قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا
ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:
يجب أولاً افتراض كونِ اليعقوبيةِ اكتَسَبَت مَظهَراً يُفيدُ بأنها عالَمٌ حداثويّ. فقد أدت دوراً مِحوَرياً في تجاوُزِ التقاليدِ الثيوقراطيةِ التي تَركَت بصماتِها على المدنيةِ المركزيةِ المُعَمِّرةِ خمسَ آلافِ سنة. وهي من الجهةِ الطبقيةِ تُمَثِّلُ الطبقةَ الوسطى، أي البورجوازيةَ المتطلعةَ إلى السلطة. إنها الشريحةُ الأكثر راديكاليةً من الثوارِ البورجوازيين. وهي تُعَبِّرُ عن النزعةِ الراديكالية، سواءً أيديولوجياً أم ممارسةً. وأفضلُ ظروفِ نيلِ السلطةِ بالنسبةِ إليها، هي أجواءُ الاحتلالِ التي أَسفَرَت عنها قوةٌ تُعَدُّ محتلة. ذلك أنّ فرصةَ البورجوازيةِ اليعقوبيةِ في إشغالِ السلطةِ تَقِلُّ لدرجةِ العدم، من دونِ أجواءِ الاحتلالِ العَلَنِيّ. ولا ترى اليعقوبيةُ النور، إلا عندما ينظرُ المجتمعُ برمته إلى الاحتلالِ المكشوفِ على أنه كارثة. حينها يَكُونُ الوسطُ ملائماً إلى أبعدِ حدٍّ، كي تَخرجَ إلى مسرحِ التاريخِ بوصفِها سلطة. ذلك أنّ المجتمعَ آنذاك يبحثُ عن مُنقِذ. فالمونارشياتُ الثيوقراطيةُ صاحبةُ السلطةِ التقليدية، دعكَ من سدِّ الطريقِ أمامَ الاحتلال، بل تَكُونُ حينئذٍ قد تَبَنَّت دورَ الحليفِ المتواطئِ منذ زمنٍ بعيد، لأنها لا تستطيعُ صونَ مصالحِها، إلا بتواطؤٍ وثيقٍ مع القوى المحتلة. بالتالي، فهي تَفقدُ شرعيتَها بين صفوفِ المجتمعِ بنحوٍ جادّ. وفي هذه الحال، فالفئةُ المناسبةُ تماماً أيديولوجياً وتنظيمياً، هي الشرائحُ الوسطى الباقيةُ خارج نطاقِ الشريحةِ العليا العَميلة. أما القوةُ التي تُدَرِّبُ وتُنَظِّمُ نفسَها بأفضلِ الأشكال من بين تلك الشرائح، فهي البورجوازيةُ اليعقوبية. بالإمكان ملاحظة النموذج المُصَغَّرِ من اليعاقبةِ في الثورتَين الهولنديةِ والبريطانية. وعلى سبيلِ المثال؛ كرومويل[1] هو زعيمُ ثورةِ اليعاقبةِ الكبرى في بريطانيا، والتي أطاحَت برأسِ مَلِكِها في أربعينيات القرن السابع عشر، أي قبل الثورةِ الفرنسيةِ بكثير. وفي الحقيقة، إنّ أكبرَ ثورةٍ لليعاقبة هي هذه الثورةُ المُنجَزَةُ في بريطانيا، وليس تلك المتحققةُ في فرنسا عامَ 1792. وفرنسا هي النسخةُ الثانيةُ أو الثالثةُ المُعَدَّلةُ من هذا النموذج.
بالمستطاعِ تقييم هولندا كوطنِ الثورةِ الأصليّةِ الذي تَخَمَّرَت فيه اليعقوبية، ولو بمنوالٍ مختلف. اليعقوبيةُ لا تظهرُ فقط في الأوضاعِ التي تَعجَزُ فيها الطبقةُ العُليا التقليديةُ عن إدارةِ دفةِ الحُكم، بل وهي حركةٌ سلطويةٌ في الحالاتِ التي تَفتقرُ فيها الشرائحُ المقهورةُ القابعةُ في الحضيضِ أيضاً إلى التعبئةِ الأيديولوجيةِ والتنظيميةِ الكافيةِ بِما يُخَوِّلُها للحُكم. ولدى تَكَوُّنِ ظروفٍ شبيهةٍ بذلك في تلك البُلدانِ الثلاثة، وَثَبَت اليعقوبيةُ إلى الأمامِ بأكثرِ الشعاراتِ حِدَّةً، مناديةً بالاستقلالِ والحريةِ والمساواة، ومُحَفِّزةً سَوادَ المجتمعِ على التمردِ تحت زعامتِها. واللحظةُ الحرجةُ هي هذه اللحظةُ التي تنتفضُ فيها الغالبيةُ الساحقةُ من المجتمعِ في سبيلِ السلطة. كما أنّ هذه اللحظاتِ هي اللحظاتُ التي تجري فيها التغيُّراتُ العظمى مترسخةً في الرَّحمِ الأُمّ. ويَتَضَعضَعُ كلُّ شيءٍ مُهتَزّاً حتى النخاع. ذلك أنّ هذه الاهتزازاتُ ضروريةٌ من أجلِ ولادةِ الجديد. هذه اللحظةُ الأكثر حرجاً بالنسبةِ لفرنسا، تبدأُ في نيسانِ 1792. فالمَلِكُ المتواطئ، لا يَسعى فقط إلى التحالفِ مع الأرستقراطياتِ الأوروبيةِ جمعاءَ لإنجازِ الثورةِ المضادةِ مقابلَ الثورةِ المندلعةِ في 1789، بل وهو في حالةِ فِرارٍ في الوقتِ عينِه. فالجيرونديون[2]، الذين يُشَكِّلون الفئةَ المعتدلةَ من الطبقةِ الوسطى، يتجنبون خطوَ خطواتٍ راديكالية. والشيوعيون البابوفيون[3] القابعون في القاع، واهِنو القوى للغاية. بالتالي، فالجوُّ مناسبٌ إلى آخِرِ درجةٍ من أجلِ اليعاقبة. هكذا بدأت إحدى أفظعِ مراحلِ الإرهابِ المعروفةِ في التاريخِ تَدخلُ الأجندةَ تحت ظلِّ هذه الظروف. وتنتهي هذه الفترةُ بإرسالِ روبسبيير[4]، زعيمِ اليعاقبةِ، إلى المقصلةِ في تموزِ 1794. وفي الوقتِ نفسِه، فالمرحلةُ ما بين 1792 و1794 هي فترةُ الجمهوريةِ الثوريةِ الأولى. أما أعوامُ ما بعد 1794، فتُمَثِّلُ من حيث المضمونِ مرحلةَ النظامِ الجديدِ المأمول، ولو أنها مرت كفتراتٍ مختلفة. ولا يفتأُ سياقُ البحثِ هذا مستمراً في عهدِ الجمهوريةِ الخامسةِ أيضاً، والتي بَلَغَت يومَنا الحاليّ.
يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….
[1] أوليفر كرومويل (Oliver Crommwell): قائد عسكري وسياسي إنكليزي، اعتبره نقاده ديكتاتورياً (1599 – 1658). جعل إنكلترا جمهورية، وقاد كومنولث إنكلترا. هزم الملكيين في الحرب الأهلية الإنكليزية سنة 1645، فوجد الملك تشارلز الأول نفسه معزولاً، فسلم نفسه للاسكتلنديين في العام التالي. استطاع المَلك الفرار سنة 1647، لتندلع الحرب الأهلية ثانية، وكان الملك أقام تحالفاً جديداً مع الاسكتلنديين مقابل بعض الحريات الدينية. إلا أن أوليفر كرومول استطاع حسم الموقف في 1648، بعقد جلسة خاصة للبرلمان، بعد انتقاء أعضائه من أنصار الثوريين، وأصدر حكماً بإعدام الملك، لتضرب عنقه عام 1649 (المترجِمة).
[2]الجيرونديون أو الجيروندانيون (Jirondenler): أعضاء حزب سياسي نشأ أثناء الثورة الفرنسية. جاءت هذه التسمية لأن معظم القادة المنظِّمين له ينتمون لمقاطعة جيروند. يمثل الجيرونديون البورجوازية (الطبقة الوسطى)، ويؤمنون بالمُلكية الخاصة، ويخشون من سيطرة نواب باريس على فرنسا. تسلموا الحكم بناء على دستور الجمهورية عام 1791. ثم أَجبَرت مظاهرة من عامة الناس في باريس المؤتمرَ المحلي على إزاحتهم واعتقالهم، فوقعت الحكومة تحت سيطرة اليعاقبة المضادين الذين يؤمنون بسيطرة باريس (المترجِمة).
[3] الشيوعيون البابوفيون (Babeufçü komünistler): يعود تاريخ الأفكار الاشتراكية والشيوعية في فرنسا إلى شخصيات كان لها حضورها البارز إبان الثورة الفرنسية من أمثال فرانسوا نويل بابوف، وهو كاتب شهير وأحد قواد الثورة الفرنسية، ويُعرف باسم جراشوس (1760 – 1797). وقد أسس تيار البابوفية ونشر جريدة خاصة بغية نشر أفكاره الثورية. وكان أول من اقترح جملة من الأفكار الشيوعية في إطار برنامج سياسي مسطر، وحاول في مطلع سنة 1796 قلب حكومة المديرين التي كانت تحكم فرنسا آنذاك. إلا أنه تم إيقافه، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ فيه الحكم عام 1797 (المترجِمة).
[4] ماكسمليان روبسبيير (Maximilien Robespierre):من أهم الشخصيات في الثورة الفرنسية (1758 – 1794). انتخب عام 1790 رئيساً لحزب اليعاقبة، وازدادت شعبيته كعدو للملكية ونصير للإصلاحات الديمقراطية. وعقب سقوط الملكية انتخب كأول مندوب لباريس للمؤتمر القومي الذي ألح فيه على إعدام الملك لويس السادس عشر وعائلته، وهو ما تحقق بعد سنة. ثم سيطر روبسبيير على الحكومة،وقضى على من اعتبرهم “أعداء الثورة” معظمهم زعماء الثورة، حيثأُعدِم ستة آلاف شخص في ستة أسابيع (عهد الإرهاب). دبرت مؤامرة ضد روبسبيير وأعوانه بزعامة باراس وداتاليان اللذين جهزا قوة عسكرية، واقتحما دار البلدية التي كان بها روبسبيير. ثم قيدوه وأخذوه إلى المقصلة مع مائة من أتباعه وأعدموهم جميعاً (المترجِمة).