انهيار النظام القديم وسقوط مفاهيمه وبداية تأسيس العلموية وسيادتها من عصر التنوير إلى اليوم

الأكاديميات في الحداثة الديمقراطية

0

جوان شام

تدّعي الحداثة الرأسمالية وتروّج منذ ما يتجاوز الأربعة قرون تفردّها بحالة استثنائية لم يشهدها الفكر البشري على مرّ تاريخه، أنتج على حدّ تعبيرها منظومة متكاملة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية. بقطيعة كاملة مع كل المخزون المعرفي البشري السابق، بل وذهبت بعد انهيار نظام القطبين الذين سادا فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة كل من الاتحاد السوفياتي من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، والتي خرجت منتصرة كممثل عن الحداثة الرأسمالية إلى التكهن بنهاية التاريخ كما جاء على لسان أهم مروجيها فرانسيس فوكو ياما بكتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” 1992  متخذا مقاربة فلسفية لطرحه يعود به إلى اليونان القديمة ليقول إن الديمقراطية الليبرالية هي نظام الحكم الوحيد الذي حقق ما ادعى أفلاطون أنه ضروري للسعادة وهو الشهية والمنطق، والحاجة إلى الاعتراف بهما كإنسان، ومجادلا بأن جذور انتصار الحداثة الرأسمالية وسيادتها تكمن في تطوير الطريقة العلمية والثورة الصناعية، المتوافقة مع هذا العلم الحديث حيث لم يعد التاريخ والحضارة تحت رحمة الأحداث الدورية العشوائية، بل سمحت بتطوير مجتمع اتجاهي تراكمي.

لم يكن ادّعاء فوكو ياما عبثيا أو خارجا عن الرتم الكهنوتي لعلموية الحداثة الرأسمالية ومريديها، فقد سبقه إليها هيغل عندما رأى نابليون يتجول في شوارع مدينته على ظهر حصانه بعدما احتلّها، معتبرا أيّاه ظل الله على الأرض، مأخوذا بجمالية الصورة التي حققت مفهوم الدولة الخارجة والمنزاحة عن حركة التاريخ بتحقيقها للفصل الكامل عن كل ما سبق حسب تصوّره، وهو تفكير مازال يغزي ويغذّي مريدي العلموية وذهنيتهم إلى يومنا الراهن ضمن أكاديميات أعدّت عبر قرون لتمجيد تلك الكونية المدّعاة للحداثة الرأسمالية.

تلك الكونية الفريدة من نوعها المدّعاة فندّها الفيلسوف الألماني كارل شميث بأدّق العبارات التي تكشف وهمها معبرا عن الحداثة الرأسمالية بأنها علمنة جميع المفاهيم اللاهوتية في الدولة الحديثة: حيث استبدلت سيادة الله بسيادة الشعب، وحلّت الدستور مكان الكتاب المقدس، والمواطنة مكان إخوة الدين، وعوضت قداسة الوطن قداسة الكنيسة، وغيبت بالعلم الشعار الديني، وأصبح النشيد الوطني يدب الحماس في نفوس المواطنين بدل التراتيل الكنسية.

كان شميث من المفكرين القلائل الذين استطاعوا محاججة الحداثة الرأسمالية كاشفا عن سرقتها المنتوج الفكري للبشرية وتحويره، ومحاولتها طمس معالمه وهو ما فعله أيضا ماكس فيبر وزيجمونت باومان ومايكل هاردت وأنطونيونيغري والقائد عبد الله أوجلان وغيرهم من المفكرين الذين حملوا على عاتقهم راية البحث عن الحقيقة خارج إطار الإيديولوجية الليبرالية وأكاديمياتها العلموية التي صبّت من خلالها الحداثة الرأسمالية جمّ طاقاتها لخلق التغير الاجتماعي أو بالأحرى تأنيث وخصي المجتمع كما يقول المفكر عبد الله أوجلان في كتابه ” المدنية الرأسمالية “، عن طريق نشر التعليم بغرض زيادة الرأسمال البشري الذي يشكل جزءا من التغير المبرمج للحكومات الليبرالية من أجل تجسيد النمو الرأسمالي الذي يتوافق مع جشعها، ومن خلال سياسات العنف الرمزي التي تساهم المدارس والأكاديميات في تغذيته وترجمته بحيث تثمن أفكارا وقيما وسلوكيات ومعايير نجاح تناسب” ورثة الإيديولوجيا الليبرالية ” حسب تعبير بورديو وباسرون أهم روّاد النيوفيبيريّة.[1]

اذن أسّست الإيديولوجيا الليبرالية للحداثة الرأسمالية منذ نشأتها لقرون عديدة نزعة امتلاكها الحقيقة المطلقة والنموذج الأبهى في ذهنية مريديها عبر القطع النهائي مع حركة التاريخ، صابّة كل جهودها إلى طمسه، وترويج ابتداعها كل ما هو متطور وحديث وصبغه بطابع إيجابي، معتدية على ما تم انتاجه عبر مرحلة الانتقال من عصر الظلمات، لعصور النهضة والإصلاح والتنوير وهو ما ستتناوله الورقة محاولة دحض ادّعاء الحداثة الرأسمالية عن قطيعتها التاريخية مع المعرفة البشرية المدّعاة، ومحاولة تعرية المذاهب الفكرية التي اعتمدت عليها في تنشئة ذهنية مريديها وآليات احتكار الإنتاج الفكري الجديد داخل مؤسساتها والإشكاليات والقضايا المجتمعية التي انتجتها ومازالت من خلال موضعة علم الاجتماع وغيره من العلوم معتمدة على التشيئ والتمظهر.

 

1 – تهاوي القرون الوسطى:

عانت أوروبا قبل القرن الرابع عشر من سلطة الكنيسة والذهنية الرجعية المتخلفة التي سيطرت بها على الأفكار والمعتقدات وفرضت السلطة الدينية بجانب نظام اقطاعي سائد في وقتها ، كانت فيه ملكية الأراضي الزراعية تقتصر على أصحاب الدرجات الرفيعة في المجتمع ، بينما يعمل الباقي كفلاحين وعمال بنظام السخرة ، ولا يتمتعون بحق الامتلاك فيعيشون تحت وطأة الفقر وتسلب منهم حقوقهم ، ضمن نظام سياسي عرف الأباطرة والملوك والأمراء الذين تحالفوا مع الكنيسة في الكثير من الأوقات وحصدوا دعمها وتأييدها وشرعنة حكمهم في عصر كان يتستر به الحكام بالسلطة الإلهية ويوصفون بأبناء الآلهة وعليه تشكل الطابع السياسي العام الذي ساد أوروبا في عصر الظلمات عبر ثنائية السلطة الدينية والسلطة الزمانية ” نظرية السيفين [2]” طوّعت المجتمع الأوروبي على القبول والطاعة دون اعتراض أو رفض لأوامرها وأوامر الحاكم باسم الله ، ضمن ذهنية سادت بها الجبريّة و الحتميّة ، غير أنّ هذا التعايش بين السلطتين لم يدم طويلا سرعان ما حاولت السلطة الزمانية التوسع على حساب السلطة الروحية ، لتبدأ بذلك حرب طويلة امتدت على مدار عدّة قرون بين سلطتين متنازعتين لم يكن للمجتمع الأوروبي نصيب من هذا النزاع إلا الدماء والعبودية المتردّدة بين إلهين ، وظلّت أوروبا طوال هذه العصور غارقة في ظلمات يعلو بعضها بعضا مع بصيص لشعاع نور في بعض المحاولات الفكرية التي حاولت الخروج من عباءة كلا السلطتين أو التوفيق بينهم أو السخرية منهم.

خلال الربع الأول من القرن الرابع عشر وحتى آخر الحقبة تقريبا، أدت الأزمة الاقتصادية، إلى الجمود المادي وإلى خراب طبقات شعبية عريضة، وقضى الطاعون الأسود 1348 والأوبئة المتفرقة خلال العقود التالية على ثلث السكان تقريبا في بلاد كفرنسا وانكلترا، وأربكت سيكولوجيا الجماهير وعقبتها الاضطرابات السياسية والأيديولوجية، وأدت الفضيحة التي سببها بذخ الكنيسة وانقساماتها إلى تمزق المسيحية. وتعددت الحروب بين الأمراء وطالت مزعزعة الرأي العام حيث ساد المسرح السياسي في ممالك أوروبا الصراعات العنيفة المأساوية لدرجة أن الشعب لم يستطع أن يمتنع من اعتبار الملكية التي تعتبر مقدّسة في وقتها إلا عبارة عن سلسلة من الاحداث الدموية أو المغامراتية، واكملت الطوائف الجديدة حركة ” العلمنة ” التي انطلقت في عصور سابقة ولكن دون التوصل إلى توازن صحيح.

احتوى هذا العالم الفوضوي على نواة مستقبل مختلف، فوراء الأزمة الاقتصادية بدت ملامح نظام اقتصادي جديد تظهر نذرها في إيطاليا في القرن الخامس عشر، وبعد ضعف السلطة الكهنوتية جرى توزيع افضل للقوى الروحية والزمانية، ومن وراء الحروب، بدأ تفتح الشعور القومي الرابط بين الوحدات الجديدة المتشكلة، وقربت النهضة، حيث بدأ يولد وراء ما يموت في القرن السادس عشر وتحديدا الثقافة الكاثوليكية العالية والقوية التي اقتربت في الفكر وفي الشكل من انحدارها، وأخذت الحركة الإنسانية[3] المستجدة تملأ فراغها وتضع أسس الفردانية الحديثة حيث بدأت ترسم ملامح الخارطة الفكرية السياسية والايديولوجية وتشكيل ذهنية متمحورة حول مفهوم السيادية[4] وتحديدا في إيطاليا الشمالية، ومفهوم الأمة والدولة لأوروبا “الحديثة”.

لم يكن الطريق ممهدا أمام مفهوم السيادة في بدايته وتحديدا بالنسبة للحاضرات الإيطالية الناشئة حيث وقع الصدام الفكري بينه وبين مفهوم الحاكمية[5] الذي كان ما زال يطرح نفسه بقوة عبر سياسة الاستبداد التي تبنتها ميلانو في وجه الديمقراطية الفلور نسية سرعان ما تحول إلى صراع وتصادم حقيقي على المستوى السياسي والذهني انتهى بردة فعل مفكرين فلورنسا و بطرح فكرة الجمهورية الكونية حيث حلت الديماغوجية[6] محل الديمقراطية لتعود فلورنسا مع نهاية القرن الخامس عشر إلى الجمهورية المتشكلة.

أما مفهوم الأمة فقد لعبت الكنيسة على عكس المتوقع دورا مهما في تكوينه وتكوين الأمم الحديثة مجبرة ومنصاعة بدفع من قبل الأمراء التقدميين المدعومين والمبرأين من قبل حاشيتهم” الفكرية ” التي استطاعت تخليص مناطق السلطة الزمنية من تعديات المجتمع الاكليركي[7] ودفع الكنيسة إلى اعداد وتطوير الاطار الإقليمي والإداري من أجل ازدهار الأمم وتوليد الإحساس الوطني جزئيا مترافقا مع الانحراف الديني وهو ما أدى إلى ولادة مفهوم الوطن عبر “علمنة” العناصر الاكليركية بما يتشابه مع نشأته وتطوره وفق نموذج مدينة لياج الذي منح توازنا في البداية ما بين الأسقفية وسلطتها الروحية وبين السلطة الزمنية ليتطور المفهوم رويدا رويدا مع ازدياد ضعف الكنيسة ليأخذ بعدا قدسيا من خلال رفع أفضلية الموت من أجل الوطن على الدين والكنيسة، ومن ثم نقل الوطن إلى فكرة تجريدية لا تختلف عن الالهة حيث تم رفعه من مجرد الشعور إلى المطلق، ليبدأ بعدها تجييش الأمم ضد الكنيسة في مرحل وهنها الأخير ومع صعود القومية كفكرة ناشئة والتي بدأت تتقدم في كل مكان من العالم تقريبا وعلى درجات متفاوتة ووفقا لألوان مختلفة، خارجا عن اطار ومنظور المسيحية في كل المجالات، لتتحول الحياة وتتبدل ويزال شكل من أشكال الكونية ويختفي، دون أن تكون الحركة الإنسانية قد ولدت بعد فكر كوني بديل، والحركة الطبيعية كانت تبدو في أواخر القرون الوسطى مصطنعة، محدودة، ولم يكن تناغم النهضة ليحس إلا عندما تعلّم جيل جديد وهو يستعمل اشكال العصور القديمة، كيف يمتلك فكرة: في البداية الطهارة، والدقة في التصور وفي التعبير، ثم ضخامة الفكرة، والاهتمام الحي والمباشر بالحياة.

 

2 – الإصلاح الديني – تجدد الأفكار في الصراعات السياسية – الاكتشافات الكبرى:

 

يعتبر الإصلاح الديني حقبة تحولات كبرى في كل مجالات النشاط والفكر، توج توسع العالم المعروف والمستثمر، وتدفق المعادن الثمينة الأميركية، ودفع بقوة بالغة التجارة الدولية الكبرى، التي كانت ترجمة لتوسع اقتصادي، ولديمغرافية عامة، وكان لكل ذلك نتائج اجتماعية وذهنية وسياسية ضخمة، وغيّر ارتفاع الأسعار المستمر، والتكون السريع للثروات المنقولة الكبرى، في توزيع الثروات، وتسبب في تجديد الطبقات الحاكمة في المجتمع، وأدى تطور الرأسمالية التجارية، الذي بدأ قبل القرن السادس عشر، في إيطاليا أولا، إلى استمرار بقاء السمات الأساسية لاقتصاد ريفي تقليدي، ولمجتمع ارستقراطي،برزا وتطورا في النظام السيادي، لمدة طويلة، ولم يكن الاستمرار أقل عمقا في المجال الفكري، اذ في إيطاليا القرون السابقة نشأت حضارة وثقافة “النهضة” اللتان اجتاحتا كل أوروبا متشعبتين بحسب المقتضيات الإقليمية، واعتبرت إعادة اكتشاف العصور القديمة فيها عنصرا مهما رسم بطابع أصيل الفكر والفن والأدب، ولكن الكنيسة كما في القرون الوسطى ظلت مستقرة في صميم الناس محافظة على سيطرة الدين الخفية الشاملة على الناس.

تكونت خلال القرن السادس عشر عقيدة ذات اتصال بتقدم السلطة الملكية في بعض الدول هي فكرة الإطلاقة[8] التي تميزت للوهلة الأولى بالتأكيد على سيادة ملكية بدون حد وبدون رقابة، لا تعترف للرعية إلا بحق الطاعة، وعكست تعابير دنيوية “لا دينية”، إلا أنها لم تستطع أن تبلغ في الفكر والذهنية القدرة على تحقيق استقلال تام لتأتي أفكار كلودي دي سيل الداعية إلى ملكية مقيّدة ترافقت أفكاره مع صعود أفكار ميكافيللي الداعية إلى خليط ما بين الفلسفة الجبرية[9] وتعظيم لا دينية الدولة بنمط يدل على اعجاب بالجمهورية الرومانية، إلا أنّ الإطلاقة بجميع أشكالها اصطدمت بالحركة الإنسانية المسيحية التي حاولت من جهتها وباسم ثقافة جديدة ودين مضاد للمدرسية التقليدية ان تنقذ كونية مسيحية مدينية معبرة عن الحرية المسيحية ومعلية من شأن الفلسفة والأخلاق السياسية المسيحية، مع أهم روادها توماس مور الذي عمل على انتقاد المجتمع والدولة المتشكلة ومعلي من الحدس العقلاني ضمن جذور وامتدادات الإنسانية المسيحية، دون القدرة على رسم اصلاح حقيقي للحركة الإنسانية المسيحية حيث ظهرت محاولات مفكرين الحركة في أغلب الأوقات بموقع دفاعي أمام فكرة الإطلاقة ولا دينيتها أكثر من الاهتمام الحقيقي في عملية الإصلاح للحركة الإنسانية المسيحية.

يكمن التحول الرئيسي للإصلاح في المسيحية أو بمعنى أدّق خضوع الكنيسة بشكل شبه كامل للسلطة الزمانية وتقديسها والتي بدأت برسم ملامح جديدة للذهنية الأوروبية عبر علمنة المفاهيم الروحية تدريجيا مع قدوم أفكار مارتن لوثر “1483-1546” الكاهن من منشأ شعبي حيث وضع موضوعين رئيسين سيطرا على أغلب ارشاده وعلى أغلب إرشادات الإصلاح بالمجمل الأول ارتبط بالصفة الإلهية لكل سلطة قائمة، والثاني الانفصال الجذري ما بين الايمان والقانون، حيث يشدد بقوة على الطاعة الغير مشروطة للسلطة، لأنها بوجهة نظره ذات نشأة ومهمة دينية، والقانون الذي هو عالم المعصية بحد تعبيره، وبذلك يرسم حدود الانفصال ما بين الزمني والروحي، ولكن ليس بالشكل البسيط، لأن كل انسان يجد نفسه متورطا في الحقلين، بآن واحد حقل الاكراه وحقل الحرية، حيث اعتبر كل مسيحي حر منعتق من كل قانون ومن كل أمر على انه كهنوت كوني وملك، ولكن هذه الملكية والحرية المسيحية ليس لها أي معنى سياسي انها روحية خالصة وداخلية.

ومن نتائج القول بهذا الكهنوت الكوني، الغاء الوضع الكنسي، أي الغاء الامتيازات المرتبطة بها، مما أدى إلى اتساع السلطة الزمنية “التي يجب ان يترك لها ممارسة عملها بحرية وبدون عقبات، عبر كل جسم الأمة المسيحية”، وعلى سلطات  الإمبراطورية ان تحقق الإصلاحات الضرورية في الكنيسة، وبصورة خاصة بواسطة مجمع كنسي منطلقا من برنامج يدعم السلطة الزمنية ضد البابا، لقد أعلن لوثر الإنجيل لكل الناس، ولكن بالمقابل الناس جميعا ملزمون بطاعة القانون الزمني، وبذلك استطاع لوثر أن يمهد الطريق بتفاسيره المسيحية الخاصة، إلى نقل السلطة من طابعها الروحي إلى طابعها الزماني، في نفوس الناس، محققا انتصارا مهما بأسلوب غير مباشر للأمراء في صراعهم مع المؤسسة المسيحية ومدارسها التي انقسمت بدورها إلى مذهبية لوثرية من ناحية قائمة على فكرة التجارب المدينية ومنطلقة من مبدأ الحرية المسيحية، ومذهبية كالفن القائمة على فكرة الدكتاتورية الدينية، في عالم ممزق شهد نزاعات متعددة بتعبيرات أيديولوجية متناقضة ومختلفة ما بين تصورات إنكليزية لفكرة الوطن والسلطة الحديثة وتردد فرنسي وطموح بالعودة إلى امبراطورية عظمى كالتي شهدتها الإمبراطورية الرومانية في ظل ارتكاسات كاثوليكية تراوحت ما بين انتصار للملكية ومعتقدات نقيضة للإصلاح.

بالمجمل يمكن اعتبار عصر الإصلاح خليط من الأفكار الحديثة المتصارعة  ونزاع وموت لأفكار أخرى ففكرة المسيحية السياسية الحاكمة للمجتمع ماتت حتى عند التيولوجيين[10] الكاثوليكيين، في حين بدأت تترسخ واقعة الدولة القومية تماما، رغم صراعات الملكية ما بين الإطلاقية والتقييد إلا أنها كانت جميعها حاملة لتصور واضح بدون جدل قوامه تقدم الدولة على الحقوق الفردية والجماعية، وقوامه أيضا التطلعات الاستقلالية القديمة عند المجموعات الإقليمية والسلطات المحلية المرتدية أو غير المرتدية للرداء الديمقراطي الذي لم يكن ذو صفة حديثة بقدر ما هو في الحقيقة مرتبط بتصورات أثينية ورومانية، لتدور حركة أفكار القرن السادس عشر حول ثلاثة خطوط كبرى لعبة دورا مهما في نقل الذهنية من موقعها الديني في أغلبه إلى موقع أكثر علماني ان صح التعبير تجسد أولها في التقدم الملحوظ في التعلق بالملكية القومية والمطلقة، على حساب التصورات الإقليمية والاقطاعية التي هي بآن واحد تحت القومية وفوقها، وثانيها الدنيوية، والعقلنة أو التعقيل، غير المكتملين واللذين لا يمكن انكار أثرهما في هذه الفترة، واللذين عمل ” الإصلاح الديني ” عن قصد على مساعدتهما، وتشجيعهما، وثالثهما تجديد ملحوظ للاتجاهين الأولين الذين قد ارتسما في الحقيقة قبل القرن السادس عشر، ولكن تجلى التجديد في استبدال الولاء للملكية بوطنية ” جمهورية ” كانت أساسا وركيزة لاستقلال الأقاليم والمحافظات المتحدة، وفي هذا التجاوز بدأ تحول الفكرة الوسيطة عن الحريات إلى ايديولوجية عن الحرية، اخذت ترتسم بهدوء وبطء، مع تفتح الوعي البرجوازي، وهذه الأيديولوجية سوف تحتاج إلى تزمين أو دنيوية أكثر بروزا واندفاعا، يساعد في ذلك قيام العلم الوضعي، وقيام الاطلاقية بعملية التأحيد النسبية، وهي ما ستحكم عالم الأفكار وآلية بناء الذهنية تحت مسمى الليبرالية ليس فقط على المستوى السياسي بل على جميع مناحي الحياة والمجتمع وأهمها العلم أو العلموية[11] كلوياثان كما يطلق عليها المفكر عبد الله أوجلان، لتصبح الإيديولوجية الرسمية للحداثة الرأسمالية.

 

3 – قرن بيكون وديكارت وأسرهما ذهنية عصر الأنوار:

 

يمكن اعتبار القرن السابع عشر عصر أزمات: أزمات اقتصادية” مجاعات وثورات فلاحية”، وازمات سياسية وحروب: حرب الثلاثين سنة” 1618-1648″، أزمات دينية: الحركة الجانسينية،[12] التقية، ثم أزمات فكرية: الخلاعة والدعارة ، الحذلقة والغرابة. ومن هذه الأزمات خرجت الاطلاقية قوية في الظاهر، إلا أنها في حقيقتها كانت ضعيفة، خلاسية ركزت مفهوم السيادة على عناصر تقليدية،” واجبات الملك، العقد، العرف، القوانين الأساسية للملكة” وعلى عناصر جديدة أيضا أهمها المركينتيلية[13] والانتفاعية وهو ما جعلها في تناقض رغم سيادتها في معظم أوروبا ولكن الصراع أدى إلى تهاويها في البلد الذي انفتح أكثر من غيره على الرأسمالية المعاصرة: إنكلترا التي بدأت تشهد تطور التجارة والثروة مع انتقال المركز الاقتصادي من اسبانيا وإيطاليا نحو الشمال، مع استمرار التوازي البيّن بين نمو الرأسمالية ونمو الفكر بمجمله وتحديدا السياسي، ومع ذلك استمرت هذه الحقبة موسومة بآثار الإصلاح والإصلاح المضاد وبالانسنة والمدرسية، إلا أن الفشل السياسي الذي خلفته الإطلاقة مع نهايتها، لم يكن ذاته على مستوى الذهنية التي انتجتها من خلال مجموعة عوامل بقيت راسخة فالمركينتيلية الإطلاقة بقيت صامدة مع خصال رئيسية أهمها التصنيع، الحماية، القومية.

حيث انطلقت المركنتيلية كردة فعل ضد الجمود، وتأكيد قوة في الخارج والداخل، وبموجبها دفعت إلى تجميع الذهب والفضة المجلوبين من وراء البحار ثم تنمية الإنتاج القومي إلى أقصى حد، وإعادة تأهيل التجارة التي كانت مشكوكا في أمرها من قبل الكنيسة الكاثوليكية التي عملت على تحريم القرض والفائدة، إلّا أنّها رضخت في النهاية إلى المركينتيلية تحت مسمى التجارة الشريفة بعد تنظير الكاهن الكاثوليكي ماتياس د سان جان، لتنطلق بعدها إلى الدعوة لحماية الصناعات الجديدة ضد المزاحمة الخارجية بنظرة مزدوجة ضد العالمية الكونية وضد الإقليمية المقاطعة أو البلدية كنوع من الانتقال من سياسة بلدية إلى سياسة قومية، ولتشجع لاحقا الدولة كجهاز على قيام الشركات التجارية: الشركة الهولندية للهند الكبرى، الشركة الإنكليزية للهند، الشركة الفرنسية للهند الغربية وللهند الشرقية، وبذلك مجّد التنظيم الاقتصادي للبلدان المنخفضة، كما مجّدت فيما بعد سنة 1688 المؤسسات الإنكليزية وبوجه عام كان للمجهزين والتجار من جهة وللدولة من جهة أخرى مصالح غير متعارضة بل متكافلة، وبهذا فرضت المركينتيلية الاقتصادية ودعت لقيام سياسة قوة واحدة وعاملا قويا للتوحيد القومي، وفي مرحلة أولى يمكن توقيتها وحصرها في إنكلترا بأيام حكم اليزابيث وفي فرنسا أيام لويس الرابع عشر، كانت الإطلاقة هي التتويج البديهي للمركينتيلية وفي مرحلة ثانية ساهم نمو الرأسمالية التجارية تقويض الإطلاقة، وذلك بإقامة في مواجهة الحكم الملكي، بورجوازية اعتقدت نفسها القوة الكافية للمطالبة في ممارسة الحكم، إلا أنها في حقيقة لم تبلغ درجة التطور، حيث أن الذهنية مازالت ناقصة عناصرها الرئيسية لتستطيع من خلالها البرجوازية أن تسيطر أيديولوجيا بشكل كامل، وهو ما استمر في التصاعد مع الإطلاقة التي زاد زخمها بمساعدة أسباب دينية كان أهمها ذكرى الحروب الدينية التي كانت ماتزال حية في الاذهان، حيث كانت أغلب الشعوب لا تشتاق إلا للسلم وتعتمد على الملك لضمانه، وفي إنكلترا وفرنسا برز شعور مشترك بالاستقلال عن البابوية، وفي حين ظلت إنكلترا أمينة للانجليكانية[14]، بقيت الغاليكانية[15] هي العقيدة الرسمية في فرنسا، ليتوج اعلان 1682 نهاية صراع طويل وقديم لصالح الإطلاقة المرمزة بالكنيسة إلا أنها في حقيقة الأمر حسمت صراعا مهما لصالح السلطة الزمانية بمساعدة عوامل أخرى أهمها الحركات الثورية والحروب التي ساعدت على تقوية الحكم، وعلى الشعور بالحاجة إلى النظام وإلى السلم ليس فقط في أوساط الحكام ولكن في الأوساط الشعبية، لعبت هذه العوامل وتحديدا سيطرة السلطة الزمانية في الدفع نحو حقبة ثورة علمية تخمرت في عصور سابقة منذ النهضة الأوروبية وعواملها ومفرزات عصر الإصلاح، وكانت ضرورية لملأ الفراغ الذي بدأت تخلفه الكنيسة في ذهنية المواطنين، وبدأ روّاد الحقبة كفرنسيس بيكون، وكليبر غاليلي، وديكارت، وباسكال، وريسلي، وهارفي نيوتن، يعلو نجمهم ضمن المجتمعات الأوروبية، وتأسست الجمعية الملكية البريطانية 1660، وأكاديمية العلوم الإنسانية 1666 وأخذ العلماء يتراسلون فيما بينهم من بلد إلى بلد، وبدت الروابط بين الفكر العلمي والفكر السياسي والاجتماعي أكيدة وجلية فمثلا هوبز كانت السياسة بالنسبة إليه جزءا من ميكانيك عام، وكذلك عند سبينوزا، وأيضا عند لوك الذي اعتبرت فلسفته السياسية وكأنها مشروع يشبه فيزيك نيوتن، وبدت السياسة المتأثرة أولا بالهندسة ثم الفيزياء، وكأنها علم هو جزء من علم كوني شامل وهو فعليا ما تمثل في ذهنية المركزية الأوروبية في مراحل لاحقة حيث قلبت الانطلاقة العلمية المفاهيم وأساليب التفكير نحو العقلانية العصرية التي أسست إلى عقل تحليلي محض قائم على دعيمتين رسما هذه الذهنية، الدعيمة الأولى ارتبطت بوضعية بيكون الذي قاد الحركة العلمية بفلسفة حديثة أعدمت المنطق الأرسطي القائم على القياس، ومعتمدة على الملاحظة والتجريب للوصول إلى المعرفة العلمية المبنية فقط على الاستقراء والمراقبة الدقيقة للأحداث في الطبيعة عبر ملاحظة ظواهرها للوصول إلى نتائج بالتجربة الحسية الملموسة، ناقدا الأسلوب التأملي وواضعا قواعد منهج استقرائي يقوم على شرطين: الأول ذاتي يتمثل في تطهير العقل من الأحكام والأوهام التي انحدرت إليه من الأجيال السابقة أو بتعبير آخر القطع مع الشق العاطفي للذهن بشكل نهائي والذي يعتبر جزءا مهما في عملية بناء الإنسانية التي وصلت إلى بيكون، والثاني شرط موضوعي يتمثل في رد العلوم إلى خبرة وتجربة عبر وسيلة معرفة علمية صحيحة تتلخص في الاستقراء للظواهر تحديدا والأشياء دون اعارة الانتباه إلى الحدس والتأمل وما ورائهما، أما الدعيمة الثانية فتمثلت بمنهجية ديكارت الذاتية التي تعتبر المنهجية الرئيسية لمذهب العقلانية من جهة والفردانية الليبرالية من جهة أخرى عبر بناءه نظام الاحداثيات الديكارتية، والذي شكل النواة الأولى للهندسة التحليلية، من خلال منهجه الشكي الذي اعتمد فيه على الأنا في بناء نظرية المعرفة عبر أساسيتين: تمثلت الأولى بالبداهة: كتصور يتولد في نفس سليمة منتبهة عن مجرد الأنوار العقلية، والثانية: الاستنباط القائم على عملية الانتقال من الفكرة البديهية إلى نتيجة أخرى تصدر عنها بالضرورة، واعتمد في برهنة كل شيء انطلاقا من وجوده هو فيما ذلك الإله.

وبذلك أصيبت نظرية المعرفة من خلال التحديث الذي سيطرت فيه كل من وضعية بيكون وذاتية ديكارت،والذي جاء متوافقا مع قوى السلطة الصاعدة، بشلل وبداية محق كامل، رغم المعارضة الكبيرة التي تعرضت لها كلتا النظريتين المعرفيتين، إلّا أنهما استطاعا أن يسيطرا مع تصاعد البرجوازية التي رأت في كلا النظريتين فرصة ثمينة لبناء أيديولوجية تتوافق مع مطالبها، وتحديدا باستغلال فكرة الخلط ما بين التفسير والفهم الذين سمحوا فيه كلتا النظريتين حيث كان التفسير يرتبط بالعلوم الطبيعية، للتجريب والوصول إلى النتائج والقوانين، أما الفهم فارتبط بجوانب العلوم الإنسانية وتحديدا علم الاجتماع والذي كان غير قابل للقياس أو وضعه موضعة الشيء،إلّا أنّه وبهذا النقل لفكرة التفسير من العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية أصبح المجتمع بأكمله عبارة عن فأر تجارب في مختبر الحداثة الرأسمالية التي بدأت تبني دعائمها الفكرية معتمدة على العلوم والنظريات المعرفية المنتجة ،وأصبح بذلك المجتمع خاضعا لتفسيراتها المنفعية والبراديغمائية[16] المادية التي ستظهر لاحقا، وتحكم ذهنية عصر الأنوار، مؤسسة أسوء وأعتى أنواع السلطة التي شهدها تاريخ البشرية من خلال السيطرة الكاملة على الذهنية وهويتها التي قامت ببنائها ومن ثم نمذجتها وأخيرا تحنيطها.

4 – الأنوار عصر سيادة الإيديولوجيا البرجوازية وترسيخ العقل الأحادي ومأسسة العلموية:

 

نمت في القرن الثامن عشر البرجوازية في أوروبا الغربية وهيمنت على الأفكار التي تولدت في عصور سابقة، ساهم في ذلك المناخ الاقتصادي العام والتقدم التقني مع بداية التباشير الأولى “للثورة الصناعية”، وبدأت تصاغ تعابير دقيقة لتشكيل حلقة تقدم للبرجوازية الأوربية معتمدة على فلسفة وضعية ومنطلقة من فردانية ذاتية منفعية مترجمة لما قدّمه ديكارت وبيكون، ابتداء من فولتير الذي رأى في التجارة المنطلق للوصول إلى الحرية والعظمة معتبرا بأنّ التجارة عنصر الثروة، والثروة عامل الحرية، والحرية تشجع التجارة، والتجارة تعمل من أجل عظمة الدولة.

لم تكن برجوازية القرن الثامن عشر متسقة، فهي ان بدت قوية في أوروبا الغربية، فقد كانت ما تزال في طور التكوين في العديد من البلدان، وحتى في أوروبا الغربية كانت مؤلفة من عناصر متناقضة إلى أقصى حد: موظفون، مضاربون، فلاسفة، ممولون، منتجون، ومثقفون، إلخ. وكان لهم في المجتمع مكانات مختلفة جدا، ولكنهم كانوا يجتمعون حول بعض الأفكار المشتركة، التي شكلّت فلسفة برجوازية اقامت عقيدة ذات ابعاد كونية منذ اللحظة التي بدأت ترسخ فيها اصالة اجتماعية زائفة، رغم وعيها بالتراتبيات الفئوية والطبقية.

وهكذا بدأ زمن من الأسماء الكبرى: حرية، تقدم، انسان مع بوسيي وباسكال وفولتير، وعبر هذه الطروح دمجت البرجوازية الأوروبية قضيتها، بقضية البشرية، بانية العقائد والحقائق بما يتوافق مع مصالحها ومستفيدة من النمو الفكري والتطور الاقتصادي والاجتماعي في مجمله من هذا القرن، وبأحداث وقعت في أوروبا ساهمت بشكل كبير في صعودها بشكل سريع، كان أهمها المصاعب التي أصابت الملكية الفرنسية مع النهاية المأساوية للويس الرابع عشر، وظهور الاستبدادية المستنيرة في وجه الإطلاقة المستبدة، وثورات القرن ذاته التي لعبت أحداثها تأثيرا بالغا على العقائد والأفكار، ليبدأ تنظيم الدعاية ونشر الأفكار البرجوازية بانتظام ودقة وفعالية متزايدة، وتضاعف مراكز التفكير وأجهزة البث والدعاية، كالمجلات والموسوعات والنوادي والصالونات، لتترسم معالم معجمية جديدة تتماهى مع البعد البرجوازي، فكلمة “اجتماعي” لم تتخذ معناها الجديد إلا مع بناء” العقد الاجتماعي”، وتعبير ” الطبقة الوسطى” استعمل في “الجمعية التأسيسية” المسيطر عليها من قبل البرجوازية في بريطانيا، خلال نقاش حول” ضريبة حق الانتخاب”، أما كلمة “شعب” التي كان لها معنى نقي في بداية القرن، قد اطلقت على كل من يفكر بحقارة وبصورة عامية “مدام دي لامبير”، وأخذت معنى تجميلي بالنسبة إلى واضعي الموسوعة بمعنى “القسم الأعظم عددا والأكثر ضرورة في الأمة” لاحقا، وكذلك كلمة أمة وكلمة قومي أو وطني اخذتا تدريجيا معاني حديثة، مهندسة،  بما يتوافق مع طموحات البرجوازية في سيادتها. وبهذا التحول في المعجمية أخذت بعض المفاهيم تسيطر على العصر راسمة ومرسخة ملامح الذهنية الأوروبية بالمجمل مثل العلم والطبيعة، اللذين وعقب الاكتشافات الكبرى في القرن السابع عشر، أصبحا في القرن الثامن عشر بشكل خاص عصر للتطبيقات العملية في كلا الجانبين بنظرة إلى العالم ذات بعد موسوعي وكوني من زاوية رؤية برجوازية، دون فواصل بين العلوم التي اتسمت بنظرة وضعية وعلمانية ترفض الأسباب الغيبية والغير الملاحظة وبآلية تطويرية تنظر إلى العالم على أنه شيء قابل للقياس والتجربة وهو ما أصبح منهجية العلموية الليبرالية إلى وقتنا الراهن، حمل بالمقابل مفهوم السعادة بعدا دنيويا وماديا لأغلب مفسريه ارتبط بالطبيعة والاتزان والتعقل والرفاهية، وتعلمنت الفضيلة بانفصالها والأخلاق عن الشعور الديني باعتبارها قيمة تحدد من خلال كون الفرد أكثر فائدة لإخوانه في الوطن فاتحة المجال إلى دخول القانون الوضعي الميداني الاجتماعي بقوة والذي سن في أغلبه بصيغة ليبرالية تمنح الدول الناشئة والمعبرة عن الطبقة البرجوازية والرأسمالية سلاحا فتّاكا في وجه المجتمع، أمّا العقل فقد تداخل مع كل المواضيع، العلوم، الطبيعة، السعادة والفضيلة، والحقيقة ونبنى عليها، وعرّف على أنّه “الحقائق النافعة الموصلة إلى السعادة”، وعليه عرّف القانون بأنّه “عموما العقل البشري بمقدار ما يحكم كل شعوب الأرض، والقوانين السياسية والمدنية لكل أمة، ما هي إلا مختلف الحالات الخاصة التي يطبق عليها هذه العقل البشري”، لتبرز هنا فكرة العقل الكوني، الذي يستطيع الوصول إلى الحقيقة وإلى السعادة بآن واحد، بصورة حتمية ودونما انقسام، بترويج برجوازي يرى بأن التقدم المادي يسير بمحاذاة التقدم الفكري، وبأنّ هذا الأخير لا يمكن له أن يتم ويتقدم دون هذا التطور المادي، الذي نسبت الفضل فيه إلى ذاتها، بعد انطلاق الثورة الصناعية وظهور نزعة الصناعوية.[17] وليستمر هذا التقدم المادي والفكري لا بدّ من محفّز يدفع البشر إلى ذلك عبر المنفعة التي جاءت بخلط ما بين الأخلاق والفائدة، وملحقة الشأن الاجتماعي والسياسي بالاقتصاد الليبرالي القائم على الربح الأعظمي عبر التجارة ثم الصناعوية في مرحلة لاحقة، وبذلك تكون أكملت الرأسمالية الصاعدة معظم البنية التي تحتاج للسيطرة الإيديولوجية تحت مسمى الليبرالية، لتبدأ في تثبيت وترسيخ مؤسساتها في شتى مناحي الحياة وأهمها المؤسسة العلموية وما تفرخه من ميريدين يخدمونها في شتى المجالات بعقل أحادي الجانب خالي من الإحساس والمسؤولية اتجاه البشرية والعالم أجمع.

 

5 – التعليم الليبرالي والتغيّر الاجتماعي “خصي وتأنيث المجتمع”:

 

لعبت الحداثة الرأسمالية دورا محوريا في عملية التغيّر الاجتماعي منذ تثبيت أواصرها في القرن الثامن عشر إلى يومنا الراهن على جميع محاور الحياة، بعدما استطاعت أنّ ترسخ أعمدتها في الصراعات الإيديولوجية التي دارت في فلك واحد رغم اختلاف مشاربها ما بين اشتراكية طوباوية أو علمية وأنمذجة رأسمالية متعدّدة إلّا أنّها في حقيقة الأمر كانت تدور في فلك منتجات فكر العصور الثلاثة التي قمنا بسردهم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مع عمليات تحديثية وتجميلية للأفكار بين الحين والآخر، قبل أن تحسم الحرب الإيديولوجية على وراثة الفكر والسيطرة على العالم مع انهيار المعسكر السوفياتي ومنظومته الفكرية والرمزية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويسود فكر توّهم بأنّه كوني وبأنّه الحقيقة المطلقة الوحيدة.

ورغم أنّ هذا التغيّر قد بدأ بمصدر داخلي نتيجة لتفاعلات تمت ضمن الواقع الاجتماعي وبلور نوع من الوعي الداعي والقابل للتغيير في مرحلة النهضة والإصلاح، إلا أنه وبمرحلة سيطرة الحداثة الرأسمالية لا يمكن اعتبار ما تمّ من تغيير سوى من خارج النسق الاجتماعي وبتركيب فوقي تمثل في الدولة القومية ومؤسساتها، المنتج الأعظم في خدمة الحداثة الرأسمالية وشكلها السلطوي الجديد، والتي عملت على تنشئة اجتماعية بثقافة برجوازية لتشكيل الأفراد منذ طفولتهم من خلال تلقينهم الإيديولوجية الليبرالية في المدارس والجامعات ومعاهد التعليم المهني والتقني، معتمدتا من خلال هذه العناصر التعليمية على تقديم حلول اجتماعية شاملة للحياة والموت والأخلاق والعائلة، تقوم على مرجعية ثابتة، تحمل من عصر إلى عصر، تشكل اللغة التعليمية ركن أساسي فيها لنشر دعوتها، مع علمها بأنّ ما يوجد في اللغة الخطابية ليس ما يوجد في الواقع، بل هو ترميز له، للتلاعب بالبشر ولتوليد قوى هامشية وتغذيتها وجعلها القوة المسيطرة، لإعادة تكرار انتاج المنظومة السياسية والاجتماعية القائمة، وتحضيرها في مرحلة متوافقة مع غاياتها لتكون قوة تغيير اجتماعي مجددا من خلال اعتماد طرائق تدريس تثمن التلقين والفكر الأحادي، وتحدّ من هامش التعبير والتفكير النقدي، وبربط تكنولوجي وتكيّف مع الوسط البيو فيزيقي[18] لزيادة شراهة البشرية نحو إشباع حاجاتها المادية سواء على صعيد الفرد أو المجتمع، ومن خلال تأليه الإنسان بإيهامه بالسيطرة على العالم “الطبيعة وجسم الإنسان”، عبر تعليم “نظامي” ذو أنظمة خاصة وثابتة إلى حد ما، تشمل مناهج محضّرة مسبقا، وطرائق تعليم وتقييم محدّدة، وجداول زمنية ومساحات مخصّصة لتنفيذها، بما يتماهى مع عوامل متعدّدة جوهرية لليبرالية في استمرارها بعملية السيطرة على المجتمع وخصيه عن القدرة على المقاومة، منها ذات طابع اقتصادي يعتمد نشر التعليم بغرض زيادة رأس المال البشري، ويشكّل جزءا من التغيّر المبرمج سلطويا من أجل تحقيق الربح الأعظمي تحت مسمى النمو الاقتصادي، فيكون التعليم في هذه الحالة وسيلة لتجسيد التغيّر الحاصل على مستوى سلطة دولة ما، وقائم ضمن نظام الحداثة الرأسمالي على تقسيم كل جيل بحكم خلفيتهم الاجتماعية والاقتصادية، للالتحاق بالطبقات والفئات البرجوازية من جهة، أو للالتحاق بفئات اجتماعية وطبقات أخرى أقل حظا، تخدم السلطة من جهة ثانية، معتمدة طرائق تعليم ومعايير تقييم تتلاءم مع بيئة الأولاد الميسورين وتهمّش بيئة الأولاد الغير الميسورين، وبالتالي تحول الفروقات إلى انقسامات بين الطبقات الاجتماعية. والعامل الآخر المهم في عملية التعليم للحداثة الرأسمالية يأخذ طابعا سياسيا يرتبط في صراع السلطة الدائم ما بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وتساهم المدرسة في تغذيته وترجمته من خلال “العنف الرمزي” الممارس على الأولاد متجسدا بإهمالها للفروقات بين التلامذة وفقا لخلفياتهم الاجتماعية والثقافية، بحيث تثمن أفكارا وقيما وسلوكيات ومعايير نجاح تناسب أبناء الفئات المسيطرة على السلطة، وتكرّس تهميش الفئات الخاضعة وتزيد قهرها وتعمّق الهوّة بين المسيطرين والمسيطر عليهم، بهدف ضمان استمرارية الأنظمة السياسية الرأسمالية، من خلال زيادة الفئة البيروقراطية والتي تعتبر نواة جيش العبيد لها.

 

المراجع:

 

1 – مانيفستو الحضارة الديمقراطية “المدنية الرأسمالية”/ عبد الله أوجلان/ المجلد الثاني/ الطبعة الثالثة

2 – نهاية التاريخ/فرانسيس فوكو ياما/ نسخة الكترونية/الطبعة الثانية

3 – اللاهوت السياسي “الجزء الثاني” /كارل شميت/ نسخة الكترونية

4 – الحياة السائلة ” سلسلة الحداثة السائلة” /زيجمونت باومان/نسخة الكترونية/ الطبعة الأولى

5 – امبراطورية العولمة الجديدة/مايكل هاردت – أنطونيو نيغري/نسخة الكترونية/الطبعة الأولى

6 – تاريخ الفكر السياسي/جان توتشار وبمعاونة مجموعة كتّاب/نسخة الكترونية/ الطبعة الثانية

7 – قواعد المنهج في علم الاجتماع “قراءة نقدية” /إميل دوركايم/نسخة الكترونية/الطبعة الأولى

[1]النيوفيبيرية: مدرسة تحديثية في النظرية التنظيمية الاجتماعية للعالم الألماني ماكس فيبر، والذي يعتبر من أهم روّاد علم الاجتماع.

 

[2] نظرية السيفين: نتيجة تعاظم دور الكنيسة، حتى باتت سلطة بابا روما تضاهي سلطة القيصر آنذاك، وقد أوعزت البابوية حينها إلى ضرورة أن يكون للكنيسة سلطة على القيم الروحية والخلقية تستوجب ولاء العبد نحو الرب الذي يُظهر نفوذه وإِمرَته في الأرض من خلال الكنيسة، بينما الأمن والمحافظة على النظام وتحقيق العدالة فهو أمرٌ يقع ضمن حيَّز الإمبراطور حيث يتوجّه المواطن بولائه إلى السلطة الدنيوية ممثلة في حكومة الإمبراطور.

[3] الحركة الإنسانية: تعتبر الحركة الإنسانية في عصر النهضة من أهم صفاته، وانقسمت بالتوصيف إلى تيارين الأول اعتبرها بأنها جعلت من الانسان مركز الكون لتحقيق المثال الأعلى للكمال الإنساني في كافة مجال الحياة، في يميل التيار الثاني على اعتبارها حركة ترجمة معارف الآخرين كنتاجات الحضارة الإغريقية والرومانية وفيما بعد الإسلامية.

                                                                             

[4] السيادية: الحق الكامل للهيئة الحاكمة وسلطتها على نفسها، دون أي تدخل من جهات أو هيئات خارجية.

 

[5] الحاكمية: مصطلح يقصد به إفراد الله وحده في الحكم والتشريع.

 

[6] الديماغوجية: استراتيجية سياسية للحصول على السلطة والكسب للقوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهير.

[7] الاكليركي: المجتمع الخادم للرب وهو مصطلح خاص بالكنائس المسيحية الشرقية.

 

[8] الإطلاقة: مذهب فكري يقوم على فكرة ان الحقيقة المطلقة صحيحة دوما تحت أي ظرف، وبأنّ الحقائق الكونية يمكن أن تنكشف، وتم استخدام المصطلح في أهداف سياسية لتثبيت الملكية كحقيقة مطلقة ثابتة ودائمة، وبعد ذلك أصبحت احدى أعمدة الايديولوجيا الليبرالية بذات المعنى.

 

[9] الجبرية: مذهب فلسفي يرى من إرادة الإنسان العاقلة عاجزة عن توجيه الحوادث، وأن كل ما يحدق للإنسان قد قدّر عليه، فهو مسيّر لا مخيّر.

 

[10] التيولوجيين: المؤمنين.

[11] العلموية: نسبة إلى المفكر عبد الله أوجلان وهي صفة تضخيمية ذات تعبير سلبي عن العلم وآليات أدلجته في خدمة الحداثة الرأسمالية.

 

[12] الحركة الجانسينية: حركة دينية وسياسية، نشأت في القرن 17 والقرن 18، بصفة خاصة في فرنسا كرد فعل لبعض التغييرات في الكنيسة الكاثوليكية والاستبداد الملكي.

 

[13] المركينتيلية: مذهب سياسي – اقتصادي ساد في أوروبا فيما بين بداية القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر وهي نزعة للمتاجرة دون الاهتمام بأي شيء آخر.

[14] الأنجليكانية: تستخدم لوصف الناس والمؤسسات والكنائس فضلًا عن التقاليد الدينية والطقوسية والمفاهيم المتقدمة التي أنشئت في كنيسة إنجلترا.

 

[15] الغاليكانية: هو مذهب ديني يرى أن السلطة المدنية الشعبية المتمثلة بسلطان الملك أو سلطة الدولة تشابه تلك الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية الممثلة بالسلطة البابوية.

[16] البراديغما: نظام الفكر، المبني على استيعاب وتحليل عالم الانسان الداخلي والخارجي، وترتيب حميع المؤثرات خلال كل هذه المراحل.

[17] الصناعوية: نسبة إلى المفكر عبد الله أوجلان والذي يعتبر عملية التصنيع المستعرة دون توقف هي عملية مبالغ فيها تقوم بالقضاء على الإنسان والطبيعة بغية تحقيق الربح الأعظمي من خلال التصنيع المتزايد دون توقف في جميع المجالات وأهمها الأسلحة.

[18] البيو فيزيقي: الفيزياء الحيوية للإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.