منال حج علي
مقدمة:
تعتبر قضايا المرأة من أكثر القضايا الاجتماعية إشكالية واهمية، لما لها من جذور تاريخية عميقة، ولما لها من دور في حل كافة الازمات والقضايا العالقة في الزمن الراهن، وذلك من خلال التحليل السوسيولوجي الصائب لواقع المرأة التي وصلت الى مرتبة الالوهية بكدها واختراعاتها، وما قدمته للمجتمع بالتوازي مع الطبيعة الام لآلاف السنين، وما آل اليه وضعها في الوقت الحالي من العبودية والانحطاط والانكسار.
فقد كانت المرأة الربة الأولى للمجتمع، فهي التي ساهمت بشكل فعلي في تكوين المجتمعات البشرية الأولى، وهي التي شكلت نواة العائلة الأولى، وهي التي اكتشفت الزراعة وساهمت في اول عمليات الاستقرار البشري في التاريخ. ولكن كما كانت المكانة التي تبوئتها المرأة في المجتمع سبباً في سموها كانت سبباً أيضاً بان تكون محط الحسد والحقد من قبل الرجل الشامان، الذي سعى جاهداً لأن يوقع بالمرأة ويحتل مكانتها، فعمل كل جهده لتحقيق ذلك لتتكون ملاحم اينانا وعشتار في مواجهة الحرب الذكورية ضد المرأة.
فالصراع الذي تبلور بمواجهة اينانا وانكي استمر إلى اليوم الراهن، فمنذ استيلاء الرجل على السلطة وقضاءه على إدارة المرأة للمجتمع، حاول ان يطمس أي معالم لإنجازات المرأة ونسبها لنفسه، فجعلها رمزاً لكل شر وقبيح، فهي العجوز الشمطاء، وهي ليليت (أحد اشكال الشيطان)، وهي الامَة، والنجسة، ليغطي كل جمال تتمتع به المرأة. لم تقف المرأة مكتوفة الأيدي إزاء هذا الصراع والتشويه للحقائق، وإنما خاضت ثورتها ضده بكل عنفوان، وما الرموز النسائية التي تظهر كل حين وحين إلا تأكيداً على ذلك كأمثال هيباتيا ومريم بنت عمران والسيدة خديجة والأخوات ميرابل وبيريتان وساكنة جانسيز وارين ميركان وغيرهن الكثيرات عبر التاريخ. فاتسمت كل فترة وكل عصر برموزٍ نسائيةٍ، جسدَ الكفاح ضدَ الظلم والاستبداد العنصري سواءً الممارس على المرأة بشكلٍ خاص أو على المجتمع بشكلٍ عام.
نضال المرأة هذا في سبيل نَيل حقوقها، اثمرت بعض نتائجهُ خلال القرن العشرين، كحق المساواة مع الرجل في فرص العمل، والمساواة في ساعات واجور العمل، وفي حق التصويت والترشح للانتخابات.
وكون قضية المرأة قضية عالمية تخص المرأة أينما كانت، فقد انضمت المرأة السورية أيضاً كغيرها من النساء إلى هذا النضال، وأدلت بدلوها فيه، من خلال نضالها لنيل حقوقها المشروعة.
المرأة في سوريا
تشكل النساء في سوريا حوالي 49.4% من سكان سوريا، ولا يتوقف دورهن على القيام بالأعمال الاعتيادية وإنما يُشاركنَ في الحياة العامة، وذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر بفعل الخطاب النهضوي في تلك الفترات، والذي رافق حركة التحرر من الاحتلال العثماني ومن ثم مقاومة الانتداب الفرنسي. في هذه الفترة اقتصرت المشاركة النسوية إلى حدٍ كبيرٍ على النساءِ اللواتي ينتمينَ إلى عائلات الطبقة العليا والمثقفة في المجتمع، وان كانت أحياناً تأخذ شكلاً مجتمعياً في تظاهرات نسوية تشمل كافة نساء المجتمع.
ولمعت أسماء عدة نساء قدنَ الحركة الثقافية النسائية السورية، ومنهن على سبيل المثال وليس الحصر لبيبة هاشم التي أصدرت مجلة فتاة الشرق، وماري العجمي التي أسست مجلة العروس، وعادلة بيهم الجزائري، ونازك العبد التي أسست منظمة نور الفيحاء كأول منظمة نسائية في المنطقة وشاركت في معركة ميسلون لتحصل بذلك على رتبة الجنرال الفخري في الجيش السوري واسست الهلال الأحمر السوري في 1922، وفي العام 1930 استضافت دمشق المؤتمر النسائي الشرقي الأول.
ومن النساء اللواتي لمعت اسمائهن أيضاً، السيدة خنسة زوجة ميري ميران إبراهيم باشا، حيث كان لها دوراً في تقوية الأواصر من ناحية العلاقات الاجتماعية بين القبائل والعشائر في المنطقة، ولم تتوقف عند هذا الحد فقط، بل لعبت دوراً لا يستهان بهِ من خلالَ عقد العديد من العلاقات الدبلوماسية مع العديد من الدول، وقيادة إمارة الملان بعد وفاة زوجها.
والأميرة روشن بدرخان التي بدأت مشوارها بممارسة التدريب والتعليم ونشر المعرفة، بالإضافة إلى ممارسة العديد من النشاطات الثقافية المتنوعة كالكتابة والترجمة وأمور تتعلق بالمرأة، ففي سنة 1934 انتسبت إلى جمعية (الاتحاد النسائي)، ومثلت سوريا في مؤتمر القاهرة عام 1944.
بالرغم من ان فترة ما بعد الاستقلال في سوريا اتسمت بفترة الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي، لم يهمد العمل النسوي السوري ولم يقتصر على الشأن الثقافي فقط، وإنما امتد إلى الحياة السياسية أيضاً، ونتيجة ذلك حصلت على حق الانتخاب في العام 1949 ولكن بشرط ان تكون حائزة على شهادة التعليم الابتدائي كحدٍ ادنى في حين انهُ لم يشترط ذلك للذكور، وحصلت على حق الترشح في 1953، ولكن نتيجة الذهنية الذكورية السائدة والتي تنظر إلى المرأة أنها غير قادرة على خوض الساحة السياسية ، لم تصل إلى البرلمان إلا عام 1958 عبر التعيين في مجلس الأمة، حيثُ شاركت السيدتان جيهان الموصللي ووداد الازهري من أصل مائتي ممثل في البرلمان، وفي العام 1971 شغلت النساء اربع مقاعد من أصل 173 مقعداً في البرلمان. وفي عام 2012 شغلت النساء 12% من نسبة ممثلي مجلس الشعب، وأول امرأة تراست البرلمان هدية عباس وذلك بالتزكية في الدورة التشريعية الثانية لعام 2016 ليتم اقالتها في أقل من سنة لتوليها المنصب.
المرأة في ظل حكم البعث
بتولي حزب البعث سدة الحكم في سوريا زادَ تَهميش المرأة وابعادها عن الشأن العام، ويتجلى ذلك واضحاً في القوانين التي سنها، والدستور الذي تبناه، فمن الشروط التي يطلبها الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وان لم يذكر بشكل صريح إلا أنها تدل على أن يكون ذكراً، وكذلك القوانين التي تتعلق بحضانة الأطفال والطلاق والنفقة وغيرها من القوانين المجحفة بحق المرأة، وقد حاول تكريس الأدوار النمطية للجنسين من خلال المناهج التعليمية التي اعتمدتها وزارة التربية، وذلك منذ مراحل الأولى لنشوء الأطفال، حيث تكرس صورة المرأة التي يكون أكبر طموحها أن تشكل أسرة، فهي ربة البيت والممرضة والمعلمة، بينما الطموح غير المحدود للرجل فهو الدكتور والمدير والمهندس …الخ، وكذلك أعلام الدولة ساهم في تكريس ذلك بشكل جلي، فإن تطرق إلى قضية تحرر المرأة يكون ضمن حدود النظرة التقليدية للمرأة وبما يتلائم مع العادات والأعراف والشرع.
ان نظام دولة البعث المتمتع بازدواجية السياسة التي يتبعها، من جهة يتبنى النظام العلماني، ومن جهة أخرى اغلب قوانينه مستمدة من الشرع. فقانون الأحوال الشخصية ظل قائماً على الشريعة، ويتم تطبيقه من قبل المحاكم الشرعية، وهذا ما يؤثر بشكل كبير على مدى فعالية تكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين في سوريا، وفي نفس الوقت نرى أنه يحرص على تواجد وجه نسائي في وزاراته تماشياً مع العلمانية، ولكنه في اغلب الأحيان الوجه النسوي الوحيد، ومن الشخصيات النسائية التي تشبعت بذهنيته السلطوية، وكذلك يتم تسليمهنَ حقائب وزارية فخرية، أو المكاتب التي تعني بشؤون الأسرة والطفل لترسخ أكثر الصورة النمطية عن المرأة.
ونرى هذه الازدواجية واضحة أيضاً في المؤسسات التي أسستها في سبيلِ تطوير وتأهيل المرأة، أيضاً ففي عام 1967 تُشكلَ الاتحاد العام للمرأة السورية بمرسوم تشريعي، ليتم حله بمرسوم رئاسي في العام 2017، بالرغم من مناداة هذا الاتحاد بتحقيق تكافؤ الفرص للمرأة السورية إلا انها كرست سلطة النظام القائم من خلال تطويع الشعب، كما بقي هذا الاتحاد مرهوناً لسلطة الأعراف والدين والموروث الثقافي مدعوماً بسلطة القوانين والتشريعات.
وكذلك نجد إن تحفظات الدولة السورية على بعض مواد اتفاقية “سيداو” للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة ليست إلا ترسيخاً للنظام البطرياركي السائد، فمعظم هذه التحفظات في المرسوم التشريعي رقم 333 تاريخ 26\9\2002 انصبت على المواد التي تتعلق بحقوق المرأة كـ:
المادة 2: التي تنص على ضرورة تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين، وضمان الحماية القانونية لها من أي فعل تمييزي يصدر عن منظمة أو مؤسسة أو شخص، والعمل على تبديل القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك.
المادة: 9 فقرة 2، المتعلقة بمنح المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل في منح جنسيتها لأطفالها.
الماد :15 فقرة 4التي تمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكنهم وإقامتهم.
ومادة 16، بند 1، فقرات ج، د، و، ز، والتي تمنح المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في الزواج والطلاق والولاية والقوامة والوصاية، كذلك الحق في اختيار اسم الأسرة، والمهنة، والوظيفة كما تنص هذه المادة على ضرورة تحديد سن أدنى للزواج وإلزامية تسجيل الزواج.
قد يتبادر إلى الذهن ان هذه التحفظات لا تخص المشاركة السياسية للمرأة، ولكن إذا كانت هذه المرأة محرومة من ممارسة حقوقها كشخص في تحديد مكان كسكن، أو منح جنسيتها لأطفالها ولزوجها اسوة بالرجل، كيف لها ان تكون فاعلة في الساحة السياسية، ويظهر هذا واضحاً في النسبة المتدنية جداً لوجود المرأة في المراكز القيادية في حزب البعث مقارنة بتواجدها العالي في القاعدة الشعبية. كذلك ومنذ تسلم حزب البعث للسلطة لم نجد الا عدة أسماء نسوية تتكرر ولعقود.
اندلاع الثورة السورية والمرأة
مع اندلاع الثورة السورية في أذار 2011، ومشاركة جميع فئات الشعب في هذه الثورة، وانتقالها إلى كافة الجغرافية السورية، حصلت تغييرات ملموسة في الوضع العام للبلاد وكذلك في الوضع الخاص للمرأة أيضاً، وبظهور ثلاث مناطق للنفوذ على الجغرافية السورية مختلفة الرؤية حول حل الازمة السورية، أدى ذلك إلى ظهور توجهات مختلفة بخصوص المرأة أيضاً.
ففي مناطق سيطرة حكومة دمشق، وبالرغم من بعض الإصلاحات التي طالت الدستور السوري وقوانينها (دستور 2012)، وخصوصاً قانون الأحوال الشخصية، إلا انه لم يرتقي إلى مستوى تحقيق تكافؤ الفرص للمرأة، ويتجلى ذلك في ان نسبة مشاركة المرأة في الحياة السياسية لم يصل إلى المستوى المرموق فنفس الوجوه والأسماء النسوية تتكرر في الواجهة السياسية لحكومة دمشق، مع أضافة وجه جديد واللاتي يروجنَ لنظام الاستبداد. ونسبة التمثيل النسائي في البرلمان لم تتجاوز 12% وكما أسلفنا المرأة الوحيدة التي تبوأت منصب رئاسة البرلمان تم اقالتها تعسفياً. وبالنسبة للمؤسسات الحكومية أخرى نجد ان نسبة النساء في الوزارات 7% وفي السلك الديبلوماسي11% وفي القضاء 13%، من هذه الاحصائيات نستشف بوضوح انه لم يتحقق التطور الملموس في واقع المرأة في هذه المنطقة. ولم تحقق تمثيل سياسي حقيقي لها داخل حكومة دمشق. فضلاً عما مارسته من سياسة القمع ضد النساء المناديات بحرية الرأي والعدالة المجتمعية من الاعتقالات والاخفاء القسري وما تعرضت له من ممارسات لاأخلاقية من الاستغلال والتحرش الجنسي والذي قد يصل إلى حد الاغتصاب.
من جهة أخرى نجد مشاركتها في الجانب الاقتصادي قد ازدادت، وذلك ضمن اعمال صغيرة لم ترتقي إلى تشكيل اقتصاد نسوي حر، فانخراط المرأة في سوق العمل خلال هذه السنوات من الثورة لم يكن بدافع تمكين المرأة اقتصادياً، وانما نتيجة لفقدانها لمعيلها، أو تردي الأوضاع المعيشية.
أما في مناطق سيطرة الائتلاف السوري المعارض والفصائل المسلحة سواءً التابعة للائتلاف أو للقوى الجهادية، لم يخرج دور المرأة عن الدور المنوط بها وفق الشريعة الإسلامية، واي عمل أو نشاط تقوم به المرأة يشترط موافقة ولي امرها في أفضل الأحوال، ويحدد عملها ونشاطها في نطاق ضيق جداً بالأعمال والأنشطة التي يغلب عليها الطابع النسوي التقليدي، كالعمل في المجال التعليمي والطبي، وفتح لها المجال للعمل في المنظمات والجمعيات المدنية، وخصوصاً العاملة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية، كونها اقدر من الرجل على الدخول إلى المنازل ومعرفة وضعها عن قرب أكثر، ولكن لم تصل إلى مستوى ان تشغل المناصب الإدارية في هذه المؤسسات، نتيجة الفكر السائد ان الرجال اقدر ولا يمكن للمرأة ان تدير بشكل جيد ولا ولاية لامرأة في أي أمر.
في هذه المناطق الخاضعة لسيطرة الائتلاف السوري المعارض أو للقوى الجهادية، تعاني المرأة الأمرين، سواءً مما تجلبه أزمات النزوح، أو من السياسة المتبعة في الحكم والإدارة، وخصوصاً تداعيات الدين المسيس الذي يضيف قيوداً أشد للمرأة، والنابعة من الذهنية التعصبية الجنسوية. فالقوانين التي تمس الحياة اليومية من اللباس الشرعي، ووجود محرم مع المرأة في كل محفل، وزواج القاصرات، واطاعة ولي الأمر في كل شاردة أو واردة تجعل من حياة المرأة جحيماً.
بالنسبة للمجتمع الدولي عمل على تواجد المرأة السورية في المحافل الدولية لحل الأزمة السورية، فشكل المجلس الاستشاري النسائي عام 2016 كطرف مراقب للمفاوضات في جنيف، ويقتصر دورهُ كما هو واضح من التسمية على تقديم المشورة والتي قد يتم العمل بها أو لا.
وفي عام 2019 من بين 150 عضواً في اللجنة الدستورية السورية، والتي تم تشكيلها من قبل المبعوث الخاص إلى سوريا، تشكل النساء 30% في هذه اللجنة، الا أن دورهن لم يتعدى الإطار الشكلي لكوتا المرأة، بالإضافة إلى تحجيم دورهن ومقاومة وجودهن ومشاركتهن الجادة في صنع القرار من قبل بقية الذكور في اللجنة.
أما في مناطق شمال وشرق سوريا والتي تميزت ببنائها لنظام إدارة فريد، اتسم انضمام المرأة إلى كافة مناحي الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بكونه ركيزة أساسية في بناء النظام الديمقراطي القائم.
ثورة 19 تموز والمرأة
باندلاع الثورة في العام 2011 في سوريا شارك فيها جميع المكونات في مناطق شمال وشرق سوريا من خلال انتهاج مبدأ الخط الثالث، القائم على تغيير نظام الحكم القائم وليس الاقتصار تغيير رأس النظام، وكانت نتيجة ذلك ثورة 19 تموز، والتي انطلقت من ابناء المجتمع نحو تسلم زمام ادارتهم لذاتهم، من خلال تسيير المؤسسات بما ينسجم مع خدمة المجتمع بكل اطيافه واثنياته، مستنداً بذلك إلى فكر وفلسفة الامة الديمقراطية الذي طرحه القائد عبد الله اوجلان، وتوجت ثورة 19 تموز بتأسيس الإدارات الذاتية الديمقراطية والمدنية في هذه الجغرافية السورية.
المبادئ والاسس التي انطلقت من خلالها هذه الثورة، كانت لها نتائجها التقدمية الملموسة على المجتمع الذي بدأ يعاني الانحلال والابتعاد عن القيم الجوهرية، ومن ضمنها واقع المرأة الذي كان أصبح شبه ميؤوس منه من حيث ابتعادها عن جوهرها، واقتناعها بالحالة التي وصلت اليه كأنه قدر محتوم عليها.
فكانت ثورة 19من تموز بمثابة قفزة نوعية لنضال المرأة في هذه المنطقة، والذي كان قد بدأ منذ عقود وبانطلاق ثورة 19 من تموز، اخذ منحى وتوجها فريداً وقوياً، فثورة تموز فتحت آفاقاً للحرية والمساواة وتحقيق العدالة المجتمعية. فبدأت المرأة بلم شتاتها من خلال تنظيم قوتها تحت مظلة اتحاد ستار الذي تحول لاحقاً إلى مؤتمر ستار، والذي كان له الأثر الفاعل في اظهار قوة المرأة الحقيقية من خلال تمكينها على كافة الصعد، وبناء مؤسسات تعني بشؤون المرأة في كل المجالات.
ففي المجال الاقتصادي شكلت اقتصاد المرأة المرتبط بالحفاظ على البيئة (الاقتصاد الايكولوجي)، وفي المجال الثقافي حاولت احياء ثقافة المجتمع الطبيعي والحفاظ على قيمها المعنوية، وفي المجال التربوي والتعليمي عمدت إلى تنشئة جيل يؤمن بقيم الديمقراطية والتعايش المشترك، وفي المجال القانوني سعت جاهدة إلى تبني قوانين مبنية على اخلاق المجتمع وقيمه، وفي المجال الأمني والعسكري أسست وحدات حماية المرأة وقوى الامن الداخلي-المرأة وقوات الحماية الجوهرية –المرأة، وكسرت التابو المعهود ان المرأة غير قادرة على القيام بفعل الحماية، فحمت نفسها ومجتمعها من اعتى التنظيمات الإرهابية التي ظهرت على مستوى العالم -تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش)- ومازالت تقاتل ضده.
من خلال ما كانت المرأة تعمل على إنجازه وما حققته في هذه الساحات، استطاعت ان تلعب دوراً مهماً في صياغة عقد اجتماعي من أجل تنظيم المجتمع وفق أسس ديمقراطية، يلبي تطلعات مكونات المجتمع السوري في حياة كريمة دون تهميش أو اقصاء. ونتيجة لعمل المرأة ونضالها وما قدمته من تضحيات، تقرر في هذا العقد الاجتماعي مبدأ كوتا الجنس في التمثيل في جميع المؤسسات لتكون 40% وذلك في بداية تأسيس الإدارات الذاتية، وبعد أن حازت المرأة على مكتسبات لا يمكن الاستهانة بها، من خلال عملها الدؤوب أصبحت كوتا الجنس 50%، وكذلك صدرت عدة قوانين فوق دستورية تخص المرأة، من قبيل إقرار مبدأ الرئاسة المشتركة في المناصب الإدارية ومراكز صنع القرار، بحيث تتمكن المرأة من لعب دورها الريادي في عملية البناء المجتمعي. وكذلك للمرأة خصوصيتها التي من خلالها لها الحق في سن القوانين التي تخص المرأة، والاعتراض على القوانين التي ترسخ الذهنية الجنسوية في المجتمع، وخصوصاً ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية فمنع تعدد الزوجات ومنع زواج القاصرات والغيت جريمة الشرف وغيرت القوانين المتعلقة بالمهر والنفقة وحضانة الأطفال بما يتلاءم مع حقوق المرأة، لتصبح قوانين المرأة في شمال وشرق سوريا نموذجاً يحتذى به عالمياً وأصبحت تعرف الثورة في المنطقة بـ “ثورة المرأة”.
المرأة والحل السياسي للقضية السورية
بمضي عدة سنوات على اندلاع الثورة السورية، انحرفت بعض تيارات المعارضة عن مسارها، وأصبحت تخدم اجندات خارجية لا تخدم مصلحة الشعب السوري، لتتحول سوريا إلى ساحة تصفية الحسابات بين بعض القوى الإقليمية والدولية، وكذلك أصرت حكومة دمشق على تعنتها وموقفها من الثورة والمطالب الحقة للشعب في العيش الكريم لكل اطيافه ومكوناته.
هذا الوضع أثر بشكل مباشر على انضمام المرأة أيضاً إلى العملية السياسية، فما ذكرناه سابقاً عن الذهنية الذكورية المعارضة للعمل السياسي للمرأة ترسخ بشكل أكبر بفعل الحركات الجهادية والاخوانية. حتى ان بعض النساء اللواتي انضممن إلى بعض التكتلات والتوجهات السياسية انسحبت منها لدى رؤيتها ما ترسخه من الوجود الشكلي للمرأة ضمنها تماشياً مع قوانين المجتمع الدولي الذي يتوجه إلى تأكيد وجود المرأة ضمن الحياة العامة كافة، فهيئة التفاوض واللجنة الدستورية والتي تعمل في اعلى المستويات مع المجتمع الدولي حاولت ان تخفي وجهها الرجعي من خلال ضم عدد من النساء والذي لا يحقق حتى كوتا الجنس.
هنا كان لابد من جسم سياسي ينضوي تحت مظلته كافة أطياف المعارضة الوطنية الديمقراطية من أحزاب وشخصيات مستقلة وتنظيمات وحركات مجتمعية، من أجل تحمل مسؤولياتهم في إنقاذ سوريا، وتحقيق تطلعات الشعب السوري في التغيير والتحول الديمقراطي الشامل وتحقيق المساواة بين الجنسين وترسيخ العدالة المجتمعية وضمان حقوق المرأة، ضمن سوريا تعددية لامركزية ديمقراطية، أساسه التعايش السلمي والعيش المشترك، فتم تأسيس مجلس سوريا الديمقراطية في 2015 ليكون حاملاً لهذه الراية.
المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية
وإيماناً من مجلس سوريا الديمقراطية بأهمية وجود المرأة ضمن العملية السياسية لحل الازمة السورية وانهاء حالة الحرب فلا حل سلمي بدون وجود المرأة، أكد على التمثيل النسائي في جسمه لتتمكن من لعب دورها التاريخي في بناء سوريا الجديدة.
فجاء ضمن المبادئ الأساسية لمجلس سوريا الديمقراطية:
- اعتبار حرية المرأة هي أساسٌ وضمانةٌ لكافة الحريات. ومن أجل القضاء على الممارسات اللاديمقراطية والغير عادلة التي تتعرض لها المرأة، هناك حاجة إلى مواد دستورية تضمن مساواة المرأة والرجل في جميع مجالات الحياة، لذلك فإن المشاركة الفعالة للمرأة في عملية صياغة الدستور الجديد في سورية يعتبر من الأمور الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
- اعتبار التمثيل بالمناصفة بين الجنسين (كوتا 50%) في كافة مجالات الحياة مبدأ أساسيا لتحقيق الحياة العادلة الحرة في المجتمع السوري. وضمان ذلك في الدستور.
واشترطت في خارطة الطريق لحل الازمة السورية مشاركة المرأة في كامل العملية السياسية كشرط أساسي لإنجاح العملية التفاوضية وضمان حقوقها دستورياً.
وبناءً عليه كان مكتب المرأة من المكاتب الأساسية ضمن الهيكلية التنظيمية لمجلس سوريا الديمقراطية، لرفع السوية السياسية للمرأة، وتمكينها من خلال التدريب والتنظيم، وبناءً على ذلك تم تشكيل مكاتب ولجان المرأة التابعة لمسد في العديد من المناطق وفق ما يتطلب العمل، ونتلمس ان العنصر النسائي ضمن العمل الإداري والممثليات في الخارج طاغياً ضمن مكاتب وممثليات مجلس سوريا الديمقراطية وحددت مهام مكتب المرأة ضمن مسد بالتالي:
أ – توعية المرأة لتكون قادرة على القيام بدورها الريادي في المجتمع.
ب – تمكين المرأة في مراكز القرار وتفعيل دورها في كافة النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ج – العمل على انضمام المرأة من كافة مكونات المجتمع السوري إلى المجلس.
د – التواصل مع كافة المنظمات النسائية في الداخل والخارج.
ه – النضال من أجل إنهاء العنف الممارس بحق المرأة بجميع انواعه.
من خلال نشاطات وفعاليات مكتب المرأة ازدادت وتيرة انتساب المرأة إلى الأحزاب السياسية الناشطة في المنطقة، ونتيجة سياسة مسد عموماً ومكتب المرأة خصوصاً تجاه المرأة عملت اغلب الأحزاب المنضوية تحت مظلة مسد على انشاء مكتب نسائي ضمن لائحتها التنظيمية لتكون معنية بشؤون المرأة ضمن الحزب، ولم يتوقف عند هذا الحد حتى ان بعض الأحزاب تبنت مبدأ الرئاسة المشتركة للحزب كخطوة هامة لمشاركة المرأة في العملية السياسية.
وفي سبيل تمكين النساء أكثر سياسياً ودبلوماسياً عمل مكتب المرأة على عقد اجتماعات دورية للنساء المنتسبات للأحزاب السياسية، بغرض إيجاد ألية عمل مشتركة بين النساء السياسيات ويكون لها صوتها الموحد تجاه قضايا المرأة وخصوصاً في مراكز القرار.
وكذلك يعمل مكتب المرأة على عقد الندوات واللقاءات وورشات عمل وندوات بما يخص تطوير وتمكين المرأة في كافة المجالات، مع إيلاء الأهمية للجانب السياسي ونشر ثقافة المساواة بين الجنسين وتجاوز ثقافة الأدوار النمطية السائدة في المجتمع.
كما يسعى من خلال هذه النشاطات عقد علاقات مع النساء السوريات كافة على الجغرافية السورية ومشاركتها في الحل السلمي للازمة السورية، وفق رؤية نسوية. فكانت عامل جذب للنساء من الداخل السوري، وغيرها للتعرف على مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وكيفية ادارتها للمنطقة من خلال مشاركة كافة المكونات في الإدارة مع الحفاظ على الكينونة الثقافية والاثنية لكل مكون.
كما ان للنساء في مجلس سوريا الديمقراطية دور بارز في عقد مؤتمر القوى والشخصيات المعارضة الديمقراطية السورية، من خلال الانضمام إلى الندوات التشاورية التي عقدت سواءً في الداخل السوري أو في الخارج. كما ساهمت من خلال المشاركة في الندوات التي عقدت في عدة مناطق في سوريا على مستوى النسائي للتعريف بالنظام اللامركزي الذي تبنته مجلس سوريا الديمقراطية لسوريا المستقبل، وكذلك تحديد الهوية الوطنية السورية الجامعة.
ان مجلس سوريا الديمقراطية ومن خلال تجربة الإدارة الذاتية والمدنية يعي تماماً إن ما آل إليه الوضع في سوريا من انسداد طريق الحل وتفاقم الازمة أكثر، كان نتيجة ابعاد المرأة عن الانخراط في العمل السياسي أو جعل وجودها شكلياً في المفاوضات التي يجريها المجتمع الدولي لحل الازمة السورية دون الوجود الفعلي والحقيقي للمرأة ضمن هيئة التفاوض السورية وضمن اللجنة الدستورية لصياغة الدستور الدائم لسوريا. لذلك لابد من تفعيل دور المرأة في هذه المراكز وتمكينها للقيام بدورها الفاعل فلا حل سلمي دون وجود الفعلي والحقيقي للمرأة.
الخاتمة
ان ما حققته المرأة على الصعيد السياسي والدبلوماسي لم يكن بالأمر الهين والسهل، وانما نتيجة إصرارها على خوض هذه الساحة، والوقوف في وجه الذهنية الذكورية التي حاولت ان تثبط من عزيمة المرأة بأن هذه الساحة ليست لها، فكانت أول من تمثل مجتمعها في الكونغرس الأميركي، وأول من اوصلت صوت شعبها المطالب بالحقوق المشروعة إلى قصر اليزيه.
لا شك ان العمل على تمكين المرأة سياسياً وتوعيتها بحقوقها ضمن مجتمع مكبل بالعادات والتقاليد الموروثة وفق الذهنية الذكورية، وسعيها إلى تحقيق ذلك طريق طويل وشائك، ولكن بعزيمة المرأة الحرة وارادتها ستحقق المرأة السورية أهدافها في بناء سوريا ديمقراطية وفق الهوية الوطنية الجامعة لكل السوريين.
الحرب ما زالت مستمرة، والمتضرر الأكبر في هذه الحرب هي المرأة، الا انها لم تستسلم وانما قاومت وناضلت وبنت تنظيمها، لذا وجودها في مراكز صنع القرار ضرورة لابد منها لإيجاد الحل السلمي الشامل للقضايا العالقة في المنطقة، وإلا فإن العملية السلمية ستبقى مبتورة، ولن نصل إلى الحل المبتغى.