ مليئةٌ بالتنافسِ والصراعِ والاشتباكاتِ الكبرى بين مؤسساتِ الدولةِ القوميةِ وقواها من جهة، وبين مؤسساتِ KCK وقواه من جهةٍ ثانية. وسوف يَسري مختلفُ أشكالِ الحُكمِ والإدارةِ ضمن المدنِ والمناطقِ الريفية.

 

يقفُ حلُّ KCK في يومِنا الحاليِّ على مفترقِ طرق. فإما أنْ يتحققَ حلُّ القضايا بتكريسِ السلامِ والسياسةِ الديمقراطيةِ عبر “الدستورِ الديمقراطيّ”. وفي هذه الحالةِ لن تقتصرَ الدولُ القوميةُ المعنيةُ على التخلي عن سياساتِها في الإنكارِ والإبادة، بل وستعترفُ بالتعريفِ الواقعيِّ للقضية، وستبحثُ في حلِّه وفق “الدستورِ الديمقراطيِّ العالميّ”، وستتداولُ مضمونَ الدستورِ الديمقراطيِّ وأسلوبَه مع الجهاتِ المعنية. وهذا الحلُّ الذي يُمَكِّنُ من وحدةِ البلادِ دولةً وأمةً، يقتضي التحولاتِ الديمقراطيةَ الراديكالية. وإلا، وفي حالِ الإصرارِ على عرقلةِ هذا الطريقِ المرغوبِ بأولويةٍ متقدمة، فإنّ ما سيتبقى هو دربُ قيامِ KCK بإنشاءِ وحمايةِ اقتدارِه الديمقراطيِّ بنحوٍ ثوريٍّ أحاديِّ الجانب. ويحتوي هذا الطريقُ على الكثيرِ من العواملِ المؤديةِ إلى المُضِيِّ فيه بنجاح. ذلك أنّ الدليلَ الأيديولوجيَّ والسياسيَّ لـPKK، الذي يتحلى بخبرةٍ تناهزُ الثلاثين عاماً، وكذلك نُصرةَ الشعبِ القويةَ له والمعجونةَ بالحربِ الشعبية، وقوتَه العسكريةَ التي تُؤَهِّلُه لممارسةِ الدفاعِ الذاتيِّ في جميعِ المجالات، وشبكةَ علاقاتِه الداخليةِ والخارجيةِ الفسيحة؛ كلُّ ذلك يتيحُ المجالَ أمام KCK كي يُنشئَ الأمةَ الديمقراطية، ويوجهَها، ويدافعَ عنها. ولن يتعرضَ هذا الطريقُ مرةً أخرى للانسدادِ الذي عانى منه سابقاً. ونظراً لكونِه يطمحُ إلى الأمةِ الديمقراطية، لا إلى قومويةِ الدولة؛ فإنه منفتحٌ على الحوارِ والتفاوضِ مع قوى الدولةِ القوميةِ بصفتِه مناصراً دائماً للحلِّ وترسيخِ السلام. وفي حالِ فشلِه على هذا الصعيد، فسيتحصنُ بقواه الذاتيةِ في السيرِ قُدُماً على دربِه الأصلية، وسيُواصلُ إنشاءَ الأمةِ الديمقراطية، وتوجيهَها، وحمايتَها بنجاحٍ موفق.

[1] إنك تتحدث إلى لوحةٍ خشبية، فكيف ستجعلها تخضر: مثل شعبي تركي المقصود به عبث المحاولة في بث الروح فيمَن لا أمل منه، كإحياء الموتى مثلاً (المترجِمة)

[2] المنظمة الخاصة: منظمة سرية ارتبطت بأنور باشا، وتشكلت عام 1914 في بنية “جمعية الاتحاد والترقي”، وانتهجت مسارها التركياتي والإسلاموي السياسي في دعاياتها الفاشية وفي عمليات الاغتيال داخل وخارج تركيا (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.