خريطة الطريق

القائد عبدالله أوجلان

1

قضايا الدمقرطة في تركيا، نماذج الحل في كردستان

عجزت الديمقراطيةُ عن التطورِ في تركيا نظريةً ومؤسسةً، وعن إسقاطِها على القاعدةِ التي تُعَدُّ “ديموسَ” الديمقراطية Demos، أي شعبَها؛ بالرغم من كونِها موضوعَ نقاشٍ وسجالٍ منذ أيام المَلَكِيّة الدستورية، بل ومنذ عهدِ الإصلاح الاجتماعيّ[1]. بل غالباً ما تحولت إلى لعبة تُلعَبُ بين المجموعتَي النُّخبَوِيّتَين الأوليغارشيّتَين المرتكزتَين إلى أشرافِ الأريافِ وبيروقراطية الدولة، واللتَين قَمَعَتا وسَحَقَتا معاً كلَّ ما يمكن أنْ يَكُون متعلقاً بالفعل بمصالح الشعب. هكذا شادَ النظامُ نفسَه اقتصادياً وأيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً بمنوالٍ متماسكٍ ومنغلقٍ جداً في وجهِ الشعب، مستمراً بذلك في إنضاجِ وتعزيزِ ذاته حتى راهننا. لكنّ البنيةَ الاجتماعيةَ والكفاحاتِ الشعبيةَ المتناميةَ لم تتخلفْ عن هزِّ هذه القاعدةِ منذ بدءِ تأسيسها، وحتى في الظروفِ الحاليةِ أيضاً بالأكثر. وتطورت قضايا الدمقرطةِ ارتباطاً بهذه المستجدات. فبسببِ الطابعِ المنغلقِ للنظامِ القائم، وبسببِ الأيديولوجياتِ الأخرى المتزمتةِ، القومويةِ منها والدينويةِ والجنسويةِ والعلمويةِ الوضعية Pozitivist؛ ساد العجزُ عن صياغةِ تعريفٍ سليمٍ للقضايا حتى في ميدانِ النقاش. ولم يستطعْ القانون تخطي نطاقَ قواعدِ الدولة، إذ لم تُتَحْ الفرصةُ بتاتاً لحقوقِ الفردِ والشعب. وما أُتيحَ منها وأُجِيز، لم يتخلصْ من التبعية، بل والاجتثاثِ بالانقلاباتِ المتتالية. ولم يُعتَرَف بحريةِ الرأي، ولا بحريةِ التنظيم الحقيقية. بل ولم تتمكن حريةُ الرأي والتنظيمِ تلك من التعرضِ مِراراً للتصفية، بسبب عدمِ استنادِها إلى توافق konsensüsاجتماعيٍّ مُحَدَّد. ولدى عدم الاعتراف بهذه الحريةِ الأساسية، وعدم تَكَوُّنِ التوافقِ الاجتماعيِّ اللازمِ في سبيلِ ذلك؛ لم يَكُن بالمقدورِ إحياء حرية التعبير والتنظيم كفايةً من أجلِ الطبقاتِ المسحوقةِ والجماعاتِ الدينيةِ والشعوب، بوصفِها حقولاً رئيسيةً في الدمقرطة. وكلُّ حقٍّ يُزعَمُ بوجودِه، وكلّ خطوةٍ مَخطُوّةٍ في هذا السياق، إما أنها لم تُطَبَّقْ البتة، أو مُنِعَت من الانتعاش، إما بالانقلابات، أو ببعضِ القوانين الفولاذيةِ المكتوبةِ أو غيرِ المكتوبة.

هذا وطُبِّقَت هذه القوانينُ الفولاذيةُ المكتوبةُ وغيرُ المكتوبة بأشدّ الأشكالِ حِدّةً فيما يتعلقُ بالكردِ وكردستان أيضاً. أي أنّ أكثرَ القوانينِ صرامةً نُفِّذَت بتعسفٍ وتعجرفٍ بخصوصِ واقعِ الكردِ وكردستان. إذ سُعِيَ إلى حَظرِ كلِّ ما له صِلَةٌ بالكردايتية والكردستانيّاتية، أو صهرِه في بوتقةِ الأيديولوجيا الرسمية، أو القضاء عليه؛ وذلك من خلالِ المُعاقبات الجسدية إلى جانبِ برامجِ الصهرِ الشاملةِ والغائرةِ الأعماق. هكذا، ومثلما هي حالُ العديدِ من المجموعاتِ المتمردةِ على هذه السياساتِ والقوانين، فإنّ المقاومةَ التي ابتدأتها مجموعةٌ من الأشخاصِ في أعوامِ السبعينيات، والتي قامت بتعريفِ نفسِها ضمن التقاليدِ اليسارية، وتَسَمَّت باسمِ PKK؛ قد وصلتَ يومَنا الراهن، أي عامَ 2009، على شكلِ مراحل مختلفةٍ كَلَّفَتها مخاضاتٍ وآلاماً جسيمة. ومن خلالِ المستجداتِ التي أَسفَرَت عنها هذه المقاومة، فقد أدت دوراً عظيماً في كشفِ النقابِ عن قضايا الديمقراطية، وفي إيصالِها إلى الحل.

لأولِ مرةٍ تزدادُ فرصةُ الحلِّ الديمقراطيِّ داخل المشهدِ السياسيِّ في تركيا، بسببِ ابتعادِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ والاتحادِ الأوروبيِّ تحت ظلِّ هذه الظروفِ عن الإرغاماتِ الأوليغارشيةِ الخارجيةِ التي كانا يلجأان إليها سابقاً، ونظراً لانفتاحهما على الحلولِ الديمقراطيةِ بناءً على المستجداتِ التي أَحرَجَت منافعَهما. ولذلك، فالحاجةُ إلى دستورٍ مدنيٍّ جديدٍ مبنيٍّ على التوافقِ الاجتماعيِّ، تُعتَبَرُ من أولى الشروطِ اللازمةِ للحل. بناءً عليه، فإنّ الحقوقَ الفرديةَ والاجتماعيةَ الأساسيةَ المضمونةَ بتوافُقِ جميعِ الشرائح الاجتماعية، وكذلك حريةَ التعبيرِ وحقوقَ التنظيمِ الديمقراطيِّ تَكتسبُ أهميةً مُعَيِّنة. بمعنى آخر، فدستورٌ مبنيٌّ على الحرياتِ والحقوقِ الفرديةِ والاجتماعية، سيُدرِجُ الماهيةَ الديمقراطيةَ والاجتماعيةَ والعلمانيةَ والقانونيةَ للجمهوريةِ حيزَ التنفيذِ وسيَضمَنُها بكلِّ معنى الكلمة.

بالمقدورِ إدراج القضيةِ الكرديةِ على طريقِ الحلِّ ضمن هذا الإطارِ الدستوريّ، مثلما الحال في القضايا الاجتماعيةِ الأخرى. فجمهوريةٌ تُرخي من قميصِ الدولةِ القوميةِ القاسي الذي ترتديه، دعكَ مِن أنْ تتجزأَ حصيلةَ اكتسابِ الكردِ لحقوقِهم الفرديةِ والاجتماعية، بل ستَبلغ تكامُلاً ديمقراطياً حقيقياً وراسخاً بتعزيزِها لهذه الدعامةِ التي طالما لعبت دورَ العنصر المُؤَسِّسِ في التاريخ. وبناءً عليه، سوف تتخلصُ من الصدماتِ مرّت بها، ومن خسائرِ المالِ والأرواحِ التي تَكَبّدَتها بما لا نهايةَ له، ومن الآلام والمخاضاتِ وذرفِ الدموع. وهكذا سيغدو أمنُ وسعادةُ ونماءُ الوطنِ والأمةِ راسخاً لا يتزعزع.

 

[1]عهد الإصلاح الاجتماعي أو فترة التنظيمات (Tanzimat): وهو الفترة التي قامت فيها الدولة العثمانية بالتجديدات التي سنها “فرمان التنظيمات” سنة 1839 بأمر من السلطان عبد الحميد لتحقيق النهضة في الدولة العثمانية ومواكبة الغرب. يَعتَبِرُ عدد من المؤرخين أن إلغاء الجيوش الانكشارية في 1826 هو بداية هذا العهد الذي شمل تحديثات طالت الميادين الحقوقية والمالية والعسكرية والتعليمية والصناعية (المترجِمة).

تعليق 1
  1. محمد ويس يقول

    وصل بنا كمجتمعات شرق أوسطية الواقع البعيد والمناقض للمجتمعية الى مزيد من الغربة والمزيد من التفكك المجتمعي على كل الأصعدة
    وغدونا في دوامة يتراوح مداها بين عالم الدولة القومية وبين انكار المجتمعية وتقديس الفردية والمركزية
    وأمام تلكم المعضلات وازدياد وتيرة الضياع والزحف تحت ظل العبيد والتجار والمنحلين جينيا وثقافيا ومجتمعيا… اصبح للحقيقة نور بات اشراقه ينقذ العقول من تلكم المعضلات
    ويخاطب كل الذهنيات بالحقائق والحجج والكثير من الوقائع التي أدركتها العقول النيرة بعد أن تجاهلتها ذوات الجهل لماهيتها او لهول ما تم التلاعب بأصالتها لتصب ويلات جهلها على خشبة مسرح واقع الشعوب
    لن يستمر هذا الواقع الذي بات يترنح من هول ما انعكس سلبا بالوقائع
    وإن التوجه نحو حل الدمقرطة ونبذ الفردية والمركزية بات قاب قوسين لكنه اذا تحول وتطور وتنامى في العقول والقلوب فإن للعالم هوية وارادة ووعي بات منفرد الجناحين ليحلق في سماء أخوة الشعوب….
    م. أ. و

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.