العودة إلى الأيكولوجيا الاجتماعية
عبدالله أوجلان
السبيل الأكثر واقعية هو البحث عن جذور الأزمة الأيكولوجية المتجذرة طرداً مع أزمة النظام الاجتماعي، في بدايات نشوء الحضارة. يجب الإدراك أنه كلما تطور الاغتراب عن الإنسان بسبب التحكم والتسلط القائم داخل المجتمع، كلما قاد ذلك إلى الاغتراب عن الطبيعة أيضاً، وبشكل متداخل. فالمجتمع في مضمونه ظاهرة أيكولوجية. أما ما يُقصَد بـ”الأيكولوجيا” فهو الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية بين التكون الفيزيائي والتكون البيولوجي للكوكب الأرضي. يُعد هذا أحد أهم الميادين التي أحرز فيها العلم نجاحات مظفرة حقيقية. إذ يمكن تحليل وتعليل ظواهر بدء الحياة في أعماق المياه، وانتشارها فيما بعد إلى اليابسة، ومن ثم تطور عدد لا حصر له من الفصيلات الحيوانية والنباتية من أحشاء أول نبتة وحيوان بدائيين.
تُعلَّل وتحلَّل البيئة الفيزيائية والبيولوجية، التي اعتمد عليها الجنس البشري في تطوره، ارتباطاً بتلك التطورات. وإحدى فرضيات الربط بينه وبين تلك التطورات هي تلك القائلة بأن الجنس البشري هو الحلقة الأخيرة من سلسلة التطور الطبيعي للكائنات الحية عموماً، ولعالَم الحيوانات على وجه التخصيص. النتيجة الأولية والأهم على الإطلاق، والتي يمكننا استخلاصها من ذلك، هي أنه من المحال على النوع البشري أن يعيش بشكل عشوائي؛ وأنه كلما ظل مرتبطاً بسلسلة التطور الطبيعي تلك، وبقي ممتثلاً لمتطلباتها؛ كلما تمكن من إدامة ذاته. أما في حال إعطابه لحقوق التطور الطبيعي الذي يرتكز إليه، فلا مفر حينئذ من غياب التكامل البيولوجي؛ وبالتالي مواجهة خطر عدم إدامة الذات بالتأكيد. وقد برهن العلم بكل وضوح على أن تكامل سياق التطور الطبيعي في الطبيعة منوط بالأواصر المتبادلة للأجناس والكائنات الموجودة فيها، على نحو أكثر مما يظن البعض. وإذا ما افتُقِدَت تلك الأواصر المتبادلة، فستحدث انقطاعات وثغرات كبرى بين حلقات التطور الطبيعي؛ ليغدو عدد لا يستهان به من الفصائل والكائنات وجهاً لوجه أمام مشكلة إدامة جنسه.
مقابل هذه الحقيقة العلمية، فالمشكلة التي خلقتها الحضارة – إنْ لم تُتَّخَذ الإجراءات والتدابير اللازمة – تكمن في أنها شرعت الأبواب على مصاريعها أمام جهنم السعير. الدافع الأساسي لخلق الحضارة لهذه المشكلة، هو حقيقة الاستبداد والجهالة التي تتميز بها (أو بالأحرى ضرورة كونها مخادعة وكاذبة). ذلك أن الهرمية والدولة لا تستطيعان ترسيخ وجودهما، بالارتكاز فقط إلى القمع والعنف أثناء تكونهما. بل لا مفر لهما من اللجوء إلى الكذب والرياء لمواراة حقيقة المجريات وقصتها. فالهيمنة السلطوية تتطلب الهيمنة الذهنية أيضاً. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تزوّد السلطة بالضمان والحصانة، إلا بإدراجها موضوع “الخروج عن الحقائق” حيز التنفيذ. أما الجانب الفظ لقوة السلطة، فسيعمل دائماً على تسليط وإنعاش هذا النوع من الذهنية، كجانب دقيق وخفي له. هذا الطراز من تكوين الذهنية يشكل الأرضية الخصبة للاغتراب عن الطبيعة وما فيها. كلما استمر إنكار الأواصر المشاعية الخالقة للمجتمع والمكونة إياه، واتُّخِذَت الهرمية وقوى الدولة – المتطورتان كانحراف وتضليل – أساساً عوضاً عنها؛ فستكون حالة الذهنية منفتحة أمام نسيان الروابط الكامنة بين الطبيعة والحياة، وفقدانها أهميتها. وكل ارتقاء وتصاعد على هذه الأرضية – دعامة الحضارة – سينعكس على أرض الواقع على صورة انقطاع عن الطبيعة وتدمير للبيئة. حينها لن ترى أبصار القوى الحضارية الضرورات الطبيعية. ومهما تكن الحال، فالشرائح السفلية المغذية إياها، تمدها بكل شيء جاهز ترغب به.
لقد ابتُدِعَت يوتوبيا “الألوهية والجنة” المذكورة في الكتب المقدسة على تلك الأرضية، كميثولوجيات للسومريين أصحاب القوى الحضارية الأولى. ونُقِشَت في عقل الإنسان كقوالب ذهنية أولية، منذ مرحلة الطفولة. الإله والجنة كيانان تجريديان للطبيعة. أو بالأصح، هما تَصَوُّران لعالَم قوى السلطة الزائفة المتصاعدة، والتي حلت محل الطبيعة الحقيقية. يتلخص فحواه في: “نحن المستألِهين (المتحولين إلى آلهة) نحيا في جنات النعيم”. الشكل الثاني لمضمونه هو: “السلاطنة ظلال الإله، يعيشون كأهل الجنة”. أما شكله الثالث فهو: “الإنسان المستعمِر يعيش كما في الجنة”. باتت هذه المفاهيم المترسخة كقوالب ذهنية مهيمنة في المجتمع، والمصوَّرة على أنها حقائق إلهية سامية؛ ناسية تماماً لـ”الطبيعة الأم”. بل وذهبت أبعد من ذلك، لتتنافر في علاقاتها مع الطبيعة ضمن اغتراب شديد، بابتكارها فرضيات “الطبيعة الوحشية، الطبيعة العمياء، الطبيعة التي يجب تذليلها”. إن إمكانية صنع حياة مناهضة للطبيعة، عبر تلك التراكمات الناجمة عن استبدادية ورياء وزيف قوة السلطة؛ تُشكِّل أساس المشاكل الأيكولوجية المعاشة. حيث سيُقال في الطبيعة بأنها “القوة العمياء”، طالما يتم إنكار دورها في الحياة، وطالما تترسخ عوضاً عنها العناصر الدينية المزيفة وصائغوها. يشكل التأثير الشديد لهذه الذهنية حتى يومنا الراهن – بشكل خاص – السبب الأولي لعدم تطور العقلية العلمية. فالعقلية العلمية لا يمكنها أن تتطور، إلا بالإدراك الحقيقي والصحيح لقوى الطبيعة. أما النظام العقائدي الذي يُحِيل كل شيء إلى الإله والجِنّ، فلن يولي أي معنى على الإطلاق لنسيجٍ خارق كالطبيعة. بل وسيتملص من العلمية بإلحاحه العنيد على أن الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية برمتها، هي مصطلحات تجريدية من صنع الإله.
وقد رأينا بأم أعيننا كيف أن هذا الإله المجرد هو من إيجاد عقلية أول شريحة استعمارية متنامية، بغرض إكساب ذاتها صفة المشروعية. لا تتمثل في مخاطرها في ربطها العبيد والرقيق بذاتها وحسب، بل وفي فصلها إياهم عن الوقائع الحقيقية. إنها تقطع الأواصر الصحيحة والسليمة لذهنية الإنسان مع الطبيعة، وتُغَرِّبها عنها. فتترك “الطبيعة الأم” – قديماً – مكانها لـ”الطبيعة الظالمة” على يد الظالمين الحقيقيين. إذا ما تمحصنا محطات تلك الذهنية طيلة المسار التاريخي، فلن نتمالك أنفسنا من الذهول حقاً. وما المواجهات المُعَدّة بين الإنسان والحيوانات المفترسة في مراسيم الإمبراطورية الرومانية، سوى ثمرة لتلك الذهنية. إذ ثمة أواصر وطيدة بين تلك الممارسات الظالمة، وبين قوة السلطة لدى توجهها نحو تحييد العقول والاهتمامات عن عالم الحيوانات والنباتات، وتعتيمها وتطويقها بالغموض المظلم. أو بالأحرى، يرمز تأليب الإنسان والحيوان على بعضهما بهذا الشكل، في حقيقته الضمنية، إلى الاغتراب عن الطبيعة.
لدى وصولنا إلى إقطاعية العصور الوسطى، نرى أن وجه البسيطة غدا خاناً يجب تركه على الفور، بل ومكاناً مدنساً يقيِّد الإنسان ويدفعه إلى الحرام والسوء. فماذا يمكن أن تعنيه الطبيعة مقابل سموّ الإله! إذاً، فترك الحياة الدنيا والطبيعة قبل لحظة، أصبح هدفاً عقائدياً سامياً. لكن حياة جنات النعيم في الشريحة الفوقية ستدوم بكل عربدتها. ونحن إنما نقصد هذا التحريف والتشويه عندما نقول بضلال وزيغ الذهنية الأكبر.
تشيد النهضة في فحواها بإعادة تأسيس الأواصر المقطوعة بين العقل والطبيعة. لقد قامت النهضة بثورتها الذهنية على خلفية حيوية الطبيعة وخلاقيتها وعطائها وقدسيتها. وعملت بالمبدأ “كل شيء موجود في الطبيعة” كمعتقد أساس لها. وصوَّرت جماليات الطبيعة على نحو أمثل عبر الفن. وفتحت آفاق الطبيعة بالتوجه العلمي نحوها. واتخذت الإنسان أساساً لها، فاعتبرت تعريف حقيقته برمتها من وظائف العلم والفن. هذا التغيير في الذهنية هو الذي ولَّد العصر الحديث. وعلى خلاف ما يُعتقَد، فالمجتمع الرأسمالي لم يكن نتيجة طبيعية لهذه المرحلة، بل كان محرِّفها ومضلِّلها، ولعب دوره في تقهقرها وجَزْرها. فالإدارات المستعمِرة للإنسان طُوِّرت بالتوازي مع استغلال الطبيعة. والتحمت الهيمنة على الإنسان مع الهيمنة على الطبيعة والتحكم بها. وابتدأت أشد أشكال الهجوم التي شهدها التاريخ على الطبيعة، بحيث اعتَبَرَت تلك الإدارات أن استغلال الطبيعة وظيفة ثورية، ضاربة بذلك عرض الحائط كل قدسياتها وحيويتها وتوازناتها. وهمَّشَت على نحو تام القدسية التي كانت موجودة – وإن بشكل منحرف – في الذهنيات السابقة. ورأت أنه من حقها التصرف بالطبيعة كيفما تشاء، دون أي رادع أو ريبة.
كانت المحصلة أن التحمت أزمة البيئة بالأزمة الاجتماعية. وحالما نَقَل مضمون النظام القائم الأزمةَ الاجتماعية إلى مساحة الفوضى البينية، بدأت البيئة تطلق صيحات الإغاثة من أجل الحياة، لِما لحق بها من كوارث وفواجع. فالمدن المتعاظمة والمتفشية كداء السرطان، تلوث الهواء، انشقاق طبقة الأوزون، التناقض الحاد الأقصى في أجناس الحيوانات والنباتات، تدمير الغابات وكسحها، تلوث المياه الجارية، النفايات المكدَّسة والمتعالية كالجبال في كل الأرجاء، تلوث جميع المياه بالنفايات والمخلَّفات المبيدة، والانفجار السكاني؛ كل ذلك دفع بالطبيعة إلى التمرد مع بدء الفوضى. إذ ثمة تَوجُّه جنوني طائش صوب الربح الأعظمي، دون الأخذ بالحسبان مدى قدرة كوكبنا على تحمل هذا الكم الهائل من المدن والبشر والمعامل ووسائل المواصلات والمواد الاصطناعية وتلوث الهواء والمياه.
هذه التطورات ليست قدراً محتوماً. بل هي حصيلة الاستثمار المختل للعلم والتقنية في حوزة السلطة. من الخطأ تحميل العلم والتقنية مسؤولية هذه المرحلة، إذ لا يمكنهما لعب أدوارهما بمفردهما. بل إنهما يؤديانها وفاقاً لنوعية قوى النظام القائم في المجتمع. وكيفما أَقحَمَت تلك القوى الطبيعة في المستنقع وأغرقتها، فهي قادرة أيضاً على معالجتها ومداواتها. أي أن المشكلة اجتماعية محضة. إذ ثمة تناقض حاد بين المستوى العلمي والتقني الموجود، وبين مستوى الأحوال المعيشية للغالبية الساحقة من البشر. تنجم هذه الحالة عن مصالح ومنافع حفنة أقلية تتحكم بالعلم والتقنية على نحو مطلق. أما الدور الذي سيؤديه العلم والتقنية في المجتمع الديمقراطي والتحرري، فهو دور أيكولوجي.
الأيكولوجيا بحد ذاتها علم. إنها العلم المعني بالبحث في العلاقة القائمة بين المجتمع والبيئة. ورغم حداثة عهدها، إلا إنها ستلعب دوراً ريادياً تصاعدياً في تأمين تخطي التناقض الموجود بين المجتمع والطبيعة، بشكل متداخل مع بقية العلوم الأخرى. أما الوعي البيئي المتطور بحدود، فسيحقق وثبة ثورية ملحوظة مع الأيكولوجيا. لقد كان يشكل الرابطة مع الطبيعة في المجتمع المشاعي، كرابطة الجنين بأمه. حيث ينظر إلى الطبيعة بعين حيوية. كانت القاعدة الأولية للدين آنذاك، هي عدم الوقوف في وجه الطبيعة أو التعرض لعقابها. دين الطبيعة هو دين المجتمع المشاعي البدائي. وما من تناقض أو أمر غير اعتيادي في تكوّن ذاك المجتمع إزاء الطبيعة. والفلسفة ذاتها تُعرِّف الإنسان بأنه “الطبيعة الواعية لذاتها”. فالإنسان في فحواه هو أرقى أجزاء الطبيعة تقدماً.
هكذا ينسدل الستار عن حقيقة النظام الاجتماعي المناقض للطبيعة، وغير المتآلف معها، وصانع التناقض بين الطبيعة وبين أرقى أجزائها تقدماً. فإيصال الإنسان إلى حالة يصبح فيها بلاء على الطبيعة، بعد أن كان ملتحماً بها بتناغم أشبه بنشوة الأعياد وبهجتها (الأعياد في حقيقتها ليست سوى صورة عن الاتحاد المثمر والمعطاء بين الطبيعة والنشوة)؛ يشكل – على ما يُظَن – برهاناً قاطعاً على مدى بلاء هذا النظام.
لا يشمل التكامل مع البيئة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وحسب. فاستيعاب الطبيعة على الصعيد الفلسفي أيضاً يعد شغفاً لا يستغنى عنه. إنها مسألة متبادلة في حقيقتها. فبينما تبرهن الطبيعة على الفضول وحب الاستطلاع الكبير لديها، وعلى قدرتها في الخَلق لدى استئناسها؛ فالإنسان أيضاً يدرك ذاته ويعيها لدى استيعابه الطبيعة (إن رؤية السومريين للحرية “أماركي” في العودة إلى الأم “الطبيعة” أمر يحثنا على التفكير فيه). ثمة علاقة العاشق والمعشوق بين كليهما. إنها مغامرة عشق وهيام كبرى. وأظن أن إفسادها أو الانفصال عنها أكبر حرام (حسب التعبير الديني). ذلك إنه من المحال خلق قوة معاني أسمى منها. ارتباطاً بهذه المسألة، فالمعنى الملفت للنظر، والذي أضفيناه على حيض المرأة بأنه إشارة إلى التمايز عن الطبيعة وإلى الانبثاق منها في الوقت نفسه؛ إنما يفرض ذاته هنا مرة أخرى، ويُشعِرنا بوجوده. تتأتى طبيعة المرأة من دنوها الكبير إلى الطبيعة. ويكمن لغز جاذبيتها الساحرة في هذه الحقيقة بالذات.
لا يمكن بتاتاً الدفاع عن أخلاقية أو عقلانية* أيِّ نظام اجتماعي غير متكامل مع الطبيعة. لهذا السبب يتم تجاوز كل نظام يكون على خلاف أكبر مع البيئة الطبيعية؛ سواء على الصعيد الأخلاقي أو العقلاني (العقلي). نستخلص من هذا التعريف المقتضب أن العلاقة جدلية بين الفوضى التي يمر بها نظام المجتمع الرأسمالي، وبين الكوارث البيئية القائمة. لا يمكن تخطي تلك التناقضات الجذرية مع الطبيعة، إلا بالنفاذ من ذاك النظام وتجاوزه. والعجز عن حل تلك التناقضات عبر الحركات المعنية بالبيئة لوحدها؛ إنما يتأتى من طبيعة ومزايا تلك التناقضات ذاتها. من جانب آخر، يستدعي المجتمع الأيكولوجي تحولاً أخلاقياً بالضرورة. ولا يمكن التخلص من مناهضة الرأسمالية للأخلاقيات، إلا بالسلوك الأيكولوجي. تتطلب العلاقة الكامنة بين الأخلاق والضمير (الوجدان)، روحانية تعاطفية واعتناقاً (تقمصاً) عاطفياً. وهذه بدورها لن تكتسب قيمتها الحقيقية، إلا بالتعبئة الأيكولوجية القديرة. تعني الأيكولوجيا صداقة الطبيعة، والاعتقاد بالدين الطبيعي. وهي بجانبها هذا تفيد بالالتحام مجدداً، وبوعي يقظ وحساس، مع المجتمع العضوي الطبيعي المتناسق والمتكامل.
المشاكل العملية للحياة الأيكولوجية أيضاً هي مشاكل راهنة. تتمثل المهام والوظائف العملياتية في هذا الشأن في توطيد كم كبير من المنظمات المؤسَّسة بغرض الحد من كوارث البيئة الطبيعية، وجعلها جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الديمقراطي، والتعاون والتعاضد مع الحركات النسائية الفامينية والتحررية. يُعَد ترسيخ التعبئة والتوعية والتنظيم بصدد البيئة، أحد أهم النشاطات الأولية للدمقرطة. إننا مضطرون لترتيب حملات توعية مُرَكَّزة بصدد الديمقراطية والبيئة، مثلما كانت عليه الحال في وقت من الأوقات بالنسبة للتوعيات الطبقية والوطنية والقومية المُرَكَّزة. والعمليات الهادفة إلى رعاية حقوق الحيوانات، وحتى حماية الغابات، والعمل على نشر الغابات وتشجير كل الأماكن والأرجاء بسرعة؛ يجب أن تكون جزءاً لا يستغنى عنه في العمليات المجتمعية. كل من يفتقد إلى الحساسية البيولوجية، تكون حساسيته ونباهته الاجتماعية معتلة وناقصة. أما الحساسية والنباهة الحقيقية، فتمر من رؤية الأواصر الكثيبة بين كلتا الظاهرتين. يجب أن تشهد – وستشهد – أيامنا المستقبلية نضالات شاملة ومحاولات ستُبذَل بغرض تحويل طبيعتنا إلى غطاء أخضر معشب وزاهٍ، ترعى فيه الحيوانات؛ بعد أن غدت الآن صحراء مجدبة. يجب إفساح الفرصة لنشر الغابات في الطبيعة وتشجيرها. وأظن أن شعار ” تمر الوطنية المثلى من التشجير ونشر الغابات”، سيكون من أثمن الشعارات وأقدسها. وسيُدرَك بجلاء أكبر، أن من لا يحب الحيوانات، ومن لا يرعاها أو يحميها، لن يقدر على حب الناس أيضاً. وكلما أدركنا أن النباتات والحيوانات هي أمانة اؤتُمِن عليها الإنسان، ستزداد حينئذ قيمة الإنسان مرتبة أخرى.
لن تنجو أية تعبئة اجتماعية مفتقرة للوعي الأيكولوجي، من الانهيار والتردي، مثلما لوحظ ذلك بكل سطوع في ظاهرة الاشتراكية المشيدة. الوعي الأيكولوجي هو وعي أيديولوجي أولي. وهو أشبه بالجسر الرابط بين حدود الفلسفة والآفاق الأخلاقية. والسياسة الهادفة إلى الخلاص من الأزمة العصرية الراهنة، لن تفضي إلى نظام اجتماعي صحيح، ما لم تكن سياسة أيكولوجية. ومثلما هي الحال في معضلة حرية المرأة، فمفهوم السلطة الأبوية الدولتية المهيمنة هو الذي لعب دوراً أساسياً في الحياة المشحونة بهذا الكم الهائل من الأخطاء والإمهال في حل المشاكل الأيكولوجية. كلما طورنا من الأيكولوجيا والفامينية، فستختل كافة توازنات نظام السلطة الأبوية الدولتية الحاكمة. لن يتسم أي نضال أو صراع حقيقي في سبيل الديمقراطية والاشتراكية بالتكامل، إلا لدى تطلعه إلى حرية المرأة وتحرر البيئة كمأرب أولي. وصراع نظام اجتماعي جديد متكامل على هذه الشاكلة، إنما هو أحد أشكال النفاذ من الفوضى الحالية بأسمى المعاني.
لقد ولجت عولمة النظام الرأسمالي في مرحلة الأزمة والفوضى العارمة بكل معنى الكلمة، مع انهيار النظام الاشتراكي المشيد في 1989 لأسباب داخلية. والنظام الآن يسعى لإدامة سلطته بزعامة أمريكا، عبر “إمبراطورية الفوضى”. تشهد إمبراطورية الفوضى الأمريكية مرحلةً مشابهة لمرحلة انهيار الإمبراطورية الرومانية، لكنْ، مع وجود الفوارق الخاصة بالنظام الرأسمالي، والتي يجب معرفتها بكل جوانبها. كما تسعى بلدان الاتحاد الأوروبي المتخلصة من دائرة الهيمنة الأمريكية، للحفاظ على مقاومتها وصون جمهورياتها وديمقراطياتها ودولها القومية التقليدية، عبر جدالاتها ومناظراتها المحدودة بصدد الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومقابل العولمة الرأسمالية، فالدولة القومية التي تشكل حجر عثرة على درب الاتحاد الأوروبي، تُرغِمه على البقاء دوماً في حالة من الوحدة السياسية المتعددة القوميات، ولكن الهزيلة والواهنة. ليس وارداً في المستقبل القريب أن تتكون بؤرة عالمية ثالثة في المحيط الهادي بزعامة الصين واليابان. حيث تنضم روسيا والبرازيل وغيرهما إلى مثل هذا النمط من الدول، لتضطر جميعها للحفاظ على دولها القومية بالأرجح. وثمة العديد العديد من الدول والقوميات والبلدان في العالم، والتي تلاقي مشقات حقيقية في إحياء نماذج دولها القومية المعتمدة على التوازنات الأمريكية – الروسية بعد أعوام 1945؛ فتتقوض بالأغلب ضمن إطار إمبراطورية الفوضى الأمريكية، لتبقى وجهاً لوجه أمام التشتت الكلي أو النسبي، وبالتالي أمام مشكلة إعادة البناء. ثمة الكثير من الأقاليم التي تمر بهذه المرحلة بكثافة، وعلى رأسها الشرق الأوسط، دول البلقان والقفقاس.
لا تُدار شؤون إمبراطورية الفوضى – التي يمكننا نعتها أيضاً بالحرب العالمية الثالثة، بمعنى من معانيها – بالأساليب العسكرية والسياسية وحسب. بل وتُدار – وبشكل أكثر تعييناً وتركُّزاً – عبر الشركات الاقتصادية العالمية والمؤسسات الإعلامية أيضاً. فالشركات الاقتصادية والإعلامية العالمية لا تلاقي مصاعب تذكر في الإبقاء على المجتمعات ضمن حالة من المجاعة المَعِدِيّة والذهنية، لتقوم على توجيهها كيفما تشاء، وتسخّرها في أغراضها وأطماعها. وبتفعيلها لهيمناتها العلمية والتقنية، تسعى لإنقاذ نظام المجتمع الرأسمالي من الفوضى؛ إما بنفاذه منها أكثر تعززاً وتوطداً، وإلا فبأقل قدر من الخسائر، أو بإعادة بنائه من جديد. حيث لا يمكن توجيه النظام وصونه وتأمين سيرورته بالتغييرات الجزئية أثناء الفوضى، عبر السلوكيات والأساليب القديمة. من الواقعي أكثر أن تُدرَس السلوكيات والممارسات الاستراتيجية والتكتيكية التي تسلكها أمريكا حديثاً، مع خصائص مرحلة الفوضى، بشكل متداخل.
مقابل ذلك، يجب أن تُعزَّز السلوكيات المشاعية والديمقراطية التي سلكتها الشعوب بالأرجح طيلة التاريخ، بتحديثاتٍ نظرية وتكتيكية تخولها لتخطي الفوضى القائمة. فالمفاهيم “اليسارية” القديمة المُسفِرة عن الاشتراكية المشيدة، وكذلك الحركات “اليسارية الحديثة” و”الأيكولوجية” و”الفامينية” واجتماعات “بروتو آللاغرا” البارزة في الماضي القريب؛ تفتقر جميعها للكفاءات والقدرات التي تمكِّنها من استيعاب الفوضى وتخطيها. وبدون إنكار تلك الحركات، ثمة احتياج شديد لحلول ونقاشات مكثفة على الصعيد العالمي، بحيث تكون معنية بالتكتيكات المحلية الخاصة، وبالإرشادات النظرية العامة حول “المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي والتحرري الجنسوي”. أول الشروط الأساسية الواجب تأمينها أثناء القيام بذلك، هو قول “الوداع” للمواقف والسلوكيات القديمة، النظرية منها والتكتيكية، والمتمحورة حول الحلول الهادفة إلى السلطة؛ والتي مفادها “إما هدم الدولة أو الاستيلاء عليها”. فإنْ لم يتم التخلي عن الأساليب والذهنيات التحررية الإنمائية المتمحورة حول الدولة، لن يكون ثمة نجاة من خدمة النظام الرأسمالي – مثلما شوهد في الاشتراكية المشيدة – وبأسوأ الأشكال. هذا بالإضافة إلى أنه من المحال تلبية متطلبات الشعوب في الحرية الحقيقية والمساواة الحقيقية، عبر شن الحروب أو استنهاض الجماهير بمناهج وشعارات تتخذ من الدولة والاشتراكية والقومية، ومن تحرير الوطن والدين أساساً لها، على خلفية المصطلحات القديمة التي يطغى عليها الجانب الأيديولوجي التجريدي والتعميمي؛ من قبيل: الوطن، القومية، الطبقة والدين. وحتى لو لُبِّيَت تلك المتطلبات، فإنها في نهاية المطاف لن تذهب أبعد من الانصهار في بوتقة النظام الرأسمالي أو تعزيزها إياه أكثر فأكثر.
كل شيء يمر من الدرب التي يجب فيها على الرأسمالية العالمية في مرحلتها الجديدة أن تُبرِز إرادات ووعي كافة الشعوب والمجموعات المُشَكِّلة لها، بالاعتماد على هوياتها وثقافاتها الذاتية؛ وأن تبحث عن الحلول المحلية والفَوقومية، وتنظمها وتطبقها على أرض الواقع. إذ لا مناص من تطوير تنظيم المجتمع الديمقراطي على شكل شبكة اجتماعية واسعة الآفاق، بدءاً من حركات البلديات الديمقراطية – التي تمثل الأجهزة الأساسية للإدارات المحلية – وحتى مشاعات القرى والمحلات، ومن الجمعيات التعاونية حتى منظمات المجتمع المدني الواسعة الآفاق، ومن حقوق الإنسان إلى حقوق الأطفال والحيوانات، ومن حرية المرأة إلى التنظيمات الأيكولوجية والشبيبية الريادية.
كما أن تأسيس الأحزاب السياسية المتمحورة حول السياسة الديمقراطية كأجهزة أيديولوجية ونظرية وإدارية منسِّقة لمثل هذا النموذج من المجتمع الديمقراطي، يتمتع بأهمية مصيرية. ذلك أنه من العبث بناء المجتمع الديمقراطي دون تطوير الأحزاب والتحالفات الديمقراطية.
هذا ويُعَدّ تتويج هذا النموذج بـ”المؤتمرات الشعبية” كممثلة عليا لبؤرة المجتمع الديمقراطي والسياسة الديمقراطية، وظيفة أولية لا مهرب منها من أجل كل مجموعة شعبية. فأثناء النفاذ من الفوضى العارمة في راهننا، تتصدر “المؤتمرات الشعبية” قائمة الأجهزة الديمقراطية الواجب العمل بها أساساً، باعتبارها ليست بدائل للدولة، ولكنها لا تستسلم لها أيضاً، ولا تدحضها. بل إنها منفتحة لعقد وفاق مبدئي معها، عندما تدعو الضرورة. يمكن تفعيل “المؤتمرات الشعبية” بشكل أساسي بتأديتها واجباتها في المراقبة وسن التشريعات وتأسيس المؤسسات المناسبة لتلبية متطلبات المجتمع الديمقراطي على صعيد الدفاع الذاتي، وعلى جميع الأصعدة السياسية والقانونية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والعلمية والفنية.
بالإمكان ترتيب الشعارات الأساسية المعبِّرة عن آمال الشعوب كما يلي: وطن حر وأُمَّة حرة، اشتراكية تمر من جميع الممارسات الأشمل للديمقراطية (بمعنى آخر، مفهوم في المساواة لا يكون شكلياً، بل يعتمد على رفع التمييز)، حرية العقائد الدينية، وتأسيس المؤتمرات الديمقراطية التي ليست بدولة.
إذا ما وضعنا نصب العين الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والعلمية العملاقة التي تنفرد بها الرأسمالية العالمية؛ فإن كل أنواع العمليات القانونية الديمقراطية، وكذلك الانتفاضات المنظمة، والحروب الأنصارية المعتمدة على الدفاع الذاتي؛ يمكن اعتبارها أساليب للرد على النظام القائم، في حال الإخلال بالتطبيق المتساوي والعادل للقوانين، وفي حال العمل بالنظام الاستبدادي.
لا استغناء عن التحرك وفق نظرية وممارسة عملية أخلاقيتين، كمبدأ وسلوك أولي مصيري، لدى إنشاء المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي التحرري الجنسوي؛ ذلك لأن المجتمع الرأسمالي تأسس على أساس إنكار الأخلاق ودحضها.
هذا ويشكل العلم والفن الأرضية الذهنية الأساسية التي سنستند إليها في تخطي مجتمع الفوضى. وبما أن التعليم الرسمي المفروض – بدءاً من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية – يتخذ من تكوين الإنسان التابع للدولة والهرمية، والمغترب عن الفرد والمجتمع والبيئة، أساساً له من حيث الشكل والمضمون؛ فمن الضروري تجاوز مثل هذه الأفخاخ التعليمية والتدريبية، وتَقَبُّل وهضم وإحياء مفهوم (بارديغما) علمي وفني جديد؛ بحيث يُعرِّف الإنسان والمجتمع على حقيقتهما وواقعهما التاريخي، وينقلهما إلى المستقبل الواعد مع صونه لحرية اللحظة على خلفية ثورة ذهنية حقيقية قبل كل شيء. هذا ويجب نشر النماذج الجديدة من الأكاديميات والمدارس العلمية، وفقاً للحاجة.
بناء عليه، فالتوجه نحو “حضارة الشعوب العالمية الديمقراطية” مقابل إمبراطورية الفوضى العالمية للرأسمالية، إنما يعني إبداء التقدير والتبجيل لتقاليد المقاومة الماضية، بقدر ما يؤدي إلى بناء عالم مستقبلي ديمقراطي حر ومتساوٍ، أكثر من أي وقت مضى.
———- بُعد المجتمع الأيكولوجي الصناعي:
إنّ أساسَ البُعدِ الاقتصاديِّ والصناعيِّ للعصرانية الديمقراطيةِ أيكولوجيّ. مِن المهمِّ أولاً صياغةُ تعريفٍ سليمٍ للاقتصاد. ومن الأولوياتِ الأساسيةِ استيعابُ أنّ الاقتصادَ السياسي أداةٌ هائلةٌ للتزوير والتعميةِ في هذا المضمار. نخصُّ بالذكرِ مصطلحَ “الاقتصاد الرأسمالي”، الذي يُعدُّ ألعوبةً دعائيةً مَحضة وسفسطةً فاسدة. ومثلما ذكرتُ في المُجَلَّدَين السابقَين من مرافعتي، فالرأسماليةُ ليست شكلاً اقتصادياً، بل هي عدوٌّ لدودٌ للاقتصاد. إنها تنظيمٌ عِصاباتيٌّ مُمَنهَجٌ يرتَكِزُ إلى هيمنةِ ثقافةٍ أيديولوجيةٍ ومادية، ولا يَعتَمد في جوهره على نهبِ وسلبِ فائضِ القيمة فحسب، بل ونهبِ كلِّ القيم الاجتماعية. وهي بذلك تُحَوِّلُ وجهَ البسيطةِ إلى حالةٍ لا يُطيق العيشَ فيها سوى ثلةٍ من الفراعنة والنماردةِ في سبيلِ تأمينِ الربحِ الاحتكاريّ. ما يميِّزُ هذه العصابةَ عن الأربعين حرامي والقراصنة هو تأمينُها شرعيةً أيديولوجيةً متعددةَ الجوانب، وتَقمُّصُها قِناعاً قانونيّاً، وتشكيلُها دَعاماتٍ سلطوية. حيث تسعى من خلالِ هذه الأدوات إلى إخفاءِ وجهها وجوهرها الحقيقيَّين. وعن طريقِ الاقتصاد السياسيِّ أولاً والكثيرِ مما يُسمى بالقواعد العلميةِ ثانياً، تَقومُ بعرضِ نفسِها على أنها الحقيقةُ بعَينِها. حيث لا يُمكنها الاستمرار بوجودِها ليومٍ واحدٍ حتى، لولا درع الأيديولوجيةِ والعنف الهائل. وبطابعِها البُنيَويِّ هذا تلجأُ إلى ممارسةِ القمعِ والاستغلالِ على الأنشطةِ الاقتصادية (التي تُعتَبَرُ شكلَ النشاط الأولي للمجتمع الأخلاقي والسياسيّ، والتي تُعَدُّ ركيزةَ وجودِ المجتمعِ وتشتملُ على المعنى البيئي)، مُعيقةً بذلك من تَطَوُّرِ الاقتصادِ ومُحَوِّلةً إياه إلى مصدرٍ لسعادةِ ورفاهِ قِلَّةٍ قليلةٍ من الناس.
يتحلى تشخيصُ فرناند بروديل بأهميةٍ تعليميةٍ عظمى لدى تعريفه الاقتصادَ وتحديده احتياجاتِ الإنسان الضرورية كطابقٍ أرضيّ، ولدى تعريفِه النشاطَ السِّلَعِيَّ المتمحورَ حول السوق الخاليةِ من الاحتكارِ ومن استغلالِ فارِقِ الأسعار كطابقٍ أولٍ يُعَيِّنُ الساحةَ الاقتصاديةَ الأساسية. في حين أنه يُحَدِّدُ الطابقَ المتأسِّسَ على هذَين الطابقَين مُتَكَوِّناً من أجهزةِ الاحتكارِ واستغلالِ فارِق الأسعار، ويَعتَبِرُه الساحةَ الأصلَ للرأسمالية لأنه مضادٌّ للسوق (يَعتبِرُ إيمانويل والرشتاين هذا التشخيصَ مهماً جداً). وعلى هُدى هذا التعريفِ يتضحُ بكلِّ جلاءٍ أنّ إصرارَ الليبراليةِ على اعتبارِ الرأسماليةِ اقتصاداً للسوقِ هو محضُ هراء. فعلاقةُ الرأسماليةِ بالسوق لا يُمكن إلا أنْ تَكُونَ نظامَ لعبةٍ مُهَوِّلةٍ لا تتوانى عن القيامِ بشتى أنواعِ الطيش الجنوني، بدءاً مِن الاستيلاء على ربح الاحتكار بألاعيبِ الأسعار، وصولاً إلى ابتكارِ الحروب والأزمات في سبيل ذلك إنْ تَطَلَّبَ الأمر. بل ويتعدى الأمرُ ذلك لتقومَ الرأسماليةُ بإخراج الاقتصاد برمته من كونه نشاطاً يُلَبّي الحاجات الضرورية، وجَرِّه إلى الساحاتِ التي تَدُرُّ الربح الأكثر (قانون الربح الأعظم). نَقول إنها لعبة. أي إنها لعبةٌ باعتبارها نمطَ ممارسةٍ وهجومٍ واعتداءٍ مُضادٍّ للحياة لدرجةِ انتزاعِ المجتمعِ البشريِّ من أسبابِ وجودِه الأساسية.
كلُّ احتكاراتِ المدنية عموماً والاحتكاراتِ الرأسماليةِ خصوصاً (الزراعة والتجارة والتمويل وأجهزة السلطةِ والدولة القومية) هي عامِلٌ أساسيٌّ يكمن وراء جميعِ التحريفات الاقتصادية والأزمات الخانقة والقضايا والمجاعات والفقر والكوارث البيئية على مدى التاريخ. علاوةً على أنه، وبالتأسيس على هذا العامِل، تتنامى شتى أنواع السلطاتِ والتحولات الطبقية الاجتماعية والسياسيةِ وكافة الأمراض الناجمةِ عنها وعن حالاتِ التمدن المُفرِطة. وتتنامى أيضاً التحريفات الأيديولوجية التي تتضمن جميع أنواع الدوغمائيات الدينية والميتافيزيقية والعلموية. ويتصاعدُ القبح بصفتِه تحريفاً للفن. وتنتعشُ الرذائل كحالةٍ لانعدام الأخلاقِ وتفشي الفساد. وتُقَدِّمُ الحداثةُ الرأسماليةُ عدداً لا حصر له من الأمثلة عن هذه التشخيصات خلال القرون الأربعة الأخيرة.
يَبلُغُ الاقتصادُ معناه الحقيقيَّ في العصرانية الديمقراطية، ويُعَبِّرُ عن البنيةِ الممنهجةِ القَيِّمة، التي تُبرِزُ قيمةَ الاستخدام (خاصية تلبيةِ الحاجاتِ الأهم) كحاجةٍ أوليةٍ للطابق الأرضي، وقيمةَ المقايضة (مُعَدَّلات تَبادُل السلع) كاقتصادٍ حقيقيٍّ للسوق. وهكذا يَخرجُ الاقتصادُ من كونه ساحةً تُعَوِّلُ عليها حساباتُ الربح. ويتم الجزم بماهيةِ الأساليب وكيفيةِ استخدامِ الحاجاتِ الأساسيةِ بأفضل الأشكال وأكثرِها عطاءً دون التمخض عن التمايز الطبقي، ودون إلحاقِ الضرر بالأيكولوجيا، ليَبلُغَ الاقتصادُ معناه الحقيقي من حيث كونه ساحةَ نشاطٍ اجتماعي. أي أنه يَكتَسِبُ معناه كشكل نشاطٍ أساسيٍّ يتنامى عليه المجتمعُ الأخلاقي والسياسي ويُطَوِّرُه على السواء.
لَم تتخلَّص الحداثةُ بمفهومِها الاقتصاديِّ من وجهةِ النظر الطبقية، بما في ذلك الاقتصادُ السياسيُّ الماركسي. حيث ظَلَّت تُهملُ أرضيةَ المجتمع التاريخي وتطمسُها من خلالِ ربط القيمةِ بثُنائيةِ العامِل–رب العمل. فالقيمةُ ثمرةٌ من ثمارِ المجتمع التاريخي. فَلنَدَعْ جانباً كونَ ربِّ العمل والعامِلِ المُستَلَبِ يُؤَمِّنان هذه الثمرة. بل إنهما في الأساسِ بمثابةِ نَهَّابيها. وبرهانُ ذلك جليٌّ تماماً. فمن دونِ كدحِ المرأة المجانيّ لا يمكن لربِّ عملٍ أو عامِلٍ مُستَلَبٍ واحدٍ أن يسدَّ رمقَه أو يديرَ شؤونَ حياتِه اليومية. هذا المثالُ لوحده يُظهِرُ بوضوحٍ تامٍّ الوجهَ اللااقتصاديَّ للرأسمالية. بَيْدَ أننا نَكشفُ بإسهابٍ عن استحالةِ وجودِ المدنية عموماً والحداثة الرسمية خصوصاً، دون وجودِ المجتمع التاريخي.
التكامُلُ الصناعيُّ والأيكولوجيُّ لقِيمةِ الاستخدام وقيمةِ المقايضةِ يُعَدُّ أساساً البُعدَ الاقتصادي للعصرانية الديمقراطية. إذ يستند سَقفُ الصناعة إلى حدودِ الأيكولوجيا وتأمينِ الاحتياجاتِ الأولية. أي أنه لا يُمكنُه تَخَطّي تلك الحدود. والصناعةُ التي تَظهَر في هذه الحالة هي صناعةٌ أيكولوجية. فالصناعةُ اللاأيكولوجيةُ صناعةٌ لااقتصادية. والصناعةُ التي تقطعُ أواصرَها مع الأيكولوجيا، لا تختلف البتة عن وحشٍ آليٍّ يُبِيدُ البيئةَ بالنهشِ فيها دون توقف. وإلى جانب ذلك، لا قيمة للصناعةِ المنفلتةِ من روابطها التي تربطُها باقتصادِ الاحتياجاتِ الأولية، سوى تطلُّعِها إلى الربح. بناءً على هذه الحقائق، فإنّ الصناعةَ الأيكولوجيةَ مبدأ أساسيٌّ ينبغي أنْ تَلتَزِمَ به جميعُ النشاطات الاقتصادية. وفي هذه الحالِ تَجِدُ الممارسةُ الاقتصاديةُ معناها الحقيقي، ويَخلُو الميدانُ من: الأرضية الاجتماعية للبطالة، الإنتاج الزائد أو الناقص، البلدان والمناطق النامية أو المتقدمة، تَضادّ القرية والمدينة، الهُوَّة الموجودة بين الطبقات، ومن الأزمات الاقتصادية والحروب.
البطالةُ ثمرةٌ نجَمَت بصورةٍ تامةٍ عن شذوذِ البنية الاقتصادية الهادفة إلى الربح. ولا مكانَ للعصرانية الديمقراطيةِ ضمن هذا الانحراف في البُعد الاقتصادي. ذلك أنّ البطالةَ هي الوضعُ الاجتماعيُّ الأكثر تناقضاً مع الإنسانية.
إنّ زيادةَ أو نُقصانَ الإنتاجِ أيضاً ثمرةٌ لانحرافِ البنية الاقتصادية الهادفة إلى الربح. إذ لا معنى لنُقصانِ الإنتاج أو زيادتِه، ما دامت الاحتياجاتُ الضروريةُ عالقةً والصناعةُ متطورةً إلى هذه الدرجة. إني مُرغَمٌ على التبيانِ بأهميةٍ بالغةٍ أنه، وفيما عدا الشروط الطبيعية، فإنّ الإنتاجَ الذي ينقصُ أو يزيدُ بيَدِ الإنسان، يُعَبِّرُ عن وضعٍ خارجٍ عن نطاقِ الإنسانيةِ بقدرِ ما هي عليه البطالةُ بأقلِّ تقدير.
كما إنّ مسألةَ البلدان والأقاليمِ النامية أو المتقدمة أيضاً تعبيرٌ آخَر عن وضعِ الخروجِ عن الإنسانية، والذي شَكَّلَه الاقتصادُ الهادفُ إلى الربح. فهكذا يتم نثرُ بذورِ النزاعات فيما بين البلدان والأقاليم بمختلفِ أشكالِها، مما يمَهّدُ لأزماتٍ وحروبٍ محليةٍ وقوميةٍ ودوليةٍ لا تنتهي ولا تهدأ. من الجليِّ أنّ الاقتصادَ المُسَخَّرَ لخدمةِ المجتمعِ البشريِّ لا يمكنُ أنْ يؤدي، أو يجب ألاّ يؤدي إلى هذه الأوضاع.
إنّ تَحَوُّلَ علاقاتِ القرية–المدينة المتأسسةِ على التناغمِ وتقسيمِ العمل طيلةَ تاريخِ المجتمعِ التاريخيِّ إلى تناقضاتٍ متجذرةٍ تدريجياً، واختلالَ التوازنِ على حسابِ مجتمعِ القرية–الزراعة؛ يتعلقُ بإخضاعِ الاقتصادِ إلى الإجراءاتِ الهادفة إلى الربح. فتَخَلّي العلاقاتِ المعتمدةِ على التغذيةِ المتبادَلةِ بين المدينة والقرية وبين الزراعةِ والحِرَفِ الحرةِ والصناعة عن مكانِها لعلاقاتِ التصفية المتبادلة؛ هو نتيجةٌ وخيمةٌ أخرى من نتائجِ قانونِ الربح الأعظم. إذ وَلَجَت المدينةُ والصناعةُ مرحلةَ التعاظُمِ السرطانيِّ لدى الزجِّ بمجتمعِ القريةِ والزراعة على حافةِ الفناء، مما تَرَكَ المجتمعَ التاريخيَّ بذاتِه –وليس الاقتصاد وحسب– وجهاً لوجه أمام الفناء.
إنّ إخضاعَ الاقتصادِ المعتمدِ على قانونِ الربح الأعظم لمثلِ هذه التحريفاتِ قد استَجلَبَ التحولَ الطبقيَّ والصراعات السياسية، وأدى إلى نشوبِ شتى أنواعِ الحروب المحلية والقومية والدولية. من الواضحِ أنّ ما يتوارى وراء كل تلك السلبيات المعروضة في سرودِ المدنية وكأنها قَدَرُ البشرية، هو استعمارُ ونهبُ الاقتصاد من طرفِ النزعةِ الفردية والاحتكارية الرأسمالية المضادة للاقتصاد.
لا تَكتَفي العصرانيةُ الديمقراطية بإنقاذِ الاقتصاد من هذه الميول المضادة فقط. فهي وبشكلِ حياتِها المتميزةِ بالشروطِ الأكثر رُقياً، تتسمُ بنظامٍ ممنهجٍ لا يَعترِفُ بالبطالةِ والفقر، ولا يَتركُ مجالاً للإنتاجِ الزائدِ أو الناقص. بل يُخَفِّضُ الفوارقَ بين البلدان والمناطق النامية والأخرى المتقدمة إلى حدودها الدنيا، ويُحَوِّلُ تناقضاتِ القريةِ–المدينة إلى علاقاتِ تكافلٍ متبادَل. ولا تبلغُ الاختلافاتُ الاجتماعية والاقتصادية أبعادَ الاستغلال الطبقيِّ ضمن منهجيتِها، ولا تتجذَّرُ التمايزاتُ الطبقية، ولا يتعاظَمُ الاستغلالُ الاقتصادي أو التناقضاتُ الاجتماعيةُ إلى حدِّ التسبُّبِ بالأزمةِ والحروب. كما لا يَقتَصِرُ نظامُ العصرانيةِ الديمقراطية على عدم السماح للصناعويةِ والتمدن بابتلاعِ القريةِ والزراعة. بل ولا يَسمَح بابتلاعِهما لنشاطاتِ المدينة والصناعة بأبعادها الحقيقية التي تُمَكِّنُ من العيش. وآليةُ ذلك معروضةٌ ضمن أبعادِ العصرانية الديمقراطية الرئيسيةِ في هيئةٍ متكاملة. فجميعُ المجموعاتِ تتناوَلُ عناصرَ الأيكولوجيا والصناعةِ ضمن تكامُلٍ مُتَّحِدٍ في نشاطاتها الاقتصادية ارتباطاً بالبُعدِ الأخلاقي والسياسي. إنها موثوقةٌ ببعضها البعض بأواصر لا تُبتَر. وهكذا، فلا يبقى شيءٌ بين مخالِبِ النزعةِ الفردية والاحتكارية الجارِحة، إذ تتم مُراعاةُ الاقتصادِ الأيكولوجيِّ والصناعةِ الأيكولوجيةِ في جميع النشاطات الاجتماعية. بناءً عليه، فالمشاريعُ التي ستُعَدُّ بهدفِ إعادةِ إعمارِ البيئةِ وإنعاش الزراعةِ وتحويلِ القرية إلى ساحةِ حياةٍ تتميز بالبيئة الأكثر صحةً وسلامة؛ كلُّها مشاريعُ قادرةٌ بمفردها على القضاءِ على مختلفِ ظواهر البطالة والفقر. فالبطالةُ مُناقِضةٌ لطبيعةِ الإنسان. ذلك أنّ النوعَ البشريَّ المتسم بهذا الكمّ من الذكاءِ الراقي لا يمكن لفتياته أنْ يَبقَين عاطلاتٍ عن العمل إلا بيَدِ العنفِ البشري. وهذا ما يحصل فعلاً. فالطبيعةُ التي لا يُعثَرُ فيها على نملةٍ عاطلةٍ عن العمل، كيف لها أنْ تَترُكَ مخلوقَها الأرقى عاطلاً يائساً؟ ولماذا يَكُونُ الفقرُ قَدَراً في عصرِ الصناعةِ والتقنية، واللتَين هما إنجازان رائعان لممارسةِ الإنسان العملية؟
واضحٌ أنّ التحوُّلَ البنيوي الممنهج هو المطلوب. فالواقعُ التاريخي والراهنُ للعصرانية الديمقراطية يتسم بميزةِ عدم جعلِ الإنسان غريباً عن ممارسته وكدحه. والثورةُ الصناعيةُ انتصارٌ للمجتمع ولاقتصاده كإحدى أعظم مراحل هذه الممارسة. تتجسدُ الإشكاليةُ في تسخير الحداثة الرأسمالية لهذا النصر الفريد في خدمةِ قانونها الربحيّ منذ بداياته، وبالتالي في دفعِ المجتمعِ التاريخي إلى حافةِ الفناء، بإنشائها نزعةً فرديةً واحتكاريةً لا ند لها (تجارياً، صناعياً، مالياً، سلطوياً، ودولةً قومية). من هنا، فالعصرانيةُ الديمقراطيةُ بأحدِ معانيها اسمٌ لثورةٍ ممنهجةٍ بنيوية ضد مفاهيم وممارسات الحداثة المنحرفة. بينما الصناعةُ الأيكولوجيةُ هي إحدى أبعادِ هذه الثورة الأساسية على الإطلاق. هذه الحجة بحَدِّ ذاتها برهانٌ قاطعٌ على مدى حياتية العصرانية الديمقراطية.
رغم عرضِ مُقَوِّماتِ الاقتصاد الكلاسيكي للحداثة الرسمية بأنها تتألف من الأسرة والشركات ذات البنية المُحتَرِفة، إلا إنها عناصر تَهدِفُ إلى الربح. وأيٌّ منها لا هَمَّ له سوى الربح. فرغمَ عدم تَركِها ساحةً اقتصاديةً واحدةً في المعمورة إلا ودَسَّت فيها أَذرُعَها كالأخطبوط، إلا إنّ الشيءَ الوحيدَ الذي تهتم به هو تأمينُ الربح الأعظم. أما إجماليُّ حصيلةِ نشاطاتِ الشركات والوحدات الاقتصادية (أو بالأحرى الخارجة عن الاقتصاد) المرتكزة إلى قانونِ الربحِ الأعظم، فيتمثَّلُ في بلوغِ البطالةِ أبعاداً عملاقة، وتعاظُمِ الفقر وهُوَّةِ فرق الدخلِ كالسيل الجارف. فبينما تَنكَسِرُ شوكةُ مئات الملايين من البشر العائمين في بحرِ المجاعة من جانب، فإنّ الطاقةَ الإنتاجيةَ الهائلة تُترَكُ عاطلةً من الجانب الآخر. ويتم فتحُ المجالِ للأزماتِ الناجمةِ عن زيادةِ أو نقصانِ الإنتاج، ودَفعُ الزراعةِ إلى الإفلاس، وإفناءُ مجتمع القرية. لذا، فعنصرُ الاقتصادِ الأساسيُّ في العصرانية الديمقراطية سيَكُون حُكماً ضد عناصرِ تلك الشركاتِ الهادفة إلى الربح.
شَكَّلَ الاقتصادُ كموضوعٍ حساسٍ هَمّاً رئيسيّاً للمجتمعِ الأخلاقي والسياسي طيلةَ التاريخ. إذ ثمة ظواهر مُهَدِّدَةٌ للمجتمعِ بشكلٍ كليّ، كالقحطِ والفقر والمجاعة والموت. والربحُ أيضاً كالادخار. إذ لَم تَعتَرِف المجتمعاتُ بشرعيته في أيِّ وقت. بل اعتَبَرته دوماً مصدراً للرذائل واللصوصية، فلَم تتوانَ الدولةُ عن مصادَرَتِه كلما سَنَحَت الفرصة. ذلك أنه واضحٌ تماماً استحالةُ إنشاءِ الاقتصاد بناءً على هدفٍ كهذا. وكما تم الإيضاح، فالحديثُ عن الاقتصاد فيما يتعلق بنشاطٍ مضادٍّ للاقتصاد جوهرياً، هو التناقضُ بعَينِه.
إنّ السبيلَ الوحيدَ للخلاصِ من هذا التناقض هو تفعيلُ اقتصادِ المجموعات الأيكولوجية. إذ بإمكانِ الآلافِ منها تنظيمُ ذاتها كمُكَوِّناتٍ اقتصادية حسب شروطِ المجتمعِ الأيكولوجيّ. أما الأراضي الزراعيةُ المُفتَقِرةُ لخاصيتِها كوحدةٍ زراعيةٍ نتيجةَ اقتسامِها على التوالي بين العوائل، فإنّ إعادةَ تنظيمِها باتَت منذ زمنٍ بعيدٍ قضيةً مُلِحَّة، مع مُراعاةِ مبدأِ الصناعةِ الأيكولوجية. ويُعَدُّ تأسيسُ المجموعاتِ الأيكولوجية في الزراعة أحدَ المبادئ الاقتصادية الأساسية على الإطلاق في العصرانية الديمقراطية. تأسيساً على ذلك، فإنّ الإنتاجَ الزراعيَّ المعتمدَ على طرازِ الفِلاحةِ المتبقية من عهدِ القِنانةِ والعبوديةِ قد فقدَ مفعولَه. كما تُشَكِّلُ المجموعاتُ الأيكولوجية، التي ستتحقق بتأسيس وحداتٍ زراعيةٍ وفق المكيال الأيكولوجي، الأرضيةَ لعصرانيةِ القرية. أي إنه بإمكان القرية (القرية الحديثة) اكتسابُ وجودِها مجدَّداً كوحداتٍ اقتصاديةٍ بالمعيارِ الأيكولوجي، نظراً لأنها مجموعاتٌ أيكولوجية.
وبالإمكان تشكيلُ مجموعاتٍ أيكولوجيةٍ شبيهة في المدن أيضاً. حيث يُنَظَّمُ الاقتصاد المتمحور حول الأيكولوجيا في مخطط المدينةِ كجزءٍ من التكامُلِ العامِّ فيها. وكيفما ينبغي عدم وجودِ البيروقراطية التي تَبتَلِعُ المدينة، فلا مكانَ أيضاً للاقتصادِ الذي يَبتَلِعُ المدينة. إذ يُنَظَّمُ الاقتصادُ بما يتوافقُ وطبيعةَ كلِّ مدينةٍ على شكلِ وحداتٍ بالحجمِ الأمثَل. بحيث لا يَهدِفُ إلى الربح، بل إلى القضاءِ على البطالةِ والبؤس. كما يمكن توزيع سكانِ المدينة على هذه الوحدات بما يتناسبُ وبُنيتَهم ومهاراتِهم.
قد يَلُوحُ كأننا نتحدثُ عن اقتصادٍ اشتراكيٍّ مخطَّط. لكنّ النموذج الذي تحدثنا عنه مختلف. فكيفما أنه لا علاقةَ لهذا النموذجِ بالاقتصادِ المركزيِّ التخطيط والتوجيه، فلا صلةَ له أيضاً بالشركات المتوحشةِ غيرِ الاقتصاديةِ والهادفةِ إلى الربح والمُسَمّاة بالاقتصادية. بل إنه بنيةٌ يُحَقِّقُ فيها المجتمعُ الأخلاقي والسياسي المحلي قراراتِه وممارساتِه. وبالطبع، ثمة ضرورةٌ لمنسقيةٍ تُراعي الظروفَ المحليةَ والإقليميةَ وحتى الدوليةَ في كلِّ وقت. لكنّ هذا الوضعَ لا يفند كونَ القرارِ والممارسةِ ضمن مبادرةِ المجتمعِ المحلي. أُكَرِّرُ مجدَّداً أنّ الاقتصادَ ليس قضيةً تكنيكيةً معنيةً بالبنيةِ التحتية. بل، وبحُكمِ كونه البنيةَ الوجوديةَ الأساسيةَ للمجتمعات، فهو نشاطٌ يتحقق بممارسةِ المجتمعِ لآرائه ومداوَلاتِه وقراراتِه ونشاطاته التنظيمية. فقطعُ أواصرِ الإنسان مع الاقتصاد هو أساسُ جميعِ أشكالِ الاغتراب. ومثلما أنّ الحَؤولَ دون ذلك شرطٌ أولي، فإنّ السبيلَ الوحيدَ إلى ذلك يَمُرُّ من تصيير الاقتصادِ مُلكاً لكافةِ المجموعات. يمكن تحويل مقولة: القيامةُ تَقُومُ عندما “أحَدُهم يأكل والآخَر يَنظُر”، إلى مقولة: القيامةُ تَقُومُ عندما “أحَدُهم يَعمَل، والآخَر يتسكع بلا عمل”. الاقتصادُ شرطٌ أساسيٌّ لوجودِ المجتمع، حيث ينبغي تنظيمُه بالالتفافِ حول المجموعاتِ وبموجبِ أسسِ الأيكولوجيا والمردودية. وفيما خَلا ذلك، فلا أحدَ يَحُقُّ له امتلاك أو إلغاء حقِّ الوجودِ هذا، سوى المجتمع أو المجموعات. والوحداتُ مُرغَمةٌ على الامتثالِ لهذه المبادئ الأساسية، تجاريةً كانت أم صناعيةً أم زراعية، بل وحتى لو كانت مالية، بشرطِ أداءِ دورِها كوسيطٍ فحسب. ينبغي تَوَفُّر هذه المبادئ في أساسِ معملٍ ضخمٍ أو أساسِ وحدةٍ قرويةٍ–زراعيةٍ على السواء.
تَخسَرُ المُلكِيةُ أهميتَها وتتراجعُ إلى المرتبةِ الثانية في الوحداتِ الاقتصاديةِ للعصرانيةِ الديمقراطية. وبالطبع، ستَبقى مُلكِيةُ المجموعات التي تتصرف بما يتناسب والمبادئ. فلا مُلكِيةُ الأسرةِ ولا مُلكِيةُ الدولة يمكنهما تلبية متطلباتِ الاقتصاد العصري. ذلك أنّ المُلكِيةَ الخاصةَ بالدولةِ والأسرة، والمتبقيةَ من بداياتِ عهدِ الهرمية، باتت عاجزةً عن مواصلةِ وجودها حتى في ظلِّ الحداثةِ الرأسمالية. بل وتَدخُلُ الشركاتُ لائحةَ المُلكِية الجماعيةِ للعامِلين فيها تدريجياً، بسبب إرغاماتِ الحقائقِ الاقتصادية. مع ذلك، يتوجب عدم الفصل بخطوطٍ عريضة بين معايير المُلكِية. فمثلما يَحيا نظاما الحضارة والمدنية بشكلٍ متداخِل، فإنّ أنظمةَ المُلكِيةِ أيضاً ستُحافِظُ على تَداخُلِها مدةً طويلةً من الزمن. وكيفما أن مُلكِيةَ الأسرة تَصونُ وجودَها ضمن المُلكِيةِ الجماعية، فوجودُ الدولةِ أيضاً سيُحافِظُ على تأثيرِها وحِصّتها. المهم هو قابليةُ الانفتاح لمعاييرِ المُلكِيةِ المَرِنةِ القادرة على أنْ تَكُون جواباً لمتطلباتِ البيئة والإنتاجِ والقضاء على البطالة. ذلك أنّ كلَّ عملٍ يَخدمُ وجودَ الفردِ وحريتَه ورفاهَه وجمالَه هو عملٌ ثَمين، حتى لو كان مُلكِية. لكن، وبما أنه يستحيل نشوء هذه القيم بلا مجموعة، فالأصحُّ مرةً أخرى هو حلُّ هذه القضايا ضمن الحدودِ المُثلى. والعصرانيةُ الديمقراطيةُ مُخَوَّلَةٌ لأداءِ دورِها بنجاحٍ مظفّر في هذا الموضوعِ أيضاً، بمُلكِيتِها الجماعيةِ التي لم تَفقُد وجودَها الكومونالي على مَرِّ التاريخ؛ وذلك بعد مَوضَعَتِها مُجدَّداً ضمن الشروط العصرية تأسيساً على المجتمعِ الأخلاقي والسياسي.