محمود كالي
للبحث في نشأة الفكر الفلسفي وتطوره و تمأسسه في مدارس واكاديميات الحضارة الايونية الاغريقية والتي تعد حلقة مهمة في السلسلة التاريخية وحملة كبرى في سياق التطور الاجتماعي لما لها من مساهمات عظمى في الميادين الذهنية والعلمية والتقنية, لابد من معرفة ماهية الفلسفة رغم عدم اجماع المفكرين والفلاسفة على تعريف واحد لمعنى و ماهية الفلسفة بل تعددت وتنوعت معاني الفلسفة وتباينت معاني باختلاف العصور التاريخية التي مر بها الفكر الفلسفي، ومن مدرسة فلسفية الى اخرى ومن فيلسوف لآخر الا انها جميعاً لا تخرج عن الاطار العام لمعنى كلمة الفلسفة والتي تعني حب الحكمة والبحث عن المعرفة الكلية والوصول الى الحقيقة بالتأمل الذهني المجرد.
اي ان الفلسفة هي فكر ومنهج للتأمل ومعرفة مختلف القضايا الانسانية المجتمعية من خلال الوعي التاريخي الاجتماعي الذي هو اساس التكوين الانساني وتفكيره، فالتفكير الفلسفي مرتبط بتفكير الانسان منذ بدايات وعيه لذاته واستحالة ان يكون الانسان انسانا دون تفكير، وما مسيرة الفكر الانساني وتطوره في مضمونه الا للبحث عن السؤال الكبير الذي واجهه الانسان: ما هي الحقيقة؟ مدفوعا الى ممارسة التفلسف عندما اعترضه مشكلات تثير فضوله المعرفي، عبر التأمل الذي يعتبر منهج التفكير الفلسفي.
والتأمل هو شرط قيام الفلسفة، كما ان الهدف من التفلسف هو طلب اقصى ما يمكن من الوضوح والدقة لبلوغ الحقيقة فالتعجب والفضول والتطلع الى معرفة طبيعة الاشياء هي بدايات التفكير الفلسفي، والانسان عرفَ قبل ان يعلم لان المعرفة تأمن له حياته واستمرارية وجوده فكانت المعرفة واقعية قبل ان تكون نظرية وهي معرفة تاريخية اجتماعية ارتقائية تراكمية تغتني وتطور تاريخيا.
فالمعرفة هي الخطوة المنتظمة في محاولة الفرد لمعرفة العالم من حوله والمعرفة مرتبطة بعملية التفكير ونتاج للعملية الذهنية التفاعلية ولكنها بقيت معرفة حسية وضرورة، ولحماية نفسه لابد من تطوير فكره بينما التفكير الفلسفي نشاط ذهني مجرد بعيد عن التشكل والتجسيم لما يفكرون به ويجعل كل شيء موضع تسأل ومناقشة وسجال لذلك تعد الفلسفة من اهم منجزات الوعي الانساني لسعيها الدائم للتوصل الى حقيقة جوهرها التساؤل وغاياتها الفهم الصحيح وعدم الاكتفاء بالمألوف من الاجوبة لتزيح النقاب عن الاشياء الغامضة لفهم اسرار الوجود والواقع واكتشاف ماهية الحقيقة لمعرفة ما هو مهم و ذو قيمة في الحياة.
فمهما تعددت واختلفت التعريفات بشأن الفلسفة وماهيتها فالتفكير الانساني محكوم بالحاجات التي تحدث فيه توترا للبحث عن وسائل وطرق التقليل من شدة تلك التوترات وذلك من خلال تلبية الحاجات ومحاولة سدها واشباعها.
الفلسفة والدهشة
ان محاولات الانسان لمعرفة الكون والوجود وسبر اغوارهما والكشف عن اسرارهما اثارت دهشته ومع دهشته بدأ القلق ومع القلق بدأت الخيبة ومع الخيبة بدأ التساؤل ومع التساؤل بدأ التفكير الفلسفي.
الفلسفة إذا هو شعور الانسان الاولي بالدهشة والنزوع للتساؤل والتفلسف لان السؤال والتساؤل خاصية اساسية للتفكير الانساني وخاصية ملازمة لتاريخ التفكير الفلسفي فالدهشة هي اولى عمليات التفكير انها علاقة الغرابة والتعجب بين الانسان والمحيط كما تعني الدهشة التساؤل ومن ثم البحث والتأمل وطلب المعرفة واكتشاف الاسرار وما وراء الحقائق والافكار.
يمكننا القول بان الدهشة بداية التفكير الفلسفي كممارسة ذهنية واعية ويقظة فكان ظهور التفكير الفلسفي مقترنا بالدهشة (( فالدهشة تكون ام الفلسفة ومنبعها الخصب )) كما يقول شوبنهاور لان الدهشة هي اساس كل سؤال مهما كان نوعه مما يوقد الذهن ويذكي الفكر ومن خلالها ينتقل الانسان نحو التأمل والبحث للاستكشاف بصور متعددة، وتبدأ عملية البحث عن الحقيقة، فالمقصود بالدهشة ليس فقط الحيرة والتعجب بل هي حالة توتر ذهني ونفسي ممزوجة بالقلق ومفعمة بالاهتمام واحيانا بالألم والمعاناة، وكل الفلسفات تبدأ بدهشة وازمة ( والازمة تعني الشك )كما يقول سقراط الفلسفة تبدأ من الشك والسؤال وليس من اليقين والجواب الجاهزاي باختصار البحث عن حقائق الاشياء رغم كل اختلافات اشكال التعبير الفلسفي باختلاف المدارس الفلسفية فان الفلسفة تبدأ بالاندهاش كما يقول هيدغر (( اندهاش الفكر يعبر عن نفسه بالتساؤل )) لان الدهشة تنبيه ذهني ويقظة تكتسب فيها التأمل والتركيز والبحث عن الحقيقة وطلب المعرفة التي تعني جوهر التفكير الفلسفي والحكمة تسبق الفلسفة والتي تعد منبع المعاني والاخلاق والمعرفة .يقول الفيلسوف هيجل الحكمة شيء اسمى والحكيم اعلى شأنا من الفيلسوف، فالفلسفة اذا هي البحث المتواصل الذي لا ينتهي السعي وراء المعرفة وليس فقط حب المعرفة.
وغالبا ما تكون الفلسفة جوابا عن سؤال غير مباشر ماهي الفلسفة؟
- لا بد من ذكر بعض تعريفات الفلسفة ولو باختصار شديد:
فيثاغورث: عرف الفلسفة والفيلسوف بالشخص المحب للحكمة.
سقراط: يعرف الفلسفة بالبحث العقلي عن حقائق الاشياء المؤدي الى الخير.
افلاطون: يعرف الفلسفة البحث عن أصل الوجود وعن المعنى الحقيقي للإنسان على الارض ومعرفة المثل او الكليات الخالدة الكامنة وراء ظواهر الاشياء.
ابيقور: الفلسفة هي النشاط العلمي العملي الذي يحقق السعادة في الحياة.
ارسطو: الفلسفة هي العلم العام علم المعنى الاكثر شمولا لكلمة العلم.
شيشرون: يعرف الفلسفة كفن الحياة.
هيجل: عد التعاليم الفلسفية لعصر ما بمثابة التعبير الفكري والثقافي الاكثر رقيا عن روح ذلك العصر وان هذا الروح يعبر عن نفسه في بقية تجليات العصر أيضا (اقتصاد- اجتماع- سياسة- علم- فن..)
ماركس: الفلسفة هي تفسير العالم من اجل تغييره، لأنه ربط الفلسفة بهموم الناس سمى فلسفته بالديالكتيكية ورأى في الفلسفة زبدة عصرها الروحية وهي ر وح الثقافة الحية. نيتشه: الفلسفة ليست تأسيسا لديانة ولاتبشير لحقيقة ولا وعدأ بالحرية والسعادة بل هي نبش في الاسس وتعرية للاصول وازالة الاقنعة وفضح الاوهام
الكندي: يعرف الفلسفة بانها علم الاشياء بمعلوماتها الكلية ويؤكد بان الكلية من اهم الخصائص الجوهرية للفلسفة.
اخوان الصفا: الفلسفة اولها محبة العلوم واوسطها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطاقة البشرية واخرها القول والعمل بما يوافق العلم.
ديكارت: الفلسفة هي الفكر المدرك لذاته.
برتراند راسل: منذ القدم الفلسفة لها هدفان فهم تركيب هذا الكون والثاني اكتشاف أنجع الوسائل الممكنة للحياة الأفضل.
الفلسفة الشرقية تعتمد على الجانب الروحي وتهتم بقضايا الانسان ويعتبر لاوتسوه مؤسس الفكر الصيني وصاحب كتاب التاو ويعرف الحكمة بانها طريقة العيش.
القائد اوجلان: فلسفتنا تعي الحياة وتدركها ككل متكامل بدأ بالشعور والاحساس بمعاني نظرة من عين حصان وصولا الى تحليل المعاني في تغريدة عصفور فلسفة اوجلان مفعمة بالمعاني الثمينة ويرى بالفلسفة كعلم اجتماع مقابل العلم المتسلط ويرى في الفلسفة المبدأ الاولي لظهور المجتمع الحر والحياة الحرة.
حول نشأة الفلسفة وتطورها:
لتجنب الوقوع في المغالطات والانحرافات التي تدعي بان الفلسفة نتاج عقل اوربي فائض مزعوم والقول بالمعجزة اليونانية والعبقرية الاغريقية كما يدعي المفكرون الغربيون المؤسسين لنزعة التفوق والمركزية الاوربية وكذلك عدم الاستصغار من شأن الفلسفة الاغريقية لان الفكر لا يمكن ان يكون ابداع عرق او شعب محدد او نتاج عقلي مبتور عن تطور الفكر التراكمي والمعرفي الانساني كنتاج لتفاعل ثقافات عديدة عبر التاريخ الاجتماعي.
وكما يقول الاديب والمفكر الالماني يوهان غوتا ((ان الذي لا يعرف ان يتعلم دروس الثلاث ألف السنة الاخيرة على الاقل يبقى في العتمة)) فاعتبار الفلسفة قد ولدت بكاملها في شبه الجزيرة الاغريقية هو موقف مبالغ فيه ويتضمن نواقص كثيرة فلا جدال في وجود الفلسفة قبل الثقافة اليونانية فمن المعلوم ان طاليس وفيثاغورث كلاهما امضيا سنين طويلة من عمرهما في بابل ومصر وكل رواد المعنويات لقوا تعليمهم في بابل ومصر في مدارس الرهبان وفي تلك المدة لم يكن اي مدرسة في شبه الجزيرة الاغريقية كما يقر بذلك افلاطون.
والشاعر المعروف هوميروس الذي يسبق الفلاسفة مؤلف الملحمتين الاغريقيتين الالياذة ولأوديسة ينتمي للبلاد الايونية كما ان هذه الحقيقة لا تلغي الاهمية الكبرى لتصدر الفكر الفلسفي لدى الاغريق فإنها تظهر بوجوب التفكير فيها كنتاج تفاعل ثقافي وحضاري مشترك منذ القدم وجدت اطروحتان على طرفي نقيض احدهما تزعم اصالة الفكر الفلسفي ونسبته لبلاد الاغريق اذ هو ابتكار يخص العقل الاغريقي وينفرد بأصالته، ويمثل هذا الموقف ارسطو الذي ارجع نشأة الفلسفة الى بدايات القرن السادس ق م على يد طاليس الملطى واعتبار الفلسفة قد ولدت بكاملها بشبه الجزيرة الاغريقية واختزال اسس الحضارة الانسانية بالعرق والثقافة الاغريقية، هذا الاتجاه يدعي المعجزة الاغريقية والتفوق بين الاعراق مؤسسين لمركزية اوروبا وهي اساس الاخطاء والتحريفات والتضخيم المبالغ فيه لاعتبارهم الاغريق اساس الانطلاقة الحضارية، والاتجاه الثاني المناهض ضمن المفهوم الشرقي المعتمد على الاغلب على الرؤية الاسلامية التي تستصغر الحضارة لدرجة ايصالها الى نوعية الكفر.
هذا الاتجاهان والموقفان خاطئان ويخلقان التشويش في الرؤية ويخدمان مآرب سياسية بالحقيقة لكل الحضارات والثقافات التي تسبق الاغريق فلسفاتهم وفلاسفتهم من حيث المضمون والفلسفة كأي نشاط فكري قديمة قدم الوجود الانساني ليتساءل اي ليفكر واهم مظاهر هذا التفكير هو التفكير الفلسفي في أصل الوجود واصل الكون وطبيعة الانسان ومصيره مما يثبت بكون الفلسفة الاغريقية ميراث انساني نقل وتشكل عبر التأثير والتواصل مع الحضارات الشرقية السابقة لحضارة الاغريق وبشكل خاص السومريين والمصريين.
ويكمن حسن طالع الفلاسفة اليونانيين في جغرافيتهم ومعايشتهم مرحلة أرقى من المدنية في ان معا.
وكما يقول المفكر عبد الله اوجلان:
((فكيفما سيّر الرهبان السومريين انشاء الدين الجديد والاله الجديد والدولة الجديدة والمجتمع معا فقد لعب الفلاسفة اليونانيون ايضا دورهم في بناء ديمومة المجتمع المديني الجديد بمرحلة أرقى بحيث تتداخل مع الفلسفة مع الدين بالتناصف والعمل الحاصل هو نفسه استخدام فن المصطلحات فبينما يؤدي الاول دوره في أنشاء الدين يقوم الثاني بتأدية الدور عينه عبر المصطلحات الفلسفة)).
عندما بدأت الازمة والجمود في مركز ولادة حضارة الرق تمهد الطريق امام الدويلات الموجودة في الاطراف والتي اصبحت اكثر مرونة وبذلت الجهود لإيجاد مخرج ضمن المخطط الايديولوجي من خلال الاديان التوحيدية مع مساعي البحث السرية لتصبح الفلسفة مناسبة اكثر للتطور، وحيث تزداد امكانية التفكير الحر لمناهضة الايديولوجية الرسمية لنظام الرق والبحث عن نظام يلائمهم يرتبطون به من جديد ويجعلهم يتجاوزون خوفهم ويدخلون الطمأنينة الى اذهانهم وارواحهم انها طرائق نوعية في البحث والتواصل الى الحقيقة ومما مهد السبيل امام الفكر الفلسفي عبر التطورات التي وصل اليها وسائل الانتاج والادوات الصناعية والزراعية في هذه المدن وخصوصا تقنية الحديد التي انتشرت في الاعوام الالف قبل الميلاد، مما خلق تأثيرات ديمقراطية أكبر بوصول هذه الاسلحة الجديدة الى شرائح واسعة من الفقراء للدفاع عن انفسهم، فوصل الانتاج والدفاع الى ابعاد متقدمة جدا مما يعني الوفرة من جهة والامن من جهة أخرى، وقد اديا بدورهما الى الرفاه وزيادة اوقات الفراغ، لتتخذ الفلسفة من الارضية الاجتماعية شرطا اوليا، فظهور الكلاسيكيات الكبيرة للفكر الفلسفي في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد ناجمة عن تجزئة البنية الايديولوجية لمجتمع الرق في العصر الأول، وبتحطيم احتكار ادوات الانتاج الاساسية ( الادوات البرونزية والحديدية ) يمكن ان نطلق مصطلح عصر الفلسفة على هذه المرحلة التي ظهر فيها كبار الفلاسفة الذين طوروا خلالها تعاليمهم ووضعوا اسسها والفلسفة لعبت دورا هاما في ذلك، وكذلك ازدياد المعلومات العلمية بالتوازي مع تقنيات الإنتاج، وكان الانتقال من الميثولوجيا صوب الدين قد تسبب في بروز تصدعات غائرة في المجتمع اثناء مرحلة الانتقال الى الفكر المجرد وتهيئة الارضية للفكر الفلسفي والعلمي وان لم يرغب في ذلك.
حيث يتطور الفكر الفلسفي والعملي مع الفكر الديني ضمن اواصر جدلية لتحمل اثاره العميقة في احشائهما وتتجلى نقطة التصدع الاساسية للنظام العبودي المهيمن والمعتمد على الميثيولوجيات ذات الجوهر الايديولوجي في التطورات الفلسفية باعتبارها الجهود الاولى التي لا تعتمد على العقائد الدينية لتغيير الطبيعة، فقد استندت الحضارة في ولادتها وتطورها على الميثولوجيات التي احاطت بكل البنى الفكرية الروحية للبشرية على مدى الاف السنين فما دامت الآلهة قد قررت كل شيء مسبقا لا حاجة للتفكير والحركة وكل ما هو مقدر سيعاش، كان النظام يستمد قوته الكبيرة من هذا الايمان الاعمى بالقدر تلقى ضربة ايديولوجية قاسية وهامة عندما ارسى النبي ابراهيم اساس الايمان في الدين التوحيدي الذي لا يعترف بتأليه الانسان .
التعريف الصحيح لتشكل حضارة الاغريق
لقراءة صحيحة لنشوء الحضارة الاغريقية وتطور الفكر الفلسفي في المدن الايونية والاغريقية من خلال السياق التاريخي بعين سليمة كونها مسألة هامة لعلم التاريخ، وعدم وضعه بنحو صحيح وسليم يشكل اساس الاخطاء والتحريفات، اذ لا يمكن التحليل او التفكيك الكافي لأي حضارة مدينية دون التفكير بسومر ومصر لكونهما حضارتان جذريتان فمن السذاجة الافتراض ان العلم قد بدء في بلاد الاغريق فقد سبقها الاف الجهود العلمية في بلاد الرافدين وميزوبوتاميا والهند وغيرها كما ان الانطلاقة الفلسفية التي يمكن اعتبارها تحديثا فيستحيل التفكير فيها بمعزل عن الثقافة المستقاة من البابليين والحثيين والمصريين والميديين …الخ فحتى افلاطون يعترف كيف طاف الحكماء اليونانيون وفي مقدمتهم صولون وفيثاغورث وتالس وجابوا مراكز الحكمة الشرقية لسنين طويلة وفي صدارتها بابل اما الزعم بانبثاق هذه الخاصية في شبه الجزيرة الاغريقية دون الاخذ بالحسبان تأثير الحضارتين السومرية والمصرية والحضارات السابقة على الحضارة الاغريقية هي مغالطات تاريخية فاضحة وانحرافات فظيعة، وما النموذج الايوني الاغريقي سوى النسخة الثالثة من الحضارة السومرية وكل التطورات الذهنية والاختراعات انما تحققت في خضم مراحل الولادة وتطور ونزاع وصراع تلك الحضارات الانفة الذكر والتي كانت قد ورثتها اساسا من مراحل تأسيس المجتمع النيوليتي فكل المستندات التاريخية تشير الى تغذي الحضارة الاغريقية على منبعين رئيسيين اولهما الاغتذاء على العصر النيوليتي فالثورة الزراعية الحاصلة في الهلال الذهبي والتي وصلت الى اوروبا عن طريق البلقان وجنوب روسيا وبعد ان تسربت الثقافة الآرية الى شبه الجزيرة الاغريقية وكذلك تلقي الدعم والمعرفة والنماذج من ثلاث جهات مختلفة، فتأثير الحثيين عبر طروادة تم امدادهم بالعديد من الوسائل الايديولوجية ( الآلهة -الآداب -العلم ) والمادية، وبالأخص الاشياء المعدنية والفخاريات والمنتوجات النسيجية، اما الفينيقيون مؤسسو قرطاجة فيختصون بالملاحة البحرية واخذ عنهم الاغريق احرف الكتابة الابجدية كذلك تأثر المصريون بالاعتماد على مستوطناتهم على الحضارة الاغريقية والملاحظ ان شبه جزيرة الاغريقية لم تحتضن في طواياها اي حضارة مدنية حتى اعوام 700 ق.م وكانت اثينا بعيدة ان تكون مركزا حضاريا رغم ازدهارها في اعوام 600 ق.م وكل الدلائل تؤكد ان المدائن التي اسستها القبائل على سواحل بحر ايجة ادت دورا مركزيا، فالأسماء الذائعة السيط في حملة التنوير في مقدمتها هوميروس والحكماء السبعة طاليس وهيروقليطس وفيثاغورث ..الخ جميعهم ينتمون الى مدن تأسست في هذه البقعة كما يؤكد ذلك نتشه، وبانتقال الثقل الفكري من المدن المطلة على اسيا الصغرة الى مدينة اثينا وظهور النظام الديمقراطي لحظة مميزة بفكر جديد يشكل نموذجا جديدا في العالم القديم شجع النقاش الحر والسجال الفكري فنتج عنه بناء دولة المدينة.
إذا وكما استعرضنا ان عوامل عديدة تضافرت لتصدر الاسلوب والفكر الفلسفي في بلاد ايجة والاغريق وانجازهم الحملة الثقافية العظمى الثانية من خلال تطويرهم للفعاليات الاكثر تألقا والوصول للتركيبة الجديدة المستخلصة والاكثر نجاحا لجميع الثقافات المادية السابقة لهم.
اما عصر اثينا تكون نقطة النهاية لثقافة العصور الاولى الايديولوجية في وسط باتت فيه التفسيرات الميثيولوجية ذات الاصل الشرقي غير كافية ولم تعد تشبع الذهن الانساني بل اصبحت مضحكة مما دفع البنية الذهنية والروحية للمجتمع بالدخول في بحث جديد حيث ان اليونان لم تعرف دينا رسميا شموليا يسيطر على حياته ويشل تفكيره كما لم تعرف اليونان حكما مركزيا دكتاتوريا مما ذكى حرية الفرد تل الحرية التي لعبت دورا رئيسيا في تطور فكرة المواطن اليوناني بالإضافة الى تموقع اليونان في مركز طرق التجارة والتجارة البحرية مما سهل عليها الاحتكاك بتجارب الحضارات المجاورة كل هذه العوامل ساهمت في ظهور فكر فلسفي مميز في اليونان وتمخض عن تركيبة جديدة وارقى واعلى مرحلة حققت فيها الذهنية الجديدة ذهنية الفلسفة والعلم ووثبة عظمى تجاه الميثيولوجية العبودية وتسمى ايضا بعصر الحكمة فميلان النظام السياسي نحو الديمقراطية والجمهورية وتوفر الارضية المادية من رفاه واوقات فراغ كل ذلك هيأ الاجواء الملائمة للفكر الجديد عندما تم تجاوز عصر الخوف من الآلهة اصبح دول المدن بحاجة الى الافكار المعتمدة على التجرد ويقف وراء كل هذا مؤثر فعال ان حضارة الرق على وشك ان تترك ورائها ثلاث الاف سنة بعد ان وصلت الى مرحلة النضوج وبداية مرحلة التآكل الحتمية واقتراب النظام من نهايته بعد ان تراكمت العناصر الثقافية للإنسانية خلال عهود طويلة واصبحت المعرفة باعتبارها ثمرة للجهد والممارسة تؤدي دورا تنويريا واصبحت علاقة السبب والنتيجة تعبر عن نفسها دون باللجوء الى الارواح والاله والتشكيك المتزايد بالاعتقادات الساذجة والخروج الى عالم الحقائق وراء كل هذه الظواهر يرقد الواقع الاغريقي الذي اصبحت فيه التجارة تجري وراء كل الابواب وفي سبيل ارباحها لا تعترف باي حدود وانحسرت قوانين الآلهة واصبح قوة العقل الخالص وقوة الفرد تسيطر على التفكير السريع في عالم تجاري متغير فكانت الحضارة الاغريقية في اثينا سباقة في تركيزها بعناية فائقة على الديمقراطية (الجمهورية) على الصعيدين النظري والعملي، انها مرحلة هامة في عموم تاريخ الحضارة لكنها ديمقراطية معنية بالشريحة الارستقراطية ومع ذلك ادت دورا عظيما في تطور الفلسفة وفن السياسة فالديمقراطية كمصلح يعني اهتمام الشعب نفسه بالسياسة والانشغال بشؤن الادارة والحكم فإنجاز الحضارة الايونية الاغريقية التركيبة الجديدة بعد تطويرها لتقنية الكتابة ،انجزت التطورات الثورية في جميع العلوم وتطورات ثورية في مجال الادب والمسرح والمعمار وغيرها، وثورة شاملة في الفلسفة. لان الفلسفة تعني الجهود المبذولة لتوضيح حقائق الطبيعة والمجتمع دون الاعتماد على الاعتقادات الدينية والميثولوجية وان وصول الذهن الانساني الى هذا المستوى هو نتاج التطور الاجتماعي التاريخي ويعد الفكر الفلسفي خطوة كبيرة حره لان الانسان يقوم بتفسير وجوده بالاعتماد على نفسه لتنتج أكبر ثورة في تاريخ الفكر لان الفلسفة تنم عن انفجار عظيم في المعاني عبر برهنته انه يستطع العيش دون الاعتماد على المعتقدات الدينية لذلك كان ثورة ثقافية عظمى. وبدأت تبرز العديد من المدارس والاكاديميات الفلسفية والفلاسفة العظام.
نستعرض بعض اهم تلك المدارس والاكاديميات بإيجاز.
هيروقليدس: تنازل عن العرش السلطوي لأخيه وتفرغ للحكمة والفلسفة ويرى ان الاساس في الوصول الى الحقيقة تكمن في الطبيعة وللطبيعة حركتها الذاتية تتحرك بواسطة نظام قوانينها الداخلية الذاتية فكانت مقولته الفلسفية الخالدة لا يمكن ان تستحم في مياه جاري مرتين اي انه اعطى التغيير سمة اساسية للكون والحياة كل شيء يتغير الا التغير نفسه. وكان من اهم الفلاسفة المؤسسين للفلسفة الطبيعية. ديموقريطس: الذي يقول ان الكشف عن برهان واحد في الهندسة خير لي من الحصول على عرش فارس
بروتاغوارس: كان شعاره المعرفي الانسان مقياس الاشياء جميعا اي الصح والخطأ والخير والشر يجب ان تتحدد بحسب تلبية حاجات الكائن البشري ومن أبرز الفلاسفة اللذين يؤمنون بالأفكار الفلسفية القابلة للتطبيق وتحقيق اللذة على العكس من الفهم الشائع عن فلسفة السفسطائيين بأنهم بائعي كلام لمن يدفع لهم المال.
طاليس: الذي اسس مدرسة فلسفية كجزء من مدرسة أكبر هي المدرسة الايونية طاليس حصل على لقب الحكيم وستة اخرين تم تسميتهم بالحكماء السبعة تم تسمية مدرستهم بالمدرسة الطبيعية وفلسفتهم بالمدرسة الطبيعية اتخذوا العقل اساسا ورفضوا النقل كأساس للعلم.
بارمنيدس: يخطو خطوة كبيرا اذ يقول اساس كل شيء هو المنطق والفهم وموهبة الدماغ ويقول لا يمكن الوثوق بالأحاسيس بينما الاستعلام بالدماغ والمخ هو الاساس فأعطى اهمية للعقل المتيقظ وتنمية المخ.
سقراط: اشهر فلاسفة اليونان وشهيد الفلسفة ترك علامة في الفكر حتى اليوم انه فيلسوف الاخلاق واشتهر بالفلسفة الحوارية يشكل منعطف في مسار التفكير الفلسفي بذل جهودا كبيرة للبرهنة على امكانية خلق المواطن العالم وانقاذ دولة اثينا عن طريق مفهوم المواطن الواعي لهذا الهدف كان يريد ان ينجز كل عمل بالاعتمام على المعرفة الكامنة مارس نشاطه خارج دائرة السلطة اي كان يعيش في فضا الساحة العمومية ظل يمارس شغفه الكبير بمحاورة الناس كل الناس لغاية المساهمة في تنمية قدرتهم على الفكر النقدي دون ان يبشرهم باي حقيقة مطلقة كان يعتقد ان الحقيقة المطلقة التي لا تخضع للنقد والشك والمراجعة تشل القدرة على التفكير ومن ثم تنتهي الى تهديد مطلب الحقيقة نفسها علم الشباب الفضيلة وطرق توليد الحقيقة والفلسفة لدى سقراط لتحقيق الحكمة وخدمة الحقيقة يلح في خلق التوتر بين الانسان ذاته ويرى ان الحقيقة ليست في العالم الخارجي لان المعرفة كلها تأتي من الذات ولازال المنهج السقراطي يستخدم حتى اليوم مقولته الخالدة ( كل ما اعرفه بنسبة لي انني لا اعرف اي شيء اطلاقا ) انجاز فكري عظيم عندما ذهب الى الفلاسفة ليرى شأنهم وعلمهم فسألهم بعض الاسئلة بعرض مسألة او قضية ما ثم يدفع تلامذته للتشكيك في ما يظنوه من معتقدات وثوابت، وخلق حالة من العصف الذهني الجماعي للدفع بالعقل للوصول الى الحكمة والفلسفة المنهجية السقراطية التي تقوم على الحوار استنادا الى نقطتين اساسيتين الحقيقة الموجودة والمعرفة ممكنة بطرح اسئلة لفحص تلك المعرفة للوصول بوضوح ذاتي ومعرفة قائمة على الوعي فكان ثورة على الطريقة التقليدية القائمة على التلقين والالقاء واعتبر سقراط الجهل مصدر الفوضى والخطأ ومصدر كل الشرور ومن يريد فتح طرق الخير عليه ان يكتسب المعرفة ويرى ان توضع مقاييس لكل مهمة او مؤسسة لأنه يرى ان الممارسة السليمة تعتمد على النظرية السليمة وهو الموقف نفسه لدى بوذا وكونفوشيوس وزرادشت فالتفكير الصحيح يؤدي الى الانجاز الجيد والعمل الجميل هو نفسه مبدأ زرادشت فقد كان تعاليم زرادشت منتشرة على نطاق واسع وساهمت بشكل عظيم في الاصلاح الاخلاقي الكبير لأنه الاسبق من جميع المصلحين في تصديع القوالب الايدولوجية المهيمنة على البنية الذهنية والروحية المنتجة لنظام الملك – الاله ونظام الامر الذي لا حدود له والعبد المسلوب الارادة حتى لا يمكن ان يكون له ظل خاص به . عظمة زرادشت تكمن في ثورته الفلسفية الاخلاقية ليمهد لأرادة الانسان الحر بجدلية صراع الاضداد أثر في الفكر الفلسفي وتطوره لدى الاغريق بشكل مباشر وصريح
افلاطون: عميق التفكير بارع اعتبر الفلسفة العلم الكلي بالمبدئ الاولى والامور الدائمة ( عالم المثل ) له بصمة كبيرة في تاريخ الفلسفة واعتقد ان ما يُرى لا يمثل الحقيقة وانما صور وظلال لعالم حقيقي يمكن ادراكه فقط بالعقل اساس مدرسته الفلسفية وسماها بالأكاديمية نسبة الى الحديقة التي كانت فيها هذه المدرسة وتحمل اسم البطل الاغريقي اكاديموس استمرت اكاديميته لألف عالم افلاطون يقول بدولة عادلة وفاضلة نموذجية يحكمها الفلاسفة بالعقل والعدل اتبعت دولة افلاطون نظام الحياة التشاركية فالتعليم والعمل حق الرجال والنساء افلاطون تعلم الدرس المؤلم من اعدام معلمه سقراط.
عمل على ان يصبح الفلاسفة والحكماء هم اصحاب السلطة والادارة في المدينة وعدم ابقائهم تحت رحمة السلطة وبعد اعدام سقراط اتجه الى مصر وايطالية ومن خلال جولاته الطويلة تعرف على الثقافات المتعددة هرع وعمل لأنقاذ دولة اثينا له مكانة قريبة من النبوة وحتى الاسكندر المقدوني سماه بالنبي خصائص فلسفته هو ادارة الحكماء ولعالم افلاطون ومثالياته الاثر البالغ على الحضارتين الاسلامية والمسيحية ومن ثمار عالمه المثالي وتطويره لمصطلح الاله المجرد وليس هناك فيلسوف او نبي وصل الى المعنى وسمو العقل مثل افلاطون.
أرسطو: يسمى بالموسوعة وازن بين الاحاسيس والعقل وحاول تأسيس رابطة سليمة بين العقل والادراك ويعتبر مؤسس علم المنطق طور الفكر السياسي من اجل انقاذ دولة اثينا وما زال فكر ارسطو وبنى منطقه حاكما ولم يتم تجاوزه بعد ارسطو كان منظر لمراحل الذروة وعرقلة الانهيار الكبير ركز جهوده من اجل انقاذ الحضارة الاغريقية من الانهيار المؤكد بعد ان تلقت ديمقراطية اثينا الضربات الكاسحة في حروبها مع اسبارطة لكن الضربة القاضية كانت على يد الاسكندر الذي تتلمذ على يد ارسطو نفسه والذي تم شحنه بالقيم الثقافية اليونانية والهته الميثولوجيا وتبدء غزوات الاسكندر والالحاق الهزيمة الاستراتيجية باثينا لتبدأ مرحلة الهلنستية ولانتصار الاسكندر على الفرس وربطه للشرق بما فيها مصر وسوريا وحتى الهند بالحضارة الاغريقية من خلال مزج الثقافة الاغريقية بالثقافات الشرقية الروحانية مما احدث تغييرات عميقة في المجال الفكري حيث ساد الطابع التأملي للفلسفة .
وتأسست ثلاث مدارس فلسفية رئيسية ولأهمية هذه المدارس لابد منن ذكرهم:
المدرسة الابيقورية : قامت على حب الحكمة ومزاولتها اعتقد الابيقوريون ان كل البشر يشكلون جزأ من العقل الكوني وان كل فرد هو عالم مصغر وانعكاس للعالم الاكبر الذي هو الكون مما يسمح بإقامة قانون يصلح لكل الناس وهو القانون المبني على العقل الكوني للإنسان يعتبر ابيقور الاخلاق محور الفلسفة وغايتها فعرف الفلسفة بانها الحكمة العملية في توفير السعادة بالأدلة والافكار ومن اهم اقواله ان كان هناك الهه فهي لا تهتم بنا اعجب به الفيلسوف نتشه وقال انه فخور بان يوصم بطابع ابيقور اكثر من اين كان وقال عنه نتشه ( انه ملك تلك المعرفة الرائعة النادرة الوجود حتى في وقتنا الحاضرة)
اسس ابيقور مدرسة فلسفية سميت بالحديقة يرافقه فيها تلاميذه واصدقائه لسنين طويلة ذاع صيته ومدرسته التي دامت ثلاث قرون تميزت مدرسته (الحديقة) عن سواها كانت اكثر من مركز اختبارات كانت تجمعا اخويا حياتيا مدرسته مختلطة للرجال والنساء والاطفال والراشدين . يقول عنه ماركس ( هو الوحيد من بين القدماء الذي اراد تنوير العقول ) تأثير الابيقورية امتد على كامل حوض المتوسط وعلى الثقافة الرومانية وتأسست مدارس ابيقورية عديدة في انطاكيا ونابولي الايطالية انشأ ابيقور نظاما فلسفيا واسلوبا للحياة ويرى غاية الحياة هي اللذة وانها الخير الوحيد والالم هو الشر الوحيد والمقصود باللذة في فلسفته هي التحرر من الالم
المدرسة الكلبية: اسسها الفيلسوف انتستانس كان يجمع تلاميذه في مكان اسمه الكلب السريع لذلك أطلق عليه اسم الكلبيين يقولون عن أنفسهم بأنهم حراس الفضيلة فينبحون على الرزيلة كما ينبح الكلب الحارس عند الخطر يرى انتستانس ان الفضيلة لا اللذة هي الشيء الوحيد الضروري للحياة ويقول ان الفضيلة في الافعال من رواد هذه المدرسة الفيلسوف يوجانس وهي من أكثر المدارس ميلا للإنسانية.
المدرسة الرواقية: اسمها الفيلسوف زينون وهو من أصل فينيقي سبب تسميتهم بالرواقيين كانوا يعقدون اجتماعياتهم في اروقة مدينة اثينا والفلسفة عند الرواقية هي محبة الحكمة ومزاولتها.
مرحلة الحضارة الرومانية
تأسست في جنوب اوروبا ايطاليا الحالية 625 ق.م وحتى سقوطها 1453 م نشأت روما كمدينة ملكية تحمل طابع المجموعات الأثنية ذات الاصول اللاتينية مرت بثلاث مراحل من حيث نمط الحكم.
الفترة الملكية- ثم المرحلة الجمهورية – والمرحلة الامبراطورية وهي من اقوى الامبراطوريات في التاريخ واعتى ممثلي الآلهة الملوك المقنعين تغذت على الثقافات العظمى السابقة لها الثقافة النيوليتية وثقافية الاتروسك الشبه نيوليتية نقلت منها اللغة والثقافة الآرية عبر الاناضول وكذلك تغذت على الثقافة الاغريقية الممتدة الى جنوب ايطالية كأول مستوطنة لها وكذلك تغذت على ثقافة شرق البحر الابيض المتوسط ذات الجذور السامية والمصرية والتي نقلها الى شبه الجزيرة الايطالية الفينيقيون مؤسسو قرطاجة ويكمن حسن طالع روما وازدهارها في شبه الجزيرة الايطالية احلال مكانتها في اقصى الغرب بعدم وجود حضارة اقوى منها في شمالها فكان التهديد الاكبر لروما من الاسكندر الذي رسم روما كهدف له قبيل وفاته تميزت حضارة وثقافة روما باهتمامه بالجانب المادي والسياسي والاعتماد على القوة بدلا عن الفكر وتكمن اهمية روما بكونها تمثل ذروة الحضارة المدينية العبودية وكونها الحضارات التي فتحت الافاق امام المواطنة العالمية وبالتالي امام الدين العالمي الكاثوليكي البطريركي فكانت روما تمثل فجر المدينية الاوربية الكبرى وهي ثمرة التغذي على المناهل الثقافية الشرقية والتي تمخضت بالتالي عن تركيبة جديدة ارقى واعلى.
عاشت روما مجدها الثقافي داخليا وحققت الانتصارات خارجيا في ظل الجمهورية كاستمرارية لديمقراطية اثينا.
فقد برز عدد من الفلاسفة العظام الفيلسوف الرواقي سينكا والفيلسوف الكبير شيشرون فيلسوف الاخلاق والمنظر السياسي ومؤسس مدرسة فن الخطابة ومن اهم اقواله (ان السعادة الانسانية الحقيقية تأتي من اعتناق الفلسفة وتداولها في الحياة اليومية)
امتد تأثيره الى عصور الحداثة وتأثيره واضح على فلاسفة القرن الثامن عشر وخصوصا فولتير يمكن تسميته ايضا بشهيد الفكر.
ولعل الفيلسوف الابرز لوكريتيوس كاروس ممثل الفلسفة المادية ووحدة الوجود الذري عملت فلسفته في اخراج الخوف من النفوس البشرية بقوله يكفي اظهار الطبيعة كما هي. كان يعتقد بان كل شيء يحدث وفق قوانين الطبيعة دون مساعدة من فوق ويرى الانسان جزء من الطبيعة وليس سيد عليها والعالم ايضا يخضع لقوانين الطبيعة. يحتاج الانسان الى الحس السليم والعقل من اجل معرفة الطبيعة ويعلق هذا الفيلسوف اهمية كبيرة على الحدث يعترف بالخلود وعدم انحلال المادة لأنها ذرات ابدية وهناك فراغ يسمح له بالحركة تختلف جميع الذرات عن بعضها البعض في حركتها ووزنها وتأثيراتها وتركيباتها وموضعها وفترات زمنية بينها.
قدر ماركس عاليا فلسفة المفكر كاروس ووصف عمله في طبيعة الاشياء بأنه أعظم وثيقة للفلسفة المادية في كل العصور والشعوب.
والانتقال من الجمهورية الى الامبراطورية نتيجة للصراعات المحتدمة والاخطار المتعاظمة داخليا وخارجيا حيث الحروب الدائمة والاسفار البرية والبحرية المتمخضة عن وزن التجارة في عالم البحر المتوسط والتي تزامنت مع بدايات الميلاد فقد كانت الامبراطورية الرومانية قد غزت مملكة القدس ولدى توحد الكهنة المتواطئين مع الحكام وانبثاق حشود كبيرة من تجمعات العبيد العاطلين والبروليتاريا من احشاء مجتمعات الشرق الاوسط التي فككتها العبودية الرومانية فولدت بذلك الكثير من الطرائق والانبياء والمسيح المنقذ اسم رمزي مشترك لحركة الفقراء والعبيد كحركة اشتراكية بدائية هزت عرش روما بالاستناد على ركائزها الاجتماعية لتصبح حركة سياسية بكل معنى الكلمة وكان مصير روما قد تقرر جزئيا منذ نهاية القرن الثالث الميلادي عندما انقسمت الامبراطورية الى نصفين غربي وشرقي قد يكون هذا التقسيم سهل من حكم الامبراطورية على المدى القصير لكن التقسيم اضعف الامبراطورية مع مرور الوقت بحيث بان القسم الشرقي اي القسطنطينية قد حصنت نفسها بشكل كبير واتجهت الغزوات الخارجية نحو روما الغربية ونتيجة للتمردات الكثيرة الداخلية (تمردات العبيد وبشكل خاص تمرد سبارتاكوس الذي قاد العبيد وكاد ان ينتصرعلى الامبراطورية الرومانية فالحروب المستمرة مع الفرس الذين بلغو شواطئ نهر دجلة وانتفاضة اليهود في شرق البحر المتوسط وكذلك الحروب التي لا تعرف الهدوء والسكينة في شبه الجزيرة اليونانية والبلقان وانطلاق شرارة قبائل القوط و الاسكيت والهون المنحدرين من الشمال الشرقي ولعل الموت المبكر للإمبراطور الشهير يوليان على نحو مأساوي وكأنه يحاكي الاسكندر بذلك ويقلده فكان بداية خُسران روما عصر الاباطرة الاقوياء الى غير رجعة وتحول الاباطرة الى دمى متحركة على يد زعماء القوط الغائرين عليهم فبينما طويت عهد الامبراطورية الرومانية الاولى من صفحات التاريخ عام 476 م
وسقوط روما تعني انهيار النظام العالمي لمسيرة المدينية العبودية المبتدئة مع مدينة اوروك وبنيتها المتميزة بمزايا المركز والاطراف والمنافسة والهيمنة والصعود والهبوط كما انه يعني طي صفحة احد اكثر عهود النظام المضاد للمجتمع وحشية وبربرية متجسدة في صورة وهيئة روما وما نَم من ذلك من قضايا ومقاومات داخلية وخارجية ع حد سواء سقوط وانهيار روما يبرهن مرة اخرى على ان مسار التاريخ يحدده بالأساس الصراع الكائن بين من يجعلون الحرب والعنف مصدر للبنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعنوية من جانب ومن يصرون ويقاومون ويصمدون في سبيل المواقف الديمقراطية والحياة الحرة المتساوية من جانب اخر كما يقول المفكر اوجالان.
اما قصة روما الثانية اي بيزنطة فقد استمرت لمدة طويلة لبنى مهمشة ومقلدة وقاصرة عن ابتكار تركيبة جديدة ومطامع بيزنطة في ان تكون روما ثانية مبالغ فيها لأنها لم تصل الى التركيبة الجديدة فلم تمثل سوى تكرار عقيم في احضان الاراضي القديمة لروما
تنامت المسيحية داخليا عن طريق المدارس الفلسفية الحرة والمقاومات الباسلة والجسورة للمسيحيين والتي كلفتهم آلام ومخاضات لا حدود لها لان المسيحية مثلت حملة ايديولوجية وثقافية عظمى تجاه الثقافة المادية المتضخمة للنظام العبودي وتجاه قيمه الايديولوجية المصابة بالرعونة والتفسخ البليغ واعلان قسطنطين ايمانه بالمسيحية واعطائهم حقوقهم الدينية والتبشير في جميع ربوع الامبراطورية تم وضع حد لاضطهاد المسيحيين وتعذيبهم وقتلهم فقد كان قد قتل على يد روما ما لا يقل عن عشر الاف مسيحي بسبب عقائدهم وايمانهم.
الدين الذي عمل بالخفاء متحملين شتى انواع الجوع والعذاب ومثلوا الفقراء و المضطهدين والمهمشين والبؤساء من كل القبائل والاقوام تقوم الادارة العليا في هذه الحركة العظيمة بالنزوع الى التحالف رسميا مع قسطنطين وتتحول تلك المسيحية الى دين للدولة وايديولوجية لشرعنة امبراطورية قسطنطين فتتحول من كونها يوتوبيا تبنتها قوة اجتماعية الى سلطة ايديولوجية عقائدية تمتلك زمام الامور والفضاء الثقافي الذي تشكل داخله تظهر على العناصر المكونة لها على الشكل الاتي اولها طائفة من النظريات ولا سيما ما يتعلق بالخلاص والخطيئة وهي في جملتها دخيلة على المسيحية وبانهيار روما بسطت الكنيسة هيمنتها شيئا فشيئا على كل مناطق الامبراطورية فجعلوا من الكاهن مسؤولا عن ارواح جميع المسيحيين دون استثناء ليصبح الكاهن الوسيط والممثل عن الله اي ان المسيحية بولوجها في خدمة قوة المدينية وسعيها لمحاكاتها قد مهدت الطريق امام اغترابها عن جوهرها وبحلول عام 529 م اغلق الامبراطور البيزنطي جوستنيان الاول اكاديمية افلاطون في اثينا وفي نفس العالم ظهر تقليد منح البركة الذي اعتبر اول قانون كهنوتي لتضع الكنيسة بذلك يدها على الفلسفة الاغريقية الرومانية والسيطرة على التعليم والفكر والتأويل لتصبح مهمة الفلسفة خلالها ان تؤيد بالدليل العقلي ما سلمت به النفوس للإيمان فاصبح الفلسفة تابعة للعقيدة وخادمة للاهوت والقديس اوغسطين الذي تبنى الافلاطونية الجديدة حاول التوفيق بين الفلسفة والدين المسيحي واستفاد من رأي افلاطون القائل بانه حرمان الجسد وعدم الاستجابة لغرائزه لكي تسمو الروح وكانت هذه الفكرة التي فسرها اوغسطين وجعلها منطق الرهبنة بالمسيحية فيما بعد والتأكيد على ان السعادة غير ممكنة على الارض والاخطر في فلسفة اوغسطين ايقاف النقاش لصالح اللاهوت مع حظر التفكير النقدي كذلك توما الاكويني : المتأثر بأرسطو عمل على التوفيق بين الفلسفة و المسيحية لشرعنة هيمنة الكنيسة التي باتت تهيمن على السلطة الزمنية وعلى المجال الثقافي وصلت الى درجة أنشاء محاكم التفتيش واختراع صكوك الغفران باعتبارها التجارة الوحيدة التي لا تنتهي هي الاستثمار في ذنوب العباد قامت الكنيسة بحرق الكتب التي تعتبرها ضارة بالعقول وخطرة على العقيدة وهكذا وضعت الكتب الفلسفية والعلمية على لائحة الكتب الممنوعة وملاحقة من اسمتهم بالمهرطقين اي العلماء والفلاسفة واقامت محاكم التفتيش واشهر من مثلوا امامها الفيلسوف الايطالي جوردانو برونو الفيلسوف والعالم الفلكي المؤمن بحيوية المادة والقائل ( ان معرفة الكون هي هدف الحياة الفلسفية ) وكذلك مُثلَ امام محاكم التفتيش العالم الكبير كوبرنيكوس الذي ساهم في تحطيم الايديولوجية اللاهوتية القائمة على مركزية الارض واكتشافه لدوران الارض والعالم الفلكي غاليلو الذي اطلق عليه برونو كولومبس السماء فتم اعدام برونو حرقا بتهمة الهرطقة لعدم تراجعه عن افكاره وجان دارك الفتاة التي تم اعدامها حرقا بتهمة الزندقة و الهرطقة وهي لا تزال لم تبلغ العشرين من عمرها واعدام الباحث ويليام البريطاني بتهمة الهرطقة بعد ترجمته للأنجيل للغة الانكليزية فراح الاف من الضحايا الابرياء واغلبهم من النساء وكل فكر خارج عن ارادة الكنيسة تحارب بأشكال بشعة كالحرق والتقطيع والقتل وكان محاكم التفتيش شديدة القسوة على العلماء وتقمع كل محاولة للابتكار والاختراع والبحث والعلم لكي تظل لها السيطرة الكاملة على الشعوب وقيادة الناس في سبيل جباية الاموال لان الفرد عندما يكتسب الروح يتحرر واكثر من حكم بالانحراف عن المذهب هم ذوي الفكر الحر تجاه دوغمائية الدين اما النساء المنعوتات بالجنيات الساحرات فتحاكم لأنهن يحمل هويات غير هاضمة للمسيحية السلطوية في حين ان الكيميائيين هم الباحثون عن المعلومات المغايرة لما هو موجود وتتميز هذه التيارات الثلاث بماهية قادرة على احداث الثغرات في الدوغمائية. المهيمنة على الفكر.
هذا الواقع الرهيب الذي عاشته اوروبا قرون طوال حيث نظام السجون كان وحشياً وتحريم مناقشة المسائل الدينية وقمع اي بادرة من بوادر التفكير الحر قاموا بنشر المواعظ الدينية بكثافة اغرقوا الوجدان العام بها وهذه المواعظ تمتلئ بصور العذاب الرهيب والجحيم السرمدي الذي ينتظره المنكرين لأوامر الله اي (اوامرهم) وصورة النعيم الدائم والغفران الكامل للمطيعين الخانعين الدين الذي حارب ضد العبودية طيلة ثلاث قرون قد دخل في وفاق مع النظام العبودي وبعد ان دجن الفكر الفلسفي وجعله خادما لمعتقداتهم ومصالحهم وليس البحث عن الحقيقة بل عن وسائل البرهان على صحة العقائد الدينية خدمة لمصالح الملوك والكهنة ولانغماس الباباوات في حياة الترف والرخاء واغتنام الاموال الطائلة غير مهتمين للفئات المحرومة من المجتمع ومعاناتهم اليومية فأصبحت الكنيسة تمتلك ثلث الاراضي في اوروبا وحدثت الانقسامات في الديانة المسيحية بين ممثلي الثقافة المادية وممثلي الثقافة الايديولوجية الرافضين لهذا تفسخ .
المرحلة التي اعقبت سقوط روما والمستمرة قرابة الف عام من 500 الى 1500 م. رغم تسميتها من قبل معظم المؤرخين بالعصور المظلمة لأنها تعكس ركودا في الثقافة والمعرفة وفترة المجاعات والاوبئة والحروب ومنها الحروب الصليبية المعروفة الا انها فترة مليئة بالاكتشافات والابتكارات خاصة في الشرق فالصين طبعت اول ورقة نقدية عام 1023 واختراع البوصلة المغناطيسية ونظام الترقيم ….الخ من جانب الثقافة المادية والعديد من المفكرين والفلاسفة المتنورين من امثال ابن رشد والرازي والفارابي واخوان الصفا والمعري وابن خلدون والمدارس الفلسفية كالمعتزلة فكان الاجتهاد الفكري وبيوت الحكمة في الشرق ومن المعروف ان ابن رشد الاندلسي وفلسفته التي ترجمت ونقلت الى اوروبا احدث ما يمكن وصفه بالزلزال الفكري في اوروبا كما يقول كورت دينوف وتشكلت الجماعات الرشدية بين الطلاب الجامعين واصدرت الكنيسة بيانات تكفير كل من يتبنى افكاره لتأثيره الكبير على الشباب وكما قيم المفكر عبدالله اوجلان هذه المرحلة بانها مرحلة مد و جذر فالنزاع والصراع والوفاق فيما بين التيار الساعي لتأمين سيرورة تفوق الثقافة المادية وبين التيار النابذ للتخلي عن تفوق الثقافة الايديولوجية اما تعابير عصر الظلمات وعصر الاقطاعي قد تكون اجوبة نسبية للواقع فيلاحظ ان القرن الثالث عشر شهدت تطور المدارس وخاصة الترجمة في ايطالية وصقلية كما تطور الجامعات ورغم كل عراقيل القوة الهيمنة الكنسية للحد من العمل الفكري وابقاء سيطرتها على الحياة السياسة والفكرية وعملت من خلال مذهبين كنسيين للالتفاف على التطورات الحاصلة كمذهب الفرنسيسكان والدومينيكان المدافعين عن لاهوتية اوغسطين تحت شعار العقل لا يستطيع اكتشاف الحقيقة الا عندما تكون الفلسفة مضاءة بالأيمان الديني
دراسة تم اعدادها على ضوء مرافعة مانيفستو الحضارة الديمقراطية المجلد الاول. وكذلك الاستفادة من كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر الفلسطيني غازي الصوراني