قضايا الدمقرطة في تركيا، نماذج الحل في كردستان
ومثلما جرى في كافة أصقاع العالم، فقد خضعت الإمبراطوريةُ العثمانية أيضاً لتأثيرِ القوى الأوروبيةِ الكبرى، وعلى رأسها الإمبراطوريةُ البريطانيةُ التي حَسَمَت أمرَ نفوذِها اعتباراً من القرنِ التاسعِ عشر تأسيساً على الثورةِ الصناعية. هذه الإمبراطوريةُ المُشادةُ استناداً إلى تقاليدِ الدولةِ الشرقِ أوسطيةِ القديمة، قامت بتحديثِ نفسها على أرضيةٍ بيروقراطية، سعياً للتحولِ إلى دولةٍ قوميةٍ عثمانيةٍ مركزيةٍ أكثرَ صرامة، كي لا تنهارَ في وجهِ التصاعدِ السريعِ للتياراتِ الدولتيةِ القومية. وبُذِلَت الجهودُ لقمعِ التمرداتِ الداخليةِ البارزةِ بعنفٍ وقساوة. وما تبقى من إرثِ الإمبراطوريةِ في نتيجةِ الأمرِ هو الكيانُ المُنشَأُ في بلاد الأناضول وميزوبوتاميا الشماليةِ باسم جمهوريةِ تركيا الحالية، والذي تتألف غالبيته من القوميتَين التركيةِ والكرديةِ إلى جانبِ عددٍ كبيرٍ من المجموعاتِ الأثنية. وقد لعبت الإمبراطوريةُ البريطانيةُ دوراً مُعَيِّناً في ذلك. ومع مُضِيِّ الوقت، قامت ما تُسمى بالبورجوازيةِ التركية، والتي نظمت نفسَها داخل الدولةِ بدءاً من مُستهلِّ القرنِ العشرين تحت اسمِ “حزب الاتحاد والترقي”، والتي تتكون من قومياتِ خليطة؛ قامت بناءً على قومويةٍ صارمةٍ للغاية بالتوجهِ صوبَ الديكتاتورية في الحقبةِ المَلَكِيّةِ الدستوريةِ[1] الثانية ومن ثمّ داخل نظامِ الجمهورية. وعلى الرغم من بعضِ القياديين النوابغ ذوي الشخصية يتصدرهم مصطفى كمال باشا، صانت الديكتاتوريةُ الأوليغارشيةُ البيروقراطيةُ وجودَها داخلَ أروقِ الدولةِ حتى يومِنا الحاضر. هكذا فإنّ الكثيرَ من الجمعياتِ والأحزاب السياسيةِ المتأسسةِ بالتمحورِ حول الدولة، العلنيةُ منها والسرية، اليمينيةُ منها واليسارية، العلمانيّةُ منها والدينيّة؛ غَدت لا تتمالك نفسَها من عيشِ وإحياءِ التأثيراتِ المؤسساتيةِ والأيديولوجيةِ لتلك الديكتاتورية الأوليغارشية. من هنا، فمحاكماتُ أرغاناكون Ergenekonالجاريةُ في يومنا مرتبطةٌ بتقاليدِ هذه الديكتاتوريةِ الأوليغارشيةِ ضمن الدولةِ خلال القرنِ الأخير، بحيث يمكن النظر إليها كمحاكماتٍ هامةٍ لدرجةٍ أنها سترسمُ مصيرَ الديمقراطيةِ من حيثُ النتيجة.
يتبـــــــــــــــــــع……
[1]المَلَكِيّة الدستورية أو البرلمانية أو المشروطية (constitutional monarchy): نظام يحكم فيه المَلِك على سلطات يحددها دستور، ويُقِرّ انتخابَ أو وراثية المَلك بوصفه رئيساً للدولة، بدلاً من المَلَكية المطلقة. طُبِّق في إنكلترا بعد الإقرار بوثيقة الماغنا كارتا، ثم تلتها الدول الأوروبية الأخرى. أعلن السلطان عبد الحميد العثماني المشروطيةَ مرتين.ففي بداية حكمه أعلنالمشروطية الأولى عام 1876، والتي حلَّها فيما بعد لأسبابٍ عدةٍ دون أن يلغيها، وفي 1908 أعاد الدستور مرة أخرى فيما سمي بالمشروطية الثانية (المترجِمة).