خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ

ثمة حاجةٌ لتعريفِ بعضِ الاصطلاحاتِ بمنوالٍ واضحٍ في سبيلِ تجسيدِ الديمقرطةِ وحلِّ القضيةِ الكردية في واقعِ تركيا، وللفرضياتِ الأساسيةِ والإطارِ النظريِّ والمبادئِ التي يجب الالتزام بها لدى التوجه صوب الحلولِ المحتَمَلة. فالقضايا تقتضي إيضاح مختلف المصطلحات الزمنية، سواءً الراهنةُ والمرحلية، أو البُنيوية. فعدمُ احتواءِ الحلولِ الراهنةِ والمرحليةِ على الميزةِ البُنيوية، قد يؤدي إلى انتكاسِ القضايا مجدداً. على سبيلِ المثال، قد تُحَلُّ بعضُ القضايا بالأنظمةِ الداخليةِ والقوانين، في حين أن البُنيَويةَ والدستوريةَ منها لا يمكن حلّها بها. ذلك أنّ القضايا البُنيويةَ معنيةُ بالنظامِ الدستوريّ، وتتطلبُ حلاً ضمن هذا الإطار.

  • الإطار الاصطلاحي:

كان يمكن للقضايا أن تَنسَدَّ حتى على الصعيدِ الاصطلاحيّ في ماضي تركيا القريب، لمجردِ حظرِ تسميتِها. فمصطلح “الكرد” كان محظوراً، مثلما حُظِرَت العديدُ من المصطلحاتِ في الآدابِ اليساريةِ مِن قَبلِه. ولا يزالُ يَسودُ الترددُ من لفظِ مصطلحِ “كردستان”، وتَجَنُّبُ استخدامِه في الأوساطِ الرسمية. بدلاً من التطرقِ إلى السياقِ العلميِّ لمصطلحِ “كردستان”، بالمقدورِ بسط عددٍ جمٍّ من الدلائلِ التي تُشيرُ إلى نبوعِه من نَعتٍ لأهاليِ المنطقة، أي إلى استخدامِه بكثرة مِن قِبَلِ الحُكّامِ السلاجقةِ والعثمانيين إشارةً إلى “بلاد الكرد”. ولَطالَما استُخدِمَت مصطلحاتٌ من قَبيلِ “مَندوب كردستان” و”مجلس كردستان” و”إقليم كردستان” من طرفِ مصطفى كمال باشا بالذات أثناء تأسيسِ الجمهورية. لذا، فحظرُ مصطلحَي الكرد وكردستان في عهدِ الإنكارِ والصهرِ لن يُفَنِّدَ سَرَيانَهما. وحظرُ استخدامِ اسمَي “الكرد” و”كردستان” لدى التوجهِ نحو الحلّ، سيؤدي إلى الانسداد والعُقمِ منذ البداية. علاوةً على أنّه سيُبدي أحدُ الطَرَفَين المعنيَّين بِمَعِيّةِ القضاءِ المعنيِّ رفضَه للمواقفِ الخاطئةِ وللأوضاعِ التي لا يُمكن قَبولها، أثناءَ استخدامِ هذَين المصطلحَين على صعيدِ الاسم.

تأتي الدمقرطةُ بِحَدِّ ذاتِها في مقدمةِ المصطلحاتِ التي تتطلبُ تعريفَها بوضوحٍ وشفافية. فهي من أكثرِ المصطلحاتِ المُحَرَّفةِ في تركيا. الدمقرطةُ بمعناها الذي أستخدمُه في تقييمي، ليست ذات جذورٍ طبقية، بل تحتوي كافةَ الأواصرِ الاجتماعية، ولا تَحمِلُ طابعَ طبقةٍ أو شريحةٍ ما. وهي تُعَبِّرُ عن قيامِ كافةِ الشرائحِ الاجتماعية، أقليةً كانت أم أغلبية، وأياً كانت لغتُها أو دينها أو أثنيتُها أو قوميتُها، بضمانِ حريتِها في التعبيرِ والتنظيمِ وضمانِ حقوقِها الفرديةِ إزاء الدولة. لا صهرُ الديمقراطيةِ في بوتقةِ الدولةِ أو شلُّ تأثيرِها صحيح، ولا العكس. فدورُ ووظيفةُ كلٍّ منهما مختلفان. وقيامُ الدولةِ والديمقراطيةِ بتحقيقِ التوازنِ فيما بينهما، واحدٌ من أهمِّ القضايا المصيريةِ في الدمقرطة.

مصطلحٌ ثنائيٌّ آخر يتميزُ بالأهميةِ ويقتضي تسليطَ الضوءِ عليه لدى التوجهِ نحو الحل، هو “الجمهورية” و”الدولة القومية”. كلُّ جمهوريةٍ ليست دولةً قومية. وجمهوريةُ روما مثالٌ على ذلك. كما لا يُمكِنُ لكلِّ دولةٍ قوميةٍ تُسَمّي نفسَها بـ”الجمهورية” أن تَكُونَ هكذا بالفعل. ذلك أنّ مصطلحَ “الجمهوريةِ” مرتبطٌ بالديمقراطية، ويُعَبِّرُ عن الإدارةِ التمثيليةِ للشرائحِ الاجتماعية، والتي يَحتلُّ الشعبُ أيضاً مكانَه فيها، بحيث لا تأبه بالنُّخَبِ الاحتكاريةِ الأوليغارشية. أما الدولةُ القومية، فترتكزُ إلى المطابقةِ بين الدولةِ والأمة (الدولة = القوم)، ويُلاحَظُ مثالُها الساطعُ في إيطاليا الفاشيةِ وألمانيا النازيةِ[1] واليابان. وهي لا تَعتَرفُ بمجموعاتِ المصالحِ المتباينةِ ضمن الأمة، ولا بحقوقِها أو حرياتِها. إذ لا تُتيحُ الفرصةَ لأنْ تَكُونَ المجموعاتُ داخلَ الدولةِ والأمةِ ذاتَ مصالحَ مختلفةٍ ومتناقضة. أي أنها ديكتاتوريةٌ في جوهرها. والأغطيةُ الديمقراطيةُ الشكليةُ لا تُغَيّرُ من ماهيتِها هذه شيئاً. بالتالي، فمن الأهميةِ بمكان فهم مصطلحَي الجمهوريةِ والدولةِ القومية، وصياغة تعريفٍ صحيحٍ لهما، أثناءَ التوجهِ نحو الحلّ في تركيا. وعلى سبيلِ المثال، بالمقدورِ حلّ القضيةِ الكرديةِ داخل الجمهورية، ولكن، لا يمكن حلّها بتاتاً داخل الدولةِ القوميةِ التي تعني إنكارَ الجمهورية.

هذا ويُعَدُّ تنويرُ مصطلحَي “الوطن المشترك” و”القوم” أيضاً أمراً مصيرياً بالنسبةِ للحل. من الواردِ جداً أنْ تنظرَ الشعوبُ المختلفةُ الثقافاتِ إلى الجغرافيا نفسِها التي تقطنُها على أنها وطنٌ مشترك، وهذا ما يبرزُ أمامنا مِراراً في التاريخ. فمثلاً؛ الجغرافيتان اللتان كانتا تُسَمَّيان سابقاً ببلاد الأناضول وميزوبوتاميا، ويُطلَقُ عليهما اليوم عموماً اسمُ تركيا وكردستان، هما وطنٌ مشتركٌ للعديدِ من الشعوبِ من أتراكٍ وكُردٍ وأرمن وآشوريين وعربٍ ويهودٍ ومسيحيين ورومٍ وكثيرٍ من المجموعاتِ القوقازيةِ الأصل. أما جعلُها وطناً للأتراكِ والكُردِ فحسب، ليس عدلاً ولا واقعياً. واشتمالُ جمهوريةِ تركيا على هذه الأراضي كحدودٍ للدولة، لا يَنمُّ عن أنّ هذه الأراضي تَعُود للأثنيةِ التركية لوحدِها.

بالمستطاعِ صياغة تعريفٍ مشابهٍ من أجلِ مصطلحِ “الأمة المشتركة”. فالأمةُ لا تتشكلُ فقط من المواطنين فُرادى، بل، والأهم من ذلك، ينبغي فهمها على أنها أمةُ الشعوب، بل وأمةُ الأقوامِ التي يَنتمي إليها هؤلاء المواطنون. وإذْ ما اتُّفِقَ على مصطلحِ “الوطن المشترك”، فإنّ الأمةَ المشتركةَ لكافةِ الأقوامِ والشعوبِ المندرجةِ في إطارِ هذا المصطلح، والتي تحيا ضمن حدودِ الدولةِ عينِها، هي في الوقتِ نفسِه أمةُ تلك الدولة. فمثلما نقولُ بـ”جمهورية تركيا” و”مجلس تركيا القومي الكبير”، فإنّ القول بـ”أمة تركيا” أيضاً سيكون اصطلاحاً حَلاّلاً أكثر على صعيدِ الدمقرطة.

إضفاءُ الشفافيةِ على مصطلحِ “الهوية” سيساهمُ في الحل. الهويةُ تُفيدُ بالانتماءِ الدينيّ والقوميّ والأثنيّ والثقافيّ والجنسيّ وغيره مما تنتمي إليه المجتمعات. لكنّ المهمَّ في هذا المضمارِ هو: هل نَعتَبِرُ الهويةَ مرنةً ومنفتحةَ الأطرافِ أم متصلبةً ومنغلقةَ الأطراف؟ إنّ انفتاحَ الحوافّ والمرونةَ يُؤَمِّنُ مساهماتٍ عظيمةً في الحلولِ الديمقراطية. بينما انغلاقُ الحوافِّ والتصلبُ يجعلُ الحلَّ مستعصياً للغاية. من الممكن النظر إلى دخولِ الهوياتِ في علاقاتِ اختلاطٍ فيما بينها على أنه غِنى. المهمّ هنا هو إدراكُ أنّ انصهارَ هويةٍ ما داخلَ أخرى عن طريقِ تركيبةٍ جديدةٍ ينمّ عن مواقف مختلفة جداً ومتناقضة جداً.

أهمُّ نقطةٍ بشأنِ القضايا الاصطلاحيةِ هي عدمُ تقديسِها أو تأليهِها. أي؛ عدم عرضِ ظاهرةٍ اجتماعيةٍ ما على شكلِ مصطلحٍ ضيقٍ ذي قيمةٍ شوفينيةٍ مبالَغٍ فيها وتتجاوزُ حقيقتَه. وعلى سبيلِ المثال؛ ففرضُ الأمة، الوطن، الدين، واللغة وغيرها من التصنيفاتِ المتغيرةِ والمجردةِ على شكلِ قِيَمٍ دوغمائيةٍ أولية؛ إنما يَشذُّ عن صُلبِ الحلولِ الديمقراطيةِ وروحِها.

يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….

 

[1] النازية أو الاشتراكية القومية (Nationalsozialismus): حركة سياسية تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تمكن المنتمون للحزب القومي الاشتراكي العمالي الألماني تحت زعامة أدولف هتلر من الهيمنة عام 1933 على السلطة في ألمانيا، وإنشاء ما سمي بدولة الزعيم والمملكة الثالثة؛ مما أثار الحرب العالمية الثانية. مارست هذه الحركة عمليات المحرقة بحق اليهود والغجر، لما تميزت به من عنصرية، حيث آمنت بقمع وحتى بإبادة الأعراق الدنيا للحفاظ بالمقابل على “طهر” الأعراق العليا (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.