أقول لكم من البداية وحتى النهاية التدريب

تحليلات القائد بخصوص التدريب

0

عبدالله أوجلان

ولو تَبَدى هذا موضوعاً زائد اً عن اللزوم، إلا أنه من اللزوم استيعابُ القضايا الناجمةِ عن اندراج حقلَي التعليم والصحة ضمن احتكارِ السلطةِ والدولة، تماماً مثلما حلَّ بالعلم، فكيفما أنّ العلمَ المتداول يصبح الأداةَ الأكثر تأثيراً للهيمنةِ الأيديولوجية، فالتعليمُ والصحةُ المتكاملان مع السلطةِ يَعكِسان الطابعَ نفسَه أيضاً.

بالإمكان تعريفُ التربيةِ والتعليم على أنها جهودُ المجتمعِ في تلقينِ أعضائه عموماً وشبيبتِه خصوصاً، ومَدِّهم بخبراتِه، وجعلِهم يتمثَّلونها على شكل معارف نظريةٍ وعملية، فمُجتَمعيةُ الأطفالِ تُؤَمَّنُ حسب مدى كفاءةِ المجتمعِ في التعليم، أي أنّ تعليمَ الأطفال من أهم  وظائف المجتمعِ وليس السلطة والدولة، وذلك لأنّ الأطفال والشبابَ مُلكُ المجتمع، فتنشئةُ أطفالِه وشبيبته بموجبِ تقاليده هو ووفقَ خصائصِ الطبيعةِ الاجتماعية، والعودةُ بهم إليه، هو حقٌ وواجبٌ في آنٍ معاً؛ ويُعتَبَرُ موضوعاً مصيرياً، حيث ترتهنُ قضيةُ استمرارِه بوجوده. لذا، لا يستطيع أي مجتمعٍ تسليمَ حقه في الوجودِ أو مشاطَرَةَ مهامه بشأنِ تعليمِ شبابه لهذا الغرضِ مع أيةِ قوةٍ أخرى.

لا يُمكنه تسليمَ حقوقه ومهامِّه تلك، حتى لو كانت القوةُ المذكورةُ هي الدولة أو مختلفُ أجهزة

السلطة، وفي حال العكس، فسوف يُعدُّ مستسلماً لاحتكاراتِ الهيمنة.

تنبعُ قدسيةُ حقِّ التعليِمِ من الوجود، ما من قوةٍ أَقرَبُ من المجتمع إلى الأطفالِ والشباب، أو ترى داعياً لأن تَكُونَ قريبةً منهم أكثر منها، بما في ذلك الأمُّ والأب، وإنّ إحدى أشدِّ عداوات المدنياتِ تجاه المجتمعِ على مرِّ التاريخِ، هي نزوعُها إلى حرمانِ المجتمعِ من أطفالهِ وشبابه، ونظامُ المدنيةِ الدولتيةِ يُحقِّقُ ميولَه هذه بطريقَين اثنَين: إما أنْ يستَعبدَهم بعدَ القضاءِ على كِبارِهم، أو أنْ يستوليَ عليهم بذريعةِ تعليمهم، وذلك للاستفادة منهم في طوابق السلطة.

من أهم أهداف الحروبِ تشكيلُ بُؤَرٍ لصهرِ الأطفالِ والشاباتِ والشبابِ في بوتقتها بهذَين الطريقَين لأنهم من أثمنِ الغنائم، وهي تُشَكلُ البؤرِ فعلاً، ومثلما أنّ أرضيةَ البيروقراطيةِ البدائيةِ قد رُصِفَت على هذا النحو، فإنّ تاريخَ المدنيةِ أيضاً يُعَد بأحدِ جوانبه نزوعاً إلى تهشيشِ المجتمعِ مِن جهة، وإلى تكوينِ قوةِ الأجهزةِ البيروقراطيةِ عبرَ هذا الأسلوبِ من جهةٍ أخرى، إنه تشكيلُ مجتمعٍ ضد مجتمع : أي تكوينُ مجتمعِ السلطةِ والدولةِ ضد المجتمعِ الطبيعيّ، وضمن هذا التكوين يتمُّ  تلقينُ الأطفال والشبيبةِ المجَرَّدين مِن مجتمعهم الذاتي لغة وثقافة وتاريخاً مغايراً كلياً، فالهدفُ الرئيسي في هذا التعليِم هو تكريسُ اغترابِهم عن ذاتهم، بحيث يتم تشريبُهم بالهويةِ الأكثرَ دولتية على الصعيدَين الأيديولوجيّ والماديّ، وبذلك يغدو مستحيلاً عيشُهم من دونِ سلطة، بل وتصبحُ الدولة والسلطة بالنسبة لهم السبيلَ الوحيدَ الذي يُمَكنُ من الوجود، وهكذا يَعتَبِرون أنفسَهم سلطة ودولة من جانب، ويَصِيرُون على نفورٍ مع المجتمعِ الطبيعي من جانبٍ آخر، أوحياناً تتمُّ  المطابقةُ بين مجتمعِ الدولةِ والطبيعةِ الاجتماعية، لكنّ هذا خطأٌ وتنا قُض، وقد شُيدَ تاريخُ المدنيةِ على هذا التناقض، هذه الوقائع التاريخية تتخفى وراء استيلاءِ السلطاتِ على حقلِ التعليم. وإلا، فهي لا تَكتَرِثُ بوظيفةِ التعليمِ حيالَ المجتمع، فبقدرِ ما يُعَلِّمُ رَبُّ عَملٍ عمالَه، فالسلطة أيضاً تُعَلِّمُ مَأمُوريها بالمنطقِ نفسِه و كعُمّالٍ عبيدٍ لها، وحتى لو كاف اسمُها بيروقراطية، إلا أ نه تتمُّ تنشئةُ أعضائها كعبيد، بدءاً من أدنى المستوياتِ إلى أعلاها.

تَنسجُ سلطاتُ الدولةِ القوميةِ بصورةٍ خاصةٍ احتكاراتِها حولَ الأطفالِ والشبابِ بالدرجةِ الأولى عن طريق التعليم، فالأشخاصُ المعجونون بمفاهيمِها التاريخيةِ والفنية والدينيةِ والفلسفية، لَم يَعُودوا منتمين إلى عوائلهم القديمة، بل باتوا أطفالاً مِن صُلبِ أصحابِ السلطة، ومُلكاً لهم، هكذا يتمأسسُ الاغترابُ الكبير، هذا وتُعَدُّ البورجوازية مِن حيث التعليمِ الطبقة التي تُؤَسسُ أشدَّ أنواعِ الاحتكارِ كثافةً وتُسَلِّطُه على المجتمعِ بأكمله، فلدى جَعلِها التعليَم الابتدائيَّ والإعداديَّ إلزامياً، وتذكيرها بشهادة التخرجِ الجامعيِّ للراغبين في الحصول على عمل، يَكُونُ طَوقُ الاغترابِ والتبعيةِ المُحاصِرُ لشبيبةِ المجتمع، ومسارُ الزَجِّ بها في القفص، قد أصبحا ضرورةً لا مفرَّ منها، بالتالي، فالعنفُ والتعليمُ والقوةُ الماديةُ تصبح أسلحة فتاكة يصعبُ مقاومتُها على دربِ استعمارِ المجتمع، بناءً عليه، بالإمكانِ التبيانُ بكلِّ يُسرٍ أنّ المجتمعَ تَلَقَّى أكبرَ الضرباتِ جرّاء الحربِ التي شَنَّتها الدولة والسلطة ضده طيلةَ تاريخِ المدنية، وذلك من خلالِ حقلِ التعليمِ، يُعَدُّ حقُّ المجتمعاتِ في التعليِم من أصعبِ حقوقها تطبيقاً كما إنّ المجتمع الذي يتعينُ عليه ضمانُ وجودهِ عن طريق حقل التعليِم دون بُدٍّ ضدّ القوى العملاقةِ للدولةِ القوميةِ والاحتكاراتِ الاقتصادية، قد دَخلَ أصعبَ مراحلِ تاريخهِ. ومع ثورةِ الاتصالاتِ الأخيرة، تُسَيِّرُ الهيمنةُ الأيديولوجيةُ عبرَ حربِها الإعلاميةِ التي شنَّتها على المجتمعِ برمته، حملةً جديدةً من الاستعمارِ الثقافيّ، والذي وُفِّقَت فيه بما يَفوقُ استعمارها إياه من الجوانبِ العسكريةِ والاقتصادية، وذلك بسببِ تسييرها إياه بكثافةٍ أكبر ومن وراء الستار، السبيلُ الوحيدُ لحريةِ المجتمعِ وخَلاصِه يتجسدُ في مقاومتِه تجاه هذا الغزوِ والاستعمارِ الثقافيّ ، وذلك من خلال الوَسيلَتَين الأوليتَين لوجودِه، أي عن طريق أخلاقه وسياستِه الذاتية. فالمجتمع الذي يخسرُ شبيبته، أو الشبيبةُ التي تخسرُ مجتمعها، لا يدلُ على الهزيمةِ وحسب، بل وعلى إضاعةِ الحق في الوجودِ الذاتي، بل وحتى خيانتِه، وما يتبقى من ذلك هو الفسادُ والاهتراءُ والتبعثرُ والاضمحلال. مقابل ذلك فمَهمَّتُه الاجتماعيةُ الأساسية تتمثل في تطويرِ مؤسساته التعليميةِ كوسائلَ أوليةٍ لوجوده، ومن حيث المضمون، فمَهمَّتُه هي فَصلُ شروحِه وتفاسيرِه العلميةِ والفلسفيةِ والفنيةِ واللغوية عن بُنيةِ العلمِ السلطوي، والنجاحُ في إنجازِ ثورةِ المعنى. وإلا، فمن المحالِ تفعيلُ الأنسجةِ الأخلاقيةِ والسياسية للوجودِ الاجتماعي. هكذا، وكيفما أنّ قضيةَ التعليمِ تجعلُ مِن مؤسساتِ )أنسجة ( المجتمعِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ ضرورةً حتمية مِن حيث المضمون، فالوظيفةُ الأساسية للأخلاقِ والسياسةِ أيضاً هي توفيرُ التعليِم الاجتماعي. ذلك أنّ المجتمع الذي لا يثقفُ نفسَه، تُنسَفُ إمكانيةُ قدرتِه على تطويرِ أو تكريسِ أخلاقه الذاتيةِ ومؤسساتِه السياسيةِ الذاتيةِ أو الحفاظِ عليها، وهكذا مجتمعٌ لن يستطيعَ وجودُه تَجَنُّبَ التخبطِ المستمر تحت المهالكِ ومواجهةِ الفسادِ والتشتت، لا محال إنّ النظام التعليميَّ في الحياةِ الاجتماعيةِ العصريةِ مُكلَّفٌ بتنشئةِ نمطٍ فرديٍّ مضادٍّ للروحِ المجتمعية.

هذا وتُطبَّقُ الحياةُ الليبراليةُ الفرديةُ وحياةُ مواطنِ الدولتيّةِ القوميةِ بعدَ مَنهَجَتِهما وضبطِهما بموجبِ تلبيةِ احتياجاتِ الرأسمالية، فشُكِّلَت صناعةٌ باهرةٌ لهذا الغرض، أُطلقَ عليها اسم “قطاع التعليم والتربية”. ويتعرضُ الفردُ للقصفِ ذهناً وروحاً على مدارِ الساعةِ ضمن هذا القطاع، كي يتحول إلى موجودٍ مناهضٍ للمجتمعية. هذا وقد جُرِّدَ هذا الفردُ من كينونتِه الأخلاقيةِ والسياسية. كما وتُفسَدُ طبيعةُ المجتمعِ وتُخَرَّبُ من الجذور، عن طريق الأفرادِ الصائرين هارعين وراء الاستهلاك، مُولَعين بالمال والجنس، شوفينيين، ومتملقين بالسلطة. بمعنى آخر، فالتعليمُ والتدريبُ يوَظَّفُ في تدميرِ المجتمع، لا في سبيلِ تفعيلِه بصورةٍ قويمةٍ وسليمة. من هنا، فالحقيقةُ التي أَثبَتَتها التحليلاتُ التي بالوسعِ الاستفاضةُ بها بشأنِ الحياةِ الاجتماعية، هي وصولُها حدَّ “المجتمع أو العدم”.

مؤسسة التربية والتعليم هي مؤسسة الحداثةِ الأكثر تأثيراً في جعلِ الفردِ مواطناً، بدءاً من المرحلةِ الابتدائية إلى الجامعية، وهي تتسابقُ مع المؤسساتِ العسكرية في هذا المضمار.

يتجسد الهدفُ الأولي لهذه المؤسسة في تنشئةِ المواطن الذي يبلغُ ذروة الحماقةِ والبله، وذلك بعد أنْ تُسربل كافةُ القِيمِ التي كوَّنها المجتمعُ التاريخي المثابرُ على التغير والتحول والاختلاف، وتُمرَّر من غربال الدِّينوية ثم القوموية، وتُعجن في بوتقةِ الأيديولوجية الرسمية للحداثةِ الرأسمالية، والتعصبُ في هذا الخصوص قد خلّفَ سكولاستية العصور الوسطى وراءه بفراسخ واسعة.

الأمةُ الديمقراطيةُ عصرانيةٌ بديلةٌ يتحققُ فيها الفردُ المواطنُ الحر، وهي المجتمعُ البديلُ إزاء التهميشِ المجتمعيّ، والمجتمعُ الديمقراطيُّ مقابل مجتمعِ أو لا مجتمعِ السلطةِ والدولة، وهي المجتمعُ الذي يتوصلُ إلى النشوءِ والتواجدِ الحرِّ والمتساوي ضد الاستهلاك الاجتماعيِّ الذي تُمارَسُ فيه وتُرَسَّخُ شتى أشكالِ العبوديةِ واللامساواة، بإمكانِنا بلوغُ هذه التعاريفِ بكلِ يُسر، لدى تقييمِنا الأمةَ الديمقراطيةَ على صعيدِ الحياةِ الاجتماعية، فكينونةُ مجتمعِ الأمةِ الديمقراطية، هي أولُ شروطِ العيشِ كمجتمعٍ سليمٍ قويم، وهي تُعِيدُ المجتمعَ الذي استهلكَته الدولةُ القوميةُ إلى أصله، والمجتمعُ السليم يُنشِئُ فرداً سليماً، والفردُ الذي ينعَمُ بالصحةِ الذهنيةِ والروحية، تزدادُ مناعتُه ومقاومتُه إزاء الأمراضِ الجسديةِ التي تغدو قليلة، ونظراً لتطلعِ مفهومِ التعليمِ والتدريبِ في الأمةِ الديمقراطيةِ إلى المجتمعيةِ والفردِ المواطنِ الحرّ، فإنه يُعادُ بناءُ تطورِ الفردِ بالمجتمعِ والمجتمعِ بالفردِ دياليكتيكياً، وابرازُ دورِ العلومِ الذي يفضي إلى النعيِم بالمجتمعيةِ والحريةِ والمساواةِ مجدَّداً،  وهكذا، فالأمةُ الديمقراطيةُ هي الروحُ القوميةُ في المجتمعِ الذي اكتسبَ الوعيَ السليَم والصحيحَ بحقِّ نشوئه.

إنْ قیل: أین بقي دور الثوار؟ فسنقول أنه علیھم، قبل كل شيء، معرفة الوصول إلى حقائق علم الاجتماع ذاك، الذي سعینا لرسم إطاره، ذلك أن الثوریة المفتقرة إلى علم الاجتماع أو التحول الاجتماعي المفتقر إلیه قد تمتزج أحیاناً بالجنایات والخیانات، دون أن تنتبه لذلك، والسبیل الوحید والفرید لإعاقة ذلك، ھو إنقاذ علم الاجتماع الذي رسمناه من قبضة قوى “السلطة  المعرفة”، وإعادة بنائه، وتأسیس مدارسنا وأكادیمیاتنا الخاصة بعلم الاجتماع الذي نرمي إلیه، كذلك یتجسد في العمل بذھنیتنا المعتمدة على علم الاجتماع أساساً، في سیاستنا.

قد یكون الأھم من كل ذلك، ھو سیادة الأخلاق الاجتماعیة، وإبداء الصبر والإیمان والعزم اللامتناھي للسیر في السبیل الصحیح المرسوم في السیاسة الأخلاقیة، ھذا بالإضافة إلى عدم الرجوع إلى الوراء، عدم الوقوع في الخیانة، وبالتالي عدم التذرع بأي شيء من أجل ذلك.

وكذلك تناغم وتَوافُق الأخلاق لحظة بلحظة مع عالمنا الذھني المعجون بالعلم؛ والعیش الدائم مع الوعي، في ھذه الحالة، عندما یتكاتف العلم والسیاسة والأخلاق، سنرى بأم أعیننا أنه ما من قضیة اجتماعیة أو مجتمعیة إلا وسنتغلب علیھا، وسنفلح في تسخیرھا في خدمة البشریة عموماً، وفي خدمة شعوب منطقتنا، التي ھي جزء لا یتجزأ من البشریة، على وجه الخصوص.

فأخلاقنا التي تمثل وجدان وضمیر التاریخ والمجتمع، إنما تأمرنا بممارسة سیاسة مفعمة بالوعي كھذه، وبتأمین التغیّر والتحول الاجتماعي المراد والمرتأى عبرھا؛ وتحثنا على القیام بذلك أكثر من أي وقت مضى، وبينما يُعتَبَرُ التعليمُ أهمَّ وسيلةٍ بِيَدِ الحداثةِ لتحقيقِ التحولِ إلى أمة، فقد كان الكردُ يُجتَثّون من هوياتِهم التاريخيةِ والمجتمعيةِ الخاصةِ به مبدءاً من مرحلةِ الحضانة، وذلك ضمن إطارِ النُّظُمِ التعليميةِ الإنكاريّةِ للأممِ الحاكمة، أي أنّ وسيلةَ المجتمعيةِ المُسمّاةَ بالتعليم، كانت تتحولُ على صعيدِ الهويةِ الكرديةِ إلى أداةٍ لفرضِ التخلي عن الهويةِ الذاتيةِ والمجتمعيةِ الذاتيةِ بالنسبةِ للكرد، ومثلما حُظِرَ التعلمُ باللغةِ الأِّم في أغلبِ أجزاءِ الوطن، فقد كانت لغاتُ الأمِ الحاكمةِ تُقامُ مقامَ اللغةِ الأّم، وبدلاً من أداءِ اللغةِ الأِّم وظيفةً أداتيةً لتحقيق المجتمعية، كانت تُصَيَّرُ حجةً للهروبِ من المجتمعية، أما الكردايتيةُ بصفتِها ذهنيةً ثقافية، فكانت تُصَيَّرُ مؤشراً للاستسلاِم للثقافاتِ القوميةِ المسيطرة، عوضاً عن تذكيرِها بالوصول إلى حالةِ الشعورِ بالذات.

يتطلبُ البُعدُ الذهنيُّ فرزاً محدوداً، نظراً لاهتمامِه بعالَمِ الفكرِ والخيالِ ومشاعرِ التعاضدِ فيما بين مجموعِ الأفرادِ والمجموعاتِ الطامحين في التحولِ إلى أمة، وما يتصدرُ هذه الأنشطةَ العمليةَ في سبيلِ ذلك، هو إعطاءُ التدريبِ العلميِّ والفلسفيِّ والفنيِّ )والدينيّ أيضاً(، وافتتاحُ المدارسِ اللازمةِ لهذا الغرض، ذلك أنّ شحذَ الذهنِ والعاطفةِ فيما يتعلقُ التحولَ إلى أمة، هو وظيفةُ  تلك المدارس. وبقدرِ الاعتناءِ بالوجودِ التاريخيِّ والاجتماعيّ، فإنّ المحورَ الأساسَ هنا هو وعيُ الحاضرِ والثقافةِ المجتمعيةِ المعنيةِ بالعصرِ الحاليّ، وتشاطُرُ جوانبُها الصائبةُ والفاضلةُ والجميلةُ على شكلِ أفكارٍ ومشاعر مشتركة. باختصار فالمَهَمّةُ الذهنيةُ الأوليةُ المتجسدةُ في هيئةِ KCK هي تَصَوُّرُ الكردِ أمةً قائمةً بذاتِها، على صعيدِ عالَمِ الفكرِ والمشاعرِ الفاضلةِ والصحيحةِ والجميلةِ المُشتركةِ فيما يخصُّ نشوءَهم، وبتعبيرٍ آخر، إنها خلقُ كينونةِ الأمةِ لدى الكردِ بالثورةِ العلميةِ والفلسفيةِ والفنية، وابداعُ عالَمِ الفكرِ والمشاعرِ الأساسيِّ لهذه الكينونة؛ والتشاطرُ الحرُّ لانفراجِ وانشراحِ الحقيقةِ العلميةِ والفلسفيةِ )الأيديولوجية( والفنيةِ للواقعِ الكرديّ، والسبيلُ إلى ذلك هو التفكيرُ الذاتيّ، وتَلَقّي التدريبِ الذاتيّ وتشاطُرُ الفاضل والعيشُ بجمالية.

والنقطةُ الأوليةُ التي يُمكنُ مطالبةُ الدول القوميةِ الحاكمةِ بتلبيتِها على الصعيدِ الذهنيّ، هي الالتزام التاُّم بحريةِ الفكرِ والرأيِ والتعبير، ولَئِنْ كانت الدولُ القوميةُ ترغبُ في العيشِ المشتركِ مع الكردِ في ظلِّ معايير مشتركة، فعليها احترامُ قيام الكردُ بتكوينِ عالَمِهم الفكريِّ والعاطفيِّ الخاصِّ بهم، وبالارتقاءِ بأنفسِهم إلى منزلةِ مجتمعٍ وطنيٍّ مُحَصَّنٍ بفوارقِهم وتبايناتِهم؛ وعليها تضمينُ حريةِ الفكرِ والرأيِ والتعبيرِ بدستور، كشرطٍ لا بدّ منه، ذلك إنّ الطريقَ المؤديةَ إلى تشكيل أمةٍ مشتركة، تمرُّ من الامتثال الكاملِ بحريةِ الفكرِ والرأي.
أقول هذا للأكراد: إعطاء أهمية خاصة لتعليم الفتيات والمحافظة عليهن، ويجب أن يقدموا تعليمهم لبناتهم، لهذا السبب، يجب افتتاح أممكنة للتعليم، يجب أن يهتموا بأطفالهم، وبهذا الشأن أود أن أقول الكرد  محصورين في مخطط الإبادة الثقافية، لقد أطلقت تسمية “الكرد المحصورين بين فكَّي الإبادة الثقافية” على مرافعتي الخامسة، فأنتم بين فكَّي الإبادة الثقافية، توجد بين الأكراد هوة تعليمية كبيرة، فإذا أرادوا النضال فليطوروا وليملؤا عقولهم وقلوبهم الفارغة، فبعد كل هذه الأحداث، لا أقبل بقلوب وأدمغة فارغة، أستطيع قول هذا كمثال عن اللامبالاة، وأود القول أن هكذا أفراد لن ينالوا النجاح، فعدم الانتاج في الوقت عينه هو اللامبالاة، ولن نستطيع كالسابق أن نبكي أو نضحك أو نتألم ونفرح، ولقد حذرت بالفعل في السابق ولكن لم يُفهم، فيجب أن تبذلوا الكثير من الجهد في هذا الشأن.

ینبغي الاستفادة من التعلیم الرسمي واللغة الأم على السواء وبشكل حر، وحتى لو لم تساعد الدولة على ذلك، فعلیھا ألا تزرع القلاقل في طریق تأسیس الشعب مؤسساته التعلیمیة المعنیة بلغته وثقافته بإمكانیاته الذاتیة.

دمقرطة المرأة تعني في نفس الوقت دمقرطة الحزب، فمشكلة التعليم لدى المرأة عميقة جداً، وهي بحاجة ماسة للتعليم، ويجب على الجميع تحويل أنفسهم إلى قواعد ديمقراطية وجعل المبادئ الديمقراطية تعليماً جوهرياً، وهناك مقولة لرئيس وزراء النرويج: ” الاستهلاك الأفضل هو الذي يُستخدم في سبيل تعليم المرأة”. هذا الأمر صحيح فالاستهلاك في سبيل تعليم المرأة مهم جداً، وإذا زجت فتاة في عمر الخامسة عشر في نظام هيمنة الرجل الثقيلة والخطيرة، فإن ذلك يُعتبر نهاية لحياة الفتاة والعائلة والرجل والمجتمع، وإذا امتلكت المرأة القوة، فعليها أن تُدرب نفسها فهي بحاجة للتدريب أكثر من حاجتها للطعام والشراب، وإذا غدت امرأة في الخامسة والعشرين من عمرها أمٌ لعشرة أطفال، فهذا عقاب فظيع وخطير. يجب على المرأة أن تثق بنفسها، وأن توسع وتعمق تدريبها، وهذا بدوره سيعمل على تقليص سلطة الرجل، فهي تملك فرصة التنظيم، وإذا توفر التدريب للمرأة هناك العديد من الأبنية لذلك، عندها تستطيعون امتلاكها، ويمكن أن لا يتم تقبلكم في المستقبل، عليكم أن تتدربوا في تلك الأماكن، ويجب أن يكون التدريب لديكن بمثابة العبادة كالقرآن، ويحتاج القرآن أيضاً إلى تدريب النفس بطريقة ديمقراطية، من أجل الفهم الصحيح للدين أيضاً هو بحد ذاته حاجة تدريب ديمقراطي.

يا ترى هل تسيرون نحو تدريب عميق؟ هناك حاجة ماسة لهذا الأمر  في كل ميدان أي في الثقافة والسياسة واللغة هناك حاجة لتدريبٍ واسع، فلا تتعاملوا مع الآخرين حسب عواطفكم، لكي لا تصبحوا فريسةً للوهن والضعف، يجب أن نحول الألم والصعوبات لفائدة تعود على التدريب والتنظيم، ولا يمكن أن تتم العملية التدريبة بشكل ايجابي بالمطلق، إنما هناك بعض المنغصات أيضاً،  هذه جهود طويلة الأجل تستلزم الصبر والتفكير، وهذه الأمور تستدعي التدريبات الكثيرة، وإذا سرتُم حسب أهوائكم ستصبحون منافقين، وهذا ينطبق على الرجال والمجتمع أيضاً، فالشجاعة والإرادة تذلل أكبر الصعاب، واللاتي لديهن البرهان والحرص يستطعن تحقيق النجاح.

من المعلوم أنه كان هناك معابد للنساء في سومر، والتي بنتها المرأة وكانت أمكنتها المقدسة وميراثها العظيم، وقد طبقت النساء تعليمهن في هذه المعابد، وقدمن الفن والجمال فيها… وتعلمون أن الألوهية لم تكن سلطوية.

قد لا تستطيع العائلة تلبية حاجة الفتيات للتدريب، لذا تستطيعون فتح أماكن خاصة لتعليم الفتيات وخاصةً المحتاجات منهن، وبالقدر الذي تستطيع فيه المرأة تنظيم نفسها، يجب في الوقت ذاته أن تنشغل في تدريب الفتيات الصغيرات.

لقد تناولتُ تاريخ عبودية المرأة الذي طبق عليها منذ خمسة آلاف عام، يجب على المرأة أن تدرب نفسها جيداً، وأقول مكرراً التدريب والتعليم من البداية وحتى النهاية، إذا استخدمتم طاقتكن للأنشطة الصحيحة والتعليمية والتنظيمية العميقة، وقمتم ببناء تنظيم عميق، فهذا سيعمل على تطوير كل مكان، يجب أن تتجاوزن بتدريبكم واسلوبكم نمط الحياة بشكل واقعي، وإلا لن تحققن النجاح.

يجب أن تقوموا بالتدريب في ميادين: الميثولوجيا والفلسفة والعلم والفن، ، وبناء منظمات المجتمع المدني بهذه المعرفة في يومنا هذا ، أنا على ثقة كلما تعرفتم على هوياتكم فإنكم تدركون معنى الحرية، عندها ينتابكم التعجب وستكتشفون عالماً جديداً، عليكم قراءة مرافعاتي بشكل جيد واستيعاب مفادها، فهذا نداء جيد للغاية بالنسبة لتاريخ ميلاد المرأة.
هناك مشكلة في البرنامج والكادر والتعليم، فالتكامل يعني الغنى، فهناك حاجة للكوادر المؤمنة الذين بادعائهم العلمي سيعملون على تسيير الأنشطة والفعاليات الجيدة، كيف يتم تأسيس الكادر؟ يؤسس بالتدريب. لكن لا يوجد تدريب. فأنتم تلقون اللوم لعدم وجود الكوادر، أنا لا استوعب ذلك. ومن ناحية تقولون هناك آلاف من الشباب العاطلين عن العمل يجلسون في المقاهي، ومن ناحية أخرى تقولون لا توجد كودار. فأنتم من سيجد الكوادر ويقوم بتدريبهم وتأسيسهم. ولا يمكن تجاوز هذا الأمر بشكلٍّ آخر، فأنتم لا تقرؤون. لذا لا تدريب لديكم، فأنتم بذلك تدخلون في حالة خطيرة وتنشرون المخاطر أيضاً، ويجب هنا ألا تأملوا مني كل شيء، عندما كنت في الخارج، كنت أحاول تعبئة هذا الفراغ ودققتُ على التدريب والتنظيم كثيراً، ولكن الآن فرصي في وضعي الحالي ظاهرة للعيان، فسابقاً كنتُ حراً وأستطيع القيام بالأعمال، والآن أنا في ظل هذه الظروف لا أستطيع عمل أي شيء. فظروفي معروفة وتُطبق علي آلاف الألاعيب، فيجب عليكم جميعاً أن تشعروا بهذه الظروف وأن تدركوا هذه الألاعيب، ومع ذلك لا يزال يتم أفضل تدريب هنا، أنا هنا بمفردي، ولكنني لا أترك تدريب ذاتي. فأنا أحافظ على تدريبي بعناية، فلقد قمت لأربع سنوات بتدريب فردٍ واحدٍ في حجرة مظلمة. وتستطيعون أخذ هذا الأمر كمثال.

اعملوا على التوافق بين التدريب والتنظيم، وبذلك يمكنكم الحصول على نتائج في غضون خمس سنوات، ويجب عليكم الآن تطوير نماذج جديدة مبتكرة للغاية من التنظيم والتعليم والكوادر، وجعلها حيوية بشكلٍ أسرع، ويجب أن تكون أنشطتكم التدريبية قوية جداً، وأن تفتحوا المدارس في كافة المناطق وإعطاء الأهمية لتدريب الكوادر، ويجب أن يكون هناك تنسيق لمدرسة التعليم الديمقراطي، فمن الضروري بذل الجهود، وإذا توفر الاقتصاد للكدح والجهد، فلا بدَّ من توفر الديمقراطية والسياسة لها أيضاً، قوموا ببناء اللجان العلمية وأعطوا الأجوبة الشاملة والمتكاملة وقوموا بإثبات ذلك، وابنوا اللجان التدريبة وطوروا أنفسكم، ودربوا الآلاف من الأفراد في مدارس التعليم التابعة للحزب، وطوروا تدريبكم، كثيراً ما قيل” هناك بلاتفورما ديموقراطية” فالكوادر لم ينزلوا من الفنادق ذات الخمس نجوم ولا من المنتجعات بين الشعب.

فهناك كم مركز؟ هل هناك مراكز لتطوير القرويين؟ هل هناك مراكز لتدريب المرأة؟

والأفراد الذين ليس لديهم عمل  وغير مدربين، يمكنهم زراعة أشجار البلوط وتنميتها، وبتطوير زراعة أشجار البلوط سيتحرر العالم، وقد كان عليكم تطبيق هذه الأعمال بكل شجاعة.

الأكاديميات

أما عالَمُ العلومِ والأكاديمياتِ الحالية، فهو المكانُ الذي يُنتَجُ فيه هذا المنطق. فالأكاديمياتُ العلميةُ الراهنةُ قد أُرفِقَت بالسلطةِ الرأسماليةِ كأماكنِ إنتاجٍ ميثولوجيٍّ أكثر تعقيداً مما في الزقوراتِ السومرية.

والميثولوجياتُ المُصاغةُ في هذه الأماكنِ باسمِ العلم، هي التي حَطَّمَت وهَشَّشَت مقاومةَ المجتمعِ أكثر مما عليه وسائلُ الهيمنةِ المكشوفةِ للسلطة، موضوعُ الحديثِ هنا هو تضليلٌ وتعتيمٌ أبعدُ بكثيرٍ مما في مخادَعاتِ العصورِ الوسطى، أنّ تعليمَ المواطنِ في الدولةِ القوميةِ لا يذهبُ في معناه أبعدَ من الوثنيةِ الشيئانيةِ الأكثر فظاظةً مما شَهِدَه التاريخ، فبهذا التعليمِ أُنتِجَت الإبادةُ العرقيةُ للفاشية، ودُمِّرَت البيئة، أي أنّ التعليمَ في الدولةِ القوميةِ هو ثالثُ أكبرِ عاملٍ في إيصالِ إشكاليةِ المجتمعِ الوطنيِّ إلى أقصاها.

تُبدي الوضعيةُ عنايةً فائقةً في عكسِ الدولةِ القوميةِ على أنها الحالةُ الملموسةُ للعلمِ والفنّ، بذلك تَكُونُ الحداثةُ الرأسماليةُ بجانبِها هذا قد بدأت بالترويجِ لأفظعِ كذبة، حيث تَزعَمُ بإصرارٍ على أنها ظواهرية وموضوعية وعلمية إلى آخرِ درجة. وتَنذُرُ الدولةُ القوميةُ كافةَ قواها لهذه الدعاية، فتُشيِّدُ عالَماً أكاديمياً عظيمَ الضخامة، هكذا يتمُّ تَكوينُ الميثولوجيا ودعاياتُها، وعرضُها في السوقِ في عهدِ الحداثةِ هذا، بما لَم يتمكن من تحقيقِه تاريخياً أيُّ إلهٍ أو دين )أيُّ مَلِكٍ ومشروعيته (.فكما تمَّ بذلك تخريبُ جميعِ المساماتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ للمجتمع، إلى جانبِ تعطيبِ بُؤَرِ المعنى أيضاً؛ فكأنه لَم يَبقَ دماغ أو فؤاد إلا واقتنعَ بهذه الأساطير والدعاياتِ المعاصِرة، والعالَمُ الأكاديميُّ قاصر عن إدراكِ الحقيقةِ في هذا المنحى، بسببِ تَرعرُعِه في مَشتَلِ المدينةِ وصناعويتِها، بل ونشوئِه هناك، فهو لا يستطيعُ حتى تَخَيُّلَ عالَمٍ بلا دولةٍ قوميةٍ أو لا يَسري فيه دينُ الصناعوية، وحسب مَقولةِ “الكلبُ لا يَعضُّ صاحبَه”، فالعِلمُ والعالَمُ الأكاديميُّ لا يميلان إلى عضِّ أسيادهما، وحتى لو نَبَحوا تجاههم بين الحينِ والآخر، إلا أنهم يَسكُتون فوراً لدى رمي قطعةِ لحمٍ أمامهم، مواظِبين على خدمتهم، إني مُصِرٌ على أنّه ثمة شرعنة للنظامِ الرأسماليِّ بـ”العلموية”، كما في الشرعنةِ الميثولوجيةِ لنظامِ الطغيانِ والاستغلالِ على يدِ كَهَنةِ سومر ومصر بأقلِّ تقدير، فبينما يَقومُ ما يُسمى بالعلمِ والعالَمِ الأكاديميِّ بإعدادِ مُبَرراتِ الشرعنةِ النظرية، يَقومُ العالَمُ الإعلاميُّ أساساً بالدعايةِ والترويجِ لها.

بالمقدور التوسع أكثر في تعریفنا للفوضى التي مھّد لھا النظام بإلحاقه المجتمع برمته بھا، لكن ھذا التعریف كافٍ ووافٍ لتلبیة ما نرمي إلیه ھنا، بدون إیضاح حالة الفوضى بشكل مفھوم، بل والتفكیر والتصرف وكأننا نعیش في نظام اعتیادي مألوف؛ لن ننجو من الوقوع في أخطاء أساسیة، وبالتالي من معاناة تكرار العقم واللاحل، عوضا عن الحل، ثمة حاجة ضروریة للمساعي التثقیفیة والعقلیة الشاملة في ھذه المرحلة، بما یضاھي سابقاتھا بأضعاف المرات.

نخص بالذكر ھنا زیادة قیمتھا التنویریة بحق، بسبب ما یسفر عنه سوء فھم المجریات من حولنا – عوضاً عن فھمھا – بوساطة البنى العلمیة القدیمة كالجامعات والدین، فالعلم والدین المرتبطان بالسلطة، یصبحان فعّالان إلى أقصى حد في إظھار الوسط على نحو مشوه ومنحرف، وفي طرح البرادیغمائیات الزائفة، علینا في ھذه المراحل أن نرى على نحو أفضل، الدور الذي یؤدیه العلم والدین والفن والریاضة كثورة مضادة، تتزاید الحاجة بنسبة كبرى للعلم والبنى العلمیة – مدارس وأكادیمیات علم الاجتماع – غیر المخادعة، والمتقدمة إلى المجتمع بمخططات ومشاریع وبرادیغمائیات حقیقیة.  ولكن، يستحيلُ على هذه الموادِّ البنيويةِ أيضاً تَكوينُ المجتمعِ البنيويِّ بمفردِها، دون تَكَوُّنِ تراكُمٍ كافٍ من المعنى الذهنيّ. وبالتالي، فالمجتمعاتُ التي في هذا السياقِ لَن تتخلصَ حينئذٍ من خدمةِ الحداثةِ الرأسماليةِ والانصهارِ في بوتقتِها، مثلما حالُ مجتمعاتِ الاشتراكيةِ المشيدة. لذا، قد يَكُونُ التنظيمُ الأكاديميُّ للتراكُمِ الناشئِ تاريخياً وفي الكفةِ الديمقراطيةِ للحداثةِ على السواء، بدايةً سديدةً وقويمةً من أجلِ تراكُمِ المعنى الذهنيّ، وينبغي عدم النسيان أنّ الزقوراتِ السومريةَ، التي تُعَدُّ أولى الأكاديمياتِ تاريخياً، وبيوتَ الحكمةِ في نيبور وبابل ونصيبين وأورفا وبغداد، تعبيرٌ عن حقيقةِ استحالةِ كينونةِ المدنياتِ من دونِها. إذ لا يُمكِنُ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ التطور بلا أكاديميات، فالعالَمُ الجديدُ للعلمِ والمعنى، والذي هو مُلزم بتنظيمِ ذاتِه كبديلٍ للعالَمِ الأكاديميِّ المتأزمِ للحداثةِ الرأسمالية، إنما لا استغناء عنه من أجلِ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاقتصادي، حيث أنّ خَلاصَ العلمِ من كونِه احتكاراً أيديولوجياً ومن استخدامِه كأداةٍ بِيَدِ السلطة، غيرُ ممكنٍ إلا بإنشاءِ المجتمعِ الحرِّ والديمقراطيِّ الذي تَعُمُّه المساواة )بمَعِيّةِ الوعيِ واليقظة(، أي بعيشِ المساواةِ والحريةِ والديمقراطيةِ بمنوالٍ متداخلٍ على أساسِ التبايُنِ والاختلاف، إذ لن تستطيعَ أيةُ مجموعةٍ أيكولوجيةٍ التحليَ بالمعنى القَيِّم، إلا بإنشائِها كوعيٍ وتنظيمٍ يتعدى نطاقَ الحداثةِ الرأسمالية. أي، محال نشوءُ المجموعاتِ الأيكولوجيةِ والمجتمعِ الاقتصاديّ، دون نشوءِ الوعيِ والتنظيمِ والإرادةِ العمليةِ التي تتعدى الرأسماليةَ والصناعويةَ والدولتيةَ القومية، أما المفهومُ القائلُ بأنّ العلمَ والوعيَ شيء، والمجتمعَ شيء آخَر؛ فهو من تحريفاتِ المدنية، ومرتبط باستعبادِ المجتمع، لدى بحثِ كلِّ مَن يَمتَلِكُ يوتوبيا الحياةِ الحرةِ العظيمةِ عنها، فسيَجِدُ أنه ثمة شرط لنمطِ حياةٍ أمثلتُها كثيرة في المنطقة. ألا وهو: عليكَ بالعيشِ في سبيلِ الحقيقةِ التي تُصَيِّرُها المجتمعيةُ ممكنةً، وستَعيشُ كلما عثَرتَ على الحقيقة، وستُؤَسِّسُ المجتمعَ الأخلاقيَّ والسياسيَّ كلما نَشَرتَ هذه الحقيقة، وستُكافحُ بمنوالٍ قويمٍ وسليمٍ في سبيلِ ذلك، إزاءَ الع العراقيلِ الداخليةِ والخارجيةِ التي ستَظهرُ أمامك، هكذا تَقولُ أكاديميةُ الحكمةِ دوماً في الشرقِ الأوسط، وإرادةُ الحياةِ الحرةِ تَعمَلُ دوماً بهذا القول! علینا كسب الصراع أولاً في المیدان التثقیفي العقلي، أي في المیدان الذھني، إننا في مرحلة اكتسبت فیھا الثورة الذھنیة أھمیة مصیریة. یجب أن یكون الصراع الذھني متماشیاً مع القیم المعنویة. فإذا ما لم تُكتَسَب المعنویات والأخلاق مع الذھنیة، سیكون ثمة شكوك وریبة في الحصول على النتائج، أو تأمین دیمومتھا. وليس بالمستطاعِ التغلبُ على ظروفِ الأزمةِ بالاتجاهِ الإيجابي، إلا بالانطلاقاتِ الفكريةِ والعلميةِ الجديدة، واذ ما وُضِعَ نصبَ العينِ أنّ الأزمةَ المذكورةَ عالميةٌ وممنهجةٌ وبنيوية، فمن الواضحِ أنّ النفاذَ منها يتطلبُ أنْ تَكوفَ التدخلاتُ عالميةً وممنهجةً وبنيوية، هذا وبالإمكانِ الاستفادةُ من التجاربِ الثوريةِ التي لا حصرَ لها في استخلاصِ الدروس المُشيرةِ إلى استحالةِ الوصول إلى مكانٍ ما من خلال تقليدِ القوالبِ والمؤسساتِ القديمة، أو تصييرِها توفيقيةً متمفصلة.

إنشاءُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ لذاتِها بالتداخُلِ مع ثورةٍ تنويريةٍ جذريةٍ يأتي في صدارةِ العِبَرِ الواجب تَعَلمها من الماضي، وإلى جانبِ ذلك عليَّ التنويهَ فوراً إلى أنّ الماضيَ هو الآن، وبالرغِم من عدمِ تَطَرقِنا المستفيضِ لكامل ماضي المجتمعِ الأخلاقي والسياسي الذي يُعتَبَرُ شكلَ الوجودِ الأصليَّ للطبيعةِ الاجتماعية ) ولكن، علينا عدم التغاضي البتةَ عن أنّ المجتمعَ النيوليتيَّ ومجتمعَ القريةِ – الزراعة والبدوَ الرحَّل والقبائلَ والعشائرَ والجماعاتِ الدينيةَ لا تَبرَحُ مستمرةً بحَيَواتِها بعَزمٍ عنيد(، إلا أنّ إنتاجَ الفكرِ والعلمِ ذي الماهيةِ الثوريةِ سوف يُشكِّلُ الدعَمَ المُرتَقَبَ بالأكثر في سبيلِ إعادةِ اكتسابِ واستردادِ قِيَمِه المَهدورةِ طيلةَ الأعوام الخمسةِ آلاف الأخيرةِ على يدِ احتكارات تكديسِ رأسِ المال والسلطة. ومساعينا في التعمق والتحليل والحلِّ بشأنِ مهامِّنا الفكريةِ بغرضِ تلبيةِ هذه الحاجةِ التي لا استغناءَ عنها إطلاقاً، إنما تتسمُ بأهميةٍ حياتيةٍ ومصيريةٍ أكثر من أي وقتٍ مضى. المشارَكةُ الفكريةُ والعلميةُ شرطٌ في نشاطاتِ إعادةِ هيكلةِ مُكَوناتِ وعناصرِ العصرانيةِ الديمقراطية، من الواضحِ استحالةُ تحقيق هذا الشرطِ عبرَ رأسِ المالِ الفكريِّ الموجودِ في السوق، ولا يُمكِن إلا للكادرِ والعلمِ النابعِ من الأكاديمياتِ الجديدةِ تلبية هذه الحاجة.

لا يمكنُ بتاتاً التغاضي عن حاجةِ السياسةِ الديمقراطيةِ للتنظيماتِ الكادرية والإعلامية والحزبية الكفوءة، ولمنظماتِ المجتمع المدني، وللنشاطاتِ الدائمة في الدعاية وفي تعبئةِ المجتمع وتدريبه، أما الخصائصُ الضرورية اللازمة لممارسةِ السياسةِ الديمقراطية بشكلٍ مثمرٍ وناجح، فيمكن ترتيبها كالتالي: الموقفُ الذي يَحتَرمُ جميع اختلافاتِ المجتمع، اتخاذ الوفاق والمساواة على أساسِ الاختلاف أساساً، الاعتناءُ بغِنى مضمونِ النقاش والحوارِ بقدرِ الاهتمامِ بألا يَكُونَ أسلوبُه مُنَفِّراً، الجرأةُ السياسية، الأولوية الأخلاقية، و”الحاكمية ” على المواضيع، الاطلاع الحسن على التاريخِ والمجرياتِ الراهنة، والموقفُ العلميُّ المتكامل.

يُمكِنُ لأكاديمياتِ السياسةِ والثقافةِ الديمقراطيةِ أنْ تَكُونَ تَمَأسُساتٍ مناسبةً لهذه المَهَمَّة، حيث بمقدورِ هذه الأكاديمياتِ تقديمُ الدعمِ الفكريِّ والعلميِّ اللازمِ لتلبيةِ احتياجاتِ إعادةِ بناءِ وحداتِ ومُكَوِّناتِ المجتمعِ الأخلاقي والسياسيّ، وبناؤُها كانطلاقاتٍ أصليةٍ أنسَبُ من أنْ تَتَّخِذَ المؤسساتِ الاحتكاريةِ الرسميةِ والخاصةِ قُدوةً لها، ذلك أنّ تقليدَ مؤسساتِ الحداثةِ قد يَؤولُ إلى الانتهاءِ بالفشلِ، ومن حيثُ البداية، بإمكانِها أنْ تَنُصَّ على كونِها ديمقراطيةً وشبهَ مستقلة، وأنْ تُشَكلَ بنفسِها منهاجَها وتُنشِئَ كوادرَها، وتعملَ أساساً بالتَّعَلُّم والتعليمِ الطوعي، وأنْ تتَبدَّل مواقِعُ الطلبةِ

والمُعَلمين فيما بينهم مِراراً، وأنْ يَنخَرِطَ فيها الجميعُ ممن يتسمُ بالعزمِ والطموحِ بدءاً من الراعي على ذرى الجبالِ إلى المُحترِفِ المُتَمَرِّس، هذا ومن الملائمِ تشكيل الأكاديمياتِ التي يَغلبُ عليها الطابعُ النسائي، وتأسيسها بالمضمونِ عينِه بالإضافةِ إلى جوانبِها الخاصةِ بها بغرضِ تصييرِهن علميات، ولكي لا تَبقى مُقتَصِرةً على الجانبِ النظري فحسب، فإنّ المشاركةَ العلميةَ المتعددةَ الجوانبِ تُعَدُّ إحدى الماهياتِ المأمولة. تُؤَسَّسُ وتُفعَّل الأكاديمياتُ من حيث الزمانِ والمكان حسبما تقتضيه الاحتياجاتُ العملية، إنها مؤسساتٌ شفافةٌ وطوعيةٌ مثلما تُصادفُ أمثلتُها بكثرةٍ في التاريخ )مواقِد زرادشت النارية على ذرى الجبال، حدائق أفلاطون وأرسطو، أروقة سقراط والرواقيين، أديرة العصورِ الوسطى ومدارسها.) يمكن اختيارَ الأماكنِ بدءاً من ذرى الجبالِ إلى الضواحي النائية، هذا ولا يتّم البحثُ عن الأبنيةِ التي تُثبِتُ عظمةَ السلطة دون شك، أما زمانُ التعليم، فيتَحَدَّدُ حسبَ وضعِ المشاركين فيه وفقَ كثافةِ تدفُّقِ الطلبة، مثلما الحالُ في الأديرةِ والمدارسِ المدنية، ولا داعيَ للتوقيتِ الزماني الصارمِ كما في المؤسساتِ الرسمية، إلى جانبِ أنه لا يمكن التفكيرُ بافتقارها كمياً للشكلِ والقواعد، حيث لا بدَّ من وجودِ القواعدِ الأخلاقيةِ والجمالية بكل تأكيد.

يشكلُ موضوع القيادة والكوادر أحد القضايا الهامة بالنسبة للمجتمع المدني، إذ هناك حاجة ماسة لمؤسسات تعليميةٌ هامة من أجل مشاريع المجتمع المدني الشاملة، حيثُ لا يمكنُ إنشاء هذا النمط الاجتماعي من خلال أشخاص عاديين لا على التعيين، لذلك يجبُ إنشاء المؤسسات التعليميةٌ التي تخلقُ الكوادر الأساسيةُ وفقَ الحاجة وهو أمرٌ لا يُمكنُ التخلي عنه، ويجبُ أن تكون هذه المؤسسات شاملة وغنية ابتداءً من المضمون الإيديولوجي حتى المسائل التقنية، كما يجب إنشاء أكاديميات ومعاهد كافية مقتدرة لا سيما في مجال الفلسفة واللاهوت والتاريخ  والحقوق واللغة والفن والعلم والقيادة والاقتصاد والسياسة والصحافة والطبع والنشر والرياضة والاتصال؛ لأن نظام التعليم العام لدى الدولة والمجتمع لا يستطيعُ تخريج الكوادر اللازمة لهذا الغرض، إنما يمكن إعداد هذه الكوادر بطريقةٍ تنسجمُ مع أهدافها في مدارسها التي تتناسب مع جوهرها وتوطد ذلك عن طريق التجربة.

اعملوا على تطوير النظم المدرسية وكل المؤسسات بإصرار، عليكم تطوير تحرركم وذهنيتكم الفنية والحيوية في الأكاديميات التي قمتم بتأسيسها، أسسوا الأكاديميات، ولتكن لديكم أمكنتكم المستقلة، عليكم تسيير أنشطتكم وفعالياتكم على أساس أكاديمية الحرية، لقد اقترحت أكاديمية السياسة والثقافة الديمقراطية للمرأة، وكل هذا يجب أن يصبح حيوياً ويُطبق عملياً، ولتكن اللقاءات والنقاشات مستمرة في هذه الأكاديميات، وبذلك ستتفتح أذهانهم، وسيتخرج منها السياسيون، فالتدريب في الأكاديميات لا يشبه التدريب في مدارس الدولة، فهذا هو الحدث الذي يسمى بـ “المجتمع المنفتح”، ويمكن تأسيس الأكاديميات في كل مكان، ويمكن أن يكون لأكاديميات) PCD حزب المجتمع الديمقراطي) وجود أيضاً، كما توجد في الأحزاب الأخرى، تحدثتُ سابقاً عن أكاديميات المرأة الحرة، وهذا الأمر ليس بالسهل، يجب توفر التدريب في كل الميادين من الفن وحتى الرياضة ومن الصحة حتى الثقافة، ولقد تأسست أكاديمية ميزوبوتاميا للبحوث الاجتماعية في أوروبا، فهذه الأكاديميات مهمة جداً، ولقد ذكرتُ سابقاً، لا يقتصر الأمر على التدريب الإيديولوجي – السياسي فقط إنما يجب إعطاء التدريب في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية أيضاً، وبمعنى آخر يجب أن تقوموا بالتدريب بأنفسكم، وطبقوا تدريبكم الإيديولوجي في المدارس والأكاديميات التي قمتم بتأسيسها.

أنّ مصطلحَ الحزبِ الذي كان يناطُ سابقاً بالدورِ الطليعيّ، قد تمّ تمكينُه على شكلِ ريادةِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ نظرياً وعملياً، أما المَهَمَّةُ الأوليةُ للريادة الجديدة، فهي تغطيةُ الاحتياجاتِ الذهنيةِ والإراديةِ للمجتمعِ الاقتصاديِّ والأيكولوجيِّ والديمقراطيّ، الذي يُشَكِّلُ الدعاماتِ الثلاثة لهذا النظام )الإدارة الكونفدرالية الديمقراطية المدينية والمناطقية والإقليمية والوطنية والعابرةِ للقوميات. (ومن الضروريِّ بمكان تشييد البنى الأكاديميةِ بما يَكفي كَمّاً ونوعاً، هذا وبالمقدورِ إنشاء هذه الوحدات الأكاديميةِ الجديدةِ بأسماءٍ مختلفةٍ تتوافق ومضامينَها، بحيث لا تَقتَصِرُ فقط على انتقادِ العالَمِ الأكاديميِّ للحداثة، بل وتَصُوغُ البديلَ اللازمَ أيضاً إلى جانبِ ذلك، أي أنّ المَهَمّةَ الأساسيةَ هي إنشاءُ الوحداتِ الأكاديميةِ بشأنِ كافةِ ميادينِ الحياةِ الاجتماعية حسبَ الأهميةِ والحاجة، وفي مقدمتِها ميادين التقنية الاقتصادية، الزراعة الأيكولوجية، السياسة الديمقراطية، الدفاع– الأمن، المرأة– الحرية، الثقافة– الهوية، التاريخ–اللغة، العلم– الفلسفة، والدين– الفن، ذلك أنه محالٌ إنشاء عناصر العصرانيةِ الديمقراطية، دون وجودِ فريقٍ كادريٍّ أكاديميٍّ متين. أي، وكيفما لا معنى للكادرِ الأكاديميِّ من دون عناصرِ العصرانيةِ الديمقراطية، فعناصرُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ أيضاً لن تُفيدَ أو تَنجَحَ في شيءٍ من دون الكوادرِ الأكاديميّة. بمعنى آخر، فالكُلّيّاتيةُ المتداخلةُ شرطٌ لا ملاذ منه في سبيلِ المعنى والنجاح.

لا يمكن تقديم النقد والنقد الذاتي في هذه المواضيع الحياتية، إلا بتدريب قوي، ولا يمكن أن يتم تسليم مصير  التنظيم والشعب للذين لا يغذون أدمغتهم بالفلسفة الديالكتيكية والتاريخية، والذين لا يوجد في وجدانهم مكان لقيم المحبة والخير والجمال للإنسانية، والذين لا يُطبقون إعادة البقاء من أجل المرحلة الجديدة، إن التدريب هدف لا يمكن الاستغناء عنه على أساس الطوعية، حتى وإن أدى إلى خلق صعوبات كبيرة، ولا بد من إظهار القوة الجديدة التي تعكس أطروحات ثقافة الشرق الأوسط التي تساهم في تطور الحضارة الديمقراطية، في أماكننا المقدسة من خلال التعليم بخبرة وجهود كبيرة كالتي بذلها الكهنة السومريون الذين واصلوا تأثيراتهم على الحضارة حتى يومنا هذا، ويجب أن نأخذ النجاحات التي حققها الكهنة السومريون في مجال الحضارة والدولة دليلاً لأنفسنا للنجاح في الدرب الطويل المؤدي إلى الحضارة الديمقراطية واللادولة، إن طراز حضارتنا الجديدة التي ستحتضن الإنسانية الحقيقية والتي ستتجاوز خطوة بخطوة المجتمع الذي يسيطر عليها الرجل والطبقة المستغلة والتي ستعطي مجالاً مرة أخرى لإظهار الربات الجميلات القويات اللاتي كن في المهد المقدس للإنسانية، وبلغة أيامنا هذه إن الحضارة الديمقراطية تفتح أبواباً مشرعة على المستقبل، يجب أن نلعب دورنا التاريخي في هذه الحضارة التي تعد المهد الوليد بتعطش كبير وحماس وحب عظيمين وإيمان وعزيمة وإرادة وفكر لتحقيق النجاح في كل عمل، إن إعطاء الجواب ولو عن طريق إحياء نقطة من الأمل البسيط لآلام الماضي التي لحقت ليس بشعبنا وبمنظمتنا فحسب، بل بكافة الشعوب والإنسانية وبذل كل ما بوسعنا من أجل النجاح في ذلك، يعد ضرورة من ضرورات مفهوم مهمتنا المقدسة ومن ضرورات الالتزام بذكرى قيمنا العظيمة ولكي نكون لائقين بجهودنا وأملنا في المستقبل.

بقوة الحرية والمساواة التي كانت سائدة في عهد الآلهة الأم وآلهة العشق ولكنها ضاعت منذ آلاف السنين، وسيتم إعادة ابداع الوعي والجمال بالأنشطة والنضال التي كانت مركزها المرأة، وبقدر الأشياء الموجودة سيتم إدخال الميثاق الاجتماعي للحياة لتصل للقوة الجوهرية، وأود أن أعرب عن أملي وإيماني بهذا الموضوع، وأوضح بأنه بقدر ادعائي باحترام وتقدير رفقة المرأة سأواصلُ عملي كعاشقٍ حتى آخر أنفاسي، بلا شك وبقدر الضرورة اللازمة والمعنى الذي ستعطيه المرأة، سأكون رفيقها وسأبقى هكذا دائماً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.