المجتمع الإيكولوجي
بيريفان عمر – نجم عبدالله
مع بداية القرن الحادي والعشرين، بات مصطلح الإيكولوجي من المواضيع الأساسية التي أصبحت مجالاً للبحث والدراسة في أجندات معظم المؤسسات والأفراد، وتصدر معظم البحوث العلمية لما له من تأثير في حياتنا اليومية الذي غدا واضحاً للعيان، وبات يهدد وجود الكائنات الحية على سطح الكرة الأرضية.
فأدرك العالم حجم الضرر الذي لحق بالبيئة بدءاً من الثورة الصناعية وانتهاءً بالرأسمالية، والتي جلبت الويلات الكثيرة على الكرة الأرضية، وقد سببت الضرر الكبير والخطر بأغلفة الأرض المختلفة التي تحمي الكائنات الحية .
فعلى سكان الأرض عامة التحرك ضد هذا الخطر المداهم ، وإيقاف الزحف المدمر للكرة الأرضية، وعلينا جعل الأرض كوكباً أخضر للحد من التدهور الإيكولوجي. ومن أجل التحدث أكثر حول هذا الموضوع لابدّ في البداية أن نتعرف على الإيكولوجيا، ومتى ظهر استخدام هذا المصطلح؟ ويظهر من البحث أن عالم الأحياء الألماني، أرنست هيغل عام 1866 قد استخدم هذا المصطلح وهو علم يعني الاهتمام بالبيئة (باللاتينية Oecologia إيكولوجيا أحد العلوم الطبيعية وهو أحد فروع علم الأحياء (الذي يدرس التفاعلات بين الكائنات الحية من نبات، أو حيوان، أو الأحياء الدقيقة بالمحيط الذي حولها، والمصطلح مشتق من الأصل الإغريقي (أويكوس) باليونانية: (οἶκος) أي ما يحيط بالشيء، ويصبح مكاناً لمعيشته، ولوج باليونانية λογία) )، أي العلم أو الدراسة أو المنطق أو القانون. فهي دراسة التفاعلات بين الكائنات الحية ومحيطها – وأيضا تعني «علم المسكن»، أو «علم شروط الحياة». وتعني الإيكولوجيا أيضاً: دراسة العلاقات بين الكائنات الحية والبيئة الفيزيائية التي تحيط بها.
يهتم الإيكولوجيون أو علماء البيئة بالمخلوقات الحية وبالبيئات المختلفة، ويوفرون المعلومات لحماية النظام البيئي، وإدارة الموارد الطبيعية، وحماية الإنسان من مخاطر الملوثات البيئية. وتساعد الدراسات الإيكولوجية على توقع واختبار الأنماط، والعمليات المرئية في النظم الإيكولوجية المختلفة.
وكما أسلفنا سابقا فإنه ومع ظهور الثورة الصناعية والتي كانت من أبرز الأحداث التي عمّقت البحوث في هذا المجال، لأنها تسبب الكثير من الأضرار للبيئة، وفي الفترة نفسها من ظهور الإيكولوجيا ظهرت التكنولوجيا، وهي كلمة يونانية تتكون من مقطعين (تكنو) وتعني حرفة أو مهارة و(لوجي) التي تعني علماً أو دراسة، ومعناها علم التطبيق، وتعدّ التكنولوجيا مهمة لأنها تستخدم في مجالات الحياة المختلفة. فهي قديمة بقدم الإنسان الذي اعتمد عليها في صناعة أدوات صيده، والدفاع عن نفسه وحراثة أرضه، وزراعتها.
فظهر مصطلح التكنولوجيا البيئية، أو التكنولوجيا الخضراء، أو التكنولوجيا النظيفة، ويستخدم هذا المصطلح لبيان عمل الأجهزة الالكترونية، التي يمكن أن تعزز الإدارة المستدامة للموارد مثل: عنفات الرياح -خلايا الوقود-الألواح الضوئية -الطاقة المتجددة-تنقية المياه-معالجة الصرف الصحي -تنقية الهواء – الإصلاح البيئي – إدارة النفايات الصلبة. العمليات التكنولوجية الحديثة تنتج منتجات ثانوية غير مرغوب بها بالإضافة الى المنتجات المطلوبة، والتي تعرف بالنفايات الصناعية، ويظهر تأثير التكنولوجيا على البيئة واضحاً ودقيقاً، ويشمل استنزاف الموارد الطبيعية الغير متجددة مثل النفط والفحم. لكن الجانب الخطر من التكنولوجيا والذي هو من صنع البشر ظهور النفايات الالكترونية الإشعاعية، وتتمثل المشكلة في عدم جود طرق فعالة لإزالة هذه الملوثات على نطاق واسع على وجه السرعة. فالمواد العضوية والكائنات الحية تعيد تدوير نفسها في الطبيعة، وتتبع آلية محددة وفي الجانب المفيد من التكنولوجيا فهي تساعد في تحسين حياتنا، وحماية البيئة.
وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة، مثل الطاقة الشمسية، والرياح، والطاقة النووية النظيفة تساعد في الحد من التلوث البيئي، والاعتماد على مصادر طاقة متجددة وغير ملوثة. وتساعد التكنولوجيا أيضا في إدارة الموارد الطبيعية، والتغلب على التحديات البيئية العالمية، مثل تغير المناخ، والتلوث، وانخفاض التنوع الحيوي. ومن الأمثلة على المعرفة الإيكولوجية التي أثرت إيجاباً على حياتنا. تحديد أسباب سوء جودة المياه واستعادة البحيرات والأنهار، والتحكم في تكاثر الحشرات المدخلة بطرق صديقة للبيئة، واستخدام أنظمة الترشيح الطبيعية لتنقية المياه، والكشف عن المواد الكيميائية في النباتات، والحيوانات لعلاجات طبية، ومن ناحية أخرى تساعد التكنولوجيا في تحسين حياتنا وحماية البيئة، ومن تطبيقات التكنولوجيا الحديثة، مثل الطاقة الشمسية، والرياح، والطاقة النووية النظيفة، والتي تساعد في الحد من التلوث البيئي، والاعتماد على مصادر طاقة متجددة وغير ملوثة، وتساعد التكنولوجيا أيضا في إدارة الموارد الطبيعية، والتغلب على التحديات البيئية العالمية، مثل تغير المناخ، والتلوث وانخفاض التنوع الحيوي، وباختصار يمكننا القول: إن الإيكولوجيا والتكنولوجيا مرتبطتان بشكل وثيق في العالم الحديث. وباستخدام هذين العلمين يمكننا فهم وحماية البيئة، وحماية الأرض التي نعيش عليها.
القضية الأيكولوجية في المجتمع:
واضحٌ أنّ القضيةَ الصناعية جزءٌ مِن القضيةِ الأيكولوجيةِ وسببٌ أساسيٌّ لها. لذا فشرحُها ضمن بَندٍ مختلفٍ قد يعني التكرار. إلا أنّ الأيكولوجيا موضوعٌ اجتماعيٌّ إشكاليٌّ وأغنى معنىً من الصناعوية. فرغمَ تَضَمُّنِ هذا المصطلحِ معنى يدلُّ على علمِ البيئة، إلا أنه أساساً علمُ تحليلِ العلاقةِ المتينةِ بين التطورِ الاجتماعيِّ وبيئته. وقد باتَ حديثَ الساعةِ بالأغلب. عندما بدأَت قضايا البيئةِ تدقُّ نواقيسَ الخطرصُيِّرَ حقلَ بحثٍ مستقلٍ بذاته، رغمَ ما يتخللُ ذلك من معانٍ مُريبة. فالقضيةُ الأيكولوجية، وعلى غرارِ الصناعوية لَم يَبتَكِرها المجتمع. بل هي آخِرُ ابتكاراتِ احتكاراتِ المدنية. وقد دَخَلَت أجندةَ التاريخِ والعالَمِ والمجتمعِ كأشملِ قضيةٍ من حيث النطاق.
المجتمعُ البشريُّ أيضاً كيانٌ حيٌّ في نهايةِ المطاف، مهما تمَّ تعريفُه بالطبيعةِ المتحليةِ بأعلى مستوَيَاتِ الذكاءِ والمرونة نِسبةً إلى جميعِ الكائناتِ الحيةِ الأخرى. إنه مجتمعٌ دُنيَوِيّ، وهو ثمرةُ أجواءٍ مناخيةٍ مُنَسَّقةٍ بانتظامٍ بالغِ الحساسية، وثمرةُ التطورِ الطبيعيِّ للغطاءِ النباتيِّ والحيوانيّ. أما المنظوماتُ التي يتعلقُ عليها وجودُ هواءِ ومناخِ عالَمِنا وعالَمِ النبات والحيوان، فتَسري على المجتمعِ البشريِّ أيضاً كونَه إجماليَّ مجموعِها. هذه المنظوماتُ حساسةٌ للغاية ومترابطةٌ ببعضها البعضِ بمتانة، وكأنها تُؤَلِّف سلسلة فكيفما تَفقدُ السلسلةُ وظيفتَها بمجردِ انقطاعِ حلقةٍ منها، فكذلك لا مفرَّ مِن تَأَثُّرِ سياقِ التطورِ الطبيعيِّ برمته إذا ما انقَطَعَت حلقةٌ مهمةٌ من سلسلةِ تَطَوُّرِه. والأيكولوجيا هو عِلمُ هذه التطورات. لذا فهي مُهِمَّةٌ للغاية. لكن إذا اختَلَّ أيٌّ من المنظوماتِ الداخليةِ للمجتمعِ لأيِّ سببٍ كان، فيُمكِنُ إعادةُ ترتيبها بيَد الإنسان. ذلك أنّ الواقعَ الاجتماعيَّ مُشَيَّدٌ بيَدِ الإنسانِ في نهايةِ المطاف. لكنّ البيئةَ ليست كذلك. من هنا فإذا ما حَصَلَت انقطاعاتٌ جديةٌ مِن الحلقاتِ البيئيةِ بسببِ مهارةِ بعضِ المجموعاتِ التي تنبعُ مِن المجتمع، أو بالأحرى تَخرجُ على المجتمع، لتُنَظِّمَ أمورَها فوقه برأسِ المالِ والربح، فقد يَتركُ تَسَلسُلُ الكوارثِ الطبيعيةِ كلَّ البيئةِ والمجتمع وجهاً لوجهٍ أمام يومِ القيامة.
يتمُّ سردُ الكثيرِ في تاريخِ البشريةِ عن عاقبةِ النماردةِ والفراعنةِ المنزوين في قِلاعهم وأهراماتهم السببُ واضح، فمهما يَكُنْ، فكلُّ واحدٍ من النماردةِ والفراعنة كان احتكاراً مُحَصَّناً بمزاعمَ إلهية شخصاً كان أم نظاماً. أجل كانوا أعظمَ أمثلةٍ لاحتكاراتِ رأسِ المالِ اللاهثةِ دوماً وراء الربحِ في العصورِ القديمة. لَكَم هم شَبيهون بالاحتكاراتِ المنزويةِ في ساحاتِ المدنِ الراهنة وحُكماً ثمة فوارق بينهم مِن حيث الشكل وليس مِن حيث المضمون. إذ لا تستطيعُ القِلاعُ والأهراماتُ مُنافَسَةَ الساحاتِ الحالية رغمَ كلِّ عَظَمَتِها. علماً أنه لا يُمكِنُها مُنافَسَتها مِن حيث التعدادِ أيضاً. فإذا أحصَينا الفراعنةَ والنماردة، فإنّ إجماليَّ تعدادِهم لا يتعدى بضعةَ مئات. بينما يبدو أنّ عددَ الفراعنةِ والنماردةِ المعاصرين يناهزُ مئاتِ الآلافِ منذ الآن. لكنّ البشريةَ لَم تَتَحَمَّلْ بضعةً من النماردةِ والفراعنة في العصورِ القديمة، فراحت تَئِنُّ تحت وطأتهم. فإلى متى ستُعاني البشريةُ مِن ثِقَلِ مئاتِ الآلاف منهم؟ وهم الذين يُعَرِّضون كلَّ البيئةِ والمجتمعِ للتَّفَسُّخِ والتشرذم، وكيف لها تَهدئةُ رَوعِها ووقفُ آلامها ومخاضاتها النابعةِ مِن كلِّ هذا القدرِ مِن الحروبِ والبطالةِ والمجاعة والبؤسِ الذي تَسَبَّبوا به.
واضحٌ وبشكل جلي وعلى عكس ما يُعتَقَد أنّه ما كان للعِلمِ في عصرِ الهيمنةِ الكبرى لسيطرةِ الاحتكارِ أنْ يَجِدَ جواباً لهذه التساؤلاتِ من خلال بُنيَتِه المُطَوَّقةِ أيديولوجياً بأعلى الدرجات، والمتأقلمةِ مع خدمةِ النظامِ القائمِ على أتمِّ وجه. فالعلمُ المنتَظَمُ والمُعلَنُ على أنه ببُنيتِه وأهدافِه ونمطِه يَهدِفُ إلى شرعنةِ النظام، قد أَثبَتَ عَجزَه عن التأثيرِ حتى بقدرِ الأديان. ولكن من الضروريِّ استيعابُ استحالةِ وجودِ علمٍ ليس أيديولوجياً. المهمُّ هنا هو إدراكُ كَونِه يُمَثِّلُ أيديولوجيةَ أيٍّ مِن المجتمعاتِ أو الطبقاتِ كعِلمٍ ومعرفة، وتحديدُ الموقفِ بموجب ذلك. قد يصبحُ علمُ الأيكولوجيا قوةَ الحلِّ المُثلى للطبيعةِ الاجتماعيةِ برمتها، وليس للبيئةِ فحسب فيما إذا حَدَّدَ موقعَه ضمن هذا الإطارِ كأحدِ أحدَثِ العلوم.
المجتمع الطبيعي:
بعد نحو عشرة آلاف سنة من التطوّر الاجتماعي الغامض، يجب علينا إعادة الدخول إلى التطوّر الطبيعي مجددًا. ليس بهدف النجاة من احتمالات كوارث إيكولوجية أو هلاك نووي، وإنما لإنعاش خصوبتنا في عالم الحياة، وأنا لا أعني أنّه علينا العودة إلى طريقة الحياة البدائية لأسلافنا، أو تسليم نشاطنا، و”البراعة التقنية” إلى الصورة الرعوية القائمة على السلبية والإذعان.
إنّنا نشوّه العالم الطبيعي عندما ننكر نشاطه وسعيه وإبداعه وتطوره وكذلك ذاتيته، إذ ليس بالإمكان تخدير الطبيعة. إنّ إعادة الدخول إلى التطور الطبيعي عبارة عن إضفاء طابع طبيعي للإنسان أكثر من إعطاء الطبيعة طابعًا إنسانياً. السؤال الحقيقي هو: متى تخاصمت الإنسانية مع الطبيعية؟ أو متى انفصل أحدهما عن الآخر؟ لقد كان تاريخ “الحضارة” عملية ثابتة من الابتعاد عن الطبيعة، بحيث تطوّرت بازدياد إلى خصومة صريحة، واليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فقدنا بصيرتنا عن الغاية الأخيرة التي تجعلنا جانبًا من جوانب الطبيعة، ليس بحاجاتنا ومصالحنا فقط، وإنّما بالاندماج مع الطبيعة واتصالنا وتأقلمنا معها وفي المحافظة عليها. وبصوت لا يقلّ حدّة ذكّرنا الفيلسوف الألماني المثالية “فيخته -Fichte” قبل قرنين من الزمن أنّ الإنسانية عبارة عن طبيعة أصبحت واعية ذاتيًا، إذ نتحدث عن امتلاء الذهن الذي يستطيع التعبير عن قدرة الطبيعة الكامنة على أن تعكس نفسها، وتعمل ضمن نفسها بنوع من الإرشاد والتصحيح الذاتي. إلّا أنّ هذه الفكرة تفترض أنّنا موجودون بشكل كافٍ ضمن الطبيعة، وأنّنا جزء من الطبيعة، لنعمل من أجل مصلحتها، وحيث أخطأ “فيخته” بوضوح في افتراضه بأن الاحتمال هو حقيقة، فنحن لم نعد الطبيعة تعطي وعيًا ذاتيًا، بل البشرية هي التي تعطي الوعي الذاتي، ربما يعطينا العقل المقدرة على لعب هذا الدور، لكننا نحن ومجتمعنا لا نزال غير عقلانيين أبدًا، ونحن بالتأكيد خطرون بدهاء على أنفسنا، وعلى كل ما يكون حولنا.
وستظلّ الطبيعة شيئًا (فقط في هذه الفترة لنخاف منها وليس لنبجّلها)، وسيبقى الناس أشياء موجهة أدواتيًا نحو العالم (جبناء وليسوا متغطرسين فقط في هذه الفترة)، وسيبقى المظهر الزائف الأخضر موجودًا، لكن صبغته ستزداد قتامة، وستبقى الطبيعة مشوهة والبشرية ذليلة في نظرنا، لكن “التلطيف” سيتخذ مكان أفران الصناعة الصلبة، ويحل الهذيان العاطفي محل صوت خط التجميع. دعنا نعترف على الأقل، وبكلمات “فولتير” التي لا تُنسى، أننا لا نستطيع أن نحبو على الأرض على أطرافنا الأربعة، ولا يجدر بنا أن نفعل ذلك، لأننا نقف منتصبين على أقدامنا، ونحافظ على براعة عقولنا وأصابعنا، سواء أكنا نعدُّ هذا الإرث نعمة أم نقمة. ولن نستطيع أن نتخلّص من الذاكرة، التي نقشتها “الحضارة” في أدمغتنا من خلال تخلّينا عن مقدراتنا على العمل بوعي ذاتي في المجتمع كما في الطبيعة، وسوف نهين ملايين لا تُحصى من الناس الذين كدحوا، وأُهلِكوا لتزويدنا بما هو ذو قيمة في المجتمع البشري. ناهيك عن عدد أكبر من ضحاياه الأبرياء.
فهذه التربة ليست مقبرة للموتى الأبرياء أكثر مما هي منبع للحياة، ويبدو أن المجتمع في تكريمه لأقوال مأثورة من نوع: “من الرماد إلى الرماد”، ومن الأرض إلى الأرض، كان يستجيب “لقانون العودة للطبيعية” لكن المجتمع أصبح غير عقلاني إلى حد كبير، وأصبحت حمّى القتل لديه هائلة جدا لدرجة لم تعد مؤسّساته تحترم أيّ قانون سواء أكان اجتماعيًا أم أيكولوجيا. لذلك دعونا لا نتحدث عن “الحضارة” و”ثمارها” أو عن “المصالحة” مع الطبيعة من أجل خير البشرية من النادر أن عدّ “الحضارة” “خيرًا” للبشرية، وكانت الطبيعية أقلّ من ذلك، وإلى أن نتخلّص من صورة “الكافتيريا” التي ندفع الطبيعةَ ثمنًا “للوجبات السريعة التي تقدّمها”، ستبقى علاقتنا مع المحيط الحيوي تعاقدية في عمقها، وسنظلّ نعمل في عالم مهلهل من المفاضلات على الفائدة بالنسبة إلى التكلفة و”صفقات” على “مصادر” الطبيعة. لا يمكن إلا للرغبة الأكثر تلقائية بأن تكون طبيعية أي أن تكون خصبًا ومبدعًا وإنسانًا في الجوهر، أن تبرر حقنا تحديدًا بإعادة إدخال التطور الطبيعي ككائنات اجتماعية واعية. إذً ماذا يعني أن تكون “إنسانًا جوهريًا، وأن تكون “طبيعيًا” بمعنى أعمق من المعنى العاميّ وقبل كل شيء، ما “الطبيعة البشرية”، أو ما الطبيعي في الكائنات البشرية؟ وهذا يساعدنا مرة أخرى على العودة إلى مهد الحياة الاجتماعية – التطور الممتد للشباب وعلاقة الطفل بالأم – الذي أخذنا منه مفهومنا عن العقلانية التحررية. وما ظهر من تقارير “بريفو – Briffault”، ومن الأنثروبولوجيا الجديدة مؤخرًا، والذي حلّ بنجاح محلّ الدراسات الفيكتورية عن “المجتمع الهمجي”، هو الإدراك المفروض بأن ما نسميه “طبيعة بشرية” عبارة عن عملية “ارتباط” متجذّرة بيولوجيًا، وهي عملية يكون فيها التعاون والدعم المتبادل والحبّ سمات طبيعية وثقافية أيضا. وكما يؤكد بريفو
إنّ عملية النضج الجسدي الطويلة لدى الجنس البشري تحوّل الطبيعة الفردانية للإنسان إلى شكل من الارتباط المكوّن بيولوجيًا، وبالتأكيد هذا التكوين ليس فقط من فردانية، بل من شخصية تقوم على أن تكون عضوًا نشيطًا من مجموعة اجتماعية دائمة، وقبل كلّ شيء يتضمن المجتمع عملية تنشئة اجتماعية تقوم على الحوار والتسلية التبادلية، والعمل المشترك والاحتفالات الطقسية للمجموعة، وتطوير الثقافة المشتركة. ومن هنا فقد تم تشكيل الطبيعة البشرية عبر عملية عضوية، ومن المؤكد أنها تشكّلت في البداية من خلال استمرارية نزعات التعاون والترابط الطبيعية في حياة الفرد الشخصية، وربما تقوم الثقافة بتوضيح هذه النزعات وتمدّها بسمات نوعية جديدة (كاللغة، والفن والمؤسسات المشكّلة سياسيًا)، وتُنتج بالتالي ما يمكن تسميته بالمطلق مجتمعًا، وليس مجرّد جماعة، لكن الطبيعة ليست مجرد مرحلة تظهر في المجتمع ثم تختفي، فالطبيعة موجودة دومًا. وسيدرك المجتمع الإيكولوجي تمامًا أنّ الحيوان البشري مبني بيولوجيًا ليعيش مع نوعه، ويعتني به ويحبه ضمن مجموعة اجتماعية محدّدة بحرية وعلى نطاق واسع، ولن يتم فهم هذه السمات البشرية على أنّها مجرّد ميزات للطبيعة البشرية، بل هي التي تكوّنها وتشكلّها، وأنه لا غنى عنها بالتأكيد لتطوير ذاتية الإنسان وشخصيته، إذ لا يمكن اعتبار سمات من هذا النوع مجرد آليات للبقاء أو ميزات اجتماعية للجماعة البشرية البيولوجية، وإنّما باعتبارها المواد التي تدخل في بنية المجتمع الإيكولوجي تحديدًا.
هل يمكننا إذًا أن ندمج العادات القديمة المتمثلة في حق الانتفاع والتكاملية ومساواة غير المتساوين في رؤية جديدة للحرية؟ وما الحساسيات والتقنيات والأخلاق الأحدث التي يمكننا تطويرها، وما المؤسّسات الاجتماعية الأحدث، التي نأمل إنشاءها؟ إذا كانت حرية البشرية تنطوي على تحرّر الطبيعة عبر البشر، فبأية معايير ووسائل نستطيع إعادة إدخال التطور الطبيعي؟ نادرًا ما حاول “البدائيون” مصارعة الطبيعة، إذ حاولوا إقناعها بالملاطفة دومًا، وببطء وصب بالتراتيل الدينية والأغاني والاحتفالات الطقسية التي نسميها بحق رقصات، وتمّ كلّ ذلك بروح من التعاون داخل المجتمع نفسه، وبين المجتمع والطبيعة، تم تنظيم “الضرورة” بشكل جماعي لتعزيز التعاون، واستعمرتها “الحرية” قبل فترة طويلة من قيام جماعات ما قبل الكتابة بانتقاء لفظ للتمييز بينهما، ولم يكن معنا “الضرورة” و”الحرية” قد صِيغا من خلال الانفصال والتوتر، اللذين أحدثتهما “الحضارة” بينهما، ومن خلال الانضباط القمعي الذي فرضته “الحضارة” على البشر وغير البشر على حد سواء. إنّ فكرة الحرية التي أطلقها فورييه، هي الفكرة الأكثر شمولية التي واجهناها حتى الآن في تاريخ المثل التحررية. حتى “سوسّو” الملقّب بالروح الحرة ومع “الآدميين” الذين بدوا وكأنّهم أقلّ شمولية لأنّ فكرتهم بقيت ضمن نخبوية رابلييه الطوباوية. ويعد فورييه من نواحٍ كثيرة أول إيكولوجي اجتماعي يظهر في التفكير الراديكالي. وأنا لا أشير هنا إلى وجهات نظره حول الطبيعة فقط بل أشير إلى رؤيته للمجتمع، ويمكن اعتبار مجتمعه الخاص نظاماً إيكولوجياً اجتماعياً في سعيه الواضح لتعزيز الوحدة في التنوع، لقد قام بتفصيل وتحليل جميع المشاعر المحتملة التي ينبغي التعبير عنها ضمن جدرانها، وعلى الرغم من إساءة الفهم الشديد لهذا الطرح، إلا أنّه لم تكن ممارسة متحذلقة من جانب فورييه مهما بلغ مستوى عدم الموافقة على استنتاجاته.
قبل البحث في ملامح المجتمع الإيكولوجي العامة، علينا أولًا أن نبحث في مفهوم الكفاءة الفردية في إدارة الشؤون الاجتماعية، كما إنّ إنشاء مجتمع يُعدُّ كل فرد فيه قادرًا على المشاركة بشكل مباشر في صياغة السياسة الاجتماعية هو عبارة عن إلغاء فوري للهرمية الاجتماعية، وإبطال للهيمنة أيضا. وأنا أشير هنا إلى الأشكال الراديكالية للحركة النسوية، التي تشمل الأبعاد النفسية للهيمنة الذكورية، وإلى الهيمنة بحدّ ذاتها بالتأكيد وإلى الإيكولوجيا التي تصوّرها النظرة الاجتماعية، والشعور الشخصي وللمجتمع كقوالب بشرية حميمة للمساعدة والمنفعة المتبادلة، وعلى الرغم من أن هذه النزعات قد تتضاءل دوريًا وتتراجع لفترة من الزمن إلى الجزء الخلفي من اهتماماتنا إلا أنّها تخترق بعمق الجوهر الاجتماعي لعصرنا وأيديولوجياته.
إن ما يعزز تأثيرها على الوعي والممارسة المعاصرين هو المعنى الذي تقدّمه لنظرتنا إلى مجتمع إيكولوجي، وأعني هنا الوظيفة والإحساس بالاتجاه، فمجتمع كهذا هو أكثر بكثير من مجرّد مجموعة من المؤسّسات والحساسيات غير الهرمية، وبشكل حاسم تمامًا هي تعبّر عن الطريقة التي نتواصل بها مع الطبيعة ضمن طابع اجتماعي، وقد تعمّدت هنا استخدام “ضمن طابع اجتماعي” . أنا لست مهتمًا فقط بعمليات “الأيض” المهمة التي تُعدُّ جوهر فكرة ماركس عن العمل، ولا بتصميم تقنيات مناسبة عزيزة جدا على قلوب مهندسي البيئة، بل أنا مهتم جدا بالوظائف التي نضيفها إلى مجتمعاتنا كنظم إيكولوجية اجتماعية أي الدور الذي تلعبه هذه الوظائف في المناطق البيولوجية، التي تقع فيها. ثم إنّه لأمر شائع أن تتفاعل كل مؤسسة بشرية بالضرورة مع الطبيعة النقية أو كما تسمى الطبيعة العذراء وهذه الفكرة التي تشير إلى أن البشر وأعمالهم هي في جوهرها “غير طبيعية”، أو أنّها تتعارض مع “نقاء الطبيعة”، أو “عذريتها”، فهي تعكس بدقّة صورة “حضارة” الإنسان باعتباره كياناً اجتماعياً بحتاً، وصورة المجتمع باعتباره عدواً للطبيعة، وذلك فقط بحكم خصوصية الحياة الاجتماعية وتميّزها، والأسوأ من ذلك أنها تشويه للغاية لحقيقة أن البشرية هي ظهور من مفاهيم الطبيعية، مهما بلغ مستوى تفرّدها وتدميرها، ومن هنا ظهرت الأسطورة، التي تقول: إن على “الإنسان” أن يسلخ نفسه عن الطبيعة (حسب ماركس)، أو “يتجاوز” أصوله الرئيسة (حسب “سالينز.
يجب أن يبدأ مفهوم المجتمع الإيكولوجي من شعور بالاطمئنان بأن المجتمع والطبيعة ليسا متناقضين بالفطرة. وفي نظرتنا المميزة للاختلاف على أنه شكل من أشكال التعارض والاغتراب، سمحنا لجوانب المجتمع البشري الفريدة أن تشوش إدراكنا عن قواسمها المشتركة مع الطبيعة باعتبارها “فجوة” في منطقة بيولوجية معينة ونظام إيكولوجي معين، وبدقّة أكثر، سمحنا بحدوث خلل في “الحضارة” – تمثيلها للطبيعة والبشر، تمثيلها للعلاقات الهرمية والطبقية وعلاقات الهيمنة والاستغلال – يمكن تفسيره على أنّه سمات اجتماعية معينة، ومن هنا أصبح المجتمع المشوّه يمثل مجتمعًا من هذا النوع، وكانت النتائج أن سمات معاداة البشرية والطبيعة تصبح مرئية فقط عندما نقارن هذا المجتمع المشوّه بالمجتمع العضوي، ومن دون الاستفادة من هذا الإدراك المتأخر، فإنّنا سنقوم من دون وعي بتمجيد ذلك الخلل في “الحضارة” كدليل على “انسلاخ” المجتمع عن الطبيعة، ثم تتحوّل أقصى العيوب لدينا إلى “نجاحات” غير مبرّرة أبدًا، وتصبح أفعالنا ومؤسساتنا اللاعقلانية “ثمار” العقل البشري والإرادة. إن طرد البشرية من جنّة عدن، لا يعني أن علينا أن نعادي الطبيعة، بل هو استعارة لوظيفة إيكولوجية بارزة وجديدة: الحاجة إلى إنشاء حدائق أكثر خصوبة من جنة عدن ذاتها.
ويمكن أن نتخيّل هذه المناطق مخترقة بجداول مائية ومحاطة بالبساتين، ولها محيط مادي بعيد جدا عن إمكانية انتهاكه، ومُحاط بمناظر طبيعية جميلة، وثمة تربة خصبة للتنوع النباتي، وحيواناتنا الأليفة، وفي حال تواجد هذه المعطيات كلّها ستزدهر الحياة البرّية أيضا، يمكننا أن نأمل بنهوض الكومونة لتتعايش مع أشكال الحياة باعتبارها مصدرًا للغذاء، حيث تنتمي أشكال الحياة إلى النظم البيئية وتندمج فيها. هذ النوع من المجتمعات الإيكولوجية اللامركزية، والمقيسة بأبعاد إنسانية، يوافق “قانون العودة” إلى الطبيعة من خلال إعادة تدوير نفاياتها العضوية لتتحول إلى سماد للحدائق وبعض المواد الناتجة، التي يمكن أن تدخل في مجال الحرف اليدوية وبعض الصناعات. وقد نتوقّع منها أن تدمج الطاقة الشمسية والهوائية، والهيدروليكية، والمنشآت، التي تُنتج غاز الميتان في نماذج جديدة لإنتاج الطاقة. ما لا يمكن للبشرية أن تخسره هو شعورها بالاتجاه الإيكولوجي والمعنى الأخلاقي، الذي تعطيه لمشاريعها، وكما ذكرت سابقًا، لن يكون لتقنياتنا البديلة سوى القليل من المعنى أو الاتجاه الاجتماعي إذا تم تصميمها بعد أخذ الأهداف التكنولوجية بعين الاعتبار، وعلى المنوال ذاته، ستكون جهودنا في التعاون مخيّبة للآمال إذا ما اجتمعنا لمجرّد “النجاة” من مخاطر الحياة في نظامنا الاجتماعي السائد، حيث يمكن لتقنياتنا أن تكون إما محفّزات لاندماجنا مع العالم الطبيعي، أو فجوات تفصلنا عنه، حيث من المستحيل أن تكون هذه التقنيات محايدة أخلاقيًا. لقد عزّزت “الحضارة” وأيديولوجياتها التوجه الأخير؛ أي يجب على الإيكولوجيا الاجتماعية أن تعزّز ما قبلها. فقد تم اختبار التقنيات السلطوية الحديثة بعيدًا عن قدرة البشر على التحمّل من خلال تاريخ مضلل من الدمار الطبيعي والإبادة الجماعية البيولوجية بالتأكيد. وستتطلّب المكافآت، التي يمكن أن نحصل عليها من الحطام الذي أنتجه هذا الدمار الطبيعي عملية غربلة دقيقة للغاية لدرجة أن حجّة مفهومة واحدة يمكن أن تجعلنا ندير ظهرنا لكل هذا الدمار، لكنّنا بالفعل غارقون فيه لدرجة لا يمكننا تخليص أنفسنا منه بسهولة، لقد أصبحنا عالقين في خدماته اللوجستية الاقتصادية، وأنظمة النقل والتقسيم الاقتصادي، والتقسيم الوطني للعمل وأيضا القدرة الاقتصادية الكبيرة، ولكيلا نغرق تمامًا في هذا الحطام، علينا أن نتعامل بحذر – أي أن نبحث عن أرضية صلبة تمكننا من الحصول على فائدة حقيقية من العلوم والهندسة، ونتجنّب الوجه القاتم لها، وما يقدمه من الأسلحة وتقنيات سلطوية غرضها السيطرة الاجتماعية.
لكن علينا في نهاية المطاف أن نهرب من هذا الحطام بما نستطيع إنقاذه من غنائم، ونعيد صياغة تقنياتنا بالكامل في ضوء أخلاق إيكولوجية تتخذ مفهومها عن “الخير” نقطة انطلاق من مفاهيمنا عن التنوّع والكمال والطبيعة الخاضعة للوعي الذاتي، أيّ أحكام أخلاقية يكون فيها “الشرّ” متأصلًا في التجانس والتسلسل الهرمي، ومتجذّرًا في مجتمع هدأت فيه الحساسيات خلف فكرة إعادة الانبعاث. إنّ الخوف والألم والموت السريع الذي يأتي به الذئب إلى “الوعل” المريض أو العجوز ليس دليلًا على المعاناة أو القسوة في الطبيعة، بل على طريقة للموت ترتبط أساسًا بالتجديد والاستقرار الأيكولجي. تنتمي المعاناة والقسوة إلى عالم من الكرب الشخصي، والاضطراب الخالي من المعنى، والانحدار الأخلاقي لأولئك الذين يعذبون الضحية، ولا يمكن تطبيق هذه المفاهيم على التخلّص من كائن حي لم يعد يعمل على مستوى يجعل حياته مقبولة. إذ يكون لدينا تشويه هائل عندما نربط كلّ ألم بالمعاناة، وكل افتراس بالقسوة، كما أنّ المعاناة من آلام الجوع والإصابات النفسية والشعور بعدم الأمان والإهمال والوحدة والموت في الحرب، وكذلك الصدمات طويلة الأمد والأمراض التي تنتهي بالموت، لا يمكن مقارنتها بفترة ألم قصيرة تترافق مع الافتراس وحقيقة الموت المجهولة، فمن النادر أن تكون تشنّجات الطبيعة بقساوة المحن بالغة التنظيم، التي يطبقها المجتمع البشري على الحيوانات الحيوية المعافاة وكذلك على الإنسان، وهي آلام لا يمكن إلا لعقل الكائن البشري البارع أن ينفّذها.
إنّ عظمة الإحساس الإيكولوجي الأصيل، في تباين مع البيئة الظاهرية السائدة اليوم، هي أنها تزودنا بالقدرة على تعميم هذه العلاقات المميزة بالخصوبة والدعم، واعتمادها على التنوّع كأساس للاستقرار، وتمنحنا الحساسية الإيكولوجية نظرة راسخة تفسيرية بالمعنى الكامل للمصطلح، وأخلاقية بشكل علني تقريبًا. إنّ “الحضارة” كما نعرفها هي اليوم أشدّ صمتًا من الطبيعة، التي تدعي الحضارة أنها تتحد عنها، وأشدّ عمى من القوى الأولية، التي تدعي أنها تتحكم بها، وبالتأكيد، تعيش “الحضارة” بكراهية للعالم المحيط بها وبكراهية شديدة لنفسها، فمدنها التعيسة وأراضيها المهجورة وهواؤها وماؤها المسمومان، وجشعها الهائل عبارة عن اتهامات يومية بطباعها اللا أخلاقية البغيضة. قد يكون عالماً منكوباً بهذه الطريقة بعيدًا عن الخلاص، ضمن شروط إطاره الأخلاقي والمؤسّساتي على الأقل. نيران “راجناروك” طهّرت عالم الشعوب الاسكندنافية. النيران التي تهدّد بابتلاع كوكبنا ربما تبقيه مُعاديًا للحياة بشكل يدعو لليأس، وشاهدًا ميتًا على فشل الكون، وفقط لأنّ تاريخ هذا الكوكب، بما فيه تاريخ الإنسان، كان مليئًا بالوعود والأمل والإبداع، فهو يستحق قَدَرًا أفضل مما يبدو أنّه سيواجهه في السنوات القادمة.
يُعَدُّ اختلالُ التوازنِ الحساسِ للعلاقةِ بين المجتمع والبيئة من القضايا الأساسيةِ الناجمة عن نظامِ المدنية. ولَطالما بَقِيَت الطبيعةُ الاجتماعيةُ مرتَبِطةً بهذا التوازنِ الحساس، من خلالِ تناغُمها مع البيئة طيلةَ وجودِها وأطوارِ تطوُّرِها المديدة. ويُعزى عدم العثورِ على حالاتِ الشذوذِ والانحراف، التي قد تُخِلُّ بالتوازنِ بشكلٍ جذريٍّ خلالَ تَطَوُّرِها التلقائيّ، إلى كونه من دواعي التَطَوُّرِ الطبيعي. فالأنظمةُ تتقدَّمُ أساساً على خلفيةِ تَغذيَةِ بعضها بعضاً، وليس بإفناءِ بعضها بعضاً. ولدى حدوثِ الانحرافات يتوجبُ تجاوزُها من قِبَلِ منطِقِ النُّظُمِ القائمة. بهذا المعنى، تَظهَرُ المدنيةُ كشذوذٍ ضمن نظامِ الطبيعةِ الاجتماعية. ومهما تمَّت الإشارةُ إلى “نظامِ المدنية”، إلا إنّ هذه العبارةَ ذاتُ قيمةٍ دعائية، لا غير. حيث ابتُدِعَ هذا المصطلحُ لإقامتِه مقامَ نظامِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ الحقيقيّة. فبينما تُطلَقُ تسمياتُ “البربرِ والبدوِ الرُّحَّل والمجموعاتِ الهامشية” على مَن يُشَكِّلُ صُلبَ نظامِ الطبيعة الاجتماعية، فقد وُجِدَت تسميةُ “نظامِ المدنيةِ” لائقةً بالشبكاتِ والعصاباتِ المتَطَفِّلةِ على القِيَمِ الاجتماعية. لكن، وأَيَّما كانت الزاويةُ التي ننظُرُ منها، فإنّ الحروبَ والنهبَ والسلبَ والدمارَ والإباداتِ والاحتكاراتِ والضرائبَ والإتاواتِ تُعدُّ علاماتٍ رئيسيةً لتَصاعُدِ المدنية؛ وهي خليقةٌ بنَعتِها بـ”البربريةِ الحقيقية”. بينما الدمارُ المستمرُّ للقرى والمدن، وقتلُ ملايينِ البشر، وإخضاعُ سَوادِ المجتمعِ لنظامِ الاستغلالِ ليس ضرورةً طبيعيةً من ضروراتِ نظامِ الطبيعةِ الاجتماعية، ولا يُمكِنُ نعتُ ذلك إلا بالحالةِ الشاذةِ عن هذا النظام.
تاريخُ المدنيةِ المعمرةِ خمسةُ آلافِ عام هو في الوقتِ نفسِه تاريخُ تَطَوُّرِ وتَعاظُمِ هذا الانحراف. وانفجارُ الكوارثِ الأيكولوجيةِ في عصرِ الرأسماليةِ التي انتَعشَت المدنيةُ فيها إلى أقصاها، برهانٌ قاطعٌ لا يَقبَلُ التفنيدَ بشأنِ حقيقةِ هذا الانحراف. بينما لم تُسفِر الطبيعةُ الاجتماعيةُ عن هكذا كوارث في غضونِ حياتِها الممتدةِ إلى ثلاثة ملايين عامٍ على وجهِ التقريب. فأنظمةُ المجتمعِ والبيئةِ كانت تُغَذِّي بعضَها بعضاً. أما الأزماتُ الأيكولوجيةُ المستفحلةُ والمتفجرةُ في تاريخِ المدنيةِ الوجيز، فمرتبطةٌ بمضمونها الهَدَّامِ الهادفِ إلى الربح. الأمرُ ليس منحصراً بالربحِ الرأسماليِّ فحسب. بل وسارَت مُراكَمَةُ القِيَمِ المُفرِطةُ يداً بيَدٍ مع دمارِ كِلتا الطبيعتَين خلالَ جميعِ مراحلِ المدنية. الأهراماتُ أيضاً تَرَاكُم. ولكن، بالمقدورِ تَصَوُّرُ مدى وماهيةِ الدمارِ الاجتماعيِّ الناجمِ عنها بصورةٍ تقريبية. والمُراكَماتُ الشبيهةُ التي لا حصرَ لها قد حَمَّلَت البيئةَ أحمالاً إضافيةً على الدوام. وجَلَبَ الانهيارُ الاجتماعيُّ الانهياراتِ البيئية معه. فبُنَى الحداثةِ الرأسماليةِ المرتكزةُ على الربحِ الاحتكاريِّ اللامحدودِ قد حَمَّلَت المجتمعَ وتوازُنَه القائمَ مع البيئةِ أعباءً تَفُوقُ طاقتَه مِراراً وتَكراراً، لنَدخُلَ في نهايةِ المطافِ عصرَ الأزمةِ الأيكولوجيةِ العارمة. دورُ الصناعويةِ الاستراتيجيُّ مُعَيِّنٌ في ذلك. والتصنيعُ والحداثويةُ المعتمِدان على محروقاتِ المستحاثات عامِلان أوليانِ في هذا التعيين. فضلاً عن أنّ استخدامَ محروقاتِ المستحاثاتِ في السيارات أدى بشكلٍ غيرِ مباشر إلى الكوارثِ التي تَسَبَّبَت بها حوادثُ السير، والتي بدَورِها أَسفَرَت عن سلسلةٍ متصلةٍ من الدمار. وهكذا تتحوَّلُ الكوارثُ البيئيةُ إلى نَكَباتٍ اجتماعية، وتتحوَّلُ هذه الأخيرةُ إلى كوارثَ بيئيةٍ مرةً أخرى، مَشَكِّلَةً بذلك سلسلةً من التفاعُلاتِ المنعكِسة. لذا، من الخطأِ تسميةُ عصرِ الرأسماليةِ بعصرِ العقلانية. فالتراكُمُ جَشَعٌ أعمى ولَعين. فمن خلالِ النتائجِ الظاهرةِ للعَيانِ يَتَبَدَّى أنّ التراكُمَ كلَّه تَحَرَّكَ طيلةَ التاريخِ بعَماء، لا بموجبِ عقلانيةِ المجتمعِ–البيئة. قد يَكُونُ عقلانياً على الصعيدِ التحليلي. ولكن، تَبَيَّن كفايةً أنّ الذكاءَ التحليليَّ ذكاءٌ أعمى وتدميريٌّ تماماً بالنسبةِ للذكاءِ العاطفيِّ الوحيدِ الذي تَتَّسِمُ به البيئة.
بناءً على إيضاحاتنا السابقة، يمكننا القولُ، أنّ البيئةَ لَم تَعُد تُطِيقُ تَحَمُّلَ ظاهِرَتَي التَّضَخُّمِ السكانيِّ وتَعاظُمِ المدينة، اللتَين تسارَعَتا بإفراط مع تَحَوُّلِ المدينةِ والطبقةِ الوسطى إلى بؤَرٍ للسلطة. كما لا تستطيعُ طبيعةُ المجتمعِ أيضاً تَحَمُّلَهما. فتَعاظُمُ السلطةِ والدولةِ بالتداخلِ مع مسارِ مُراكَمَةِ رأسِ المالِ يَتمَيَّزُ بأحجامٍ وأثقالٍ لا يُمكِنُ لأيِّ تَوازُنٍ اجتماعيٍّ وبيئيٍّ تَحَمُّلها. وتداخُلُ أزمةِ البيئةِ والأزماتِ الاجتماعيةِ واكتسابُها السيرورةَ متعلقٌ أيضاً بالتعاظُمِ الاحتكاريِّ في كِلتا الساحتَين، حيث تُغَذِّيان بعضهما البعضَ كنِظامَي أزمة. كلُّ التشخيصاتِ العلميةِ تُجمِعُ على أنه في حالِ استمرارِ هذه الزوبعةِ خمسين سنةً أخرى، فسيَصِلُ الانهيارُ أبعاداً لا تُطاق. لكنّ الطابعَ الأعمى لاحتكاراتِ رأس المالِ والسلطة، والذي يؤدي إلى الدمار، لا يَرى ذلك ولا يسمَعُه. إنه كذلك بحُكمِ جوهرِه.
يتطورُ علمُ البيئةِ وحركاتُه الحديثةُ العهدِ نسبياً مع مرورِ الأيام. ومثلما الحالُ في حقيقةِ المرأة، فإنّ الوعيَ يتنامى مع تَقَدُّمِ العلمِ بشأنِ ظاهرةِ البيئة، وتتصاعدُ الحركةُ مع تنامي الوعي. إنها الحركةُ الأكثر رواجاً في المجتمعِ المدني. إذ تَجذبُ المُنادين بالاشتراكيةِ المشيدة والأنارشيين طردياً، كونها الحركةَ التي تَفرضُ تضادَّها مع النظامِ أكثر من غيرها. كما اتَّسَمَ الانخراطُ فيها بنوعيةٍ عابرةٍ للقومياتِ والطبقاتِ لأنّ المجتمعَ كُلَّه معنيٌّ بها. هنا أيضاً نستطيعُ ملاحَظةَ الآثارِ الكثيفةِ للهيمنةِ الأيديولوجيةِ الليبراليةِ على هذه الحركة. ومثلما الحالُ في كلِّ قضيةٍ اجتماعيّة، فإنّ الليبراليةَ تغضُّ النظرَ عن المضمونِ البنيويِّ للقضيةِ الأيكولوجيةِ أيضاً، سعياً منها لإلقاءِ المسؤوليةِ على التقنيةِ ووقودِ المستحاثاتِ والمجتمعِ الاستهلاكي. مع أنَّ هذه الظواهرَ الجانبيةَ جمعاء هي منتوجُ نظامِها (لانظامِها) الحداثَوي. بالتالي، ومثلما الحالُ في الحركةِ الفامينية، فإنّ الحركةَ الأيكولوجيةَ بحاجةٍ ماسةٍ إلى الحسمِ الأيديولوجيّ. يجب إخراجُ تنظيمِها وممارستِها من شوارعِ المدينةِ الضيقة، وسَكبِها على المجتمعِ أجمع، وبالأخص على مجتمعِ القرية – الزراعةِ الريفي. فالأيكولوجيا أساساً دليلُ عملِ ممارسةِ الريفِ والمجتمعِ القرويِّ– الزراعي وجميعِ البدوِ والعاطلين عن العملِ والنساء.
هذه الوقائعُ التي تُشَكِّلُ أرضيةَ العصرانيةِ الديمقراطيةِ أيضاً، تشيرُ بكلِّ جلاءٍ إلى أهميةِ الدورِ الذي ستلعبه الأيكولوجيا في نشاطاتِ إعادةِ الهيكلة.
التكنولوجيا والإنتاج
في محاولتنا لفحص التكنولوجيا والإنتاج، نواجه مفارقة غريبة، ويمزّقنا بشدّة شعور عميق بوعود تتعلّق بالابتكار التقني من جهة، وبالإحباط الشامل من نتائجها من جهة أخرى، ولا يعكس هذا الموقف المزدوج تعارضًا في الأيديولوجيات الشائعة المرتبطة بالتكنولوجيا فقط، بل يعبّر عن شكوك قوية من ناحية الخيال التكنولوجي الحديث نفسه، فنحن في حيرة من أمرنا لأنّ تلك الأدوات التي تخيّلتها أذهاننا، وابتكرتها أيدينا يمكن أن تنقلب ضدنا بسهولة، وتؤثر بشكل كارثي على رفاهيتنا، وعلى بقائنا كجنس بشري. من الصعب على جيل الشباب اليوم أن يدركوا كيف أنّ هذا الصراع الشاذ في التصوّر والتوجه التكنولوجي لم يظهر إلا منذ بضع عقود فقط، حتى أنّ بطلًا شهيرًا صعب المراس مثل “وودي غوثري – Woody Guthrie” احتفل ذات يوم بالسدود الضخمة والمطاحن العملاقة، التي تحظى اليوم بالكثير من الاحتقار، فالأشخاص الذين خاطبهم “غوثري” ورفاقه المتطرّفون في ثلاثينيات القرن العشرين كان لديهم تبجيل عميق للتكنولوجيا، وتحديدًا تلك المهارات والأجهزة، التي تُصنّف الآن تحت عنوان “تقنيات” أما الآلات الجديدة والأعمال الفنية فلم تنل إعجاب خبراء المستقبل والشركات المصنّعة والمختصين فحسب، بل إعجاب عامة الناس في جميع مناحي الحياة.
إنّ المصير القاتم، الذي يتخلّل ببطء استجابة الإنسانية الغربية للتقنيات مُستمد في الجزء الأكبر منه من الازدواجية الأخلاقية نحو الابتكارات التقنية، وقد تم تعليم العقل الحديث على تعريف التعقيد التكنولوجي بأنّه “الحياة الجيدة”، وإلى حدّ بعيد بأنّه التقدّم الاجتماعي، الذي يبلغ ذروته في حرية الإنسان، ليس من منظور تاريخي على الأقلّ، واليوم، تنظر الغالبية العظمى من الناس إلى “الحياة الجيدة” أو “العيش بشكل جيد” (مصطلحات يعود تاريخها إلى أرسطو) باعتبارها أمانًا ماديًا وحياة غنية للغاية بالتأكيد، لكن بقدر ما يمكن أن يكون هذا الاستنتاج منطقيًا في عصرنا، فهو يتعارض بشدة مع أصوله الهيلينية، إذ أنّ تمييز أرسطو الكلاسيكي بين “العيش فقط” (حياة يُقاد فيها البشر بشكل وحشي لامتلاك الثروة دون حدود) و”العيش بشكل جيّد” أو ضمن “حدود”، يلخّص فكرة العصور القديمة الكلاسيكية عن الحياة المثالية، فأن “تعيش بشكل جيّد” أو تعيش “حياة جيّدة” هو أمر ينطوي على حياة أخلاقية لا يلتزم فيها المرء برفاه أسرته وأصدقائه، بل أيضا برفاه “المدينة” ومؤسساتها الاجتماعية.
أما العيش “حياة جيدة” ضمن حدود، فيسعى المرء لتحقيق توازن واكتفاء ذاتي؛ أي حياة منضبطة متطورة من الجوانب كافة، لكن الاكتفاء الذاتي الذي يجسّد فيما يتعلق بأرسطو هذه المجموعة الخيالية من المثاليات “لا يعني أنّه اكتفاء ذاتي لإنسان بحد ذاته، لإنسان يعيش حياة منعزلة، بل للأهل والأطفال والزوجة، ولأصدقائه بشكل عام ورفاقه المواطنين، الانقسام بين الصورة الحديثة للحياة الغنية ماديًا، والمثل الأعلى الكلاسيكي للحياة الذي قام على أساس الحد يوازي الانقسام بين المفاهيم المعاصرة والكلاسيكية للتكنولوجيا، فالتقنيات فيما يتعلق بالعقل الحديث، هي عبارة عن مجموعة من المواد الخام، والأدوات والآلات، والأجهزة المرتبطة واللازمة لإنتاج أداة قابلة للاستخدام، والحكم النهائي على القيمة التقنية للمادة ومدى الرغبة بها هي جاهزيتها للعمل، حيث تعتمد على الكفاءة والمهارة والتكلفة، والتكلفة في الواقع تلخّص إلى حدّ كبير جميع العوامل التي تُثبت صحّة الإنجاز الفني، لكنها للعقل التقليدي، وعلى النقيض من ذلك، فإنّ “البراعة الفنية” (أو الحرفة اليدوية) معنى أعمق بكثير، فقد وُجِدَت ضمن مضمون اجتماعي وأخلاقي لا يُسأل المرء فيه عن “كيف” تم إنتاج قيمة الاستخدام بل “لماذا”.
ونظرًا لتأكيدناعلى إضفاء طابع اقتصادي على حياة المجتمع، وميولنا نحو الابتكار التقني، وصورتنا عن العمل، بأنه “وقت عمل” متجانس، ربما يكون المجتمع الحديث واعيًا لنفسه كعالم يقوم على العمل أكثر من أي مجتمع قبله، وبالتالي فقد نلقي أحيانًا نظرة على الخلف لكن ذلك سيكون فقط من أجل اختراق السحب التي تحجب رؤيتنا. وهكذا فإنّ موطن الإنسانية يكمن في الظواهر “الموجودة”، وهناك ظواهر أخرى “قادمة”، ويبقى هناك ظواهر “سوف تكون يومًا”، ولا يمكن لصورنا عن التقنيات أن تتجنب الطبيعة المتدفقة للغاية في هذا العالم الذي نعيش فيه، وطبيعة البشرية نفسها المتدفقة للغاية، ويجب على المخيّلة التصميمية لزمننا أن تكون قادرة على احتواء هذا التدفق، وهذا الديالكتيك (باستخدام مصطلح يُساء استخدامه كثيرًا)، دون أن تتجنّبه بالغطرسة الوحشية والثقة المتزمّتة بالنفس، وأن نساند بيئتنا الهشة أساسًا فقط من أجل ما “يمكن للبشرية وحدها أن تكون” يعني أن نغمر العالم بظلمة، هي إلى حد كبير من صنعنا، ولتشويه الوضوح الذي أنتجه تطوّر حكمتها القديم، نحن لانزال لعنةً على التطور الطبيعي، وليس إنجازاته، فحتى نصبح ما ينبغي علينا أن نكون في كوكبة الحياة، من الأفضل لنا أن نعيش بخوف مما يمكن أن نكون عليه.
من النظام إلى العقل إلى المعنى، من التاريخ الطبيعي المتدرّج للعقل إلى ظهور العقل البشري، ومن الذاتية العضوية للكلّ إلى الذاتية الدماغية لبعض أجزائه، ومن “الطريق” الأسطوري إلى “الطريق” الواسع الاطلاع، هذه التطورات كلّها مع فرضياتها المُسبقة المختلفة عن المعرفة ورؤية الواقع، لا تُنكر فرضيات العلوم التقليدية ورؤيتها. إنّها تشكك بادعاءات العلم بالعالمية ببساطة. ولوضع هذه المسألة في الاتجاه المباشر، فإنّ طرح سؤال عن كيفية وجود أشياء، هو غير كافٍ ما لم يكن بمقدورنا تسليط الضوء عليها بسؤال “لماذا”، فالأحداث، التي تفتقر إلى التماسك بالمعنى الأخلاقي هي مجرّد أحداث عشوائية، إذ أنّها ليست غريبة عن العلم فقط، بل عن الطبيعة أيضا، لأنّ الطبيعة تمقت الاختلاط الفوضى أكثر مما يمقته “الخلاء” الذي يُضرب به المثل، ويأتي فقدان المعنى مع الفوضى، ومن المهين جدا للعلم عند إعادة النظر في فرضياته المُسبقة الميتافيزيقة إفساح المجال لفرضيات ميتافيزيقية أخرى يمكن أن تسلّط الضوء على مناطق الذاتية، التي أثبتت النظرة العلمية بشكل صارم أنها عمياء نحوها.
هذه الملاحظات ليست أكثر من مرشد لمشروع أكبر هو مشروع فلسفة الطبيعة الذي يمكن أن نأمل منه أن يحل القضايا التي طرحتها، وإذا أخذناها كلّها معًا على أيّ حال سيكون تأثيرها على التكنولوجيا هائلًا جدا. وللتأكيد فقط، تبدو الآلة الصناعية، وكأنها أقلعت من تلقاء نفسها من دون سائق (وفقًا لعبارة “هوركهايمر”)، لكن تميل هذه الاستعارة لأن تكون ذريعة لفرض الكثير من الاستقلالية على الآلة، إذ لا يزال السائق موجودًا، كما علينا نحن الذين ابتكرنا هذه الآلة أن نصحو من سباتنا أكثر من الطبيعة نفسها، فقبل أن نطوّر الآلة بالكامل، كنا قد بدأنا بتنظيم أحاسيسنا وعلاقاتنا وقيمنا وأهدافنا حول مشروع كوني هدفه مكننة العالم، وما كنا قد نسيناه في هذه العملية هو أن نشغل تحديدًا هذا العالم الذي سعينا إلى مكننته.
القالب الاجتماعي للتكنولوجيا
وفقا للخطورة، التي وصلنا إليها بمكننة العالم، تظهر حقيقة عجزنا في الحياة عن تمييز الاجتماعي عن التكنولوجي، وبسبب عجزنا عن التمييز بينهما؛ نفقد القدرة على تحديد أيهما يدعم الآخر ويفيده، فهنا يكمن جوهر مشاكلنا في التحكم بالآلة. إنّنا نفتقر إلى الإحساس بالقالب الاجتماعي، الذي يجب أن يحتوي التكنولوجيا كلّها؛ أي إلى الإحساس بالمعنى الاجتماعي، الذي يجب أن تلبسه التكنولوجيا، وعوضًا عن ذلك، نواجه التصوّر الهيليني للحرفة أو “البراعة التقنية في صورة كاريكاتورية قبيحة: لم تعد البراعة التقنية خاضعة لما هو محدود، وأصبح مفهومنا الذي خلقه السوق عن البراعة التقنية، وأصبحنا نستخدم فيها مفردات (“المعلومات المدخلة”، “المعلومات الناتجة”، “الناتج المسترجع”، وما إلى ذلك) ونستخدمها على نطاق واسع لتوضيح علاقاتنا الداخلية العميقة، التي تزداد هشاشة وتفاهة بشكل تدريجي. فالفائض المادي الهائل لم يُنتج هرميات وطبقات حاكمة، بل كانت الهرميات والطبقات الحاكمة، هي التي أنتجت ذلك الفائض المادي الهائل، وربما يكون “ممفورد” محقًا تمامًا في ملاحظته، أنّ أقدم الآلات، التي ظهرت في التاريخ لم تكن مجموعة من المكوّنات التقنية غير الحية، بل كانت “آلة هائلة” حيوية للغاية مكونة من كائنات بشرية محتشدة أدّى عملها المنسّق الواسع إلى ظهور الأعمال العامة الضخمة، ومدافن “الحضارات. ولا “تتعايش” التكنولوجيا، والحرية إحداهما مع الأخرى، “كعالمي” حياة منفصلين، فإمّا أن يتم استخدام التقنيات لتعزيز النزعات الاجتماعية الأكبر، التي تجعل الجماعة البشرية تكنوقراطية وسلطوية، أو يجب خلق مجتمع حرّ يستطيع استيعاب التقنيات في كوكبة من العلاقات الإنسانية والإيكولوجية التحرّرية.
فالمسؤولية الأساسية للإيكولوجيا الاجتماعية هي إزالة غموض مفهوم “الطبيعة الشحيحة”، وتلك الصورة الحديثة عن تكنولوجيا “فائقة” بعدِّها شرًّا مزعجًا أكبر على الإيكولوجيا الاجتماعية، أن تثبت، أن الأنظمة الحديثة لإنتاج السلع والحاجات وتوزيعها وترويجها هي غير عقلانية أبدًا، وهي ضد الإيكولوجيا على حد سواء. وكيف يمكن لتنظيم المخيّلة أن يعزّز تنشيط علاقات الإنسان، والعلاقات البشرية بشكل عام، مع الطبيعة؟ كيف يمكن أن يساعد في إنهاء “كتم صوت الطبيعة” من خلال فتح آذاننا لسماع صوتها؟ كيف يمكن أن تضيف شعورًا بالتكافل المستمر للنشاط الإنتاجي العام للكائنات البشرية والطبيعية، وشعورًا بالمشاركة في الحيوية النموذجية للطبيعة؟ لكن بغضّ النظر عن الحكمة الاقتصادية، تعمل هذه الأنظمة على جعل العقل والروح يتحسّسان قوى الجيل الخاصة بالطبيعة، نحن نصبح مدركين أن الطبيعة أيضا لها “إيكولوجيتها” المعقدة أيضا، ولها دفعها الخاص نحو مزيد من التنوع والتعقيد، ونستعيد إحساسًا جديدًا بالتواصل مع العالم الإحيائي الداخلي الذي كانت الآلات غير العضوية قد حجبته عن مجال رؤيتنا، وحيث يتم تشبيه الإنتاج بالدراما في كثير من الأحيان علينا أن نتذكّر، أن دور الطبيعة هو أكثر من مجرّد “كورس” مرافق. فالطبيعة أحد أهم اللاعبين الأساسيين، وربما يكون لها الدور الأهم في التركيبة في لحظة معينة.
قد تَكُونُ فرصةُ تطورِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسطِ ممكنة، إذ ما أُلقِيَت خطوةٌ ملموسةٌ ومرحلية، اعتماداً على الظروفِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ للمنطقة. وعجزُ محاولاتِ استنساخِ الحداثةِ عن التطبيقِ خلالَ القرنَين الأخيرَين، إنما تؤيدُ صحةَ هذا الحُكم. وتُعَدُّ الأجواءُ الأيكولوجيةُ للشرق الأوسط، والتي تَبرعَمَ فيها المجتمعُ النيوليتيُّ وأطروحتُه المضادةُ للمدنيةِ حقلاً للحضارةِ الديمقراطيةِ وعصرانيتِها. فأراضي المدنيةِ المركزيةِ المتصاعدةِ على طولِ خمسة آلافِ عامٍ في أوديةِ أَنهُرِ النيلِ ودجلة والفراتِ والبنجاب، هي مراكزُ الأزمةِ الإقليميةِ الراهنة. والدولُ القوميةُ المُشَيَّدةُ في غضونِ القرنَين الأخيرَين كأكثر دعاماتِ الحداثةِ الرأسماليةِ تَعَصُّباً، إنما هي عاملٌ أساسيٌّ في هذه الأزمة. ونظراً لافتقارِ هذه الدولِ للمهارةِ في الشروعِ بالإصلاحِ والحذوِ حذوَ الاتحادِ الأوروبيّ، فإنّ الأزمةَ والفواصلَ البَينيةَ للفوضى تتفاقمُ بانكساراتٍ حادة. وبالرغمِ من انعكافِ أمريكا والاتحادِ الأوروبيِّ قوتين مهيمنتَين متحالفتَين للنظام، إلا أنّهما تُلاقِيان المشقاتِ في إيجادِ مَنفَذٍ من الفوضى البَينِيّة، ولهذا السببِ يَسُودُ العجزُ في إعادة هيكلة الدولةِ القومية. وهذا الوضعُ بِحَدِّ ذاتِه يُجَذِّرُ الأزمةَ العالميةَ ويُصَيِّرُها دائمةً من جهة، ويؤدي في الاتجاهِ المعاكسِ إلى تأثُّرهما بالأزمة، مُضاعِفاً بذلك من تعقيداتِ الفوضى العارمةِ من جهةٍ أخرى. بالتالي، لا ملاذَ من أزمةِ النظامِ البنيويةِ في الوطنِ الأمِّ للمدنيةِ المركزيةِ بالأغلب، وكأنها تَنتَقِمُ لذاتِها.
من المحالِ إنكار عيشِ حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ خاصةٍ في حاضرِنا. وهذه الحربُ أعمقُ نطاقاً وأطولُ زمناً من الحربَين العالميتَين الأولى والثانية. إذ لا تتواجدُ ولا تتشكلُ الطاقةُ الكامنةُ للنظامِ في المنطقةِ لتحديثِ نفسِه. وما يجري هو الانحلالُ والتفسخُ والتبعثر. من هنا، فأقوى احتمالاتِ النفاذِ والخلاصِ تتجسدُ في تصييرِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ نفسَها أطروحةً أولاً ثم توجُّهِها وضغطِها على النظامِ كأطروحةٍ مضادة؛ حيث أنها تَعمَلُ أساساً بموجبِ جميعِ التراكماتِ الثقافيةِ المقموعةِ في ظلِّ هذه الظروفِ في غضونِ الحقبةِ البادئةِ من تصاعدِ المدنيةِ السومريةِ كأطروحةٍ مضادةٍ للعصرِ النيوليتيّ، وصولاً إلى الحداثةِ الرأسماليةِ الراهنة.
دوامةُ “الأطروحةِ – الأطروحةِ المضادةِ– الجَميعةِ” مُلزَمةٌ بالبدءِ بالحِراكٍ ثانيةً ضمن التدفقِ المركزيِّ للتاريخ. وبشكلٍ ملموسٍ أكثر، ثمةَ حاجةٌ ماسةٌ مُجَدَّداً وقبلَ كلِّ شيءٍ لانطلاقةٍ كُلّيّاتيةٍ متكاملةٍ مرتكزةٍ إلى إرثِ الثقافاتِ، التي تشاطرَت وادِييِّ نَهرَي دجلة والفرات، والتي ظَلَّت تحيا كَكُلّيّاتيةٍ متكاملةٍ على مدارِ التاريخ. فالحقيقةُ التي لا تَحتَمِلُ الجَدَلَ هي أنّ الحدودَ الاصطناعيةَ المسماةَ اليوم بحدودِ الجمهورياتِ السورية،ِ والعراقيةِ والتركية، هي إرثٌ مُتَبَقٍّ من الهيمنةِ الإنكليزيةِ والفرنسيةِ، التي خَرَجت منتصرةً من الحربِ العالميةِ الأولى؛ وبالتالي أنّ تَجَزُّؤَ الثقافةِ التاريخيةِ الاجتماعيةِ تأسيساً على ذلك هو من ضروراتِ سياسةِ “فَرِّقْ– تَسُد” الجيوستراتيجية. لذا، يستحيلُ إنشاء الاتحاداتِ الثقافيةِ الثمينةِ في الهلالِ الخصيبِ التاريخيّ، ما لَم يُدرَكْ زيفُ هذه الحدودِ بعمقٍ وبكافةِ نتائجِه. والحماقةُ الكبرى هي الإيمانُ بقدسيةِ هذه الحدود (الأكثر بُعداً عن التقديسِ هو خطوط وحدودُ الهيمنةِ الدخيلةِ المشؤومة)، وعدم التفكيرِ أو الشروعِ في انطلاقةٍ ثقافيةٍ كُلّيّاتية. المَرامُ من الكُلّيّاتيةِ الثقافيةِ هو الثقافةُ الماديةُ والمعنويةُ المنسوجةُ حول القيمِ الديمقراطيةِ المفعمةِ بالمساواةِ والحرية. وهكذا ثقافةٌ ينبغي تفسيرُها وإنشاؤها بعقليةٍ قوميةٍ غيرِ قوموية، ودينيةٍ غيرِ دينَوية، ومجتمعيةٍ غيرِ جنسوية، وعلميةٍ غيرِ وضعية.
والتَوَجُّهُ صوبَ تأسيسِ “كومونةِ دجلة والفرات للزراعةِ والماءِ والطاقة” كخطوةٍ أولى في هذا المضمار، قد يَكُونُ جواباً مناسباً للتطورِ الكُلّيّاتيِّ للتاريخانيةِ والمجتمعيةِ على السواء. إننا بتحقيقِنا هذا الاتحادَ نَستَخلِصُ من تاريخِ المجتمعِ التاريخيِّ بالذاتِ أنّه أَبدَعَ المعجزاتِ على هذه الأرضِ، التي كانت مَهداً لجميعِ المقدسات. جليٌّ بسطوع أنّ كومونةً كهذه ستُؤَمِّنُ خلفيةً كافيةً لتنامي المجتمعِ الأيكولوجيِّ– الاقتصاديّ، وستُكَوِّنُ طاقةً كامنةً قويةً ووطيدة. هذا وبالمقدورِ تطوير كوموناتٍ مشابهةٍ في كافةِ ميادينِ الحياةِ الاجتماعيةِ بمَعِيّةِ هذا النموذجِ الكوموناليِّ الاقتصاديّ. فنموذجُ كيبوتز المُطَبَّقُ في إسرائيل، إنما يَنهلُ قوتَه من هذه الميزةِ للكومونة. فغالباً ما كانت الحياةُ الاقتصاديةُ من نمطِ الكومونةِ طيلةَ سياقِ التاريخ. كما وغالباً ما يتمُّ تحقيقُ الإنتاجِ على أساسِ الوحداتِ الكومونالية، وفي مقدمتِها المصانع؛ ولو أنّ الليبراليةَ الرأسماليةَ طَبَعَتها بطابعِ الفرديةِ تحت اسمِ “المبادرة الخاصة”. يَكمنُ الفرقُ هنا في النظامِ الفرديِّ الربحيّ. فإذ ما تمَّ تَخَطّي الربحيةِ أو إسقاطُها إلى أدنى حدّ، فما يتبقى هو النظامُ الكوموناليُّ، الذي يتميزُ بالخصائصِ البنيويةِ الكونيةِ الساريةِ في كلِّ الميادينِ الاجتماعية، وليس في الحقلِ الاقتصاديِّ فحسب. والقضيةُ الأوليةُ للكوموناتِ هي إمكانيةُ الصَيرورةِ الأخلاقيةِ والسياسية، والتمكنُ بوساطةِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ من تُجاوُزِ إبعادِها عن تلك القِيَمِ على يَدِ المدنيةِ والحداثةِ الرأسمالية.
يُقَدِّمُ حوضا دجلة والفراتِ بما يَزيدُ عن الحدِّ ما يَلزَمُ من مياهٍ وطاقةٍ وأراضٍ لتلبيةِ المنتوجاتِ الزراعيةِ، التي هي احتياجاتٌ أولية. إذ يستحيلُ تَطَوُّرُ المجتمعيةِ الأيكولوجيةِ والاقتصاديةِ للشرقِ الأوسط، ما لَم تُؤَمَّن هذه الموادُّ كفاية. ولكن، يستحيلُ على هذه الموادِّ البنيويةِ أيضاً تَكوينُ المجتمعِ البنيويِّ بمفردِها، دون تَكَوُّنِ تراكُمٍ كافٍ من المعنى الذهنيّ. وبالتالي، فالمجتمعاتُ التي في هذا السياقِ لَن تتخلصَ حينئذٍ من خدمةِ الحداثةِ الرأسماليةِ والانصهارِ في بوتقتِها، مثلما حالُ مجتمعاتِ الاشتراكيةِ المشيدة. لذا، قد يَكُونُ التنظيمُ الأكاديميُّ للتراكُمِ الناشئِ تاريخياً وفي الكفةِ الديمقراطيةِ للحداثةِ على السواء، بدايةً سديدةً وقويمةً من أجلِ تراكُمِ المعنى الذهنيّ. ينبغي عدم النسيان أنّ الزقوراتِ السومريةَ، التي تُعَدُّ أولى الأكاديمياتِ تاريخياً، وبيوتَ الحكمةِ في نيبور، وبابل، ونصيبين، وأورفا، وبغداد، تعبيرٌ عن حقيقةِ استحالةِ كينونةِ المدنياتِ من دونِها. إذ لا يُمكِنُ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ التطور بلا أكاديميات. فالعالَمُ الجديدُ للعلمِ والمعنى، والذي هو مُلزَمٌ بتنظيمِ ذاتِه كبديلٍ للعالَمِ الأكاديميِّ المتأزمِ للحداثةِ الرأسمالية، إنما لا استغناء عنه من أجلِ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاقتصاديّ. حيث أنّ خَلاصَ العلمِ من كونِه احتكاراً أيديولوجياً ومن استخدامِه أداةً بِيَدِ السلطة، غيرُ ممكنٍ إلا بإنشاءِ المجتمعِ الحرِّ والديمقراطيِّ الذي تَعُمُّه المساواة (بمَعِيّةِ الوعيِ واليقظة)، أي بعيشِ المساواةِ والحريةِ والديمقراطيةِ بمنوالٍ متداخلٍ على أساسِ التبايُنِ والاختلاف. إذ لن تستطيعَ أيةُ مجموعةٍ أيكولوجيةٍ التحليَ بالمعنى القَيِّم، إلا بإنشائِها كوعيٍ وتنظيمٍ يتعدى نطاقَ الحداثةِ الرأسمالية. أي، محالٌ نشوءُ المجموعاتِ الأيكولوجيةِ والمجتمعِ الاقتصاديّ، دون نشوءِ الوعيِ والتنظيمِ والإرادةِ العمليةِ التي تتعدى الرأسماليةَ والصناعويةَ والدولتيةَ القومية. أما المفهومُ القائلُ بأنّ العلمَ والوعيَ شيء، والمجتمعَ شيءٌ آخَر؛ فهو من تحريفاتِ المدنية، ومرتبطٌ باستعبادِ المجتمع.
لا يُمكِنُ للمجتمعِ الحرِّ والديمقراطيِّ أنْ يحيا إلا بوعيِ المعنى اللازمِ له. وكلُّ مُكَوّنٍ أو وحدةٍ اقتصادية، لا يُمكِنُ عيشها إلا بالوعيِ الأيكولوجيّ. والوحداتُ والحَيَواتُ الاقتصاديةُ التي لا تعتمد على الوعيِ الأيكولوجيّ، لن تنأى بنفسها عن الانصهارِ في بوتقةِ الحداثةِ الرأسمالية. هذا ويجب عدم التفكيرِ بالوحداتِ الأيكولوجيةِ– الاقتصاديةِ على أنها وحداتٌ بسيطةٌ ومفتقرةٌ للتكنولوجيا. إذ بالمقدورِ استخدام أرقى وأعقدِ أنواعِ التكنولوجيا في الوحداتِ والاتحاداتِ الأيكولوجيةِ– الاقتصادية، عندما تقتضي الحاجة. بل إنّ الوحداتِ الأيكولوجيةَ– الاقتصاديةَ هي وحداتُ التكنولوجيا المُثلى. وهي ميادينُ الاستخدامِ الاجتماعيِّ للتكنولوجيا بأكثرِ الأشكالِ فائدة. فالثورةُ التكنولوجيةُ في المجتمعِ الشرقِ أوسطيِّ ضروريةٌ بالأكثر من أجلِ المجتمعِ الأيكولوجيِّ– الاقتصاديّ. وثورةٌ تكنولوجيةٌ بهذا المعنى هي ثورةٌ مضادةٌ للصناعوية. فبينما تؤدي التكنولوجيا المُسَخَّرةُ في خدمةِ الصناعويةِ إلى العبوديةِ والدمار، فالتكنولوجيا المُسَخَّرةُ في خدمةِ المجتمعِ الاقتصاديِّ والأيكولوجيِّ تُفضي إلى حياةٍ أكثر حريةً وديمقراطية. وباقتضاب، فأَثمَنُ معاني التوازنِ بين التكنولوجيا والأيكولوجيا، تُحَقِّقُها شروطُ العصرانيةِ الديمقراطية. ولأجلِ ذلك، فالصراعُ الأيديولوجيُّ أمرٌ لا غنى عنه في الصراعِ بين الحداثاتِ المختلفة. ومن دونِ خوضِ هذا الصراعِ بنجاحٍ بارز، سوف تَظَلُّ فرصةُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الحياةِ وثُبوتُها ورسوخُها تجاه الحداثةِ الرأسماليةِ مجردَ احتمالٍ ضعيفٍ وأملٍ واهنٍ ومحضَ يوتوبيا.
ما غَذّى المجتمعَ والثقافةَ الماديةَ والمعنويةَ في جغرافيا الشرقِ الأوسطِ ابتداءً من العصرِ النيوليتيِّ وعلى طولِ عصورِ المدنيةِ برمتها، هو حياةُ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاقتصاديّ. بينما قامت الحداثةُ الرأسمالية، ومن خلالِ فُرسانِ المحشرِ الثلاث التي تَمتَلِكُها، أي الرأسمالية والصناعوية والدولتية القومية، بدَهسِ هذه الثقافةِ الاجتماعيةِ وطَعنِها وتَجزئتها مقابل ذلك، فالمَهَمَّةُ الأوليةُ، التي يجب القيام بها هي إنشاءُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ تأسيساً على دعائمِها الثلاث: المجتمع الديمقراطي– الاشتراكي، والأيكولوجي– الاقتصادي، والأخلاقي– السياسي.
وبالنتيجة ومن هنا يكون على المخيلة التكنولوجية ذات التوجّه الإيكولوجي أن تسعى لاكتشاف “الطريق” الذي تكون فيه الأشياء على شكل مجموعة أداء موحد، وأن تتحسّس موضوعية ما ندعوه ببرود “المصادر الطبيعية”، وأن تحترم التناغم الذي يجب أن يكون بين مجتمع الإنسان والنظام الإيكولوجي، الذي تجذّر فيه، ولا ينبغي على هذه المخيلة أن تسعى فقط إلى وسائل لحل التناقض بين المدينة والريف، أو الآلة والمواد المرتبطة بها، أو الأداة الوظيفية للجهاز وتأثيره ببيئته الطبيعية.
إذن، والحالُ هذه، فتطويرُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسطِ كأطروحةٍ مضادةٍ تجاه الحداثةِ الرأسمالية، إنما يتصدرُ لائحةَ الاحتمالاتِ الساريةِ في سبيلِ تجاوُزِ وضعِ الأزمةِ والفوضى المتجذرتَين طردياً مع مرورِ الأيام. والظروفُ التاريخيةُ والاجتماعيةُ تُضاعِفُ فرصةَ تَحَقُّقِ هذا الاحتمال. من هنا، فالشعارُ الأوليُّ الذي يُمكِنُ تبيانُه بشأنِ الظروفِ العَينِيّةِ المُعاشةِ هو: “إما الأزمةُ والفوضى المستمرتَين، أو العصرانية الديمقراطية”. وأهمُّ درسٍ سيُستَخلَصُ من تجربةِ الاتحادِ الأوروبيّ، هو تمكينُ القيامِ بانطلاقةٍ إصلاحيةٍ ترتكزُ على جذورِ المجتمعِ الاقتصاديّ. وبالمسافةِ التي ستُقطَعُ انطلاقاً من ذلك، ستَغدو عملياتُ الهيكلةِ الاجتماعية والسياسية الأخرى ممكنة.
المصادر والمراجع:
مانيفستو الحضارة الديمقراطية
المجلد الثالث (سوسيـولـوجيـا الحرية)
تأليف: عبد الله أوجلان
كتاب أيكولوجية الحرية للكاتب موري بوكتشين