جاهد حسن
مقدمة:
لا يخفى على أحد أن الحياة السياسية هي المعيار الحقيقي لحرية أي مجتمع من المجتمعات وأنها المقياس الذي نقيس بها مدى التزام دولة من الدول أو حكومة من الحكومات لتعهداتها والتزاماتها أمام شعبها والمكونات التي تمثلها، ولذلك نرى بأن العديد من المراكز البحثية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تهتم بالتاريخ السياسي للدول والشعوب وتهتم بتأريخ الحياة السياسية في مختلف مراحل تشكل المجتمعات والدول والحكومات.
إن البحث والتقصي في تاريخ الحياة السياسية في سوريا لا ينفصل في جوهره عن البحث في تاريخ الكيان السياسي السوري منذ لحظة التشكل حتى تاريخه الحاضر، لكي نصل إلى تصور مشترك وأقرب إلى الواقعية حول الأسباب التي أدت بسوريا إلى ما هي عليه الآن.
كما هو معلوم تشكل الكيان السياسي السوري، بعد انهيار الدولة العثمانية، وفشل ثورة شريف مكة في تحقيق أهدافها ببناء دولة موحدة تشمل منطقة الخليج، بلاد الشام، بلاد الرافدين تحت حكم وراية الأشراف الهاشميين، حيث تعارضت أهدافهم مع مخططات دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتي توجت أهدافها بما اصطلح على تسميته اتفاقيتي (سايكس- بيكو) ووعد بلفور، وأخيراً اتفاقية لوزان التي كانت ناقشت حتى شكل الأنظمة السياسية في المنطقة حيث ما زالت آثار هذه الاتفاقات التي رسمت الخرائط السياسية في الشرق الأوسط هي المؤثر الأساسي في كل المشهد السياسي في سوريا و غيرها من دول الجوار. وعلى ذلك فإن الحياة السياسية في سوريا يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية.
مراحل تبلور الحياة السياسية في سوريا:
1-المرحلة الأولى:
امتدت المرحلة الأولى من الفترة الأولى لتشكل الكيان السياسي والجغرافي السوري الذي أعقب انهيار الدولة العثمانية وتأسيس حكومة وطنية في دمشق ثم إنذار غورو الشهير وما أعقبه من تخبط في القرار الوطني الذي توجه وزير الدفاع حينها يوسف العظمة بتسجيل موقف للتاريخ بالتصدي للجيش الفرنسي رغم تفاوت موازين القوة وسقوطه شهيداً في معركة ميسلون ومن ثم معاصرة مرحلة الانتداب الفرنسي حتى الجلاء عام 1946،حيث اتسمت هذه المرحلة بظهور تيارات سياسية حملت الهم السوري حينها، وساهمت في بلورة النشاط السياسي المتمحور حول بناء الهوية الوطنية وتجاذبات النضال الوطني لمناهضة الانتداب، ولعل أبرز التيارات السياسية حينها هو تيار الاخوان المسلمين الذي أسهمت المخابرات البريطانية في تأسيسه، وتيار اليسار العربي والحزب الشيوعي السوري الذي تأسس متأثراً بموجة الثورات العمالية العالمية، وظهور الأفكار الأممية المتأثرة بالثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 وتيار الكتلة الوطنية الذي حاول الحفاظ على امتيازات الطبقات والنخب الكلاسيكية في قيادة المرحلة السياسية في سوريا.
2- المرحلة الثانية:
امتدت من الجلاء الفرنسي عن سوريا حتى إعلان الوحدة بين سوريا ومصر، هذه المرحلة اتسمت باستمرار التيارين الإسلامي والشيوعي بالنمو، فيما اعتلت مفرزات تيار الكتلة الوطنية سدة الحكم كما ظهر تيار جديد متمثل بظهور النزعة القومية المناهضة للأفكار الأممية و المتأثرة بأفكار ونظريات بناء الأمم والقوميات ولا سيما نظرية الأمة القائمة على اللغة الواحدة حيث ظهر حزب البعث كممثل لهذا التيار السياسي، واتسمت هذه المرحلة بهامش كبير من الحريات السياسية بالرغم من أنها كانت في نفس الوقت هي مرحلة الانقلابات العسكرية التي أعقبت هزيمة جيش الإنقاذ في فلسطين، وقيام دولة إسرائيل كنتيجة لوعد بلفور سابق الذكر حيث كانت الأحزاب في هذه المرحلة تخوض العمل في ظروف علنية ولديها مكاتب وجرائد وتخوض صراعاً فكرياً عميقاً لاستقطاب الجماهير، كما اتسمت هذه المرحلة بانتشار العديد من الجمعيات والنوادي الفكرية والثقافية التي لعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسية في سوريا، دون أن ننسى بأن هامش الحرية هذا، كان في إطار العمل على بناء كيان سياسي سوري متوافق مع ما رسمه كل من سايكس وبيكو، ولم يكن هامشاً من الحرية التي تعمل على ترسيخ الهوية الثقافية المتنوعة في سوريا.
3- المرحلة الثالثة:
هي المرحلة الممتدة من قيام الوحدة بين سوريا و مصر، ثم الانفصال، ثم الانقلاب البعثي الذي ما زال مستمراً حتى تاريخه، في هذه المرحلة انتكست الحياة السياسية وتم القضاء على كل أمل بالتعدد السياسي والتنوع الثقافي، حيث أصدرت حكومة الوحدة قرار حل الأحزاب وتم ملاحقة المعارضين وزجهم في السجون، وفيما بعد عندما حدث الانفصال، لم يمر وقت طويل حتى انقلب حزب البعث واستلم دفة الحكم عام 1963، وألغى الحياة السياسية والحزبية بشكل شبه كامل، وأغلق الجمعيات والنوادي الثقافية والسياسية، وأصدر القوانين التي ترسخ تفرده واستئثاره بالحكم، وكل قانون أو قرار أصدره حزب البعث فيما بعد، لم يكن الهدف منه سوى تحقيق هذه الغاية تحت غطاء وستار القانون، حيث تم تشكيل ما أطلق عليه حينها بالجبهة الوطنية التقدمية، والتي أعلنت حزب البعث متزعماً لهذه الجبهة التي تضمنت مجموعة أحزاب سياسية، من بينها أحزاب يسارية وقومية فرض عليها النظام الداخلي للجبهة أنه لا يحق لها ممارسة النشاط الحزبي في المدارس والجامعات وفي صفوف الجيش، وحَرمها من أكثر الشرائح دينامية في المجتمع بينما اعتبرت حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع وفق المادة الثامنة من الدستور وبذلك يكون البعث قد أحكم قبضته على مجمل الحياة السياسية في سوريا وألغى كل دور للأحزاب السياسية ولاحق المعارضين وزج بهم في غياهب السجون وفق الدستور والقانون الذي كتبه البعث على قياسه لا على قياس طموحات الشعب السوري في الحرية السياسية .
مرحلة حكم حزب البعث:
لقد تخلل فترة حكم حزب البعث حربين داخليتين في سوريا، الأولى بدأت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي واستمرت حتى بداية الثمانينيات، واتسمت هذه الحرب بالصراع الدموي بين تنظيم الاخوان المسلمين، وحزب البعث على السلطة، حيث كان البعث قد استكمل تدجين كل الأحزاب السياسية باستثناء الاخوان، وبعض التيارات التي رفضت التدجين في الجبهة الوطنية التقدمية، هذا الصراع الدموي الذي راح ضحيته الآلاف من السوريين كان حجة بنفس الوقت ليستكمل حزب البعث القضاء على كل صوت معارض من خلال الزج بهم في غياهب السجون بحجة الحفاظ على أمن الدولة، فتم إعلان حالة الطوارئ التي لم ترفع عن السوريين حتى الآن، كما تم تأسيس المحاكم الاستثنائية وإطلاق يد الأفرع الأمنية لملاحقة الناس على الشبهات والزج بهم في سجن تدمر سيئ الصيت، حيث قضى الآلاف نحبهم في هذا السجن دون أن يكون لهم أي علاقة بتنظيم الاخوان، بالمثل اتسمت هذه المرحلة بالصراع بين تيارات حزب البعث الداخلية والتي لم تكن أقل وحشية عن صراع البعث مع خصومه، الحرب الثانية في عهد البعث انطلقت شرارتها في 16 آذار من العام 2011 عبر خروج تظاهرات مطلبية سلمية تطالب بهامش من الحرية والكرامة للشعب السوري قابلتها الدولة وأجهزتها الأمنية بمزيد من القمع والفتك بالمتظاهرين حيث سقط المتظاهرون بين قتيل وجريح في مختلف المدن السورية وساهم التدخل الخارجي، والاستثمار السياسي في الأزمة السورية و ركوب التيارات السلفية لموجة الحراك الجماهيري إلى تحولها من انتفاضة سلمية إلى نزاع مسلح ما زال مستمراً حتى تاريخهِ و دفعَ ثمنهُ كل السوريين و ما زالوا.
باختصار إن فترة البعث يمكن وصفها بأنها من أسوأ مراحل الحياة السياسية في سوريا، اتسمت بالركود وتدجين الأحزاب، وإعلان حالة الطوارئ وتأسيس المحاكم الاستثنائية والأفرع الأمنية وتقويض الحياة السياسية التي لم يكن دور أحزاب الجبهة فيها سوى دور شاهد الزور والمكمل التجميلي لقباحة هذا النظام السياسي، ولم تتعدى أدوارها مجرد إصدار بيان خجول هنا أو هناك لإضفاء نوع من الشرعية على قمعية النظام، متجاهلين ركود وتصحر الحياة في سوريا على كل المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى كادت البلاد أن تتحول إلى مزرعة تقودها أوليغارشية حزبية لا تمثل إي مكون من مكونات سوريا، متجاهلة تاريخ سوريا وحقيقتها المتنوعة والغنية بثقافاتها وشعوبها ولغاتها ووجود تاريخ مشترك وعيش مشترك بين مكوناتها.
لقد ألغى نظام البعث الحياة السياسية بشكل تام، حيث منع الاهتمام بالشؤون الداخلية منعاً باتاً، واعتبرت ممارسة السياسة الداخلية في كل عهود البعث جريمة يعاقب عليها القانون، مما حول سوريا إلى بقعة جغرافية خانقة بالأزمات الاقتصادية والمعيشية، دون أن يكون من حق المواطن المساهمة أو حتى التفكير بحل هذه القضايا، فيما ركزت سياسة البعث على الاهتمام بالسياسة الخارجية، وأوهم الأحزاب جميعها، بما في ذلك تلك التي لم تنضو في الجبهة الوطنية التقدمية بأن سياسة الدولة الخارجية هي سياسة صائبة وأن الأحزاب تدعم هذه السياسة، دون أن تعي أو تدرك تلك الأحزاب أن هذه السياسة الخارجية هي جزء من الدور الوظيفي المرسوم الذي يعمل البعث على الاستئثار به لصرف الأنظار عن سياسته القمعية الداخلية، والتي لعبت دوراً خطيراً في تفتيت النسيج الوطني السوري وعملت على تمزيق اللحمة الوطنية وأوغلت في اغتراب المواطن السوري وهو في بلاده وظهور التمييز ببين المواطنين بمختلف مكوناتهم وشرائحهم، حيث كان هناك مواطنون من الدرجة الأولى والثانية والثالثة وكذلك كان هناك مواطنون لا درجة لهم، أولئك الذين تم تجريدهم من الجنسية أو تلك الشريحة التي أطلقوا عليهم صفة مكتومي القيد.
لقد تحول الاغتراب النفسي الداخلي إلى ما يشبه الهوية الجامعة لكل السوريين الذين يعيشون في ظل الدولة، هذه الاغتراب الذي كان نتاجاً طبيعياً للقمع السياسي في ظل البعث ومحصلة قمع شامل مارسته الأنظمة والحكومات المتعاقبة على الشعب السوري بكل مكوناته وفي جميع الجوانب، حيث فرض على المفكرين أن يفكروا في دائرة مغلقة مرسومة مسبقاً ويصدروا مساهماتهم الفكرية في نطاق تلك الدائرة المغلقة بالذات، وكذلك الحال كان مع الساسة و رجال الاقتصاد و الباحثين الاجتماعيين، وصولاً إلى الفنانين، فقد تم مسح الذاكرة السياسية السورية ولم يسمح لأحد بذكر أي نشاط سياسي إلى تلك المتعلقة بنشاط حزب البعث وكأن تاريخ سوريا أصبح مرحلتين فقط، هما مرحلة ما قبل البعث، المكتوم عليها والمسكوت عنها وتاريخ البعث المرسوم حولها هالة من التبجيل والتضخيم، كذلك في الاقتصاد حيث تم التضييق على القطاعات الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة واحتكار كل شيء لصالح مراكز النفوذ في الدولة والحزب، وظهور طبقة من المنتفعين الذين حول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد ريعي ربحي لا يأخذ حاجات السوريين بالاعتبار فدمرت الزراعة والصناعة وتحولت التجارة إلى استهلاك لجيوب المواطن السوري وقوت يومه ، وعلى ذلك تم ترسيم والتلاعب بالهندسة الاجتماعية وكأن هذا النظام يرسم لوحة في خياله المريض، فنمت العشوائيات في أطراف المدن، نتيجة سياساته الاجتماعية الخاطئة، هذه العشوائيات التي تحولت إلى بؤر للأمراض الصحية وكذلك بؤر للأمراض الاجتماعية، ذلك أنها كانت كتل بشرية هائلة، مهملة، محرومة من أبسط الخدمات، فنمت فيها أفكار التطرف وثقافة الكراهية والانتقام ونشوء بؤر الجريمة المنظمة والتفسخ الاجتماعي وانتشار ظواهر المخدرات والدعارة المنظمة، كل هذا على حساب إهمال الريف والزراعة، وما نراه من مشاعر الكراهية والأحقاد والانتقام بين المكونات السورية التي تظهر هنا و هناك ،ما هي سوى نتيجة طبيعية لسياسات النظام الاجتماعية الخاطئة التي تلاعبت بالهندسة الاجتماعية السورية بشكل خاطئ، وكذلك تحول الفن بكل أصنافه إلى أداة من أدوات البعث لتنميط الفكر والسياسة والاقتصاد عبر تدجين الفنانين، و العمل على إنتاج لغة فنية متوافقة مع سياسته القمعية.
كل ما سبق، تم فرضه بقوة القبضة الأمنية وأفرعه التي تم تأسيسها وإطلاق يدها على رقاب الشعب السوري، والتي أدت بالنتيجة إلى حالة من التفتت والتفسخ والتشرذم، حتى كاد الشعب السوري بكل مكوناته أن يصل إلى حافة الضياع وفقدان الهوية الوطنية، وهو يئن تحت وطأة مطرقة القمع والغياب التام للحياة السياسية والفكرية، والتي أدت بالمآل إلى ما نحن عليه الآن، من اقتتال من أجل الاقتتال واحتراب لا طائل منه، وشهوة للسلب والنهب قائمة على حسابات اثنية أو عرقية، هي كلها محصلة لما عمل عليه نظام البعث(الدولة القومية)على مدى نصف قرن من الزمن وهو يجري تجاربه علينا جميعا كسوريين، وكأننا كنا فئران مختبره الآثم.
مرحلة الحراك الثوري السوري:
في فترة الحراك السوري المطلبي، عام 2011 ظهرت العديد من الأحزاب السورية على ساحة الحراك الثوري، كذلك كان هناك بقايا لقوى سياسية قديمة، كذلك كانت هناك حركة ملموسة لناشطي المجتمع المدني الذين – كي لا نبخس حقهمِ- كان لهم دور قبل الثورة وأثناءها وما زال مستمراً حتى الآن، إلا أن كل هذه القوى المحركة، لم تكن وللأسف سوى صدى لصوت الدولة دون أن تعي هذه بذاتها أنها تحولت مع الزمن إلى ذلك الصدى، حيث تغلغلت أفكار الدولتية حتى نقي عظام القوى السياسية السورية، وتحولت هذه القوى إلى نسخة كربونية للدولة ذاتها، ذلك أنها نمت وترعرعت في ظل وكنف الدولة وتشربت أفكارها ودارت في فلكها وفي دائرتها المغلقة، ولذلك لاحظنا أن شعار هذه القوى انحصر في مقولة (إسقاط النظام) فقط وكأن إسقاط النظام هي الوصفة السحرية التي ستحول سوريا من تصحرها إلى جنة من الحريات والتنوع السياسي والفكري والثقافي، وبذلك عجزت هذه القوى عن تقديم البديل الصحيح والسليم والحقيقي الذي بإمكانه انتشال السوريين بمختلف مكوناتهم ومشاربهم من المستنقع الذي أوقعهم النظام فيه، حيث كان بإمكانهم لو امتلكوا تلك الرؤية، ومشروعاً ديمقراطياً حقيقياً أن يمثلوا جوهر انطلاقة تاريخية للمجتمع السوري بكل أطيافه بعيداً عن سياسات التهميش و الإقصاء و الإنكار.
لقد افتقدت هذه الأحزاب والقوى بكل أسف خطاباً وطنياً جامعاً، وإن حاولت تقمص ذلك الخطاب و ذاك الدور بلغة جافة، فإن محاولاته تلك لم تكن أكثر من ذر الرماد في العيون ولم تستطع إقناع الشرائح الاجتماعية بخطابها، ولم تستطع طمأنة تلك الشرائح واستقطابها وتنظيمها تنظيماً حقيقاً موحداً للطاقات ضد آلة القمع والاستبداد، مما منح الفرصة للنظام بالتوغل في مسامات هذه الثورة والعمل على استكمال ما بدأه من تفتيت السوريين و شرذمتهم وتحول المشهد إلى تراجيديا قائمة على طرفين يلعبان دورين متناقضين في الشكل هما النظام والمعارضة لكنهما مكملين لبعضهما البعض في الجوهر من حيث ضخ لغة التخوين والخطاب الطائفي والإثني والعرقي وتحويل الشعب السوري جماعات متحاربة ترفض بعضها البعض.
بالمحصلة فإن القوى التي أطلقت على نفسها تسمية ( قوى الثورة السورية) فشلت في قيادة (الثورة السورية) بما يؤدي إلى تحقيق مصالح السوريين في الحرية والكرامة والعدالة، وتحقيق النقلة النوعية وتغيير بنية النظام السياسي، أضف إلى ذلك أنها افتقدت الحكمة والاتزان في تنفيذ مهامها، وعجزت عن تحقيق ولو الجزء اليسير من أهدافها المعلنة أو تحقيق طموحات السوريين الذين خرجوا هاتفين للحرية والكرامة والعدالة، مطالبين بالمساواة والتغيير الديمقراطي، كذلك فشلت هذه القوى في الحفاظ على نفسها مستقلة بقرارها بل انجرفت إلى فخ القوى الدولية والإقليمية وانخرطت في لعبة الأمم دون أن تمتلك أدنى مقومات المشاركة في هذه اللعبة وبذلك تحولت إلى أدوات بيد القوى الإقليمية والدولية لتنفيذ أجندة تلك القوى لا تنفيذ مطالب السوريين، والدليل على ذلك أنه منذ أكثر من عقد من الزمن، هناك مسارات حل متعددة تقودها قوى عالمية أو قوى إقليمية تعقد الاجتماعات تلو الاجتماعات والمؤتمرات تلو المؤتمرات ـ محفل هنا ومحفل هناك- منصة في هذه العاصمة ومنصة في تلك، إلى أن كل ذلك لم يأت بأي نتيجة ولم تنضج في رحابها أي فكرة قد تكون بارقة أمل للحل، حيث (كثرت الجعجعة وغاب الطحين) ولم يتذوق السوريون من كل هذه المسارات سوى القتل والدمار والتهجير والجوع و البرد.
في الطرف الآخر ظهرت أحزاب وقوى التزمت خطاباً معتدلاً وموزوناً، وادعت أنها تعمل على مشروع ذات توجه ديمقراطي علماني مناهض للنظام ومختلف عن المعارضة التي سقطت في فلك الأجندات الخارجية، واستطاعت هذه الأحزاب – للأمانة التاريخية – أن تحمي نفسها من الانزلاق نحو الارتزاق – سواء الداخلي أو الخارجي – لكنها للأسف بقيت منكفئا على نفسها وتعيش حالة من الانعزال، وحتى إن شاركت في أي محفل داخلي أو خارجي فإن مشاركتها لا يتعدى دور المكمل الشكلي غير المؤثر.
من رحم الفوضى والمأساة يولد الحل والأمل:
في معمعان هذه الفوضى والحرب في سوريا، وبقدر الإمكان، بعيداً عن الإجحاف، قريباً من الإنصاف، بحق البعض من القوى والأحزاب السياسية ، ولكي لا نكون ذوي نظرة تشاؤمية سوداء تزيد المشهد قتامة، سواء قبل الثورة أو بعدها، لا بد من تسليط الضوء على بعض الأحزاب السورية التي كانت تخوض عباب السياسة رغم كل القمع السلطوي، متحدية زنزاناته وغياهب سجونه وأساليب تعذيبه الوحشية، مسطرة على جدران تلك السجون بالذات تاريخاً نضالياً مشرفاً، معبرةً عن أحلام الحرية والكرامة الحقيقية، ومسجلة تاريخاً حافلاً بالتضحيات، ولعل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي تأسس في العشرين من شهر أيلول عام 2003 هو من أكثر الأمثلة حضوراً حتى أنه اكتسب اسم (حزب الشهداء) نتيجة مقارعته للسلطة وإصراره على النضال واتباع سياسة مستقلة رغم ارتقاء العديد من قادته وكوادره المؤسسين شهداء في ميادين النضال.
كذلك تأسست أطر حزبية أثناء مخاض الحراك الثوري السوري وقدمت تضحيات جسام في هذه المرحلة الهامة من تاريخ سوريا وبصمت بقوة على مسار الأحداث، كما قدمت مساهمات فكرية جريئة وشجاعة شكلت انعطافات كبرى في الوعي السياسي السوري، كذلك طرحت مشروع الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب، لتكون أرضية حقيقية وقوية لطرح مشاريع حل حقيقية وبديلة عن أفكار الدولة القومية، ولعل (حزب سوريا المستقبل) الذي ولد من رحم هذه المأساة ومخاضها الأليم في السابع والعشرون من آذار عام 2018 هو خير مثال عن هذا النموذج.
إن دور هذه الأحزاب ومهامها التاريخية التي تقع على عاتقها يتركز بالدرجة الأولى في توحيد النسيج المجتمعي السوري وربط أواصره بقوة وإعادة تماسك اللحمة الوطنية في البلاد ورفع مستوى الوعي السياسي والفكري لدى أبناء المجتمع السوري ليصبح الشعب هو القائد في هذه المرحلة وهو قوة الحل وقوة التغيير البناءة، وبشكل خاص دورها في نشر وتعزيز ثقافة السياسة الديمقراطية، وبناء كيان مجتمعي سياسي أخلاقي يؤدي بدوره إلى دمقرطة المجتمع وإنقاذه من أن يتحول إلى لقمة سائغة في فم أعدائه وكذلك إنقاذه من أن يكون مخيراً بين أحد خيارين أحلاهما مر، والمتمثلان بالخيار بين الفوضى أو القبول بالنظام الديكتاتوري، كما وأن أعظم مهامها يكمن في سعيها الدؤوب في العمل من أجل حرية المرأة السورية والشباب السوري وخلاصهم وإنقاذهم من براثن العبودية التي أثقلت كاهلهم وحمايتهم من أن يتحولوا إلى مادة خام تعبث بها التنظيمات الإرهابية الراديكالية كتنظيم داعش الإرهابي.
وهنا تجدر الإشارة أن الدعائم الأساسية لتطبيق السياسة الديمقراطية في مجتمع ما هي الطاقة الكامنة الموجودة لدى المرأة والطاقة الديناميكية المتواجدة لدى الشبيبة ومحصلة الطاقات المتواجدة ضمن هذا المجتمع تكون هي قوة التغيير المجتمعية القادرة على النهوض به في كل زمان ومكان.
ولذلك فإن المهام الأساسية والعاجلة لهذه الأحزاب هي ترسيخ مفاهيم ممارسة السياسة الديمقراطية، وإذا ما وصفنا السياسة الديمقراطية بكونها (الطاقة – الفكر) فإن المؤسسات جميعها من أحزاب ومجالس وكومينات وكل الأطر التنظيمية المؤسساتية هي (الجسد – المادة) والتي تمتلك الحق في قيادة دفة النقاشات والحوارات وكل المداولات التي من شأنها اتخاذ القرارات والبت في الشؤون التي تخص المجتمع من جميع جوانبه وللوصول بالمجتمع إلى حالة أكثر تطوراً وارتقاءً.
دور حزب سوريا المستقبل في التغير الحقيقي:
لطالما كانت إحدى الأهداف الأساسية للأحزاب هي الوصول إلى السلطة أو الحكم وإنها بمسعيها هذه تهدف إلى احتكار السلطة بيدها أو انتزاع حصتها من الاحتكار، (وهو ما تم الإشارة إليه أعلاه من سقوط المعارضة في فلك أفكار السلطة وانحسار أهدافها في إسقاط النظام واعتلاء سدة الحكم بدل منه لا في تغييره). وهي من أهم الأمراض التي تعاني منها هذه الأحزاب أي السقوط بكل جوارحها في حضن السلطة بدلاً من محاربتها للمقاربات السلطوية التي تحصل في كافة مؤسسات الحكومة وروافدها، وبالتالي فإن هذا الأمر يجعل من هذه الأحزاب غير قادرة على الدفاع عن قيم الديمقراطية التي تنادي بها وتسعى إلى تحقيقها، فالسلطة لا تساوي الديمقراطية وبصحيح العبارة فإن الديمقراطية هي نقيض السلطة ومعادية لها فكلما كانت ثقافة الديمقراطية أو السياسة الديمقراطية منتشرة في مجتمع ما، فإن السلطة محجمة وتضمحل بمرور الزمن بالقدر نفسه، ويكون الدرب المجتمعي يسير على قدم وساق باتجاه المجتمع الأخلاقي السياسي المنظم.
إذ ما من مجتمع قادر على تحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية بقدر السياسي الأخلاقي، وبالتالي فيما إذا احتلت الأحزاب السياسية مكانها في الحكومة أو الإدارة مثلاً فإن عملها الرئيسي ومهامها الرئيسية تنحصر في اتخاذ القرارات السليمة ومتابعة تنفيذها في سبيل المصالح الحياتية المشتركة للجميع، في كافة المؤسسات الإدارية والاقتصادية والثقافية والفكرية والاجتماعية والخدمية وحتى في منظومة الدفاع أو العسكرة وبإشراك الشعب في اتخاذ هذه القرارات، وفي تنفيذها وتحمل مسؤوليتها. أي العمل على تطبيق برنامجها الذي توصف من خلالهِ المشكلة وتحلل أبعادها وتقدم رؤاها من أجل الحل، ومن أجل ذلك فهي بحاجة إلى كوادر حزبية كفؤة متمرسة في العمل النضالي والحزبي وقادرة على تحويل السياسة الديمقراطية إلى وجود عبر الإنشاء والبناء المتين والقوي، أي الكادر الخلاق والمبدع الذي بإمكانه تحويل أضعف الإمكانات المتواجدة بين يديه وأبسطها إلى أعمال عظيمة يكون لها تأثيرها البليغ في المجتمع وهذا بالإمكان تحققه عبر النشاطات والفعاليات الدائمة والمتميزة وذات أثر كبير جداً. من أجل تدريب المجتمع وتعبئته وتهيئة الأرضية المناسبة لتحقيق النهضة الفكرية المجتمعية وتحقيق أهداف الثورة الحقيقة التي هي ثورة ذهنية بامتياز، وهذا النوع من الثورات هي ما تحتاجه شعوب الشرق الأوسط بشكل عام والمجتمع السوري على وجه الخصوص، ولكي تؤتى ممارسة السياسة الديمقراطية لدى الأحزاب السياسية بثمارها الناضجة وتحقق نجاحاً باهراً في المرحلة الراهنة في سوريا، على هذه الأحزاب أن تضع نصب عينها مجموع الحقائق المتكاملة التي يتمتع بها المجتمع السوري بأنه مجتمع غني ومتعدد الأطياف و المذاهب والقوميات والديانات يربطها تاريخ مشترك وبالتالي فإن مقارباتها –أي مقاربات هذه الأحزاب- يجب أن تكون على أساس احترام جميع اختلافات المجتمع واعتماد الوفاق والمساواة ضمن الاختلاف أساساً أي (الوحدة في التنوع)، وثاني هذه الحقائق هي أنه وعلى الجغرافية السورية، التي تشكلت إثر اتفاقية “سايكس -بيكو” في بدايات القرن العشرين باسم الجمهورية السورية التي تحولت فيما بعد إلى الجمهورية العربية السورية على أساس فكرة إنشاء الدول القومية الفكرة الدخيلة على منطقة الشرق الأوسط والتي روجت لها على أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي تمجد اللون الواحد والدين الواحد والقومية الواحدة واللغة الواحدة والعلم الواحد، على هذه الجغرافية وبكافة الوسائل والأدوات تم ممارسة أفظع أشكال العنف بحق المجتمع لا سيما بعد استلام حزب البعث للحكم فيها. فتقيد الحريات العامة والخاصة وممارسة سياسة كم الأفواه وغياب الإعلام الحر بل وقمعه، تخوين القوى السياسية الوطنية وزج النشطاء السياسيين والصحفيين في السجون واتخاذ القرارات المجحفة بحقهم التي وصلت إلى حد الإعدام، تزوير الحقائق التاريخية وتشويهها عبر مناهج التربية والتعليم لديها من أجل بناء جيل بثقافة و ذهنية البعث التي هدفت إلى قطع الروابط مع أصولهم وجذورهم التاريخية أي العمل على مسح الذاكرة التاريخية المجتمعية لدى أبناء سوريا، وانتهاج ثقافة الصهر في بوتقة العروبة، واتباعها سياسات الإنكار والإقصاء والامحاء بحق مكونات الشعب السوري، دمار البنية الاقتصادية، التفرد في صنع القرار ومركزتيه وترسيخ حكم الفرد وتسلط الحزب الواحد، توجيه الرأي إلى القضايا الخارجية ولاسيما القضية الفلسطينية -الإسرائيلية و الترويج بأنها في حالة عداء تام مع دولة إسرائيل واستثمارها من أجل أجندات الفئة الحاكمة، وفرض قانون الطوارئ، كل هذه الأمور وغيرها أدت إلى تحول المواطن السوري لآلة مسيرة بيد الأجهزة الأمنية، حصرت كل أولوياته في تأمين لقمة عيشه فقط، ليفقد بذلك الفرد والمجتمع إرادتهما الحرة، حتى أن أصغر خلايا المجتمع والمتمثل بالأسرة والعائلة لم تسلم من هذه السياسات.
ثمة حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها في المجتمع السوري الخائر القوى ألا وهو الغياب أو التغييب الممنهج والمقصود لكل من المرأة والشبيبة في الحياة المجتمعية بشكل عام والحياة السياسية بشكل خاص، إذ لطالما تم النظر إليهما بعين الاستصغار والتهميش في المجتمع، ولم يخرج تواجدهما في المؤسسات الإدارية وحتى في مواقع صنع القرار من التواجد الشكلي والتحرك وفق ذهنية السلطة والعمل من أجلها وحمايتها. لم ينصف الدستور السوري المرأة أو يثبت حقوقها فيه، بل كان مجحفا بحقها ولاسيما في قانون الأحوال الشخصية، ويكاد لا تذكر أي مادة عن حقوق الشباب أو الدفاع عنها ضمن المواد الدستورية، وحقيقة لا يمكن أن يصنف الدستور السوري الذي كتب بذهنية سلطوية أحادية الجانب أو أن يقع ضمن قوائم الدساتير الديمقراطية لبلدان العالم. ولأجل هذا فأن السوريون بحاجة ماسة لكتابة دستور سوري جديد، دستور ديمقراطي من شأنه أن يعيد إحياء المجتمع السوري بالكامل وأن يرمم ويعالج جناحي الطائر الجريح (المرأة والشباب) ليستطيع هذا المجتمع من العودة للطيران بقوة والتحليق في فضاء الديمقراطية بحرية كبيرة.
إذا والحال هذه فإن الاطلاع الحسن على تاريخ الدولة السورية المركزية الأحادية الجانب ذاك، وربطه بالمجريات والأحداث الراهنة يجعل من أولى مهام الأحزاب الديمقراطية هو تسليط الضوء على أدق القضايا الشعرية الدقيقة التي يعاني منها المجتمع السوري، بدأ من أصغر مؤسسة في المجتمع المتمثلة بمؤسسة العائلة وصولاً إلى أكبر التنظيمات والمؤسسات المدنية والحكومية واتحادات ومنظمات المجتمع المدني والتي تشكل بمجموعها الهيكلية المؤسساتية لبنية الدولة المركزية، يضاف إليها قضايا القوميات والمكونات الأساسية للمجتمع التي حرمت من أبسط حقوقها في ظل النظام البعثي الحاكم، وإبداء الجرأة المناسبة للنقاش حولها ووضع الحلول الجذرية المناسبة لها، والعمل الدؤوب والنضال والكفاح المستمر من أجل إنقاذ الشعب السوري الذي وصل إلى حافة الهاوية والانهيار والفوضى.
إن قراءة الحالة السورية الحالية والمتأزمة بكافة أبعادها وجوانبها والتي تحولت إلى عقدة كأداء واستيعاب تحديات المرحلة الراهنة، وقراءة التاريخ واستنباط الدروس المناسبة منه ووضع كافة إمكانات الحلول الممكنة لمستقبل سوريا كانت أولى مهام حزب سوريا المستقبل منذ تأسيسه وحتى هذه اللحظة، الحزب الذي وضع على عاتقهِ قيادة المرحلة السياسية التاريخية من أجل حل الأزمات العالقة وتحقيق الأهداف المنشودة. والذي ينتهج السياسة الديمقراطية كإحدى أهم استراتيجياته والعمل بها وإطلاق حملة التغيير الديمقراطية الكبرى في البلاد بدأ من خطابه السياسي الذي يقف على مسافة واحدة من كافة الأطياف والقوميات ومكونات الشعب السوري ويسعى لضمان حقوقهم في التعبير عن هويتهم بحرية كافية، وملامسته لمعاناة الشعب السوري، طرحه للحل عبر إعادة صياغة دستور سوري جديد للبلاد (دستور ديمقراطي) والتحول من نظام الدولة المركزية إلى الدولة اللامركزية الديمقراطية والحكم البرلماني التعددي الذي تتمتع فيه الأطراف والمحافظات بصلاحيات واسعة تشريعية وتنفيذية، الإيمان بمبدأ حرية المرأة هي حرية المجتمع وضمان كافة الحريات والعمل على فتح المجال أمام الشباب واعتباره الشريحة الأكثر قدرة على التغيير والبناء، ومناشدته لكافة الأطراف السياسية ولا سيما الديمقراطية منها في الإصرار على الحل السوري/السوري للازمة السورية وتجسيد ذلك في كافة فعالياته ونشاطاته من أجل تنظيم الشعب وتوعيته متخذا من القاعدة الجماهيرية ساحته الحيوية، ومن خلالها يمكن قلب الاستبداد وثقافة الإقصاء، فبامتلاك المواطن لإرادته السياسية سيتحول المجتمع السوري إلى صاحب القرار الأول والأخير في التشريع والتنفيذ والمراقبة، وتحويل الحراك المجتمعي إلى وعي سياسي، وتحويل الإرادة السياسية الحزبية إلى إرادة جماهيرية معبرة عن طموحات كافة أطياف مجتمع سوريا ومواطنيها، ولملمة الشتات السوري والتمثيل الحقيقي لأهداف الثورة السورية واعتبار ممارسة السياسة الديمقراطية مهمة أخلاقية وفكرية وحضارية وواجب نضالي ديمقراطي وطني غير مقتصر على حزب سوريا المستقبل – الذي يؤمن بالتعددية السياسية – فقط أو تيار محدد بل هي مهمة وطنية جماعية.
خلاصة:
مرة أخرى تعد هذه المرحلة البينية فرصة مواتية للأحزاب السياسية وخاصة تلك التي تنتهج في سلوكها ومبادئها وأهدافها قيم الديمقراطية الحقيقية استلام زمام المبادرة في الحل السوري/السوري والقدرة على دفع السفينة السورية نحو مسارها الصحيح وإنقاذها من الغرق وحماية قيم الحرية والعادلة والمساواة وتطبيق السياسة الديمقراطية في كافة جوانب الحياة للوصول إلى المجتمع الأخلاقي السياسي الذي نسعى إلى بنائه، على صورة بناء سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية.