الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ
الإطار النظري:
الموضوعُ الآخرُ الذي ينبغي تناوُله في السياقِ النظريّ، هو العلاقةُ بين “التاريخانية” و”الحاضرية” أي اليوم. حيث أنّ الدوغمائيةَ الشيئيةَ التي تأخذُ إلهامَها من الوضعية Pozitivizm، تُظهِرُ تأثيرَها بالأغلب بناءً على المعنى الكائنِ بين التاريخِ والحاضر. فإما أنها تَقبَل بِكَونِ الحاضرِ تراكُماً كَمّيّاً حَتمياً صارماً للتاريخ، أو أنها تَعتَبِرُ التاريخَ تراكُماً كَمّيّاً للحاضرِ ممتداً نحو الوراء. إنها في حقيقةِ الأمرِ لا ترى الفارقَ بين الحاضرِ والتاريخ. وبالتالي، فالتاريخُ مرفوضٌ إذاً. لكنّ القولَ “كيفما يَكُن الحاضر، فالتاريخُ هو كذلك”، يُشَكِّلُ كومةً من الأخطاءِ والنواقصِ المُرَوِّعة. علماً أنّ الإنشاءَ الوضعيَّ للحاضرِ مبنيٌّ على إنكارِ تسعين بالمائة من الحقيقة. وانعكاسُه على التاريخ، إما أنْ يَؤُولَ إلى إنكارٍ فظيع، أو بالعكس إلى مبالغةٍ مُفرطة.
الصحيحُ هو التبيانُ، بَعدَ بحثٍ ونبشٍ دقيقَين، والإشادةُ بكيفيةِ اشتراطِ التاريخِ للحاضر. إذ ما مِن قضيةٍ اجتماعيةٍ يمكنُ تعاطيها أو تحليلها بمنوالٍ منقطعٍ أو معاكسٍ لتاريخها. ومحالٌ الحديثُ عن حاضرٍ لا يَعكسُ تاريخَه. وبقدرِ ما يَكُونُ البحثُ عن الحاضرِ في التاريخِ أسلوباً صحيحاً، فالبحثُ عن التاريخِ أيضاً في الحاضر، يُعتَبَرُ أسلوباً بَحثياً سليماً بالمِثل. ولكن، من غيرِ الممكن استخلاص معادلة “التاريخ = الحاضر” من ذلك. الاشتراطُ الكائنُ بينهما أمرٌ أكيد. لكنّ الخطرَ يكمنُ في مُطابقتِهما ببعضهما، دون قياسِ ذاك الاشتراطِ بمنوالٍ سليم. وحينها، تتمُّ طأطأةُ الرأسِ للقَدَر، فلا تبقى ضرورةٌ لفهمِ قضيةٍ ما، ولا تتولدُ فرصةٌ لحلِّها. بقدرِ ما يُعَدُّ مهماً وضرورياً النظرُ إلى الحاضرِ على أنه فرصةُ حريةٍ وحلّ، ورؤيةُ الاشتراطِ الوثيقِ بينه وبين الماضي، بشرطِ البحثِ عن ظروفِه وشروطِه ضمن الحقائقِ التاريخية؛ فإنّ رؤيةَ الفَرقِ بينهما أيضاً أمرٌ صحيحٌ ومساهِمٌ في الحلِّ بالقَدْرِ نفسِه.
يجب البحث في الأفكارِ والممارساتِ المتمحورةِ حول الدينِ والأخلاق، كآخِرِ مساهمةٍ بخصوصِ الإطارِ النظريّ. فتحليلُ الدمقرطةِ ضمن إطارٍ نظريٍّ سياسيٍّ فحسب، ليس بأمرٍ عادلٍ ولا وجدانيّ. ذلك أنّ المجتمعَ ليس واقعاً سياسياً فقط، بل وواقعٌ أخلاقيٌّ ودينيّ. والدينُ والأخلاقُ يُعتَبَران معاً المؤسستان اللتان رَكَّزَتا بالأكثر وطيلةَ آلافِ السنين على قضايا المجتمعات التي تنتميان إليها، وصاغتا الحلولَ بشأنها. وغضُّ النظرِ عن هاتَين المؤسستَين التاريخيّتَين اللتَين لا غنى عنهما، والقيامُ بالتحليلِ وإنتاجِ الحلولِ بالاقتصارِ على الحقائقِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ فحسب، سوف يبقى ناقصاً دون بد. وبالتالي، سيَكُونُ منفتحاً أمام الأخطاء، وسيُمَهِّدُ السبيلَ أمام زيادةِ وطأةِ القضايا من جوانب عديدة، في الحين الذي يسعى فيه إلى حلِّها.
إحدى التأثيراتِ التدميريةِ للوضعيةِ بحقِّ المجتمع، هي تَقليلُها من دورِ الحقائقِ الدينيةِ والأخلاقيةِ في حلّ القضايا إلى أدنى مستوى. فالأحكامُ الدينيةُ والأخلاقيةُ مُصطَفاةٌ من الخبراتِ الاجتماعيةِ المُعَمِّرةِ آلافَ السنين في ثقافاتِ الشرقِ والشرقِ الأوسطِ على وجهِ الخصوص، وثمرةٌ لحلِّ وتحليلِ القضايا وفقَ معاييرِ العدلِ والضمير. واللجوءُ إليها شرطٌ لا مفرّ منه. أما الاستشراقية، فقد ضاعَفت من القمعِ الاستبداديِّ المُسلَّطِ على المجتمع، وزادت من وطأةِ قضايا الديمقراطية، من خلالِ تَهميشِها وتَهشيشِها لسُبُلِ الحلِّ التقليديةِ تلك. إذ يستحيلُ الاستمرارُ بالحياةِ الاجتماعيةِ من دونِ عدلٍ وضمير. وبالمواقفِ الحتميةِ والاقتصاديةِ والسلطويةِ المتصلبةِ المختَزَلةِ إلى نطاقِ حساباتِ رأسِ المالِ الجليديةِ الباردة، سوف يُفتَحُ الطريقُ في أفضلِ الاحتمالاتِ أمام وضعٍ من الفوضى العمياءِ التي لا ضابطَ لها، وغالباً ما يَكُونُ الواقعُ المُعاشُ بهذا المنوال.
إنّ العودةَ إلى العدالةِ والضميرِ لدى صياغةِ الحلِّ الديمقراطيِّ للقضايا الاجتماعيةِ البالغةِ أبعاداً هائلة، يُعَدُّ بمثابةِ قيمةٍ لا مَهربَ منها. وعلى سبيلِ المثال، لا تَكفي القوى الاقتصادية، ولا السياسيةُ والعسكريةُ في سبيلِ تَخَطّي المآسي التي عاناها الشعبان الأرمنيُّ والآشوريّ. ومن أجلِ مساعدتِهما في تَجاوُزِ المآسي التي مرَّا بهما حصيلةَ الوقوعِ في فخِّ الحداثةِ الرأسماليةِ التي لَم يتمّ عيشُها في ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ طيلةَ تاريخِه المديد؛ فهذا غيرُ ممكنٍ إلا باللجوءِ مُجدَّداً إلى الأحكامِ الوجدانيةِ والعادلةِ الكامنةِ في الدينِ والأخلاق، والتي ظلت متواجدةً في ثقافاتِ المنطقةِ في كلِّ الأوقات.