خريطة الطريق

0

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:

إنّ استثمارَ الدولةِ الرسميةِ كنواةٍ غيرِ رسمية، يعني أشدَّ أشكالِ الإخلالِ بالدمقرطة. والأنكى أنه يعني إخراجَ الدولةِ من كَينونتِها. فالصفةُ الأبرزُ للدولةِ هي رسميتُها وإدارتُها شؤونَ المجتمعِ بقواعدَ واضحةٍ بارزة. وتقاليدُ السلاطنةِ العثمانيين في إدارةِ شؤونِ الدولةِ كانت بارزةً للغاية، رغمَ كلِّ نواقصِهم وعِلَلِهم. وكان لهم أخلاقُهم وقواعدُهم الشفافة، ولو بطابعٍ دينيّ. أما اللجوءُ إلى تكتيكٍ تآمُريّ، فكان يجري في أوضاعٍ نادرةٍ جداً، وذلك حصيلةَ بعضِ السلوكياتِ والمواقفِ الشخصية. في حين أنّ نمطَ “الاتحادِ والترقي” في إدارةِ الدولةِ والمجتمعِ على السواء، كان تآمُرياً وانقلابياً من البدايةِ إلى النهاية. والخروجُ على كينونةِ الدولةِ يُعَبِّرُ عن هذه الحقيقةِ، التي كانت ساريةً في جدولِ الأعمالِ بكلِّ علانيةٍ في دخولِ معمعانِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ أيضاً. ولدى الإمعانِ بدقةٍ وعُمق، فسيُلاحَظُ أنّ الدولةَ لا تُنقَذُ بالأساليبِ الأكثر انحلالاً واضمحلالاً وفاشيةً لليعقوبية، بل يُسَوّى أمرُها ويُقضى عليها. فتَحَوُّلُ الدولةِ إلى عصابات، إنما يُفيدُ بزوالِها من الوسط. والحقبتان المَلَكِيّتان الدستوريتان الأولى والثانية قد ساهمتَا في تعزيزِ مفهومِ دولةٍ – أو لادولةٍ – عصاباتيةٍ وغيرِ دستورية، ومُناقِضةٍ للأهداف، على الرغمِ من كلِّ النوايا الحسنة. فالعصاباتيةُ البيروقراطيةُ قد أَقحَمَت الدولةَ الجديدةَ في وضعٍ وخيمٍ لا يَقلُّ عما كانت عليه سابقتُها.

إنّ الهزيمةَ النكراءَ التي لَحِقَت بالفاشيةِ الألمانيةِ في 1945، قد تَكَبَّدَتها فاشيةُ “الاتحاد والترقي” في 1918 باسمِ التركياتية. وما كان للأمرِ أنْ يَجريَ بمنوالٍ مختلف. فالدولةُ كانت في حالةِ هزيمةٍ كاسحةٍ قبل ذلك بِأَمَدٍ بعيد، عن طريقِ العصاباتيةِ التي داخلها. وفي 1918، لَم تَعُد الدولةُ فقط وجهاً لوجه أمام الاحتلالِ المكشوفِ في بلادِ الأناضولِ وميزوبوتاميا، بل والمجتمعُ أيضاً كان كذلك. كانت أزمةُ الدولةِ والديمقراطيةُ تَمُرُّ بأكثرِ حالاتِها غوراً. وتجاه هذا الوضع، لَم تَجِدْ أجهزةُ الدولةِ المتبقيةُ والقوى الاجتماعيةُ حلاً أمامَها، سوى الانتقال إلى حالةِ الدفاع عن النَّفْس. ساطعٌ جلياً أنّ رئاسةَ مصطفى كمال إزاء هذه اللوحةِ تُذَكِّرُ بخاصيةِ اليعاقبة. فالاحتلالُ العلنيُّ آتٍ خطوةً وراء خطوة. والنخبةُ الحاكمةُ التقليديةُ شرعَت بالتواطؤِ والتحالفِ مع القوى الغريبةِ منذ زمنٍ طويل. والحركةُ الشيوعيةُ الهامشيةُ والسقيمةُ للغاية، تفتقرُ لمنزلةِ القيادة. ولا يَتَبَقّى من الأمرِ سوى فرصةُ بِدءِ مَن هو أكثرُ راديكاليةً وتنظيماً باسمِ الطبقةِ الوسطى بالحِراكِ باسمِ المجتمعِ بأكملِه. ومصطفى كمال هو القبطانُ المُمَيَّزُ المُهَيَّأُ لهذه الظروف، سواءً على صعيدِ الشخصيةِ بِحُكمِ نمطِ تَرعرُعِه ونشوئِه، أم من حيثُ الوعيِ الذاتيِّ والإرادة. فضلاً عن أنّ ضلوعَه في اللغةِ الفرنسيةِ قد يَسَّرَ له الإدراكَ الحَسَنَ للجمهوريةِ الفرنسيةِ الثالثةِ التي تَبَنَّت مبادئَ اليعاقبةِ وسارت عليها. أي أنه استَوعبَ جمهورياتيةَ اليعاقبةِ جيداً. كما أنّ مكانتَه هامةٌ من حيث مستوى التنظيمِ أيضاً. فبقاؤُه معارِضاً لإدارةِ “الاتحاد والترقي” من جهة، والتحامُه مع إدارتِه هو لدى تَشَرذُمِ وتَشَتُّتِ تلك الإدارةِ من جهةٍ ثانية؛ قد شارَكَ بشكلٍ كبيرٍ في تأمينِ فرصةِ الريادةِ اليعقوبية. وما تَبَقّى، هو الانتقالُ إلى وضعِ القيادةِ الفعلية.

معلومٌ كيف باشَرَ مصطفى كمال بالقيادةِ الفعليةِ في 1919. ويتمَحوَرُ السؤالُ الأساسيُّ الذي ينبغي طرحُه هنا في كيفيةِ تَخَطّيه للقيادةِ العسكريةِ للاحتلالِ الإنكليزيِّ وللسلطانِ وحيد الدين[1]. جوابُ هذا السؤالِ، الذي هو موضوعُ مفارقاتٍ عديدة، يَفقدُ أهميتَه مع عبورِه إلى القيادةِ الفعلية. فالسياقُ المبتدئُ مع إعلانِ “البرلمان التركي” في 1920، كان في حقيقتِه يُعَبِّرُ عن ثورةٍ اجتماعيةٍ تتعدى مناهَضةَ الاحتلالِ وحسب. وماهيةُ المجلسِ وأهدافُه تؤكدُ هذه الحقيقة. النقطةُ الأهمُّ الواجب تبيانها هنا، هي أنّ القوى التي لعبت دوراً رئيسياً في هذه الثورةِ هي القوى الاجتماعية، وليست قوى الدولة المتشتتة. فلولا مساندة ودعم القوى الاجتماعية، لَما كان لأجهزةِ الدولةِ المريضةِ والمهزومةِ هزيمةً شنعاءَ أنْ تُديرَ الحركةَ الثورية. وإصرارُ مصطفى كمال، الذي أَدركَ هذا الوضعَ بأفضلِ الأشكال، على اعتبارِ المجلسِ مصدرَ الشرعيةِ الوحيد؛ إنما هو أمرٌ مفهوم. والمجلسُ مُنتبهٌ لظروفِ الاحتلال، ولو ليس بالعمقِ الكافي. وهو يُمَثِّلُ غالبيةَ قوى المجتمع. كما أنّ الصفةَ الديمقراطيةَ للمجلسِ الأولِ واضحةٌ علناً. وحدودُ الميثاقِ المللي، الذي اتَّخَذَه أساساً بِبُنيتِه الدينيةِ والقوميةِ والطبقية، إنما تُوَضِّحُ مكانتَه ووضعَه. حيث سيناهضُ الاحتلالَ ويتصداه حتى النهاية. هذا والطابعُ الدينيُّ للمجتمعِ متقدمٌ على الطابعِ القوميّ. بالتالي، فالأتراكُ والكردُ المسلمون، يؤلفون القوى الاجتماعيةَ الأساسية. كما أنه لا يُعادي الشيوعية، بل هو على علاقةِ ودٍّ مع الأمميةِ الشيوعيةِ ممثَّلةِ في شخصِ لينين. ويَحملُ طابعَ الطبقةِ الوسطى، حيث تُؤلِّفُ البيروقراطيةُ والنبلاءُ جزءاً هاماً من هذه الطبقة، وترى الحركةَ حلاً للقضيةِ المصيرية. وإذا ما شَخَّصنا الأمرَ أكثر، فالقوى المتحالفةُ في “البرلمان التركي” هي: القومويون الأتراك العلمانيون المنحدرون من الطبقةِ الوسطى والمتحالفون أيديولوجياً، الزعماءُ الأتراكُ والكردُ بوصفِهم قومويون إسلاميون متأتون من النبلاءِ وأشرافِ القبائل، ومن الطبقةِ السفلى الاشتراكيون المتعاطفون مع البلشفية. هذه التياراتُ وهؤلاء النواب باشروا بالحِراك كقوى اجتماعية في ظروفِ الاحتلال، وإنْ ليس بملامحٍ بارزةٍ تماماً.

لقد اعتُرِفَ بقيادةِ مصطفى كمال، حتى ولو أنّها اقتَضَت الانشغالَ بها. وهذ التموضُعُ للقوى الاجتماعية، هو الذي عرقَلَ الاحتلالَ المكشوف. سنواتُ ما بين 1920 و1922 هي فترةٌ ثوريةٌ يطغى عليها طابعُ العنفِ والجانبُ العسكريّ. وقد مرّت بنجاح بوصفِها فترةً يعقوبية. كما أتاحَت المجالَ لفرصةٍ هامةٍ على صعيدِ الدمقرطة، استمرت مع إعلانِ الجمهوريةِ في 1923. لكنّ التراجُعَ الحاصلَ مع دستورِ 1924 إلى مستوى أدنى بكثير عما كان عليه دستورُ 1921، وقمعَ تعَدُّدِ الأطيافِ والأصواتِ في “البرلمان التركيّ” مع انتخاباتِ 1923، وإقصاءَ الكردِ عامَ 1925 بحجةِ التمردِ الكرديّ؛ كلُّ ذلك قَلَبَ تلك الفرصةَ التاريخيةَ رأساً على عَقِب، فسادَ التوجُّهُ نحو تفضيلِ نظامِ الحزبِ الواحدِ المهيمن.

لا يزالُ الجدلُ حول كيفيةِ وأسبابِ ولوجِ هذا السياقِ موضوعاً هاماً قائماً في الأجندة. لكنّ قَتلَ مصطفى صبحي[2]، رئيس الحزب الشيوعيِّ التركيّ TKP ورفاقِه القياديين الأوائل حصيلةَ مؤامرةٍ دُبِّرَت لهم في شهرِ كانون الثاني من عامِ 1921، والنفيَ الذي عاشَته الشخصيتان البارزتان في الحركةِ الإسلامية، سعيد النورسي[3] ومحمد عاكف[4] في عام 1923، والمؤامراتِ والمكائدَ الجاريةَ في التمرداتِ الكرديةِ الناشبةِ عام 1925؛ كلُّ ما تَقَدَّمَ يؤكدُ بعلانيةٍ صارخةٍ من حيث النتيجةِ أنّ التحالفَ الديمقراطيَّ قد فُسِخ، وأنه يُعمَلُ أساساً بالسياقِ المهيمنِ التسلطيّ، أياً كانت الدوافعُ أو القوى المتسترةُ وراء ذلك. أما إلقاءُ مسؤوليةِ هذا السياقِ على كاهلِ مصطفى كمال لدى تقييمِه، فيُمَهِّدُ السبيلَ أمام التغاضي عن الأسبابِ الأولية. فقد لعبَ مصطفى كمال دورَه التاريخيَّ كفايةً في إعاقةِ الاحتلالِ وفي الإعلانِ عن الجمهورية. لكنه عجزَ عن صونِ التحالفِ الديمقراطيِّ للجمهورية، وعن سدِّ الطريقِ أمام فَسخِه وحَلِّه. وقد أَثَّرَت الأسبابُ الداخليةُ والخارجيةُ هنا بِما يَفُوقُ دورَ الأشخاصِ كثيراً. فالمُحَرِّضون على التمردِ الكرديِّ داخلياً، والمتواطئون في السلطنةِ لعبوا دوراً هاماً في إقصاءِ الكرد. علماً أنّ “البرلمان التركي” أَقَرَّ في التصويتِ السريِّ الحاصلِ عامَ 1922 بتأسيسِ مجلسٍ مرتكزٍ إلى شبهِ استقلاليةِ الكرد، وذلك بقَبولِ 373 صوتاً مقابلَ 63 صوتاً. كما أنّ مصطفى كمال بَذاتِ نفسِه كان يتحدثُ في تصريحاتِه التي أدلى بها في مطلعِ عامِ 1924 عن مشاريعِ الحلِّ التي كانت تَعني فيما تعنيه نوعاً من شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ لأجلِ الكرد.

إقصاءُ الكردِ متعلقٌ بالاستفزازاتِ التآمرية، التي أثارَتها بريطانيا مع موالي السلطنةِ في سبيلِ إبقاءِ الموصلِ وكركوك خارجَ الحدود، رغمَ الميثاقِ المللي؛ أكثرَ من كونِه مرتبطاً بقرارٍ مقصودٍ من مصطفى كمال في القيامِ بالتطهيرِ الأثنيّ. هذا ما حصلَ بكلِّ صراحةٍ وشفافية: تمّ الاتفاق على تصفيتهم مقابل الموصل وكركوك، تماماً مثلما حصلَ تجاه الروم والأرمن. ولكن، لماذا رَمَت الجمهوريةُ بالكردِ خارجَ نطاقِ نظامِها، مقابلَ تنازُلاتٍ قَدَّمَتها لإمبراطوريةِ بريطانيا، التي حاربَتها في حربِ الاستقلال؟ إنّ هذا موضوعُ تفضيل، أكثر من كونِه خطأً تاريخياً. حيث يَسُودُ التفكيرُ بعدمِ الحاجةِ بعدَ ذلك إلى التحالفِ مع الكرد. علاوةً على أنّه ثمة مخاوفٌ من دعمِ الإنكليزِ للكرد. هكذا، فالوِفاقُ المتحققُ يُشبه المعاهداتِ المُبرَمةَ مع اليونانيين والروس والفرنسيين. والحالُ هذه، فإحدى أهمِّ الخطواتِ اللاديمقراطية، التي خَطَتها الجمهوريةُ منذ سنواتِ تأسيسِها الأولى، هي تلك المتعلقةُ بالكرد. والنتيجةُ كانت مخاضاتٍ أليمةً وخسائر ماديةً فادحة، تَكَبَّدَتها الجمهوريةُ المُتَقَزِّمةُ باستمرار على المنحى اللاديمقراطيّ حتى يومِنا الحاضر.

ثاني خطوةٍ لاديمقراطيةٍ هامةٍ هي إنهاءُ التحالفِ مع الأمةِ الإسلامية. فما تَحَقَّقَ هو الخَيارُ السلطويُّ للنظامِ القائم، رغمَ الحملاتِ الأيديولوجيةِ والميدانيةِ المتواصلةِ ضد الأمةِ الإسلاميةِ تحت اسمِ العلمانية، ورغمَ عرضِها في هيئةِ التقدميةِ والرجعية. أي أنّ بسطَ الهيمنةِ على مفهومِ الأمةِ الإسلاميةِ وجماهيرِها التي تُشَكِّلُ الوزنَ الاجتماعيَّ الطاغي، هو حملةٌ لاديمقراطيةٌ مقصودةٌ للحداثةِ الرأسماليةِ التي بدأَ الولوجُ فيها. ودورُ القوى الأوروبيةُ المهيمنةُ البارزة، وعلى رأسِها الإمبراطوريةُ البريطانية، مهمٌّ في ذلك أيضاً. فالخَيارُ جرى في الوِجهةِ التي صَادَقَت هي أيضاً عليها. حيث اعتُبِرَ فصلُ جمهوريةِ تركيا الحديثةِ عن الأمةِ الإسلاميةِ داخلياً وخارجياً هدفاً استراتيجياً، وبموجبِ ذلك تم التصرفُ وتفضيلُ هذا الخَيار.

دارت المساعي لإبقاءِ ممثلي العمالِ وشرائحِ الشغيلةِ أيضاً خارجَ النظامِ منذ البدايةِ وإقصائِهم. الأمرُ لا يقتصرُ على مجرزةِ مصطفى صبحي ورفاقِه، بل إنّ الحظرَ الدائمَ عليهم، واعتقالَهم أيضاً كان يتأتى من خَيارِ النظامِ في الإقصاء.

موضوعُ الحديثِ هنا هو هيمنةُ بورجوازيةٍ تطمحُ في تكوينِ ذاتِها تحت كنفِ جناحِ الجمهوريةِ الحامي لها. فباستخدامِها ورقةَ حلفائِها الاستراتيجيين، تَمَكَّنَت من انتزاعِ الإذنِ من الحداثةِ الرأسماليةِ بالحظيِ بالسلطةِ تحت ظلِّ نفوذِها هي. موضوعُ الحديثِ هو دولةٌ جديدةٌ أَبدَت خيارَها علانيةً في صفِّ الرأسمالية، أثناء الشروعِ في الإعلانِ عن الجمهوريةِ في مؤتمرِ إزمير الاقتصاديّ، وبسطَت للعَيانِ تفضيلَها للحداثةِ عن طريقِ الثوراتِ المدنية، وأَعرَبَت عن خيارِها الصريحِ في موالاةِ المدنيةِ الغربية، من خلالِ إقصائِها حلفاءَها خارجَ النظام. الأمرُ الساري هنا هو مصطلحا الفترةِ السائدةِ والفترةِ البنيوية، أكثر من كونِه شخصيةَ مصطفى كمال بالتحديد. ذلك أنّ إحياءَ الجمهوريةِ المُعلَنِ عنها كان يَمُرُّ من تقديمِ عربونِ الصداقةِ للإمبراطوريةِ البريطانية. أي أنّ الصداقةَ الأساسيةَ كانت مع جبهةِ بريطانيا بالضرورة، على الرغمِ من وجودِ معاهدةٍ وديةٍ مع الإدارةِ في موسكو.

هذا هو الواقعُ الذي ترك بصماتِه على السياسةِ الخارجيةِ لدى مصطفى كمال. ولدى وضعِ حقيقةِ مصطفى كمال نُصبَ العين، فسوف لن يستعصيَ علينا فهمُ مُجرياتِ آنذاك. فبصراحة، ما كان ممكناً للجمهوريةِ أنْ تَحيا، إلا بالتساوُمِ مع الإمبراطوريةِ البريطانية. وهذا ما حصل. موضوعُ الحديثِ هنا هو كيانٌ سياسيٌّ منسجمٌ تماماً مع السياسةِ البريطانيةِ في تلك الفترة. حيث سُمِحَ للجمهوريةِ أنْ تصبحَ دولةً قومية. ومقابل ذلك، تمَّ إقصاءُ الكردِ والإسلاميين والاشتراكيين. ولولا هذا الوفاقُ مع السياسةِ البريطانية، لَما كان بالمقدورِ غضُّ النظرِ عن حلفاءِ الجمهوريةِ الأساسيين. هذا وكان الانزلاقُ صوبَ النُّظُمِ التسلطيةِ والفاشيةِ السائدةِ آنذاك عاملاً مؤثراً أيضاً في تفضيلِ خَيارِ الدولةِ القومية. وقد برزَ هذا الخَيارُ بنحوٍ بائنٍ جداً بعد أعوامِ الثلاثينياتِ على وجهِ الخصوص. أي أنّ خَيارَ الجمهوريةِ كان في صفِّ المدنيةِ الغربيةِ علناً ولمدةٍ طويلة. في حين لَم يَدخل خَيارُ موالاةِ السوفييتِ أو العودةِ مجدداً إلى الحضارةِ الإسلاميةِ جدولَ الأعمالِ بتاتاً.

 

يتبع …


[1] السلطان وحيد الدين، أو محمد السادس (Sultan Vahdettin): هو وحيد الدين محمد بن الخليفة عبد المجيد، أحد خلفاء الدولة العثمانية وآخر سلاطينها (1861 – 1926). استسلمت الدولة بعد توليه الحكم بشهور، حيث هزمت في الحرب العالمية الأولى. وفي 1919، قام بتكليف كمال أتاتورك بالتفتيش على الجيوش بالأناضول. إلا أن الأخير أعلن العصيان هناك، وأسس جيش المقاومة. فتحالف وحيد الدين مع الاحتلال، وأسس جيش الخليفة.وانتهت المعارك في شهور قليلة بهزيمة جيش الخليفة، لتستمر حرب التحرير،وتنتهي بانتصار المقاومة وتحرير تركيا. فغادر وحيد الدين إسطنبول، هارباً كلاجئ حتى مماته في إيطاليا (المترجِمة).

[2] مصطفى صبحي: أول رئيس للجنة المركزية في الحزب الشيوعي التركي (1883 – 1921). تعرف في فرنسا على السوسيولوجيين اللامعين، وعقد علاقات حميمة مع الاتحاديين. تزامنت عودته إلى إستنبول مع الحقبة الدستورية الثانية. بعد حضور مؤتمر الاتحاد والترقي عام 1911، قطع علاقاته معهم، ليبدأ بمعارضتهم، وتبدأ حياة المنفى، يتعرف فيها على الأفكار الشيوعية، ويخوض النضال الثوري بين الأتراك المنفيين. أما نضاله الفعلي في الأناضول، فبدأ بعد عودته من روسيا عامَ تأسيس الحزب الشيوعي التركي في 1920. حيث كلفه البلاشفة بتوجيه الحزب وترسيخ الفكر البلشفي فيه. وبناء على أمر منهم، تقرر ذهابه إلى أنقرة مع رفاقه الأربعة عشر. لكنه تعرض في طريقه للتنكيل، وأُرغِم على الرجوع إلى روسيا، ليتم إغراقه ورفاقه (المترجِمة).

[3]بديع الزمان سعيد النورسي: أحد أبرز علماء الإصلاح الديني في العصر الحديث (1877 – 1960). كانت حياته ملحمة من الأحداث التي وضع جميعها في خدمة تفسير القرآن بغية بث اليقظة في الأمة الإسلامية. ذهب إلى مدينة وان في 1897، وانكبّ فيها على دراسة مختلف العلوم، فتعمق لدرجة التأليف في بعضها، فسمي بديع الزمان، اعترافاً بذكائه الحاد وعلمه الغزير. من أشهر مقولاته: “ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة”. باندلاع الحرب العالمية الأولى شكَّلَ فرقاً فدائية من طلابه، فجرح وأسر ونفي. نشر في المنفى أغلب مؤلفاته، أهمها “الخطوات الست” و”رسائل النور”. دفن في أورفا، لكن السلطات التركية العسكرية نقلت رفاته بالطائرة إلى جهة لا تزال مجهولة (المترجمة).

[4] محمد عاكف آرصوي: شاعر شهير (1873 – 1936). انتسب إلى جمعية الاتحاد والترقي التي خدعته بشعاراتها، ولَمّا وقف على حقيقتها فَتُرَت علاقتُه بها. لَمّا هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، شارك في تحرير بلاده بقصائد شعرية ملهبة. انتخب في مجلس النواب في دورته 1920 – 1923 ممثلاً عن محافظته. وخلالها كتب نشيد الاستقلال الذي أقره البرلمان التركي ليكون نشيداً رسمياً منذ 1921. ولدى إلغاء السلطنة فالخلافة، صُدِمَ عاكف، لأنه كان يدعو إلى الوحدة الإسلامية. فتوجه إلى مصر ثم لبنان، ومنها إلى إستنبول، ليموت فيها. كتب كثيراً من المقالات السياسية والأدبية في مجلته “الصراط المستقيم”. جُمِعَ شعره في سبعة دواوين: “صفحات، منبر السليمانية، أصوات الحق، منبر الفاتح، الخواطر، عاصم، والظلال” (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.