الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ
الإطار النظري:
قضيةٌ نظريةٌ أساسيةٌ أخرى هي بشأنِ نظريةِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعية. وعددٌ لا يُحصى من المفارقاتِ موجودةٌ أو يتم إيجادُها في هذا الأمرِ الذي يُعتَبَرُ موضوعاً يُشَوِّهُه مفهومُ الفرديةِ الليبرالية. فالحدُّ الأدنى من إدراكِ علمِ الاجتماعِ يشيرُ إلى أنّ الفرديَّ اجتماعيٌّ وأنّ الاجتماعيَّ أيضاً فرديّ، ويُؤَمِّنُ فهمَنا بكونِ أحدِهما يحتوي الآخرَ بين أحشائه. إذ، وبِتَركِ إنسانٍ لوحدِه منعزلاً لأسبوعٍ واحدٍ فقط، ستُدرَكُ على الفورِ استحالةُ وجودِ الفردانيةِ بلا مجتمعية. علاوةً على أنّ إدراكَ كونِ المجتمعِ يتشكلُ من الجهودِ والعلاقاتِ الفردية، أمرٌ فِطريٌّ سهلُ الفهمِ، ولا يتطلبُ أنْ يَكُونَ المرءُ حَكيماً. وتفاقُمُ القضيةِ ينبعُ من قيامِ الليبراليةِ برفضِ حقوقِ المجموعةِ والجماعةِ والمجتمعِ المدنيّ، في سبيلِ خلقِ أمةٍ ومواطنٍ نَمَطِيَّين. فبقدرِ ما تُقصى حقوقُ وحرياتُ هذه الكيانات الجماعية (المشاعات)، ستزدادُ بالمِثلِ فُرَصُ احتكاراتِ رأسِ المالِ والدولةِ القوميةِ في الاستغلالِ والسلطةِ الأعظميَّين. أما الحديثُ عن الحقوقِ الفردية، وتجاهُلُ الحقوقِ الجماعية، بل والتمادي أكثر برفضِ الحقوقِ الجماعية؛ إنما هو معنيٌّ بالموقفِ الفاشيّ. ذلك أنه لا قيمة البتة لأيِّ اعترافٍ بالحقوقِ والحرياتِ الفردية، ما لَم يتمّ الاعتراف بحقوقِ وحرياتِ المشاعةِ التي ينتمي إليها الفرد. فضلاً عن أنّ هذا أمرٌ مستحيلٌ نظرياً أيضاً. يتم لَعِبُ “لُعبةَ علي جنكيز” هنا بكلِّ معنى الكلمة. فأنْ تَقولَ “بإمكانك عيش الإسلامِ فرداً، ولكنْ لا يمكنك عيشه مجتمعاً”، إنما هو ديماغوجيةٌ فاشية، ومَكرٌ يشيرُ إلى سَلبِكَ بِيَدِك ما أَعطَته يَدُكَ الأخرى. فالحقوقُ والحرياتُ الفرديةُ والجماعيةُ حقوقٌ وحرياتٌ تُكمِلُ بعضَها بعضاً كما اللحمُ والظفر. وبطبيعةِ الحال، فرفضُ شتى أشكالِ النزعةِ الجماعيةِ والمشاعيةِ المفرطةِ التي تنكرُ الفرد، ورفضُ شتى أنواعِ النزعةِ الفرديةِ التي تنكرُ المجتمع؛ إنما هو من أهمّ معاييرِ نظريةِ الحقوقِ والحرياتِ الفرديةِ والجماعيةِ في هذا السياق.
أهمّ مشكلةٍ لدى رسمِ الإطارِ النظريِّ في حلِّ قضايا الدمقرطة، هي ضرورةُ الاستيعابِ جيداً أنّها تنبعُ من نزعةِ علمِ الاجتماعِ الوضعيِّ الأوروبيِّ المركز، وبالأخص الفرنسيِّ المركز. فعلى الرغمِ من مرورِها بتجربةِ الجمهوريةِ الخامسة، إلا أنّ نزعةَ علمِ الاجتماعِ الوضعيِّ لها نصيبُها المُحَدِّدُ في كونِ فرنسا لا تزالُ تعاني من المشاكلِ بسببِ العلمانيةِ والمواطَنة والجماعاتية من جهة، وفي خُسرانِها من الجهةِ الثانيةِ رهانَها تجاه الإمبراطوريةِ البريطانيةِ في بسطِ هيمنتِها الخارجيةِ على عمومِ أوروبا والعالَمِ أجمع. ونظراً لأنّ جمهوريةَ تركيا الحالية، وعهدَ الإصلاحِ الاجتماعيِّ وتجربتَي المَلَكِيّةِ الدستوريةِ الأولى والثانية سابقاً، قد اتخذوا من الجمهوريةِ الفرنسيةِ الثالثةِ أساساً لهم، إلى جانبِ تَبَنّيهم الوضعيةَ Pozitivizmالفرنسيةَ كأيديولوجيا حداثوية؛ فإنّ البحثَ في دورِ ذلك في ظهورِ القضايا الديمقراطيةِ المعاشةِ في راهننا، وحسمَ تداعياتِه يتحلى بأهميةٍ كبرى. وبكلِّ صراحة، ولَئِنْ كانت الجمهوريةُ قد عجزت طيلة أعوامِها التسعين عن السير على درب الدمقرطةِ ولو بسرعةِ السلحفاة، فستستمرُّ القضايا الإشكاليةُ القديمة، وسيكونُ عسيراً مجدداً صياغةُ الحلولِ الناجعة؛ ما لم يُكشَفْ النقابُ عن دورِ الوضعيةِ الفرنسيةِ نظرياً والتجاربِ الجمهورياتيةِ عملياً في ذلك. لا أتحدثُ هنا عن رفضِ كافةِ تأثيراتِ الوضعيةِ الفرنسيةِ والتجربةِ الجمهورياتية. ولكن، سوف لن نستفيد بِوَجهٍ حسنٍ من الفرصةِ الكبيرةِ للدمقرطةِ وحريةِ الرأي، ما لَم نَستَفِدْ من محاسنِ الثورةِ العلميةِ والمستجداتِ العظيمةِ الطارئةِ على نظريةِ الديمقراطية فيما بَعدَ أعوامِ الخمسينيات، وما لَم نتخَطَّ تأثيراتِها السلبية.
التأثيراتُ الفرنسية، النظريةُ منها والعملية، تتحلى بأهميةٍ كبيرةٍ بالنسبةِ لراهننا أيضاً، وتقتضي التحليل. وعموماً، معلومٌ أنّ علمَ الاجتماعِ الأوروبيَّ المركزِ أيضاً قد تلقى انتقاداتٍ جادةً في يومِنا. هذا ويتمُّ إسقاطُ قناعِ الاستشراقِ رويداً رويداً فيما يتعلقُ بالشرقِ الأوسط. باختصار؛ إني مرغَمٌ على القول: لا أعتقدُ كثيراً بإمكانيةِ قيامِنا بإضفاءِ المعنى على قضايانا، وبالأخص القضايا الاجتماعيةِ الأولية، ولا بِتَمَكُّنِنا من حلِّها عن طريقِ الاعتمادِ على الثقافةِ الأوروبيةِ المُلَقَّحةِ بأغلبِها بالثقافةِ الشرقِ أوسطيةِ وذاتِ المِحورِ الوضعيِّ الماديِّ الفظِّ للقرونِ الخمسةِ الأخيرةِ من جهة، والتغاضي كلياً من الجهةِ الثانيةِ عن فُرَصِ الحلِّ الموجودةِ في القِيَمِ الشرقِ أوسطيةِ التي بُرهِنَت ريادتُها الثقافيةُ منذ خمسة عشر ألفِ عام، وبالأخصِّ في القيمِ الثقافيةِ للمدنياتِ المركزية، والتي احتلت الصدارةَ خلال الأعوامِ الخمسة آلاف الأخيرة. فالحلولُ التي سيتمّ بلوغها تأسيساً على هذه الثقافة، قد تُمَهِّدُ الطريقَ أمامَ بُنى أكثرَ اعتِلالاً. الموقفُ الصحيحُ هو الخلاصُ من الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الأوروبيةِ المركز، ووضعُ القِيَمِ الإنسانيةِ العظمى الكائنةِ في التقاليدِ الشرقِ أوسطيةِ والتقاليدِ الشرقيةِ الأخرى بمواقفِها الحلاّلةِ للقضايا الاجتماعيةِ في جدولِ الأعمال. ساطعٌ سطوعَ الشمسِ أنه إذا كان لا بد من الحديث عن نموذجِ تركيا أو الشرقِ الأوسط، فمن الضرورةِ بمكان أن ينبعَ هذا النموذج – فقط وفقط – من هذه الحقائقِ التاريخيّةِ والاجتماعيّةِ العظيمة.
إحدى أهمّ نتائجِ الفلسفةِ الوضعية، هي ماهيتُها التي تفتحُ الطريقَ أمامَ أكثرِ أشكالِ الدوغمائيةِ تَصَلُّباً، على عكسِ ما تَزعَم. حيث شَرعَنَت دوغمائيةَ الحداثةِ تحت اسمِ النظرةِ العلمية، ومَهَّدَت السبيلَ أمامَ تَعَصُّبٍ عقائديٍّ أكثر صرامةً من الدين. فالمعنى المُضفى على مصطلحاتٍ من قبيلِ الأمةِ والوطن والدولةِ والطبقة والمجتمعِ على سبيلِ المثال، ذو نوعيةٍ أكثر قطعيةً من ذاك المُضفى على مصطلحِ الله. هكذا تَغدو تلك المصطلحاتُ ساميةً في هيئةِ ألوهياتٍ أكثر قوةً من الإلهِ أيضاً. وبالتالي، فإنها تفقد مضامينَها الحقيقيّةَ من جانب، وبتعميمها تَقومُ بإفناءِ إطارِ الحقيقةِ من جانبٍ آخر. إنّ نزعةَ التشييءِ تؤدي إلى دوغمائيةٍ أخطر من النزعةِ القائلةِ بالذاتانية. وحقيقةُ حروبِ القرونِ الخمسةِ الأخيرة الدائرةِ في أرجاءِ المعمورة، وبلوغُ عالَمِنا الراهنِ مشارفَ استحالةِ الاستمرارِ في الكثيرِ من الميادين؛ إنما هو على صلةٍ كثيبةٍ بالماديةِ الوضعية Pozitivist.
إننا لا نُفَضِّلُ الدوغمائيةَ الذاتانيةَ لدى القولِ بالخلاصِ من الدوغمائيةِ الموضوعيةِ الشيئية. بل ينبغي تصيير الخلاصِ من هيمنةِ الغربِ الأيديولوجيةِ من أَولَوِيّاتنا. وحينها فقط سيكونُ بمستطاعِنا وضع القضايا الاجتماعيةِ، بل والأهمّ من ذلك وضع الدمقرطة في الأجندةِ بما يتناسبُ وطبيعتَها الاجتماعية. إذ لا يُمكنُ للدمقرطةِ الدائمةِ أنْ تَجِدَ حلّها، إلا بتناوُلِها ضمن سياقٍ من حريةِ الرأيِ التامة، وبما يتواءمُ مع طبيعتِها الاجتماعية. في حين، من المحالِ القيام بِعصرنةِ وتحليلِ الإرثِ الثقافيِّ الذي يُكَوِّنُ قُطباً مُضاعَفاً وهائلاً، وفي مقدمته الثقافة الإسلامية، من خلالِ المصطلحاتِ والنظرياتِ السوسيولوجيةِ الأوروبيةِ المركز. وقد أَكَّدَت الممارساتُ الاستشراقيةُ الجاريةُ في غضونِ القرنَين الأخيرَين مِصداقيةَ هذه الحقيقةِ بما فيه الكفاية. وكيفما أنّ الخِلافَ “العربيَّ – الإسرائيليَّ” لوحدِه يشيرُ إلى مدى وماهيةِ العُقمِ القائم، فإنّه بالمقدورِ عرضُ مصطلحَي “إسرائيل” و”العرب” (مصطلحات الأمة الوضعية) بِحَدِّ ذاتَيهما كمثالَين يُثبِتان مدى كونِهما آليةً مُنتِجةً للمشاكلِ والقضايا. فبقدرِ ما تُحَمِّلُ النزعةَ الإسرائيليةَ والعروبيةَ بالواقعية، فإنك تُقحِمُ القضيةَ في مأزقٍ لا مَخرج له بالمِثل. ذلك أنّ مصطلحَ إسرائيل ومصطلحَ العرب على حدٍّ سواء لا يَحمِلان الواقعَ المزعوم، ولا يُعَبِّران عن حقيقتِه.
يُمكِننا اقتراح تطبيقٍ مشابهٍ من أجلِ مصطلحَي التركيِّ والكُرديِّ أيضاً. فكلما حُمِّلَ مصطلحا “التركي” و”الكردي” بالواقعية، سيفتحُ هذا الوضعُ الطريقَ أمام تفاقُمِ القضايا المتشكلةِ حولَهما بالمِثل. فبينما يُعَدُّ مصطلحا “الكرديّ” و”التركيّ” واقعاً متسماً بظواهريةٍ سقيمةٍ في القرنٍ الأخيرِ بالأكثر، فقد تمّ السموُّ بهما إلى مستوى حقيقةِ القرنِ المُغالى فيها، رغمَ وجوبِ العكسِ ببقائِهما واهِنَين؛ مما أسفر ذلك عن قضايا لا تُطاق. ذلك أنّ القومويةَ كدينٍ وضعيٍّ تُزيدُ من وطأةِ القضايا الاجتماعيةِ أكثر من الأديانِ التقليدية. باختصار؛ ستساهم نظرياتُ الدمقرطةِ في طرحِ حلولٍ معقولة، تناسُباً مع مدى تخلصِها من الدوغمائيتَين الموضوعانيةِ الشيئيةِ والذاتانيةِ على حدٍّ سواء.
يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….