تراكم الفكر والذهنية الأكاديمية من العهد السومري إلى عهد الديانات التوحيدية

الأكاديميات في الحداثة الديمقراطية

0

أحمد شيخو

إن منطقتنا أو الشرق الأوسط هي الجغرافية التي نبتت وتشكلت فيها اولى تجليات الذهنية وتبلور التفكر والفكر الإنساني الروحاني، وهذه الأراضي هي التي دارت فيها قصص وروايات الخلق والوجود من القديم، وليس صدفة أن الديانات السماوية ظهرت من هذه الأراضي المتوسطية، حيث الموروث الروحي والتفكر الغيبي كان له مكانة كبير نتيجة مصاعب وتحديات الحياة وبحث الأنسان عن الاسباب وقلة معرفته ومداركه التي اعتمدت أحياناً كثيرة على وجوده الطبيعي وكذلك على علاقاته وتفاعله مع الطبيعة والمكونات المختلفة الموجودة. مما كان التحول وتكوين الثقافة بأبعادها المختلفة ومنها الفكر والذهنية الثيولوجية بعد مسيرة طويلة من تطور الفكر وتشكل الوعي والذهنية مع أولى نجاح الإنسان في التأقلم مع الأجواء والظروف المختلفة للحياة.

إن الشرق الأوسط هو المكان الذي له الفضل في ظهور كل الأفكار والثقافات في الأماكن الأخرى بعد الأخذ والإضافة عليها وتطويرها. ولا شك للثورة النيولوتية الفضل في البدء بتشكيل أولى هياكل التجسيد الفكري والثقافي والروحي والتصورات العينية والغيبية حول الحياة وتوسع آفاق الرؤية الفكرية والتصورية للبحث عن معنى الحياة والوجود وطرق البقاء والتفاعل بين المجتمعات والكائنات المختلفة واحترام الطبيعة والنباتات والحيوانات، ويعود تلاقي الثقافة الآرية مع السامية في ميزوبوتاميا السفلى والاستفادة من الثورة النيوليتية في تشكل أولى الحضارات.

إن اختراع اول كتابة، وظهور الاساطير والاديان والآداب والموسيقى والفن ومختلف طقوس الحياة وتحديدا الخاصة بالبقاء والفرح والإنتاج الوفير. وظـهور المدن والحقوق والـدول والعديد من البنى الحياتية المادية والمعنوية التي قامت عليها المدنيات والحضارات المختلفة تعبر وتجسد وبل أنها نتيجة طبيعية للتراكم الفكري والذهني الإنساني والثيولوجي وكذلك للتفاعل بين اليوم والغد وبين الماضي والحاضر والمستقبل الذي حاولت التراكمات الفكرية والذهنية الجواب عليها في ظل تشكل المجتمعات وتنوع الأطر البشرية والمجتمعية للتأقلم مع الحياة والظروف الجديدة.

 ولا شك أن أسطورة الخلق والبحث عن الخلود والتكوين والنفس وفهم الموت والحياة شغل الناس من بداية الخليقة، وهي تعبر عن تفاعل الإنسان مع الوجود والزمان كعنصر فاعل ونتيجة لتلاقي الزمان والمكان للنشوء كنتيجة.

إن الكلان والتجمع الطبيعي الضروري للإنسان وبداية المجتمعية البشرية أظهر الحاجة إلى ترتيب الحياة والإدارة وتنظيمها فكانت الأم المقدسة وعطائها الذي لا ينضب، الرمز الطبيعي للفكر والذهنية الإنسانية التي جسدت روح المجتمع والأفراد بصيغة طبيعية كآلهة للحياة تعطي الحياة وتحافظ على الوجود وتحقق العدالة والتوزيع بين أفرادها بكل صدق وأمانة وأخلاق، فكانت عشتار لدى أسلاف الكرد ومثلها الكثير لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط.

ولكن ومن طبيعة الحياة أن تفرز قضايا داخل البنى المجتمعية أو أن نظام الإدارة والروح المقدسة الجماعية ولابد لها من الدخول في مراحل جديدة كسنة للحياة والتحول والتطوير لكن البحث هنا وحالة الانسداد في جزء منه ، جعلت الإنسانية وفكرها الإيماني أو الرغبة الحقيقة في الحياة تتحول إلى تنظيم التواصل مع الأخر للبحث عن المثالية والعدالة التي لا تكون مثالية في الحياة المتوفرة فكانت الأزمة وكانت الرجولية والذكورية كحالة لتوقف طاقة الحياة وتجسيده بالشكل الصلب الذي يجسد السلطة من باب الفكر الديني ومنهج الشدة والإجبار، وبدأ فصل جديد سلبي في الفكر الثيولوجي فيه الرجل صاحب القرار والألوهية.

ويمكن ان نرى مستويات راقية وصله بين الفكر والذهنية والثقافة البشرية، من ثقافة الطوطم وعبادة مظاهر الطبيعية لدرء خطرها والإحساس بقوتها ممزوجة بثقافات الآلهة الأم ومكانة المرأة وحتى من خلال الاديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والاسلام) كمسيرة تطورية للفكر والذهنيات الروحية المتراكمة رغم الأخطاء التي حاول بعض القوى والمنتفعين لصقها بها.

 وكأشكال تطور الديانات بشكل مترافق مع التطور الفكري في الشرق الأوسط الذي هو منبع الحضارات ومستودع الثقافات والأفكار والذهنيات وتراكماتها الكثيرة، حيث يملك رصيداً ثقافياً وموروثاً يمثل تراكم الاف السنوات من الخلق والابداع والتنوع والتطوير والتصور.

مع العلم أن مسألة تناول الفكر والذهنية أو الدين يجب أن يكون بمهنية وحساسية ومعرفة كافية. حيث لم يتمكن الشرق من احداث التجديد والانطلاق في هذا الموضوع بالذات فحالة الانغلاق على نفسه. والدين والقدسية الذين لعبوا دوراً تقدمياً في مسيرة الحياة بات عقبة جدية امام تحرر الفكر الانساني وانطلاقته نحو آفاق العلم والتطور في مراحل مختلفة وخاصة مع القرن الثاني عشر في الشرق الأوسط. رغم أن اليونانيين الذين يعتبرون أنفسهم مهد الحضارة أخذوا من شرقنا وطوروها وأرادوا الإيحاء أنهم اساس كل شيء علما أن أول كعبة في تاريخ البشرية وأول فكر روحي متوازن ومنتج تم إيجاده في كوبكلي تبه (خرابه رشكي) قرب مدينة رها(أورفا) في كردستان على الحدود السورية التركية الحالية.

إن التطور الديني والثقافي له دوره كبير في التطور المادي والمعنوي للبشرية. ويعتبر تاريخ الإنسانية تاريخ الجهد وإبداع القيم المعنوية، وتاريخ الإنتاج والعمل والكدح. حيث ينحصر العامل الأساسي الذي فصل الانسان عن الحيوان في هذا الإطار. وعندما بدأ الإنسان بالعمل تمكن من اختراع أدوات الإنتاج لتلبية حاجاته المادية الأساسية. فدور العمل هو الأساس في جعل الإنسان إنساناً، وهذا ما تم إثباته في تاريخ البشرية. وفي نفس الوقت أثبتت أن التجمعات البشرية الأولى قد تكونـت مـن أجـل تحقيـق هـذه الاحتياجات، وجعلها ممكنة من خلال جمع القوى اللازمة لإداء العمل. وبهذا الشكل ظهر الإنسان لأول مرة في التاريخ ككائن اجتماعي واعي. وفي هذه النقطة بالذات يمكننا رؤية الدور الأساسي للعمل ووسائله في الارتقاء بالإنسان من المرحلة الحيوانية إلى المرحلة الإنسانية. وهو نفس السبب الذي جعل الحيوان غير قادر على الوصول إلى هذه المرتبة. وذلك لعدم استطاعته ممارسة العمـل وعـدم تشكل الوعي لديه. وتظهر هذه الحقيقة في البدايات الأولى لظهور التجمعات البشرية والتوجه نحو تكوين مجتمع بـدائي. لقـد كـان للفرد في هذه المرحلة دوراً كبيراً، خاصة في مرحلـة تكـون المجتمع الطبقي. وهكذا ظل العمل والأداء والجهد من أهم أعمدة البنى الفكرية والذهنية الثيولوجية لتنظيمها ولإرشاده وللقيام به للوصول إلى الخلود ودخول الجنة فالعمل الصالح أو التصرف وفق الأخلاقيات والجماليات المجتمعية ومبادئه هو السبيل للفوز في الحياة والآخرة.

إن من أهم عناصر الذهنية والفكر والثقافة، تلك العناصر المشتركة التي تحدد نمط التفكير والحياة ومسائل الروح والإيمان والتنظيم العام. هذه العناصر تشكل بصورة عامة الهيكل الأساسي للفكر والذهنية وبنيتها المميزة. كذلك فالفنون والمسائل الأخلاقية والحقوقية والعادات والتقاليد تعتبر من العناصر ايضاً. لذلك فإن الفكر والذهنية كانت هي معيار مستوى الفكر الذي يعرف الحياة، وهي مرتبطة بتنظيم الحياة الاجتماعية، وقد ظهرت بظهور المجتمع. وبدون شك فإن الذهنية الروحية والدينية هي منبع الحضارة والمدنيات وبجوانبها السلبية والإيجابية، وهي التي تضع الحلول لكل مشاكلها، وأعطت الجواب لأسئلة الفرد والمجتمع.  مع الأخذ في الاعتبار بأهمية اللغة عنصراً أساسياً من عناصر الفكر والذهنية، لدورها المهم في تنظيم الفكر الإنساني، وهي من أهم الوسائل التي نقلت الحضارة بثقافتها من جيل إلى جيل آخر، وساهمت في وضع الأسس المتينة لبناء حياة المجتمع الجديد ولكافة تصوراته الدينية والدنيوية. حيث اكتسب المجتمع الأخلاق وأصبحت لديه بعض القيم المعنوية. فعندما تجتمع عناصر الفكر والذهنية في إطار اجتماعي ويتحقق التطور الثقافي الذي يطور المجتمع طبقاً له، لكل طبقة في المجتمع دور في التقدم الثقافي. ساعدت المهن والحرف في انماء هذه الثقافة وذلك برفدها بعناصر التطور والارتقاء. ومع مرور الزمن وباندماج هذه العناصر بعضها ببعض يتحقق التطـور. فاستمرار التطـور الـدياليكتيكي كـون تبعـا لـه بعـض الجوانب الاقتصادية والسياسية. ولعبت هذه المفاهيم دوراً أساسياً في تطور وتنظيم المفاهيم، لكن المشكلة كانت مع أصحاب السلطة ومن يريد استغلال قوة الفكر والذهنية الثيولوجية التي لها تأثير وحاكمية على الافراد والمجتمعات إلى اليوم. ومن جلجامش وتيامات وسارغون وإلى اليوم مروراً بكل الآلهة الذكور والملوك الذين اعتبروا أنفسهم آلهة كان الاستغلال للدين وللحالة الثيولوجية في أخضاع الفرد والمجتمع باسم الله والرب في حالة نفاق وازدواجية وتضليل كبير.

ولعل الزقورات السومرية وحالة المرأة فيها التي خرجت منها عاهرة وحالة الملوك الذين اصبحوا آلهة تستوجب عبادتهم وتنفيذ كل أوامرهم مروراً بالبابليين  ونمرود ووصولاً للفراعنة كان الانحدار والاستخدام السلبي للفكر والذهنية الدينية بما يحقق أهداف السلطات والملوك دون الشعب والأفراد و بالأساس كان التفكير والذهنية الروحية في جزء منه هو لمعالجة القضايا التي ظهرت قبل العبور لعصر الذكورية أو الأبوية التي أرادت أخضاع المرأة والانتقام منها ومن كل أدوارها وجعلها شيء ومتاع وأداة كما هي باقي الأشياء التي خضعت للرجل والدولة التي تشكلت بفضل ومهارة الكهنة الذي أردوا مع اصحاب القوة سيادة الناس والمجتمع ونهب عملهم وكدحهم عبر الأفكار التي تم اختراعها باسم الرب والله .

كان تعدد الآلهة نظام للحياة يوزع السيطرة والمعاناة وكذلك المكافئة وجسدت حالة من الصراع الطبقي والاثني والجغرافي مدة طويلة من الزمن وكما هي حالة السلطة وتعددها فهي مجبورة في المبارزة والقتال ثم القبول بالسلطة الأقوى وذلك كانت صراع الملوك الآلهة أو كما جسدتها حالة الصراعات بين الآلهة المتعددة وحرب المصالح والنفوذ بينهم.

وعند البحث في التاريخ، وحضارات الأقوام في المدن البدائية، نجد بأن هنالك الكثير من العوامل المشتركة والجوانب المتشابهة فيما بينها من الناحية الفكرية والذهنية بجوانبها المختلفة ومنها الدينية. حيث المصطلحات المحلية ونمط الحياة المشتركة، والآراء والأفكار الأدبية، والفلسفة، والعلوم، وعشق الجمال. هذه الاشياء كانت تقيم بصورة متشابهة تقريباً في كل المجتمعات البدائية. إضافة الى التشابه الكبير في العادات والتقاليد والمعتقدات الدينية الى حد ما.

فإن إيزيس وازوريس، وفي نفس الوقت همـا ” أفروديت وادونيس “.  وهما عشتار وماردوخ وتيامات ومن هنا يتضح لنا التشابه في مقومات الفكر الثيولوجي والثقافة الدينية عند القبائل البدائية وكذلك عند الشعوب حول البحر الأبيض المتوسط ومن ميزوبوتاميا حتى وادي النيل وحتى اليوم رغم اختلاف الأفكار والديانات وكثرة المذاهب والطرق، إلا أن مختلف الديانات الطبيعية والسماوية يجمعها الكثير من الموروث الديني والأخلاقي وكذلك حالة الأداء السلوكي.

لقد ارتبطت الكثير من الملاحم والاساطير بالمحيط المادي للإنسان، فكانت أساطيره عبارة عن محاولاته لتفسير سير هذه الحيـاة والقوى المؤثرة فيها. ومحاولته التأثير عليها بالشكل الذي يمكنه من أقلمتها لصالحه، وبموجب احتياجاته. وفي عهود تعدد الآلهة كانت الأساطير هي من أهم مظاهر الحياة الروحيـة لـدى الانسان. وعلى هذا الأساس صـور الانسان الكثير من قصص صراعاته في حياته اليومية وتطلعاته الى الغد. عنـدما ظهـرت الـديانات التوحيدية – اليهودية، المسيحية، الإسلامية – فقد أهملت هذه الاديان دور الآلهة الأم، وحتى نستطيع القول بأنها تلاشت. فعنـد اليونانيين الذين كانوا من أصحاب الديانات المتعدد الآلهة، والذين كانوا يحسبون أنفسهم نسلاً لهؤلاء الآلهة وأحفادهم، نرى «تونوغونيا» يتذكر العصور التي مضت، حيث يسجل التاريخ بأن الجنس الانثوي كان أقوى من الجنس الذكري وكان من النساء بطلات كثيرات. وكذلك يذكر «تونوغونيا» في كتاباته، بأن بروميتوس عندما ينجح في سرقة النـار مـن الآلهة، ينـزل عليـه زيـوس سخطه ولعناتـه بـالرغم مـن معارضة زوجته واخته له. ثم يؤخذ بروميتوس الى جبـل قـاف ليتم تعنيبـه هناك. لأن زيوس لم يكن يريد للإنسان تعلم المعرفة، لكيلا يتحرر

المعتقدات الدينية:

 لقـد اخـذت هذه المعتقدات الدينيـة مرتبـة الصـدارة فـي هـذه المجتمعات. حيث قربت الشعوب الى بعضها من جهة، وساهمت في نشوء التناقضات والصراعات فيما بينها من جهة اخرى. ونرى أن الدين كونه حاجة تاريخية يتطور بتطور الانسان، وان التفاوت القبلي والسياسي كان في تطور وتعدد الالهة مما سد. الطريق أمام الآلهة الواحد. ولو عدنا الى التاريخ القديم ومراحل تطور حياة الانسان وكذلك تطوراته الدينية وتقييماته المادية، لتوضح بأنه كان لكل قبيلـة الـه او مجموعة آلهة كانت ترعاها. وقد نظمت انماط عبادة هذه الآلهة ومجالات نفوذها نوعاً مـا مـن الشعور الخفي للدافع المتيقظ للإنسان في أخذ مكانه فيما بين المجتمعات. وعنـدمـا تجـاوز الخيـال الـديني الحدود المادية، تكونت كائنات اسطورية وآلهة خرافية مشتركة، كانت تمثل له القيم العليا التي يستمد منها القوة. حسب الضرورة ـ وتساعده على تخطي الصعاب وتعينه على أن ينتصر على اعدائه في العصور القديمة. أدت ظهـور الافكار الدينيـة الـى اعطـاء نظـرات جديدة للـروح الانسانية والأخلاق من قبل الانسان البدائي. اضافة الى التطور لهذه الافكـار مـن النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. حيث أصبح المجتمع بفضل هذه المعتقدات ممتلكا لمجموعة من الانظمة الجديدة التي كونت العامل الأساسي في بناء الحضارة الانسانية. ولقد لعبت الاديان دوراً تربويا مهما في حياة الانسان البدائي، وولدت فيه اخلاقا وقيما جديدة. كونت العامل الأساسي في بناء الحضارة الانسانية. ولقد لعبت الأديان دوراً تربوياً مهماً في حياة الانسان البدائي، وولدت فيه اخلاقا وقيماً جديدة الدين والثقافة كانت الأساس في أساليب وانماط التفكير الحديثة، التي اعطت الشكل المتطور للحضارة في تلك المرحلة، ودفعت بعجلة التقدم قدما في العصور البدائية. وتلك الحضارة ليست مرتبطة بعرق أو قوم ما. إنما العناصر التي تكونـت عليهـا هـذه الحضارة، لعبت دوراً أساسياً في تطور التجمعات البشرية البدائية وفي ازدياد كثافتها. وتعتبر هذه اهم الجوانب الايجابية لمعطيات الحضـارة. ولقد اختلفت الثقافـات باختلاف المناطق الأهلـة والظروف الموضوعية المحيطة بالإنسان خالق الحضارة. لذلك نرى أقدم تشكيلة في التنظيم الانساني هي الجماعة. وتتشكل القبيلة من عدة جماعات ونتيجة للتطـور المتفـاوت فـي الانتـاج بـين القبائـل، خلقت تناقضات ونزاعات، التي ساهمت بدورها في ظهور القادة والدول. لقد تمسك بعض هؤلاء القادة بزمام الحكم، وفرضوا سلطانهم على شعوبهم عن طريق اكساب المشروعية لها، فجعلوها غيبية أو الهية. وجاؤوا بالقانون الجديد المنزل من الله والذي لا يمكن الخروج عنه، لقد أخذت المجتمعات هذه القوانين على أنها من المسلمات التي لا يمكن كسرها وتكيفت بموجبها، هؤلاء القادة بزمام الحكم، وفرضوا سلطانهم على شعوبهم عن طريق اكساب المشروعية لها، فجعلوها غيبية أو الهية. وجاؤوا بالقانون الجديد المنزل من الله والذي لا يمكن الخروج عنه. لقد أخذت المجتمعات هذه القوانين على انها من المسلمات التي لا يمكن كسرها وتكيفت بموجبها.

اكتساب الفكر والذهنية الثيولوجية البعد الايديولوجي.

كالفنون والعادات والتقاليد وغيرها. فالفلسفة ليست شكلا لمعرفة الواقع. فهي الى جانب كونها كأي علم آخر شكلا من اشكال المعرفة، تتميز عن العلوم الأخرى بأنها نظرة عن العالم. ولهذا فإن الفلسفة في نشوئها وتطورهـا تتـحـد مباشرة بالمصالح المادية للطبقات المختلفة في المجتمع، وتبرز كشكل للإيديولوجيا. ومع انقسام المجتمع الـى طبقـات وتطـور الصراع الطبقي فيهـا، تظهر الحاجـة الـى نظرية للمصالح المادية للطبقات المتصارعة والفئات الاجتماعية المختلفة. لذلك فالإيديولوجيا هي الفكرة التي ظهرت في المجتمع الطبقي لأجل حل الدين والثقافة التاريخية لذلك. المشاكل الطبقية.

ولفهم هذه الظاهرة نحتاج الى تقييم العوامل والاسباب ليس مهما لفيلسوف ما ان تكون فلسفته مجدية او معبرة لقوم ما أو لطبقة ما. وليس مهماً أن تكون فلسفته حسب حيـاة قـوم ما. فإذا كانت الافكار الفلسفية تعد نظرة مستقبلية، فأنها تحمل في طياتها توقعات الانسان التي يبنيها بناء على معطيات حياته المادية، واعتقاداته الخاصة بالنسبة للمستقبل القادم. فلهذا كان كل فيلسوف يأخذ بعين الاعتبار احتمال عدم الفهم (أي فلسفته) في الوقت الذي يطرحه على المجتمع الذي يظهر فيه. حيث كان يتوقع ان تفهـم أفكاره ونظراته في المستقبل الذي حدد على اساسـه تلك الفكرة التـي قـام بطرحهـا. فالفيلسوف كـان يعبر عن آرائه الخاصة دون الاهتمام بآراء الناس. اما الايديولوجيا فهي ليست كذلك ولا سيما الأيديولوجيات التي ظهرت على اساس ديني. لأن هذه الايديولوجيات كانت ايديولوجيات منزلة، وكانت قد حددت أطرها العامة من قبل قوى مطلقة خارج عن إطار الانسان. وهذه القوى تمثل في الله. مثلاً: ان الرسل (الانبياء) لم يستطيعوا التعبير عن حقائق العالم بموجب أهوائهم او رغباتهم، بل كانوا مضطرين على ان يقوموا بهذا العمل ضمن أقوامهم فقط في البداية. وكذلك على ان يفهموها ويهزون بها اعماق اقوامهم للتأثير عليهم وتحرير عقولهم الجامدة. لذلك فهم مطالبين (الانبياء) ببناء شخصية جديدة؛ ذي قـوة تفكيـر وروح قوية، لكي يتمكنوا مـن تجسيد طـاقـاتهم واستخدامها في عملهم. أي تحفيظ مكامن الشخصية واثارة الخصائص الايجابيـة فـي داخـل النفسية الانسانية، لخلـق المحيط الـذي تـتمكن فيـه الشخصيات من التعبير والتبديل الذاتي. وقد اتخذ المجتمع هذا الإطار كحدود قصوى ثابتة له. لذلك فان التنظيم أو الفكر الذي يطرحه سيكون محدوداً بموجب هذا الإطار، ومحلياً أكثر بموجب الاطر التي تم بناءها وتنظيمها على ذلك الاساس. لذا فان معرفة الدين وفهمه هي الذروة أو القمة التي وصل اليها العقل البشري في تلك المرحلة. وفي مرحلة متقدمة من تلك المراحل تم النظر الى الدين نظرة ضيقة. ولكن مازال تأثير تلك الافكار باق على الانسان حتى الآن

إن قوة ماوارء الطبيعة، تهدف إلى تخفيف غضب تلك القوى واستحصال عناصر القوى المعنوية منها. عندما يعجز الأنسان عن مواجهة المشكلات التي تحيط بهم، ولا يجدون لها حلا ضمن تراكم التجربة الموجودة في عقولهم، فهم غالباً ما يلجؤون الى قوى غيبية للاستعانة بها، كي يطمئنوا أنفسهم، ويحصلون منها على الأمل والأمان التي هي من غاياتهم العظيمة. ويعملون على تنظيم جميع مجالات حياتهم وفقاً لها. ان التطورات التي حققتها العلوم عبر التاريخ، لم تكن قد وصلت الى المستوى التي تستطيع به ان تحافظ على المجتمعات، وتحميهـا مـن الكوارث الطبيعية، وخطر الموت، والاعتداءات والغزوات الخارجية. لذلك اختار الناس الدين من اجل الخلاص من القلق والضعف في التفكير، والحصول على الطاقات اللازمة لكي يروا أنفسهم اقوياء. فمثلا الطقوس الدينية والمراسيم التـي تطمئن بهـا النفوس وتشبع الارواح بكـل القـيم المعنوية، أصبحت بمثابة رابطة متينة تربط بها الاجيال المتلاحقة بعضها ببعض. فمعرفة الدين في إطـار ايديولوجي، ليست معرفة المنبـع الـذي وهب للإنسان المعنويات والاندفاع والحماس فحسب، وانما هي معرفة الجوانب الاساسية والمهمة لجوهر الانسان.

يـتـم تحـرر العقـل فقط عن طريق المعرفة الحقيقيـة وادراكهـا وتطور العلم الذي يعتبر شكل المعرفة المنظمة للواقع الذي نشأ وتطور على اساس التطبيق العملي التاريخي والاجتماعي، وبعكس قوانين العالم الموضوعي وجوانبه. فقـد نشـأ الـعلـم مـن حـاجـات الانتاج ومن التطبيق العملي. ويبدأ بالنمو مع أول تقسيم للمجتمع الى طبقات، العبودية التي تزيد زيادة حاسمة في سلطان الانسان على الطبيعة، اي ان الانتاج والطبقات هي القوى المحركة لتنمية العلم. فعند رؤية هذه الحقيقة وادراكها يتطور العقل، ويأتي بأفكار متحررة. وعلى سبيل المثال تكون معرفة الحقيقة:

  • في الديانة البوذية هي (انكار الذات).
  • في الديانة الزردشتية فهي (بالتفكير الصحيح، وبالحـديث السليم، وبالعمل الصالح).
  • ويكون طريق التحرر في المسيحية هو (التسامح والتعامل بالوجه الحسن مع الآخرين).
  • وفي الإسلام فهو (التوحيد).

كذلك هو تاريخ الايديولوجيات الدينية هو تاريخ التفكير البشري. تاريخ التحولات للحياة البشرية، انه تاريخ التحول الاقتصادي العالمي، والذي بدوره يعتبـر البنية التحتية (الاقتصـاد الأساسي للأنظمـة الاجتماعية، وكونه محرك للتحول والتغيير ضمن الحضارة، لقد أعطى الدين وجها وشكلا للثقافات والمعنويات والأخلاق والعادات والتقاليد. اذ يمكننا تحليل جميع الثورات الدينية على أساس النظام الاقتصادي، مثلما حدثت فلسفة علم التاريخ.

 إن فكرة البابليين عن الحياة الآخرة كانت شبيهة بفكرة اليونانيين: الموتى يذهبون الى مكان مظلم في جوف الأرض، ولا يرى الضوء أحد منهم اما الجنة فلقد كانت موجودة في عقائدهم ولكنها من نصيب الآلهة فقط أما فكرة الخطيئة عند البابليين كالمرض مثلا تنشأ من سيطرة الشيطان أو روح شريرة على الجسم. وكانت الصلاة عندهم تمثل تطهير الجسم من الأرواح الشريرة والعفاريت.

أما الديانة في بابل، لم تكن سلطة الملك يقيدها القانون وحده، ولا الاعيان وحدهم بل كان يقررها الكهنة. ذلك لأن الملك لم يكن من وجهة النظر القانونية الا وكيلا للإلهة. فمن أجل هذا كانت الآنية. ولم يكن الملك يعد ملك الا إذا وافق عليه الكهنة. والعرض باسم الملك ولبسه في هذه الاحتفالات الدينية ثوب الكهنة، فهذا دليل على اتحاد الدين بالدولة وقد ظلت بلاد بابل في واقع الأمر دولة دينية خاضعة لأمر الكهنة على الدوام إلى يوم تتويج نبوخذ نصر ملكا لها. وقد أحصي عدد الآلهة رسميا في القرن التاسع قبل الميلاد كانت حوالي 65 ألف وخمس الهة (65005) الهة. ذلك لأن لكل مدينة إله يحملها، وكانت المقاطعات والقرى ابنها الصغرى التي تعبدها وتخلص لها، وان كانت تخضع رسميا للإله الاعظم.

الفراعنة:

لقد كان الكهنـة في مصـر دعامـة العرش، كمـا كانوا الشرطة السرية القوامة على النظام، وتطلب على هذا الدين الكثير من التعقيد فقامت عليه طبقة بارعة في فنون السحر والطقوس الدينية، لا يمكن الاستغناء عنها للوصول الى الآلهة. ولقد شهدت صراعات بقدوم نفرتيتي وأخذ أمنحوتب الثالث بديانة التوحيد القادمة مع نفرتيتي وحدوث المناوشات بين الكهنة وبين الملك الموحد وكذلك حالة يوسف مع الفرعون وحالة التوحيد ورفض الكهنة ليوسف والتوحيد.

الزرادشتية:

الأفستا المكتوب باللغة الكردية القديمـة، هو الكتـاب المقدس للميديين أسلاف الكرد والفرس وبعض الشعوب الأخرى التي اعتنقوه. ومن اهم مميزاته ـ تخاطـب كـل النـاس وفـي شتى أنحاء الارض؛ أي ذو صبغة انسانية لا تهدف الى السلطة، وتقوم في جوهرها على الصراع بين الخير والشر كونهما في صراع دائم ومستمر. وتحرم اراقة الدماء وتحافظ على الأدوات الزراعية وتحرم تقديم القرابين من الحيوانات العاملة الزراعة وما شابهها وهي محققة للتساوي بين الرجل والمرأة وفيها إرادة الإنسان الحرة.

المانوية:

يمكننا أضافة تأثيرات الفلسفة اليونانية، التي بدأت التسع وتنتشر في المنطقة في تلك الفترة الى التأثيرات العامة في الفلسفة المانوية. هنا يمكننا فهم حقيقة الديانة المانوية، فهي تهذيب وترتيب العرف والعادات والتقاليد التي كانت تفتك بمجتمعه، وكذلك لتصحيح ذوق الانسان، ومعايير فكره الاساسية لجعل الحياة أجمل، ثم يقال بان الملاك الذي اسمه، القرين وجاءه مرة أخرى بعد أن كبر في العمر، فقال له لقد كبرت وقد أن الاوان لدعوة دينك الجديد، فلم وبشر به، ستكون دعوتك بداية للسلام.. تعتمد فلسفته على متناقضين دائما وهما (الدور والطلبة) أي الخير والشـر. وترى باستعراض كيفية هجوم العلامات على النـور وتمازجها معه. حيث المانوية تركيب وحركة إصلاح ديني حقيقة لو تمت لكان الشرق الأوسط أصبح في غير موضع. وكانت المزدكية هي أيضاً امتداد للمانوية وتكملت طريقها في محاولة النهوض بالفكر والذهنية الثيولوجية لكن التحديات كانت أكبر ولم تكتب لها النجاح رغم سيادتها فترة من الزمن.

الخاتمة:

وعليه نجد أن الفكر والذهنية الثيولوجية، كانت من أولى أفكار الإنسان ووعيه عندما بدء البحث عن نفسه ومحاولة فهم المحيط والكون وعالم الغيب والكثير من الأمور التي صعبت عليه، وقد كانت الروح الإنسانية التي ميزت الإنسان عن الأنفس الكثيرة في الطبيعة علاوة عن التطور الفكري الذي كانت يحدث مع الإنسان، إن الإنسان وبطبيعته الاجتماعية كان يرغب في التجليات والأفكار التي تحقق المجتمعية الضامنة والتي تصونه وتحقق له الانتماء وأساليب الحياة المنتجة والتي تعطيه الثقة والإرادة في الحياة والعمل. ورغم أن الروحانية الإنسانية حاجة لابد منها للطبيعية الإنسانية إلا أن الكثير من القوى التي أرادت الحصول على فائض القيمة والهروب من أخلاقيات ومبادئ الفكر والذهنية الدينية الصحيحة عملت وعلى مختلف المراحل في استغلال الإنسان والمجتمع عبر الفكر وإعادة تشكيل الفكر الديني أو إعطاء تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية بحسب ما يقدم  سيطرته أو نهبه أو هيمنته ، وهنا لابد من أن نميز فيما يخدم المجتمع ويعزز الأخلاق والمبادئ الإنسانية وفيما يخدم السلطات والفئات التي تبحث عن الهيمنة وأخضاع الغير عن طريق استغلال المقدسات والحاجة الروحية وثقافة التواصل ومبادئ الأخلاق التي كانت من أهم محاور الفكر والذهنية الثيولوجية التي وجدت في الاساس لخدمة الإنسان وزيادة معارفه وفهمه لنفسه ولمحيطه وللكون بشكل عام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.