خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:

يجب تبيان بعض الأمورِ بالخطوطِ العريضة، لدى تحليلِ اليعاقبة. أولاً؛ هي ليست حركةَ أقليةٍ، بل حركةٌ جماهيرية. ثانياً؛ هي أساساً حركةٌ سلطويةٌ راديكاليةٌ للطبقةِ الوسطى، على الرغمِ من إطلاقِها المستمرِّ لشعاراتِ المساواةِ والحرية. كما ويُمكنُ تسميتها أيضاً بالمرحلةِ الديكتاتورية. ثالثاً؛ تبدأُ حركةُ اليعاقبةِ بالسقوطِ والتهاوي عند فقدانِ وسطِها الماديّ، وذلك بعد زوالِ كلِّ التهديداتِ الداخليةِ والخارجيةِ المُسَلَّطةِ على المجتمعِ والوطنِ أجمع. وتتركُ مكانَها عموماً للقوى التي على يمينِها، ونادراً ما تتركُه للقوى التي على يسارِها، مثلما لوحِظَ في كومونةِ باريس 1870 وما قبلها، وكذلك في بعضِ الحركاتِ القصيرةِ الأجلِ البارزةِ ضمن ثوراتِ بعضِ البلدانِ عام 1848. الأمرُ الآخرُ الهامُّ الذي يتوجبُ تبيانه فيما يتعلقُ باليعقوبية، هو إعلانُها نفسَها الأمةَ الجديدةَ بأكملِها وكذلك الدولةَ القوميةَ (في حالِ استلامِها السلطة) الجديدة، اعتباراً من لحظةِ انتفاضِها. وهذه الأمةُ والدولتيةُ القوميةُ هي أساساً الشكلُ والاسمُ الجديدَين للمُقَدَّسِ الجديدِ الذي اتخذَ مكانَه عوضاً عن صياغةِ المجتمعِ التقليديِّ المتجسدةِ في نِزعتَي الكونيةِ والقومية. أي أنّ الأمةَ والدولةَ القوميةَ الجديدتان المُعلَنتان هما الدينُ الجديد. وإدراكُهما أيضاً يتحققُ بوصفِهما ديناً جديداً احتلَّ مكانَ الدينِ القديم. والإعلانُ الشكليُّ عنه كمُقَدَّسٍ جديدٍ للمجتمع، شرطٌ ضروريٌّ للتربعِ على السلطة. وفي حالِ العكس، سوف يُطاحُ به من قِبَلِ القومِ القديم. وكونُ ولادةُ الدولتيةِ القوميةِ الفرنسيةِ صارمةً جداً، إنما هو مرتبطٌ عن كثب بالإفراطِ في إضفاءِ صفةِ الإرهابِ على ظروفِ الثورة. وتصييرُ الثورةِ إرهاباً هو خاصيةٌ من خصائصِ النزعةِ الراديكاليةِ للطبقةِ الوسطى. فأحياناً ترى الحاجةَ إلى أنْ تَكُونَ قاسيةً ومُجحفةً للغاية في سبيلِ الوصولِ إلى السلطة. ولهذا السببِ عينِه أيضاً، تنزلقُ بسرعة نحو النزعةِ السلبية، بمجردِ زوالِ فرصةِ بلوغِ السلطة. وعندما يضعفُ الأملُ وتَقلُّ شروطُ بلوغِ السلطة، فإنّ الفئةَ التي يَخبوُ نجمُها بسرعة قصوى وينطفئ، والتي غالباً ما تستسلمُ للقوى التي على يمينِها؛ إنما تخرجُ من بين صفوفِ اليعاقبةِ أيضاً. بينما قسمٌ قليلٌ منهم يزدادُ راديكاليةً فينخرطُ بين صفوفِ الشيوعيين، أو يتحولُ بالذات إلى حركةٍ شيوعية. بالمقدورِ ملاحظة هذه الدوامةِ في كافةِ المراحلِ الثوريةِ في أوروبا، ومن ثم في العالَم أجمع. الأمرُ الآخَرُ الهامُّ جداً، والذي يقتضي تسليطَ الضوءِ عليه في الواقعِ العينيِّ لأوروبا، هو علاقةُ الفاشيةِ والبلشفيةِ مع اليعقوبية.

لم تنتَهِ حركةُ اليعاقبةِ في 1794 بالتأكيد، بل استمرت بوجودِها، وتركَت بصماتِها بمختلفِ الأشكالِ على كافةِ السياقاتِ الثوريةِ اللاحقةِ لها. هذا وتؤدي أيضاً دورَ الأبِ لتيارَين طبقيَّين سلطويَّين وقومويَّين متطرفَين. فبقدرِ ما تَمتَلِكُ القومويةُ الألمانيةُ والنازيةُ التي هي أكثرُ أشكالِها تطرفاً جذوراً يعقوبية، فإنّ القومويةَ الروسيةَ والبلشفيةَ أيضاً ذاتُ جذورٍ يعقوبيةٍ بالمِثل. كما تَرتَكِزُ جذورُ الفاشيةِ الإيطاليةِ أيضاً إلى اليعقوبيةِ بمنوالٍ أكثر علانيةً بكثير. أي أنّ النازيةَ والفاشيةَ (ويمكن إضافة كافةِ أنواعِ الفاشيات إليهما) تُعَبِّران عن أكثرِ أشكالِ سلطةِ البورجوازيةِ الاحتكاريةِ اليعقوبيةِ إرهاباً، بينما تُعَبِّرُ البلشفيةُ أيضاً  عن إرهابِ الشرائحِ المتحولةِ إلى سلطةٍ باسمِ الطبقاتِ السفلى (ويمكن قول ذلك من أجلِ كلِّ شبيهاتِها أيضاً). ففي كِلتَيهما شُيِّدَت الأمةُ والدولتيةُ القوميةُ وعُبِّرَ عنهما بأكثر الأشكالِ تطرفاً، ولكنْ، باسمِ طبقاتٍ مختلفة. إلا أنه لا يمكن إنكار وجودِ الأصولِ اليعقوبيةِ فيهما بتاتاً. الخاصيةُ الأهمُّ التي ينبغي تنويرها هنا، هي مشكلةُ مدى تَبَنّي البلاشفةِ للشيوعيةِ فعلاً. إني شخصياً على قناعةٍ بأنّ البلاشفةَ، ورغمَ كلِّ مُثُلِهم وأهدافِهم، ذوو أصولٍ يعقوبية، وأنهم عجزوا عن تَبَنّي الشيوعيةِ بنحوٍ تامٍّ، وأنهم لم يتمكنوا من المرورِ بالتَحَوُّلِ الشيوعيّ. فكَونُهم مؤمنون بالسلطويةِ والقومويةِ الطبقية، قد أَفسَحَ الطريقَ أمامَ تَصَوُّرِ ذاتِهم دولةً قومية. أما الدولةُ القومية، فهي نظامُ الدولةِ الأساسيُّ في الرأسماليةِ التي ناهضوها. وعندما أدت ريادتُهم للصناعويةِ إلى بروزِهم للوسطِ كحداثويين راديكاليين بنحوٍ لا مفرَّ منه، لَم يتبقَّ من الثورةِ حينها أيُّ شيء. والتجاربُ التي شهدَتها الاشتراكيةُ المشيدةُ وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي والصين، إنما تؤيدُ صحةَ هذه الحقيقة.

علاقةُ اليعقوبيةِ مع الليبراليةِ أكثرُ وضوحاً بكثير. حيث تلعبُ اليعقوبيةُ دورَها كتيارِ الليبراليةِ الثوريِّ الإرهابيّ. أي أنها جناحُ الليبراليةِ الراديكاليّ. ينبغي تَصَوُّر الليبراليةِ كالأخطبوط، حيث تتحركُ بأَذرُعٍ كثيرة، وليس بذراعٍ واحدٍ فقط. الحركتان اللتان لم تَستَوعِبْهُما الليبراليةُ في نطاقِها، هما حركةُ الفِكرِ الكاثوليكيِّ العالَميّ، والحركةُ الكوموناليةُ الديمقراطية.

فالفكرُ الليبراليُّ، الذي يَستخدِمُ شكلاً ذاتانياً مثالياً وموضوعانياً مادياً مختلفاً من الأيديولوجيةِ الوضعية، يُشَكِّلُ هيمنةً أيديولوجيةً هي الأصعبُ من حيث التحليل. فصَهرُه للتياراتِ التي تتبدى وكأنها الأكثر شذوذاً، بدءاً من التياراتِ الأكثر راديكاليةً كالفوضويين، وصولاً إلى الحركاتِ الفامينيةِ والأيكولوجيةِ الأكثر عصريةً؛ وصَهرُه لأنماطِ حياتِها ضمن بوتقةِ حداثتِه؛ إنما هو برهانٌ قاطعٌ على أنّ أحد منابعِ القوةِ الحقيقيةِ للرأسمالية، هو الهيمنةُ الأيديولوجيةُ اللِّيبرالية.

هكذا فإنّ ضرورةَ تحليلِ ولادةِ تركيا العصريةِ ارتباطاً مع حقيقتَي العالَميةِ واليعقوبيةِ في الرأسمالية، تكتسبُ وضوحاً أسطع. فالإمبراطوريةُ العثمانيةُ المناهِضةُ للرأسماليةِ المنتقِلةِ إلى المرحلةِ الاحتكاريةِ الإمبرياليةِ في 1870، قد وَلَجَت مرحلةَ التشرذُمِ والتبعثُرِ الملحوظِ مع مؤتمرِ برلين[1] في 1878. فالتياراتُ الدولتيةُ القوميةُ كانت تَدكُّ دعائِمَ مؤسساتِ الإمبراطوريةِ التقليديةِ القديمةِ من الداخلِ والخارجِ على السواء. والإجراءاتُ الإصلاحيةُ المُتَّخَذةُ كانت عاجزةً عن إبداءِ تأثيرِها، حيث أنّ الهدفَ الأوليَّ كان متلخصاً في إنقاذِ الإمبراطورية. فالتيارُ المُسَمّى بـ”حركةِ تركيا الفتاة[2]“، كان عبارة عن جناحِ التيارِ الذي يتزعمُه ماتزيني[3] في أوروبا، وشكله المنعكس على الإمبراطورية. حيث كان قد تَشَكَّلَ كجناحٍ قومويٍّ لليعاقبة.

الجوانبُ الخاصةُ في تيارِ “الاتحادِ والترقي”، ملفتةٌ للأنظارِ من بينِ تلك التياراتِ، التي بالإمكان تقييمها كقومويةٍ عثمانية. خاصيتُه الأولى هي كونُه تياراً أو حركةً مُنَظَّمةً داخلَ الدولة، وليس داخل المجتمع. خاصيتُه الثانيةُ الهامةُ هي تنظيمُه منذ البدايةِ على شكلِ قومويةِ الدولة. وخاصيتُه الثالثةُ هي مرورُه بتحولاتِ النظامِ بِيَدِ الدولة، على صعيدِ الرأسماليةِ والبورجوازية. هذه المزايا الثلاث تَكشفُ الطابعَ الفاشيَّ اليمينيَّ ليعقوبيةِ “الاتحادِ والترقي”. فمقابل كونِ حتى النازيةِ الألمانيةِ والفاشيةِ الإيطاليةِ قد ابتدأَت كلٌّ منهما كحركةٍ جماهيريةٍ ثم نَظَّمَت نفسَها كدولة، فإنّ تَشَكُّلَ “الاتحادِ والترقي” بكلِّ ما فيه داخلَ الدولة، يَعكِسُ الطابعَ الأكثرَ تخلفاً ورجعيةً لقومويةِ اليعاقبة، أو يَعكِسُ في حقيقةِ الأمرِ الطابعَ الفاشيَّ الذي خرجَ من كونِه يعقوبياً. وتنظيمُه لذاتِه كدولةٍ موازيةٍ داخلَ الدولة، إنما يشيرُ إلى كونِه تنظيماً نادراً من نوعِه. وهو، قياساً بالدولةِ التقليدية، يَرمزُ إلى الولادةِ كدولةٍ فاشية، لا كدولةٍ تقدمية. وهو بحالِه هذه بدايةٌ بِحَدِّ ذاتِها، وظاهرةٌ نموذجية. وليس هباءً أنْ يَتَّخِذَه هتلر فيما بعد نموذجاً له. ذلك أنه أولُ نموذجٍ لِكَينونةِ الدولةِ داخلَ الدولة.

والأكثر إثارةً وغرابةً إنشاؤُه النزعةَ القوميةَ داخلَ الدولةِ وبِيَدِ الدولة. أما انعكافُ المؤَسِّسين الأربعةِ الأوائلِ للتنظيمِ على إنشاءِ أمةٍ تركيةٍ بِدئية، بالرغمِ من أصولِهم غيرِ التركية، فهو بمثابةِ المُبَشِّرِ سلفاً بقضيةِ الديمقراطيةِ التي ستزدادُ وطأةً. فالدولةُ والأمةُ المُوازيتان اللتان شادوهما، كانتا مُخالِفتَين منذ البدايةِ للدولةِ التقليديةِ وللحقائقِ السوسيولوجيّةِ على حدٍّ سواء. إنهما مَحضُ تَصَوُّرٍ افتراضيّ. وهكذا تَنبَسِطُ للعَيانِ بجلاءٍ بارزٍ ميزةٌ أخرى من مزايا الطابعِ الفاشيّ. أما توجُّهُ الجمعيةِنحو الطُّغمةِ العسكريةِ في مطلعِ القرنِ العشرين، فكان يعني ضرباً من ضروبِ الحربِ الداخلية. من هنا، بالمستطاعِ ابتداء نشوبِ الحربِ الداخليةِ ضمن الدولةِ مع الطغمةِ المسلَّحة في 1906. وعيشُ الحربِ الداخليةِ داخلَ الدولةِ أيضاً مثالٌ غريبٌ ويَندرُ وجودُ نظيرٍ له. هذه الخطوةُ التي ستُتَّخَذُ نموذجاً للانقلابِ لاحقاً، سوف تَجعلُ حتى الديمقراطياتِ التي من الطرازِ الغربيِّ أمراً مستحيلاً.

يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….

 

[1] مؤتمر برلين: كان ملتقى القوى الأوروبية الكبرى والإمبراطورية العثمانية في برلين عام 1878. وبعد صحوة الحرب الروسية العثمانية، كان هدفه الرئيسي إعلان استقلال دول البلقان. أجرى بسمارك، مضيف المؤتمر، محاولة لموازنة أطماع الإمبراطورية الروسية والمملكة المتحدة والإمبراطورية النمساوية المجرية المتجاذبة. ورغم الاختلاف المجري الروسي، خرج بطرح إشكالية الجنسية في البلقان. وهدفَ إلى إبقاء السيطرة العثمانية على إسطنبول،وأنسى انتصار روسيا على الإمبراطورية العثمانية المتداعية،وأعاد إلى الأخيرةِ الأراضي المعطاة لمملكة بلغاريا، واعترف رسمياً باستقلال الجبل الأسود وصربيا ورومانيا (المترجِمة).

[2] حركة تركيا الفتاة أو جون تورك: اتحاد لمجموعات عديدة مؤيدة لإصلاح الإدارة في الإمبراطورية العثمانية. أدت الحركة إلى الحقبة الدستورية الثانية بواسطة ثورة تركيا الفتاة. بدأت الحركة في 1889 بين الطلاب العسكريين، وامتدت لتشمل قطاعات أخرى. كانت بدايتها كممانعة للسلطة المطلقة للسلطان عبد الحميد الثاني. وعند تأسيس جمعية الاتحاد والترقي، ضمت الجمعية معظم أعضاء هذه الحركة التي بنت واقعاً جديداً للانشقاقات التي صاغت الحياة الثقافية والسياسية والفنية للإمبراطورية العثمانية قبل إلغائها (المترجِمة).

[3] جوزيبي ماتزيني (Giuseppe Mazzini): سياسي إيطالي أسهم في قيام دولة إيطاليا واستقلالها،وفي نمو الحركة الأوروبية (1805 – 1872). أسس جمعية “إيطاليا الفتاة” السرية،وكان شعارها “الرب والشعب”، وهدفها توحيد الولايات والدويلات في دولة واحدة. باء عدد من محاولاته في إطلاق الثورة الشعبية بالفشل، وحُكم عليه بالإعدام.ألقي القبض عليه في 1834، ونفي إلى لندن، حيث بدأ بإعادة حركة إيطاليا الفتاة، وبإصدار كتابات سياسية بعنوان “حواري الشعب”. ثم بدأت الحرب الأولى لاستقلال إيطاليا، فإعلان الجمهورية في روما، فعادإليها ماتزيني، وعُينكأحد الأعضاء الثلاثة لإدارة الجمهورية الجديدة. لكن الجمهورية لم تدم طويلاً، فبعد أشهر استدعى البابا القوات الفرنسية التي لم تقدر قوة حربية على مواجهتها (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.