الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ
- الإطار النظري:
سيساهم توضيحُ بعضِ الأطُرِ النظريةِ بخصوصِ الدمقرطةِ في الحل. وأهمُّ ما يتصدرُ ذلك هو رسمُ الخطوطِ الفاصلةِ بين نظريةِ الدولةِ القوميةِ (دولة الأمة) ونظريةِ الأمةِ الديمقراطية. فالدولةُ القوميةُ تتخذُ من نَمَطيةِ المواطنِ ذاتِ اللغةِ الواحدةِ والأثنيةِ الواحدةِ أساساً لها. فضلاً عن أنها تشترطُ على هذا المواطنِ الالتزامَ بالعقيدةِ الرسميةِ وأداءَ الشعائرِ والعباداتِ نفسِها. العقيدةُ المذكورةُ ليست الروحَ الوطنية، بل القومويةُ الشوفينيةُ والدينوية. كما لا تَقبلُ الدولةُ القوميةُ بالتبايُناتِ الاجتماعيةِ داخل علاقاتِها وتناقضاتها. بل تَعملُ أساساً بتطابقِ كلِّ مجموعةٍ مع الأخرى. من الساطعِ أنّ هذا يتماشى مع نظريةِ أمةٍ متناغمةٍ مع الأيديولوجيةِ الفاشية. أما نظريةُ الأمةِ الديمقراطية، فمغايرةٌ للغاية. فهي تتبنى تعريفَ أمةٍ متعددةِ اللغاتِ والأديانِ والأثنياتِ والقومياتِ والثقافات، ومؤلَّفةٍ من المجموعاتِ والأفرادِ المختلفي المصالح. ولا تعملُ أساساً بمُطابقةِ المواطنِ مع المجموعة، ولا تَقبلُ تعريفَ “الدولة = الأمة”، بل تُؤمِنُ بكَونِهما كيانَين مختلفَين. في حين أنّ الدولةَ والديمقراطيةَ حقلان مختلفان يقتضيان التوقف عندهما بحساسيةٍ ويقظة. المهمّ هنا هو اكتسابُهما وجودَهما ضمن توازنٍ يَعترفُ كلٌّ منهما فيه بشرعيةِ الآخر، وتحويلُ ذلك إلى حُكمٍ أساسيٍّ في الدستور. إنّ نظريةَ الأمةِ الديمقراطيةِ تَرضى بأهميةِ المجموعةِ والجماعةِ والمجتمعِ المدنيِّ بقدر أهميةِ المواطن، وتُضَمِّنُ وجودَهم بدستور. وهي تعتقد بأنّ مصطلحَ المواطنِ المجردِ هو ثرثرةٌ ليبرالية، وأنّ المواطنَ لن يكتسبَ معنىً ملموساً إلا بانتسابِه إلى مجموعةٍ أو جماعةٍ أو مجتمعٍ مدنيّ.
المشكلةُ النظريةُ الهامةُ الأخرى معنيةٌ بالدستور. لَطالما دار الجدلُ حول سؤالِ “الدولةُ أساسٌ أم الفرد؟”، والذي يكمنُ في أساسِ نظريةِ الدستور. ثمة فارقٌ كبيرٌ بين نظريةِ الدستورِ باعتبارِها تكامُلَ القواعدِ التي تُرَتِّبُ شؤونَ الدولة، وبين نظريةِ الدستورِ التي تُنَظَّمُ حقوقَ الفردِ وحرياتِه تجاه الدولة. الأمرُ يَسري على الحقوقِ والحرياتِ الجماعيةِ أيضاً. ونظريةُ الدستورِ التي ينبغي العمل بها أساساً في نظريةِ الدمقرطة، واضحٌ تماماً أنها تعتمد على مفهومِ حمايةِ الحقوقِ والحرياتِ الفرديةِ والجماعيةِ تجاه الدولة. إذ لا حاجة للدولةِ بالحماية، بوصفِها سلطةً مُنَظَّمةً بأعلى الدرجات. وجودُها بالأصل يُعبّرُ عن الحماية. في حين أنّ ربطَ آلياتِها بالقواعدِ العامةِ لا يُخالِفُ نظريةَ الدستورِ الديمقراطيّ.
الأمرُ الآخر الذي ينبغي إدراكه جيداً على صعيدِ نظريةِ الدمقرطة، هو الفرقُ الهامُّ للغاية بين الحلولِ الدولتيةِ ونظرياتِ الحلِّ الديمقراطيِّ فيما يتعلقُ بالقضايا الاجتماعية. فالنظريةُ الدولتيةُ ترى حلَّ القضايا الاجتماعيةِ في تدويلِ كلِّ شيء. فمثلاً، يتمُّ تدويلُ موضوعٍ معنيٍّ بالفلسفةِ الميتافيزيقيةِ والعقيدةِ من قبيلِ الدين، صائراً بذلك مشكلةً بذاتِها بدلاً من الحل. ويَسُودُ الاعتقادُ بحلِّ الكثيرِ من القضايا الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والوطنيةِ الأخرى على وجهِ التقريب من خلالِ تدويلِها أو إخضاعِها لرقابةِ الدولة. ساطعٌ جلياً أنّ هذه النظريةَ لا تحلُّ القضايا، بل تُزيدُها وطأةً وتُكثِرُ منها. في حين أنّ نظريةَ الحلِّ الديمقراطيِّ تعتقدُ بكونِ المجتمع – وليس الدولة – هو صاحبُ القضايا، وبالتالي، تتخذُ من وجوبِ مجيءِ حلِّها مِن داخلِ المجتمعِ المعنيِّ أساساً. وبقدرِ ما تتمتعُ وحدةُ Birim المجتمعِ المعنيِّ بحريةِ التعبيرِ والتنظيم، فإنها تجعلُ من ذلك تمهيداً لصياغةِ حلولِها بالقدرِ نفسِه. وبينما تَفرضُ النظريةُ الدولتيةُ القواعدَ على المجتمعِ المعنيِّ دوماً، فإنّ النظريةَ الديمقراطيةَ تَقولُ بأهميةِ مبادرةِ المجتمعِ المعنيّ، وبحقِّه في رسمِ مسارِه وبناءِ ذاته. وهي فيما يخصّ علاقتَه مع الدولة لا تتضمنُ الرفضَ الكليَّ لبعضهما البعض، ولا العكس. بل ترتأي عيشَهما سويةً في أجواءٍ من الوفاقِ والسلام، حتى وإنْ شَهِدا توتراتٍ في علاقاتهما وتناقضاتهما. ولذلك، يُعَدُّ الحلُّ الديمقراطيُّ مرتبطاً بالسِّلمِ أيضاً. قد لا يتمحورُ كلُّ سلامٍ حول الحلِّ الديمقراطيّ، لكنّ كلَّ حلٍّ ديمقراطيٍّ يَضمنُ حقيقةَ تطورِ كلِّ كيان، والتي أَسمَيناها بـ”السلام المُشَرِّف”. وحالاتُ السّلامِ المشرفِ تتحققُ باعترافِ القوى المتسالمةِ بوجودِها بعضِها بعضاً وبحقوقِ تطورِ بعضِها بعضاً.
خطرٌ آخر من مخاطرِ النظرياتِ الدولتية، هو توجيهُها للقوى المضادةِ لها أيضاً صوبَ الدولتية، رغم معاناتِها من القضايا. أي أنها تُقحِمُها في مهالِكِ إرغاماتِ دولتِها القوميةِ كسبيلِ حلٍّ وحيد، وتُودي بها إلى ضربٍ من ضروبِ ذهنيةِ “الدولةِ المضادةِ للدولة”. في حين أنّ إمكانيةَ الحلِّ العُليا للنظريةِ الديمقراطيةِ تتمثلُ في عدمِ رؤيتِها لِضَرورةِ أو حتميةِ الانفصالِ عن حدودِ الدولةِ أو التوجهِ صوب دولةٍ قوميةٍ مضادة. بمعنى آخر، فإمكانيةُ الحلِّ الكبرى للنظرياتِ الديمقراطيةِ تتجسدُ في ارتيائِها حلولاً مرنةً ليست بدولة، ولا تتطلعُ إلى الدولة، لا ترفضُها، ولا تنكرُ وجودَها.
يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….