خــريطــة الطــريــق

القائد عبدالله أوجلان

0

قضايا الدمقرطة في تركيا، نماذج الحل في كردستان

لَطالما تواجدت قضايا الدمقرطة على مدى التاريخ، وهي ظاهرة لم تظهر للعيان مع الحداثة الأوروبية، مثلما تكثر المساعي لعكسها على هذا النحو. فالميول الديمقراطية موجودة في طبيعة المجتمعات في كل زمان. والديمقراطية في مضمونها مرتبطة بظواهر المبادرة والإدارة والهجوم، والتي نلاحظها في كل كائنٍ حي. وأنا على قناعة بأن هذا مَشهَد كونيّ.

تم البرهان أن مؤسسات المجالس المؤلفة من ممثلي مجتمع الزراعة وأهالي المدينة قد أدت دوراً هاماً في التاريخ الحضاري، وخاصة في بدايات عهد السومريين. أي أن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن أولى المؤسسات الديمقراطية المرصودة قد تشكلت في المدائن السومرية، وليس في أثينا الإغريقية. وبزيادة وزن الراهب والقيادي السياسي والمسؤول العسكري داخل الإدارة مع مرور الزمن، انخفضت منزلة المؤسسات الديمقراطية إلى المرتبة الثانية، وفقدت أهميتها في الإدارة. بينما، وبسبب إضفاء معنى “المخلوقون عبيداً” على الشعب برمته في عهد النماردة والفراعنة، والذي هو عصر الملوك – الآلهة؛ فلم يعد الحديث عن المؤسسات الديمقراطية أمراً ممكناً. وقد مرَّت مراحلٌ مشابهةٌ في كافة المدنيات على وجه التقريب. ونلاحظ آخرَ مثالٍ على ذلك في العصور الأولى في تجربتَي ديمقراطيةِ أثينا وجمهوريةِ روما.

في العصور الوسطى، أي في السنوات الأولى من الإسلام، وفي بدايات المسيحيةِ قبلَ قبولِها ديناً رسمياً للإمبراطورية البيزنطية؛ وعلى الرغم من اكتساب العناصر الديمقراطية أهميتَها، إلا أنّ تقاليدَ الإمبراطوريةِ الراسخةَ أصلاً قد قضت على تأثيرات هذه العناصر بسرعة، واستمرت بوجودها عبر الإدارات المركزية الصارمة. أما تأسيسات المدن الجديدة المتصاعدة في القارة الأوروبية في بدايات أعوام 1000، فقد حُكِمَت بالتقاليد الديمقراطيةِ مدةً طويلةً من الزمن. واضطرت المدنُ لفترةٍ طويلةٍ إلى الدفاع عن مؤسساتها المستقلةِ والديمقراطيةِ في وجهِ السلطات الإقطاعية. هذا ولعبت العناصر الديمقراطية دوراً هاماً في مقاوماتِ الأمراء والمجتمعات القرويةِ (الريفية) المستقلةِ أيضاً تجاه الأنظمةِ المَلَكِيّةِ المتنامية.

إنّ المَلَكِيّاتِ الصائرةَ مونارشياتٍ مطلقةً اعتباراً من القرنِ الخامسِ عشر، قد أَقصَت المؤسساتِ الديمقراطيةَ بنسبةٍ كبيرة، مثلما هي حالُ المدنياتِ التقليدية. ولم تنجح سوى الماغنا كارتا في صونِ وجودِها كتقليدٍ ديمقراطيٍّ فُرِضَ الاعترافُ به رسمياً عام 1216 تجاه المَلَكيةِ في الجزيرةِ البريطانية. أما الثورة الفرنسيةُ الكبرى، ورغم بدئِها كثورةٍ شعبيةٍ في وجهِ المونارشيةِ المطلقةِ عامَ 1789، إلا أنها تحولت مع مضيِّ الوقتِ إلى ديكتاتوريةٍ بورجوازيةٍ نَظَّمَت نفسَها كدولةٍ قوميةٍ مُحَصَّنةٍ بتسلطٍ يُضارِعُ ما عليه المونارشيةُ المطلقةُ بكثيرٍ جداً. هكذا أُنشِئَ وضعٌ من التوازنِ داخل أوروبا من خلالِ الدول القوميةِ الصغيرة المتكاثرةِ مع سياسةِ “فَرِّقْ – تَسُدْ” للإمبراطوريةِ البريطانية. فالأنظمة السائرةُ ضمن إطارِ الدولةِ القومية، كانت تتميزُ بكونِها أنظمةً أوليغارشيةً نُخبَوِية، على الرغم من كلِّ أهدافِها ومُثُلِها الليبرالية. ولم تتمكنْ المؤسساتُ البرلمانيةُ القائمةُ في أيِّ وقتٍ من الأوقاتِ من كسرِ شوكةِ هيمنةِ النُّخَبِ الأوليغارشية. لكن، ودون أدنى شك، لم تنجح المساعي في القضاءِ كلياً على العناصر الديمقراطية المرتكزةِ إلى الكفاح الطويلِ المدى لشعبِ المَدينةِ والريفِ أيضاً. بالتالي، فالديمقراطيةُ الساريةُ حتى راهننا في أوروبا، هي ديمقراطيةٌ طبقيةٌ ذاتُ مضمونٍ شعبيٍّ محدود، وبتوجيهٍ أوليغارشيٍّ من البورجوازية. ورغم مساعيها بعدَ أعوامِ 1950 في تكوينِ اتحادٍ فيدراليٍّ يتخطى الدولةَ القوميةَ متمثلاً في الاتحادِ الأوروبيّ، إلا أنّ العجزَ يَسودُ في تحطيمِ جدارِ الاحتكارِ الأوليغارشيِّ للدولِ القومية. أي أنّ تلك التجربةَ هامة، ولكنّ فرصةَ نجاحِها غيرُ مضمونة.

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــع……..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.