اتخاذ الذهن أساسا للإنسان وخلق الموازنة بينه وبين العقل كنسق للإنتاج الفكري في أكاديميات الحداثة الديمقراطية

الأكاديميات في الحداثة الديمقراطية

0

حاجي جتو

تمهيد :

“يأتي كل أنحراف وضلال من عدم التحلي بالمفهوم الكلّي المتكامل . وتكمن الجهالة الأخطر في النظرِ إلى الظواهر والحوادث والمراحل بذهنية أحادية الجانب(أو بالأصح ، بذهنية مقسّمة وممزقة)،ذلك أنها تقتل الحقيقة. هذا هو مرض العصر والنظام السائد . المشكلة ليست أن نتعلم كثيراً ، بل أن نحيا حسب ما نتعلمه . يتمثل مضمون التواجد المجتمعي في إدامة التعلم كحالة ذهنية للمجتمع وضمن تكامل شامل وبجميع الابعاد(أي الفلسفة، العلم، والفن) هذه هي الحقيقة التي دمرها عصرنا . لهذا الغرض اصبح العلم مدمراً هائلاً …. وعلم الاجتماع، الذي يتوجب عليه هو بالذات أن يكون مكلَّفاً بإعاقة هذا التقسيم والتمزيق، وتأمين التكامل الكلّي ؛ إنما يتمزق بنفسه ، ليصبح المنبع والأس للخطر المحدق . والنتيجة كانت اندلاع عدد لا حصر له من الحروب المحلية والاقليمية والعالمية، وتأجج النعرات القوموية ، وظهور الفاشية وكافة أشكال العنف.”١

“يشَكّل الوجو د والوعي قضيةً مِحوَرِيّةً في الفلسفة. ومصطلح الوجودِ بالتحديدِ لا ينفكُّ يتصدر قائمةَ المصطلحاتِ الفلسفيةِ التي غالباً ما يدور الجدل والفضول حولها. أماالمصطلح التوأم الذي يلازِمه، فهو الزمان. وهما لا ينفصلان عن بعضِهما البعضِ أبداً.فكيفما يستحيل التفكير بالوجودِ بلا زمان، فالزمان أيضاً عدمٌ من دون الوجود. أي أنّ الزمانَ معنيٌّ تماماً بالوجود. والعلاقة بينهما متعلقةٌ بالأكثر بمصطلحِ النشوء. فهما يتحققان حتمياً بالنشوء. إنّ الزمانَ يرغِم على النشوءِ متجسداً في الوجود. أو بالأحرى،سَيرورة الوجودِ ممكنةٌ بالنشوء. ولدى حديثِنا عن الوجودِ وهو في حالةِ نشوء، يَكون الزمان قد ولِد…. وغياب النشوءِ يعني انعدامَ الوجودِ والزمانِ في آنٍ معاً. والنشوء حالة اختلافٍ وتَجَسُّدٍ عَينيٍّ للوجود. وأيُّ وجودٍ ليس في حالةِ نشوء، هو وجودٌ غير موجود، وزمانٌ غير موجود.حالة التكوُّنِ والتباينِ هي وعيٌ في حالةِ كمون. ولَربما كان الاختلاف والتباين أول خطوةٍ على دربِ الصعودِ والارتقاءِ نحو الوعي. فبمجردِ أنْ ينشَأَ الموجود مع الزمانِ ويختلف، يَكو ن قد خطا أولى خطواتِه باتجاه الوعي. وبقدرِ ما يتواجد التكون والأشكال والهيئات(لجميعِها نفس المعنى)، يكون ثمة وعيٌ بالقدرِ ذاتِه. والوعي بمعناه الكونيِّ اختلافٌ وتباين، في حين أنّ الوعيَ تصنيفاً هو الحالة الكونية العامة لجميعِ حالاتِ الوعيِ أثناء التباينِ والتمايز. لكنّ اللاتناهي في الأشكالِ يعني اللانهايةَ في حالاتِ الوعيِ أيضاً. أي، يختلف الوعي بقدرِ اختلافِ الشكلِ والهيئة….. ويسعى الوعي عن طريقِ الهيئاتِ المتجسدةِ إلى التحولِ من الحالةِ العشوائيةِ (اللاشكلية)إلى حالةِ الوعيِ لذاتِه. كما و يثبِت الوعي حضورَه، ويتعر ف على ذاتِه في آنٍ معاً من خلالِ الهيئاتِ الفيزيائيةِ والبيولوجيةِ والاجتماعية. والوعي لدى الإنسانِ هو الوعي الذي باشرَ بمعرفةِ ذاتِه. أما الوعي الفلسفيُّ أرقى حالاتِ الوعي، ويَعود أدارجَه إلى أولى حالاتِه كوعيٍ مدركٍ لذاتِه. أي أنه يعود وهو مدركٌ ذاتَه، أي كوعيٍ مطلق. وبمقدورِنا تسمية ذلك أيضاً بمغامرةِ الوجودِ والزمان. هذا النمط الفكريّ الذي غالباً ما ارتَقَت إليه المجتمعا ت الشرقية بالعقائدِ الدينيةِ والتصوف، قد طالَه المجتمع الغربيُّ عن طريقِ العلمِ والفلسفة.ما يَهمُّ في موضوعِنا هو توضيح العلاقةِ فيما بين النشوءِ والوجودِ والوعي، واضفا ء المعنى عليها.” ٢

أن كل ما يوجد في الزمان والمكان له تاريخ، وأن التاريخ نفسه دائمًا يوجد في الزمان وله تاريخ سابق له هو أيضًا، وأن الوعي بهذا التاريخ هو أيضًا وعيٌ تاريخي وليس وعيًا ثابتًا مرة واحدة وللأبد، وأن هذا الوعي يتشكل من خلال الذهن و العقل الإنساني الذي هو مجموع اذهان الكونية، وأن الذهن والعقل نفسهما يوجدان في الزمان وخاضعان للتاريخية بالتالي، بمعنى أنهما يختلفان ويتغيّران بمرور الزمان وليسا جوهرًا نهائيًّا مطلقًا. وبدون وعي بالزمان والتاريخ سنكون دائمًا خارج الزمان وخارج التاريخ، وخارج عالمنا الذهني ومنطق ادراكاته العقلية .

ومهما تكن نسبية الإنسان فإن “الحقائق” لا تستمد وجودها ومشروعيتها إلا من هذا الإنسان النسبي، لأن الحقائق تُوجد عبر الإنسان، وفي وعي الإنسان. فنحن لا نستطيع أن نتكلم عن حقائق خارج الوعي الإنساني لأننا لا نستطيع ولا يمكننا أن نخرج لنقف وننظر من خارج هذا الوعي. فهذا الوعي هو المُحرِّر، وهو السجن في الوقت نفسه.

بوعينا نتخطى الشروط التي تحدِّد وجودنا، ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع الخروج بشكل كامل خارج هذا الوعي لنرى أنفسنا والأشياء على حقيقتها المُطلقة. أو كما أوضح “كانط” : “أن وعينا بالأشياء لا يتم وفقا لطبيعتها كما هي، وإنما وفقا لطبيعة العقل الإنساني. إذن، كل حقيقة فهي إنسانية، لأنها مفهومٌ يُوجد في الإنسان، ويتم تحصيلها أو البرهنة عليها بواسطة الإنسان ” ٣

وهنا نقف امام نسق جدلي جديد للبحث في حقيقة العلاقة والفرز بين طبيعة الذهن البشري وماهيته وما بين طبيعة وعمل وآلية عمل العقل البشري وماهياته الادراكية ، وإيهما يتبع الآخر .؟

ولماذا تأخر الكشف والبحث الفلسفي والعلمي في حقول علوم الاجتماع لدراسة الذهن البشري كنواة بنيوية لكينونة وجوده  ونشوءه .؟

وما علاقة الذهن انسان بالطبيعة الاولى والحقيقة الكونية ..؟

وهل الذكاء الذهني البشري يفوق ذكائه العقلي لانه يُعتبر جزء من طبيعة مجموع الاذهان الكونية واختزال له   .؟

فهل يرجع طبيعة عمل العقل الإنساني  للحاضنة الذهنية للذهن  ..؟

وعليه فهل جدلية  الذهن الواعي – العقل المدرك ، والوعي باشكاله الوعي الشعوري ، الوعي المفكر ، والوعي المعرفي  بات اهم حقول البحث للعلوم الاجتماعية ؟ أسئلة تفرض ذاتها على  وبألحاح. وتحتاج لبحث  معمق في جوهر و بنية  وكينونة  الطبعيات  من خلال العلوم الاجتماعية .

 

الوعي كأولى أعظم انطلاقات تعبير الذهن الإنساني لكينونته :                                                                           

بالنظر إلى تاريخ الفكر يكشف أن مبتدأ التفكير كان هو وعي الوجود لا وعي الذات. كما قال “سارتر”  : ” وجودنا يسبق ماهيتنا “٤ .  كلما كثف تراكم المعرفة والأفكار في ذهن الانسان اتسع وعيه وزاد ذكائه وكثف ابداعه في خلق معان راقية لمعنى الحياة وطرق العيش فيها .

ثورة الوعي لدى الانسان هي وعيه لذاته وادراكه العقلي للعالم الخارجي مرّ عبر تحقيق أعظم ثورة ذهن انساني ، حيث أستمرت لفترات وحقب زمنية طويلة أي بقدر تراكم التصوروالتخيل الذهني لديه زادت كثافة ادراكاته الحسية الداخلية والخارجية . حتى هذه الفترات من تاريخ الانسان لم يكن للعقل أي دور محوري مؤثر يذكر على شكل وجوهر ونمط حياة الانسان ،وعملية التطور هذا بدأت كالآتي :

كما هو معلوم فأن الفكر هو أسلوب التفكير و الحاضن للفكرة ، فالتفكير نتاج الذهن أي الوعاء الكُلّي الذي يتشكل فيه التصور والتخيل بأسلوب من خلال عملية انفعالية نفسية معقدة جداً تفرضه  حاجة وإرادة الانسان للحياة من خلال عملية التفكير ،  فالفكر مجموع عمليات انتاجية توفرها للفكرة للخروج من رحم الغيب الى عالم الولادة ، “حنّه أرندت” : “إن الفكر هو النشاط الوحيد الذي لا يحتاج إلا لنفسه حتى يتحقق”. و الفكرة هي تلك العصارة التي أفرزها الفكر . الفكرة هي البذرة التي تنمو في أرض الفكر فيرعاه الفكر الى أن تصبح ثمارا ناضجة. والفِكرَةُ هي الصورة والتخيل الذهني لأمر او شيء ما . وهي جهد بشري يحتمل الصواب أو الخطأ، فلا تتصف الفكرة بالقداسة.

الأفكار هي ما تولد المصطلحات، التي تشكل أساس أي نوع من أنواع المعرفة سواءً كانت نوعًا من أنواع العلوم أو الفلسفة ” العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية” والإنسان ما هو إلا مجموعة من مشاعر واحاسيس وأفكار ومعارف . فالإنطلاقة الذهنية لدى الانسان بدأ مع تطور الوعي والفكر والمعرفة واللغة لديه لإنتاج إرث ثقافي بشقيه المادي المعنوي عبرانطلاقات عظمى مثل اللغة الزراعة والكتابة وانتاج الفكر .

ثورتان غيّرتا حياة الإنسان منذ بدء الخليقة حتى الآن، ثورة الذهن والوعي الذي انتج معه ” التصور الذهني الراقي وخيالاً جامح الابداع عبّر من خلاله الانسان عن هويته واسلوب تفكيره”، والثانية ثورة العقل ومنطقه الإداركي المادي المجرد لواقعه أي ” العقل التحليلي الحسابي والتقييمي التقديري ” والذي صاغ منه نظام وضعي مطلق صارم استولى على كامل الحقيقة الانسانية عبر تهميش واستغلال وترويض الذهن البشري المرن والمنفتح ضمن ثوابت وقوالب كبل خياله وسيلان تفكيره الجامح والخلاق والمبدع .

” لبنية اللغة الرمزية وتأثيرها العظيم على الفكر . ولربما كان الخلاص لغة الجسد والتفكيرُ بواسطة الكلمات هو أول الثورات الذهنية العظمى . فبينما تُسرع هذه الثورة من وتيرة انقطاع النوع البشري عن عالم الحيوان من جهة فإنها من جهة اخرى اخرى تزيد من سرعة احتشاد المجتمعات حول مؤسسات اللغة الرمزية إلى اقصاها. ذلك ان الذين يتشاركون النُسُق الصوتية عينها، بقومون شيئاً فشيئاً بتطوير اتحاداتهم وهم أكثر تبايناً وأكثر تمتعاً بقوة الذكاء . وهكذا تصبح اللغات الرمزية هوية المجتمعات . وقد تحققت النيوليتية بناءً على على المساهمة المهمة لهذه اللغة …. ما ذكر هنا يظهر العيان التأثير الايجابي للعقل الرمزي . أما مخاطره  ، فينبغي رؤيتها في بدئه بالانقطاع عن المحيط . فالمجتمعات التي تسبقه هي مجتمعات البيئة الطبيعية . وتعيش تلك المجتمعات في احضان الطبيعة ، تماماً مثلما في علاقة الأم وابنها. لكن قوة الفكر الرمزي قد قللت من الحاجة إلى هذا النمط من الحياة . ذلك أن المجتمع الجديد يسمى البيئة وينعتها بموجب لغته الجديدة ، بالتالي ،يمهد الطريق لاستخدامها بطريقةٍ جديدة . وهذا الطريق الجديد هو السبيل إلى بسط هيمنةٍ كبرى على عالم النبات والحيوان . في حين أن أنماط تفكير ما قبل اللغة الرمزية كانت تتحقق بالعقل العاطفي دائماً . والخاصية الاكثر اساسية للعقل العاطفي هي التفكير بالعواطف ،التي لا غنى عنها في الافعال وردور الفعل . إنه صميمي وخالٍ من الكذب والرياء وبعيد عن الحيلة والمكر . إذ ليس من السهولة بمكانٍ رصدُ أُم تخلت عن الحميمية حيال طفلها ، وتصرفت معه برياء ومكر . هكذا يعمل الذهن في عالم النبات والحبوان ايضاً . فلطالما نجدأن الذهنية الموجودة لدى الفريسة تنعكس كما هي على عواطفهاواحاسيسها، بمجرد رؤيتها للاسد . لا حيلة في كليهما . في حين من الممكن قراءة ألف نوعٍ ونوع من الافكار الماكرة والكاذبة وغير الحميمية (الخالية من المشاعر) في اللغة الرمزية للانسان . ومع عبور صوب عصر المدنية ، ستلاحظ مدى خطورة هذا النمط الفكري ، حيث سيعرض حينذاك أضراره الكارثية الاساسية.”٥

وعبر هذه الحقائق أنشأ علوم الثورة الذهنية التي تمكننا الآن من فهم أذهاننا (ذهننا و عقلنا ) ومجموع الاذهان الطبيعة والكون بوجهات نظر متعددة، لكنها تتكامل بشكل ممتع مع جدلية الذهن والعقل ، الذهن والوعي ، الذهن والذكاء ، الذهن واللغة، الذهن والنفس، الذهن والأعصاب، الذهن والتاريخ البشري، الذهن والفلسفة، الذهن والعلم ، الذهن والطبيعة الكونية ، الذهن والعلوم التكنولوجية ، وجميع علوم الذهن صيغت ضمن مظلة علوم الاجتماع ، والآن هي مجال البحث  والتدريس  في العشرات  من الجامعات والاكاديميات حول العالم.

تختلف الثورة الذهنية عن الثورات السياسية في أنها لا تهتم بالسلطة، وشؤون الحكم، وتختلف عن الثورات الثقافية في أن موضوعها ليس الفكر، وإنما الذهن الذي يفكر، لذلك فالثورة الذهنية ليست مع، أو ضد أي فكر أو مشاعر، أياً كانت، لكنها محايدة، لا تبغي سوى الفهم والنهوض بالوعي، كأي علم يبحث ويتعلم، ثم يترك التطبيق لأصحابه.

وهنا “ما يُقصَد بالثورة الذهنية هو وعي المجتمع الحر وعقيدته. والوعي ليس مجرد معرفة المجريات والحوادث. بل هو أيضاً معرفة كيفية العمل إزاءها. في حين أن العقيدة تعني إيمان المرء بما يعرفه، وقيامه بمتطلباته. إنها تعبِّر عن قدرته وعزمه في التنفيذ.  مَن لا يُعَظِّم من عالَمه الذهني، لن يستطيع خوض صراعه من أجل الحرية على المدى الطويل. اللحظة والمكان اللذين يبدأ فيهما التردي والانحطاط بالظهور، هما نفس اللحظة والمكان اللذين تتجوف فيهما الذهنية وتَفرُغ وتزول.  كل ما قام به جميع الحكماء والأنبياء في الشرق ، هو صراع ذهني في مضمونه”.٥

لطالما كان العقل وماهيته وكيف يعمل موضوع بحث منذ الأزل، فعلى سبيل المثال في العهد الإغريقي ركزت نظريات الفلاسفة على العلاقة بين العقل والروح، أما في العصر الحديث فقد اتجهت آراء الطب للربط بين علم النفس والعقل، وفي حين يعتقد العديد من العلماء بأن الوظائف العليا للدماغ والتي تتركز على التفكير والذاكرة وحدها من تكون الدماغ، في حين أن الجزء المتعلق بالمشاعر: كالحب، والكره، والفرح، أمور لا علاقة لها بالعقل، فذهب العديد من العلماء إلى رفض هذه النظرية مؤكدين بأنه لا يمكن الفصل بين المشاعر والعمليات العقلية العليا بهذا المنطلق فقط.

ولعل أبرز ما يميز العقل البشري هو عدم قدرته على القيام بعمليتي التفكير والعمل في آن واحد، فقد يعتقد العديد من الأشخاص بأنهم قادرون فعلياً على التفكير والعمل في الوقت ذاته، ولكن في لحظة ما فإن معظم طاقة الشخص ستكون مركزة نحو اتجاه واحد إما التفكير، أو العمل. .

“التجربة ليست الميدان الوحيد الذي يحدد فهمنا؛ لذلك، فهي لا تقدم لنا إطلاقا حقائق عامة. هي تثير عقلنا المهتم بهذا النوع من المعرفة بدل أن ترضيه وتقنعه؛ لذلك، لا بد أن تكون الحقائق العامة التي تحمل طابع الضرورة الداخلية مستقلة عن التجربة، وهي واضحة ومؤكدة بنفسها. إذ لا بد أن تكون حقيقية بغض النظر عن نوع تجربتنا الأخيرة، وحقيقية حتى قبل التجربة …. إذا حاول العقل أن يقرر فيما إذا كان العالم محدودا، أو (لانهائيا) من حيث المكان، فسيقع حتما في تناقض وإشكال، فالعقل مسوق إلى التصور بأن وراء كل حد شيئا أبعد منه، وهكذا إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، فإن (اللانهاية) في حد ذاتها شيء لا يمكن إدراكه.”٧

الآن نرى عالماً أعلى، هو عالم العقل الاجتماعي . إذا كان العقل تاج الحياة، فالعقل الاجتماعي هو قمة هذا التاج. كما أن العقل الفردي هو نتيجة تركب الحركات الحادثة في ملايين خُليَّات الجهاز العصبي المُتوافقة في اتجاه واحد لغاية واحدة، هكذا العقل الاجتماعي هو تركب الحركات الحادثة في مَلايين الأفراد المتوافقين في اتجاه واحد لغاية واحدة. يُستفاد مما تقدَّم أن العقل الاجتماعي هو مجموعة عقول فردية مصوغة صياغة واحدة في بيئةٍ واحدة، تتحرك معًا في اتجاه واحد كما تتحرَّك ملايين ذرَّات المادة معًا في جرم واحد حول مركز واحد بسرعة واحدة؛ لارتباط جاذبي فيما بينها وبين المركز؛ فالفكرة أو الرأي الاجتماعي هو المركز الذي تحوم من حوله عقول الجماعة بقوة جاذبية ذلك الرأي لها، وانتشار الفكرة الصادرة من مركز عبقرية أو زعامة إلى الأفراد هو كانتشار الموجة في الجوِّ الجاذبي إلى جميع الجهات، بحيث يصدم كل عقل يصيبه فيحركهُ ليدور حول الفكرة نفسها.

ليس هذا التشابه بين تجاذب الذرَّات نحو المركز وبين تجاذب العقول نحو الفكرة تشابهًا مجازيًّا، بل هو حقيقي لأنَّ القوة الجَاذبة واحدة في النوعين، بالرَّغم من التباين العظيم في الشكل.

نعتقد ذلك لأنَّنا رأينا أنَّ العقل ما رسا على سطح المادة فقط، بل جعل يبني طبقات فوقها؛ ففي الأحياء الدنيا كانت الغريزة البَسيطة كافية للحرص على البَقاء، هي ضرب من الفهم، هي فهم داخلي فقط متفاعل مع عوارض البيئة، نقول: إنها فهم داخلي؛ لأنَّه كان يُكيف خليات أعضاء الحي بحسب ما تقتضيه البيئة، ثم ارتقى في الأحياء العليا فصار فهمًا خارجيًّا أيضًا مُضافًا إلى الغريزة، صار من جهة يكيف الحي بمقتضى البيئة، ومن جهة أخرى يكيف البيئة ما استطاع لكي تطاوع الحي.

ثم ارتقى الفهم في الأحياء العليا أيضًا درجة أخرى، إذ صار يدرك أن له إدراكًا، وصار يفهم الفهم، وصار يُعلل ويُفسر ويتفلسف؛ أي: صار له عالم عقلي قائم بذاته مجرد عن المادة؛ فكثير من غرائزه تحولت إلى تعقل مستند إلى الاختبار وإلى استدلال واستنتاج من مُجرد التفكير بتحليل الظاهرات.

هنا نشأت درجة التجريد Abstraetion، والرياضيات أظهر وعظّم من نموذج التجريد هذا، فما أدرانا أن ينشأ من هذا التجريد الذي هو أعلى ظاهرات العقل عالم آخر ليس لنا الآن أقل تصوُّر عنه؟ ما أدرانا أن يصبح الفهم العادي في المستقبل البعيد كغريزة في الإنسان، فيولد الطفل فاهمًا أمورًا كثيرة كما يُولد الآن وهو يفهم أن غذاءه في ثدي أمه فيرضعه بلا تعلم؟ ما أدرانا أنه في المستقبل البعيد يولد وهو يفهم مبادئ الرياضيات والطبيعيات كأن هذا الفهم شيء طبيعي في خليات دماغه سجيَّة من سجاياها؟ وما أدرانا أن شعوره الداخلي يرتقي إلى حد أن يفهم معنى الجاذبية بلا إرشاد ولا تعلم؟ وما أدرانا أنه في ذلك الزمان يفهم النسبية بالبديهة كما يفهم الآن أن القيمتين اللتين كل منهما تساوي قيمة ثالثة هما مُتساويتان؟  فالنفس تقتنع قبل العقل .

 

  • الثورة الذهنية وانطلاقة العقل

الذكاء العاطفي والذكاء التحليلي :

“يتميز النوعُ البشري بأنه وبقدرِ ما يُحَقِّقُ مجتمعيةَ ذكائه الكامن، فهو يبرزه بنفس الدرجة. والأهمُّ من ذلك، أنّ البنيةَ الحيويةَ للإنسان تقتضي المجتمعيةَ بالضرورة. أي أنّ الإنسانَ مرغَمٌ على المجتمعيةِ بما لا نِدَّ له في أيِّ كائنٍ حيٍّ آخر. إنّ مجتمعيةَ الإنسان قضيةٌ متشابكةٌ معقدة، وتقتضي إدراكَها بكلِّ أعماقها. أما اصطلاحُ المجتمع بأنه الطبيعةُ الثانية، فهو تقرُّبٌ أعمق بكثير. فالمجتمعيةُ بذاتها تُفيد بخروجِ الذكاء من كونه طاقة كامنة، لِيَبدأَ مرحلةَ الفاعليةِ بكفاءة. فالتجمعُ يستلزمُ الفكرَ على الدوام. وما التطورُ الاجتماعي في أساسه سوى تطور الفكر، وبهِ أصبحَ ممكناً.

وبشكلٍ أعم، فالتقدمُ والتطورُ الكوني بأجمعه يُذَكِّرُنا بالذكاءِ والمعرفة. من هنا، فالمجتمعُ باعتباره الطبيعة الثانية، هو حالةٌ من حالاتِ انعكاسِ الطبيعة الأولى، ولكن، بمراحلَ أعلى. من دونِ تحليلِ المجتمعية باعتبارها الطبيعة الثانية، فإنّ الفكرَ والعملَ اللذَين يٌولِيان الأهميةَ والأولويةَ للطبيعة الأولى يَحتَضِنان في بنيتهما انحرافاً خطيراً. فما دام الإنسانُ ثمرةً من ثمارِ الطبيعة الثانية، إذن، والحالُ هذه، ينبغي إيلاء الأولوية لإدراكِ واستيعابِ تلك الطبيعة كي نستطيعَ فهمَ الإنسان.

ما دامَت جميعُ القوانين الخاصةِ بالطبيعة الأولى تتواجد وتتجسد في الإنسان عبر الطبيعة الثانية، فهل ثمة معنى للفصلِ بين الذات والموضوع؟ تُرى، كَم باستطاعتنا التمييزُ والفصلُ بين العالِم والمعلوم، العارِفِ والمعروف؟ والسؤال الأكثر حيوية وحرجاً: أَوَليس تصييرُ العالِمِ والمعلوم على شكلِ ثنائيةِ الذاتِ – الموضوع انحرافاً أساسياً؟ إني أرى وكأنّ مَوضَعَةَ الطبيعتَين الأولى والثانية على شكلِ ذاتٍ وموضوع، إنما هو الدافعُ الأولي وراء كلِّ السياقات الخاطئة الخاصةِ بالإنسان، ووراءَ شتى المراحلِ الاجتماعية التي نَجتَرُّ آلامَها ومخاضاتِها. إنّ هذا النظامَ من المنطق (الإدمان الفكري) يُخضِع المجتمعَ برمته لِنِيرِ الاستغلال والأَسْرِ والذلِّ عن طريقِ النظام الرأسمالي. بل والأنكى من ذلك أنه لا يتوانى أو يَتَردد في نشرِ هذا المنطق من القمعِ والاستغلال على كافةِ عناصرِ الطبيعة الأولى أيضاً.

أما المجتمعيةُ، التي تَدخُلُ حَيِّزَ التنفيذِ كسبيلٍ للحل إزاءَ الوضعِ المأساوي للنوع البشري، ففي مراحلها البارزةِ للوسطِ حصيلةَ الأشواطِ التي قطعَتها من التطور، تتحول إلى مشكلة، سواءً في بنيةِ المجتمع، أو في البيئة الطبيعية. من المهم بمكان الإدراك أنّ القوةَ الذهنيةَ البالغةَ مستوى دماغِ الإنسان عبر التطورِ والارتقاءِ البيولوجي، قد نَشَطَت وتَمَيَّزَت مع الارتقاء الاجتماعي. وكنتُ قد أوضحتُ سابقاً أنّ المجتمعيةَ نفسَها أَشبَهُ ما تَكُون بحالةٍ من الذهنية الناهضة من نَومِها وسُباتها، لِتَكُونَ في حراكٍ ونشاطٍ دائمين. وانطلاقاً من الطبيعةِ التطورية للذهنية، فهي بحالتها النشيطةِ المتواصلةِ تُمَهِّدُ الطريقَ بالمقابل لتطور الدماغ. والحياةُ الاجتماعية النشيطةُ هي المؤثرُ الأساسي المطوِّرُ للذهنية، وإنْ اقتضى ذلك مدةً طويلة. أما إيضاحاتُ الدهاءِ الشخصي، فهي غيرُ مُقنِعةٍ كثيراً، ذلك أنّ الخاصيةَ الاجتماعيةَ تَكمن وراءَ كلِّ وضعٍ أو حالةٍ من الذكاء.

نَستنبط من المعطياتِ الأنثروبولوجية الموجودةِ بحوزتنا أنّ القِسمَ الأعظمَ من الحياةِ الاجتماعية للإنسان قد مَرَّ بِممارسةِ القطفِ والقنص، وأنه تَواصَلَ مع غيره من الأنواعِ القريبة منه عبرَ لغةِ الإشارات. ولا يمكننا الحديثُ عن أيةِ مشكلةٍ جديةٍ ذاتِ منبعٍ اجتماعيٍّ بَرَزَت في تلك المرحلة، حيث لا يزال التطورُ الطبيعي سارياً وقادراً على الحفاظ على توازنه. أما مستوى الذكاءِ فعاطفي. أو بالأحرى، يَسُود الطابعُ العاطفي للذكاء، والذي مِن أهمِّ مميزاته العملُ بردودِ الفعل. الفطرةُ أيضاً ذكاءٌ عاطفي، لكنها أقدمُ أنواعِ الذكاء (يمكن إرجاعُها إلى أولِ خليةٍ بسيطةٍ حية). ذلك أنّ نمطَ عملها وحراكِها يتمثل في إبداءِ ردودِ الفعل الآنية إزاء المنبهات، وكأنّ نظاماً تلقائياً أوتوماتيكياً من العمل هو الساري. وهذا النمط يلبي وظيفة الحماية بأفضلِ أشكالها. ويمكننا ملاحظته بكلِّ سهولة حتى في النبات، في حين يَبلغ أرقى مستوياتِه في النوع البشري. فالحواسُّ الخمس وتناسقها فيما بينها يُعَبِّرُ عن بلوغِ الذكاء مستوى راقياً في الإنسان بما لا مثيل له في أيِّ موجودٍ آخر. لا شك في أنّ بعضَ الحواس متطورةٌ لدى بعضِ الكائنات أكثر من الإنسان، من قَبِيل السمعِ والرؤيةِ والذوق، إلا أنّ النوعَ البشري يتصدر الكائنات من حيث بلوغِه حالةً تَكُونُ فيها الحواسُّ الخمسُ شاملةً متناسقة.

أهمُّ ميزةٍ في الذكاءِ العاطفي روابطُه مع الحياة. فحمايةُ الحياة من أهمِّ وظائفه، لأنه تطوَّرَ كثيراً في هذا المجال. ولا يمكن البتة الاستخفاف بجانبه هذا، حيث ينشط بشكلٍ معصومٍ عن الخطأ. أَعني بذلك القدرةَ على إبداءِ ردِّ الفعلِ في آنِه. والافتقارُ إلى هذا النوع من الذكاء معناه انفتاحُ الحياةِ على المخاطر مِن أوسعِ الأبواب. فاحترامُ الحياة وتقديرها، على عُرىً وثيقةٍ بمستوى تطورِ الذكاء العاطفي. إنه يَحذو حذوَ الطبيعة في توازنها. وبمقدورنا تسميته بالذكاء الذي يَجعل الحياةَ ممكنة. ونحن مَدِينون كلياً لهذا النوعِ من الذكاء في عالَمِنا الحسي.

إنّ التطورَ الشامل للذكاءِ العاطفي في النوع البشري يُزيد من فرصةِ عقدِ الروابط بين العواطفِ والمشاعر، وعلى رأسها حواسُّ السمعِ والبصرِ والذوق، بحيث تُؤَسِّس التذاكر فيما بينها لِتُطَوِّرَ الحركات الذكية. ومع تَطَوُّرِ الظروفِ الفيزيولوجية للكلام، بَلَغَت الجماعاتُ البشرية مستوى لغةِ “الرموز”، بعد بقائها حقبةً زمنيةً طويلةً تَستَعمِلُ لغةَ الإشارة. وأساسُ اللغةِ الرمزيةِ هو الانتقالُ بوساطةِ الكلمات إلى التفكيرِ المجرد. فالتفاهمُ عبر الاصطلاحاتِ بدلاً من الإشارات إنما هو ثورةٌ عظيمةٌ في تاريخِ البشرية. وما تَبَقَّى عملُه هو تسميةُ الأشياءِ والحوادثِ والوقائع التي تلبي حاجياته الأكثر ضرورة. والتسميةُ مرحلةٌ عظيمةٌ يتماشى معها تَطَوُّرُ الاصطلاحاتِ اللازمة لعقدِ الروابط فيما بين مختلفِ الأسماء. وسواءً الأسماء التي تمثل خصائصَ الشيء Nesne، أو الوظائف فيما بينها، فهي تُفضي إلى ظهورِ الأفعال وحروفِ العطف الرابطة بينها. ومع الانتقالِ إلى تركيبِ الجملة، تَكُونُ الثورةُ اللغويةُ قد حَقَّقَت انتصارَها.

هذا ما معناه بروز شكلٍ فكريٍّ جديد. فترسيخُ الكلمات والمفرداتِ في الذهن يُمَكِّن من التفكيرِ بشأنِ الأشياء والأحداث، وإنْ لم تَكُنْ موجودة. إننا على عتبةِ الذكاءِ التصوري أو النظري. إنه تطورٌ رائعٌ مدهش.

فالفَصُّ الأماميُّ من القِسمِ الأيسرِ من الدماغِ متخصِّصٌ كلياً بهذا النوعِ من الذكاء. نحن وجهاً لوجه أمام نوعٍ من الذكاء الذي قد يؤدي إلى الأوضاعِ المُضِرَّة والخطيرةِ الفتاكة، بقدرِ ما هو نافعٌ ناجع. وميزتُه الأساسية هي نشاطُه منفصلاً عن العواطف. ويمكننا تعريفُه بالذكاءِ التصوري، أو المُفضي إلى بروزِ الفكر التحليلي. ومن أهمِّ مزايا الذكاء التحليلي، أو العقل، قدرتُه على التفكير بشأنِ كلِّ الكون عند اللزوم، دون إرهاقِ نفسه كثيراً، ومقدرتُه على صياغةِ التَّخَيُّلات والأوهامِ اللامحدودة. أي أنّ الذكاءَ التحليلي يُكَوِّنُ عالَماً مذهلاً من التصورات والخيالات. لقد تَطَوَّرَت كفاءةُ صياغةِ المخططات، ونَصبِ الأفخاخِ والمصائد، وحَبكِ المؤامرات والدسائس. بل ويُمكِنُ تقليدُ الطبيعة ومحاكاتُها لتطويرِ كلِّ المخترَعات. وتَغدو مقدرةُ بلوغِ الهدفِ بالمصائدِ المدروسة وبشتى أنواعِ المكائد والحِيَل السببَ الرئيسيَّ وراء بروزِ واستفحالِ المشاكلِ داخل المجتمع وخارجه.

إنّ اكتسابَ الذكاء بُعدَيه التحليليّ والعاطفي بشكلٍ متداخل فضيلةٌ عظمى خاصةٌ بالإنسان كي يُحَقِّق كَينونَتَه. لكنّ المهمَّ هنا هو: لأيِّ غرضٍ يُستخدَم. لقد انتبهَ المجتمعُ لهذه القرينةِ منذ المراحلِ البدائية، فكان رَدُّهُ العملَ أساساً بـ الأخلاق كمبدأٍ أولي للتنظيم. حيث لا يمكن ضبطُ الذكاءِ التحليلي أو التحكمُ به من دون الأخلاقِ الاجتماعية. وعلى سبيلِ المثال، فالشخص المشحون بمشاعرِ السخط والغضبِ يمكنه إبادة كلِّ كائنٍ حي أو جماعةٍ بشرية تقف في وجهه، إنْ هو لم يَستَسِغها أو يَرغَبها، بمجردِ إعمالِ ذكائه التحليلي وتشغيله قليلاً. ومقابلَ هذا الخطر، ارتقى المجتمعُ بالأخلاق، وجعلها مبدأً اجتماعياً اضطرارياً لا بد منه، كي يَقدِرَ على صَدِّه. وجَعَلَت كلُّ جماعةٍ من تعليمِ وتنشئةِ أعضائها وفق منظورٍ أخلاقيٍّ حساسٍ ودقيق وظيفةً أولية. وثنائيةُ “الفضيلة والرذيلة” الأساسيةُ في الأخلاق إنما معنيةٌ بوظيفةِ الذكاء التحليلي. فإنْ عَمِلَ على نحوٍ فاضل، يُكَرَّم على يدِ أخلاقِ الفضيلة. وإنْ سعى لِيَكُونَ مُضِرَّاً، يُحكَم عليه بكونه أخلاقُ الرذيلة. أو بالأحرى، يُنظَر إلى الرذيلةِ على أنها الشيءُ الواجبُ عدم تواجده في كلِّ أخلاق، فتُقمَع وتُعاقَب باستمرار، إلى أنْ تَحتَلَّ أخلاقُ الفضيلة مكانةَ الصدارة.

إلا أنّ هذه الحالةَ من الحل الذي ارتآه المجتمعُ تَظَلُّ قاصرةً عن التحول إلى قوةٍ رادعةٍ كلياً. وسوف يَظَلُّ الماكرون والمتهافتون على حَبكِ الدسائسِ ونَصبِ الأفخاخ قابعين في التشققاتِ الاجتماعية على الدوام. وبطبيعةِ الحال، فثقافةُ الصيدِ الغائرةُ في القِدَمِ لها النصيبُ الأوفرُ في حصول ذلك. فمبدأُ ثقافةِ الصيد هو الأفخاخُ والمكائدُ تجاه الكائناتِ الحية الأخرى. إنها ثقافةٌ لها عروقُها المتجذرةُ في عالَمِ الحيوان، بل وعالَمِ النبات أيضاً. وهذه العروق هي في الوقت نفسه العروقُ البيولوجيةُ للذكاء التحليلي. فعندما تَتَّحِدُ ثقافةُ الصيدِ المختلفةُ بالطبع في المجتمع البشري مع تَقَدُّمِ الذكاءِ التحليلي، ولدى تركيبِ جميعةٍ جديدةٍ منها، يؤدي هذا إلى اكتسابها المبكرِ كفاءةَ أو مقدرةَ تشكيلِ طبقةٍ وهرميةٍ بحالها في البنية الاجتماعية وفي أيكولوجيا البيئة. وهكذا تبدأ الكارثة. ويتكاتف الفصل بين الجنة وجهنم مع قوةِ الذكاء التحليلي في تأسيسِ الهرمية الاجتماعية، لِيُحرِزا التقدمَ قُدُماً وعلى التوازي. وبينما تُمَهِّدُ الهرميةُ السبيلَ لِمُخَيِّلَةِ الحياةِ في جنانِ عدن بتأسيسِ زمرةٍ من “الرجالِ الذكور الأقوياء” متعاليةٍ على المجتمع، فهي تَفتَحُ الطريقَ بالمقابل لجهنم الذي لن تُدرَك أسبابُه ولا مَخارِجُه، والذي يزداد استعاراً مع الزمن داخلَ المجتمع السفلي.

كانت المرأةُ أولَ ضحيةٍ طالَتها يدُ الرجلِ القوي. فمتانةُ أواصرِها مع الحياة جَعَلَ الذكاءَ العاطفي لدى المرأة أرقى. إنها المسؤولةُ الأوليةُ عن تكوينِ الحياةِ الاجتماعية عبرَ كدحِها المجبولِ بالآلامِ والمخاضات كونها أُمُّ الأطفال. وبقدرِ ما تُدرِكُ معنى الحياة، فهي تَعلَمُ جيداً كيف تُحَقِّقُ سيرورتَها. كما أنها جامعةُ الشمل. وخاصيتُها هذه محصلةُ ذكائها العاطفي من جهة، وضرورةٌ تَعَلَّمَتها من الطبيعةِ من جهة أخرى. ويتبين من المعطياتِ الأنثروبولوجية أنّ الزخمَ الاجتماعي قد تَحَقَّقَ وتَرَاكَمَ حولَ المرأةِ – الأم طيلةَ حقبةٍ طويلةٍ من التاريخ، وأنّ المرأةَ – الأم لعبَت دوراً أقرب ما يَكُون إلى نواةِ الغنى والقِيَم النبيلة. ويمكن الجزم بكونها أمّ فائض القِيمَةِ أيضاً. من هنا، فَجَشَعُ الرجلِ الذكرِ القوي – الذي حُدِّدَ دورُه الأساسيُّ بالصيد – بهذا الزخم المتراكم، وطمعُه فيه أمرٌ مفهوم. ولدى بسطِ حاكميته، تَغدو الفرصُ السانحةُ في قبضته. ويتم الانتقالُ إلى مرحلةٍ تصبحُ فيها المرأةُ موضوعاً جنسياً، ويغدو الرجلُ أبَ الأطفال، بل والسيدَ الحاكم، ويمتلك حقَّ التصرفِ بالمدخراتِ الثقافيةِ المادية والمعنوية واستملاكها. إنه أمرٌ مثيرٌ للمطامع حقاً. فقوةُ التنظيم التي اكتسبها مع الصيد منحَته فرصةَ بسطِ نفوذه، وتأسيسِ أولِ هرميةٍ اجتماعية. ومن خلالِ مثلِ هذه الظواهر والمستجدات الوقائعية، يمكننا استشفافُ كيفيةِ استخدامِ الذكاء التحليلي لأغراضٍ مشينة لأولِ مرة وبشكلٍ ممنهجٍ داخلَ البنيةِ الاجتماعية.

الانتقالُ من عبادةِ المرأة المقدسة إلى عبادةِ الأب، يُؤَمِّنُ تسليحَ الذكاءِ التصوري بِدِرعِ القداسة. يمكن طرحُ مزاعمِ تَجَذُّرِ النظامِ الأبوي البطرياركي على هذه الشاكلةِ كفرضيةٍ قويةِ الاحتمال. بل ويمكننا على الصعيد التاريخي، وعبرَ البراهين القوية، إثباتُ انبثاقِ الذهنيةِ الذكورية الأبوية بكلِّ أُبَّهَتِها وعَظَمَتِها في حوضِ دجلة والفرات. حيث نلاحظ أنها انطلقَت من ميزوبوتاميا السفلى حوالي أعوام 5500 – 4000 ق.م، لتنتشرَ في جميعِ أرجاءِ ميزوبوتاميا، وترتقي إلى مصافِّ الثقافةِ الاجتماعية الأولية. وبالمقدور من خلال كافةِ السجلات والوثائق الأثرية على وجهِ الخصوص، استخلاص نتيجةٍ مفادُها أنه، وقبل الانتقالِ إلى هذه الثقافة، كان كان ثمة مجتمعٌ أموميٌّ سائدٌ في جميعِ الأطوار والحُقَبِ الميزوليتية والنيوليتية ما قبل الميلاد، بالاعتماد على إخصابِ الإنتاج على تخومِ السهول والجبالِ في ميزوبوتاميا العليا بالأغلب. ونَتَلَمَّسُ الكثيرَ من المعطيات والبوادر في الثقافة المكتوبة، بحيث تَدُلنا على ذلك، وتشير إلى مدى رقي العناصرِ الدينية واللغوية المعتمدةِ على المرأة آنذاك.

كما بالمستطاع القول أنه، ولأولِ مرة، تَبرُزُ القضايا الاجتماعيةُ بأبعادٍ جديةٍ في الجماعاتِ الأبوية المعبودة باطرادٍ تصاعدي بالتمحورِ حول الرجلِ الذكر القوي. لكنّ هذه البدايةَ في عبوديةِ المرأة تُهَيِّئُ الأرضيةَ لعبوديةِ الأطفال بدايةً، ومن ثَمّ لعبوديةِ الرجل. هكذا، وبقدرِ ما يَكتَسِبُ الرجلُ والمرأةُ العبدَان تجاربَ ادخارِ القِيَم، وعلى رأسها فائض الإنتاج، فهما يَندرجان بنفسِ القدر تحت نِير التحكم والتسلط. وتزداد أهميةُ السلطة والحاكمية طردياً. ويُشَكِّلُ تحالفُ الشريحةِ المتميزة المؤلَّفة من الرجلِ القوي + العجوزِ العالِمِ الخبير + الشامان بؤرةً سلطويةً يَعُزُّ الوقوفُ في وجهها. ويُطَوِّر الذكاءُ التصوري في هذه البؤرة سرداً ميثولوجياً خارقاً بغرضِ بسطِ الحاكمية الذهنية. هذا العالَمُ الميثولوجي الذي تَعَرَّفنا عليه تاريخياً في المجتمع السومري، يتم السموُّ به من تأليهِ الرجلِ إلى اعتبارِه خالِقِ السمواتِ والأرض. وبينما يُحَطُّ من مكانةِ قدسيةِ المرأةِ وألوهيتها، ويُعمَل على محوِها بأفظعِ الأشكال، يُنقَشُ في الأذهان بالمقابل أنّ الرجلَ الحاكمَ هو صاحبُ القوةِ المطلقة. ويتحول كلُّ شيءٍ إلى علاقاتِ الحاكم – المحكوم، الخالق – المخلوق، وذلك عن طريقِ شبكةِ الأساطيرِ الميثولوجية المُبهِرة. هذا العالَمُ الميثولوجيُّ المنقوشُ في مخيلةِ المجتمع، والمستساغُ بشكلٍ كاسح، يَكتَسِبُ قيمةً أولية في السرودِ والنصوص، كي يتحولَ شيئاً فشيئاً إلى دين. لقد أضحينا الآن وجهاً لوجه أمام شكلٍ من أشكالِ الذهنية التصورية المتمأسسةِ التي لا تَعرِفُ الحدود.

إنّ هذا الترتيبَ والاتساقَ الهرمي البارزَ في العلاقات هو أولُ نظامٍ قمعيٍّ استغلاليٍّ مؤسساتي نَجَحَ فيه الذكاءُ الميثولوجي ذو الجذورِ الأبوية البطرياركية، وما تَمَخَّضَ عنه من قوالب ذهنية، بعد إضفاءِ مسحةٍ كاملةٍ من الشرعية عليه. ونَشهَدُ تَطَوُّرَه في العديدِ من الجماعات في مراحل مختلفة، وإنْ كان يَتَباينُ في درجةِ كثافته أو ملامحِ شكله. لا يمكن للذكاءِ المؤدي إلى القمع والاستغلال أنْ يَكُونَ عاطفياً. كما من المحال التفكيرُ بذهنيةٍ تسفر عن المشاكل والقضايا الاجتماعية، ما لَم تبلغْ المستوى التحليلي، وما لَم تَتَّحِد مع ألاعيبِ نَصبِ المصائد المتأتيةِ من ثقافةِ الصيد. ولكي تُخفِيَ هذه الذهنيةُ وظيفتَها الأساسيةَ، فهي مضطرةٌ لابتكارِ الأساطيرِ الزائفة.

لا ريب في إمكانيةِ القولِ أيضاً بأنّ الذكاءَ التصوري والذكاءَ العاطفي قد أديا معاً، وبشكلٍ متداخل، إلى اختراعِ التقاليدِ الفكرية والمؤسساتيةِ الإيجابية للغاية. حيث ليس من الصوابِ إرجاع كلِّ العالَمِ الذهني إلى السلطاتِ الهرمية. ولهذا السبب بالذات، نستطيعُ تَلَمُّسَ الحروبِ العنيفة في هذه الأفكار، بقدرِ ما نستطيع مصادفةَ القوالبِ الذهنيةِ الصارمة والصراعاتِ الفكرية المحتدمة. وبهذا المنوال يمكننا بلوغ جذور ما نسميه بالصراع الأيديولوجي، والظواهرِ والوقائع البارزة أمامنا بأشكالٍ مختلفة، دينيةٍ كانت أو فلسفية أو أخلاقية أو فنية. فالنزاعاتُ والصراعات التي طالما نصادفها بكثافةٍ في الميثولوجيات والأديان، ليست في جوهرها سوى صراعاتٌ اقتصاديةٌ وسياسية. حيث انعكسَ الصراعُ على السلطة الاقتصاديةِ والسياسية في هيئةِ مَشاهِدَ تَلتَحِفُ الرداءَ الميثولوجيَّ والديني، إلى حين ظهورِ الذهنية الرأسمالية. وما الدولةُ سوى تجسيدٌ للتمأسسِ الراسخ للبنى الهرمية. أما تَحَوُّلُ التمثيلِ الفردي للبنى السلطوية إلى تمثيلٍ مؤسساتي في سياقِ التاريخ، فعلى علاقةٍ وثيقةٍ بالمجتمع الطبقي المتنامي مع التمدنِ الذي أسميناه بالمدنية.”٧

 

  • المناهج الفكرية

الميثولوجيا ،الدين ، الفلسفة ، العلم ، واللوياثان الحداثة والعولمة :

” إذا ما قَسَّمنا التاريخَ إلى مراحلَ من البوابةِ الذهنية، فسيَكُونُ على الشكلِ التالي: العصورُ الأولى التي غَلَبَت عليها المرحلةُ الميثولوجيةُ والدينية (5000 ق.م – 500 م)، العصورُ الوسطى اللاهوتيةُ التي هي جميعةُ الدينِ والفلسفة (500 – 1500 م)، العصرُ الحديثُ الذي انفصلَت فيه الفلسفةُ عن العلم (1500 م – إلى يومنا الراهن).

إنّ قَولَبَةَ الميثولوجيا تُوَلِّد الدين. حيث لا يمكن نعتُ الميثولوجيا بالدينِ تماماً، لأنّ هذا الأخيرَ يتطلبُ العقائدَ الثابتةَ وأشكالَ العباداتِ التي لا تتغير، وهو تصوريٌّ كلياً. أي أنّ الإيمانَ بالتصوراتِ أساسُ الدين. والجانبُ الوحيدُ الإيجابيُّ فيه هو تَسَبُّبُه في بروزِ تصدعاتٍ غائرةٍ في المجتمعِ أثناءَ مرحلةِ الانتقالِ إلى الفكر المجرد، ليُرغِمَه على دخولِ الفكرِ العلمي والفلسفي، وتهيئةِ الأرضية له، وإنْ لم يرغبْ هو في ذلك. حيث يَتَطَوَّرُ الفكرُ الفلسفيُّ والعلمي مع الفكرِ الديني ضمن علاقاتٍ وأواصرَ جدليةٍ، لِيَحمِلا آثارَه العميقةَ في أحشائهما.

ورغمَ كونِ الفلسفةِ نابعةٌ من الذكاء الذي يَطفَحُ عليه الجانبُ التصوري، إلا أنها تَرتبطُ بالواقعِ الملموس عبر رَصدِه وملاحظته الدائمة. أي أنها لا تَقطَعُ صِلاتِها مع الذكاءِ العاطفي كلياً. وقُوَّتُها التجريديةُ من أرقى أشكالِ الفكر. لذا، فمكانتُها تسبق الدين بالمساهمةِ في العلم.

في الحقيقة، لا فوارقُ كثيرةٌ بين العلمِ والفلسفة، ويمكننا تفسيرُ العلم على أنه فلسفةٌ أساسُها التجريبي أكثرُ تقدماً. إنهما يسعيان لإضفاءِ المعاني على الطبيعتَين عن طريقِ الملاحظةِ والتجربة . وهذا هو الصحيح. إلا أنّ أفدحَ نقصٍ فيهما يَتَجَسَّدُ في عدمِ رَدِّهِما على سؤالِ اللميةِ الذي يطرحه الدين. ذلك أنّ إعطاءَ الرَّدِّ على سؤالِ الكيفيةِ في الطبيعة ليس بجوابٍ كافٍ لأجلِ الحياة. فاعتبارُ هذا الكونِ العملاقِ بلا لَمٍّ أو كيفٍ أو غايةٍ، ليس أمراً جديراً بالمَرام كثيراً. والعِلمُ الذي لا يُجيبُ على لَمِّيَّةِ الحياةِ لن ينجوَ من التحولِ إلى أداةٍ للسلطةِ الاستعبادية في نهايةِ المطاف. إني مضطرٌّ لِبَسطِ أطروحةٍ قويةٍ في فَرَضِيَّتِها القائلةِ بالعلاقةِ الكثيبةِ بين فصلِ العِلمِ عن الفلسفةِ والدينِ (فيما يتعلق بالتساؤلات اللمية والغائية )، وبين الذهنيةِ ذات الطابع الرأسمالي .

يتشكل الدينُ والفلسفة، بل وحتى الميثولوجيا، ذاكرةَ المجتمعِ وهويتَه وقوةَ الدفاعِ الذهنيِّ لديه. إنه واقعٌ سوسيولوجيٌّ، حتى ولو تَعَرَّضَ للتحريفِ الزائدِ، بحيث يَغدو مُناقِضاً لذاته. أما المجتمعُ، وبالتالي عِلمُ ذاك المجتمعِ المنقطعةِ أواصرُه عن التاريخِ وذاكرتِه؛ فلن يَسعى إلا للتهافت على خدمةِ السلطةِ اليومية. وهذا ما معناه الرأسمالية. فالميثولوجيا والدينُ والفلسفة غدت لا تُساوي خمسةَ قروشٍ في الرأسمالية. لماذا؟ الجوابُ صريحٌ جداً. لأنّ الدينَ والفلسفةَ والملاحمَ الأسطوريةَ بَقِيَت بالمرصاد، وعلى مَرِّ آلافِ السنين، تِجاهَ العناصرِ الرأسمالية (المُرابِين، والمضارِبين المستنفعين من الفارقِ بين الأسعارِ المُختَلَّة) القابعةِ في كمائنها بين تصدعاتِ المجتمع وثغراته، وظلت تَدحَضُها وتنبذها، ولا تَعتَرِفُ بشرعيتها. من المحال أنْ تَتَصَدَّرَ الرأسماليةُ مكانتَها في المجتمع، ما دامَ الدينُ والفلسفةُ والأسطورةُ تُحافِظُ على منزلتِها في فكرِ المجتمع، وما دامَ الذكاءُ العاطفي يَتَّسِمُ بِوَزنِه وهَيبَتِه بين صفوفه. وما مِن سلطةٍ يُمكِنُها شرعنةُ الرأسماليةِ في وسطٍ تَسُودُه مثلُ هذه الذهنية، وبالتالي هذه الأخلاق. ولا يُمكِنُها الدفاع عنها كنظامٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ ترتكز إليه.

ما ينبغي قوله هو استفادةُ الرأسماليةِ من كافةِ الأنماطِ الفكرية، تماماً مثلما تُحَقِّقُ الربحَ وتُؤَمِّن رأسَ المالِ من المُضارَبات على المالِ والسلع. فهي تَزِنُ كافةَ الصياغاتِ الفكريةِ وتَكِيلُها، فَتَنتَقي ما يتواءمُ ومصالحَها، لِتَحتَكِرَها لنفسِها على شكلِ مدارسَ فلسفيةٍ أو دينيةٍ جديدة، وتَعرِضُها مجدداً في السوقِ تحت اسمِ الليبراليةِ أو الوضعية. والأكثرُ إيلاماً في ذلك هو نجاحُها في بيعِها بأرباحٍ طائلة، وكأنها قماشٌ جديدٌ مبتَكَر، أي جعلِها ذهنيةً مهيمنةً جديدة، وسلوكِها مهارةَ أو مكرَ الإثارةِ والترويجِ لها.

يُمكِنُ تعريف ذهنيةِ الرأسمالية من عدةِ نواحي. وأولُ ما علينا عملُه هو تعريفُها بِكَونِها تعني الليبراليةَ والوضعية، من جهةِ كونها توفيقيةٌ متمفصلة، تَأخُذُ شكلَ كلِّ القوالب، محفوفةٌ بخطرِ الخداع، فهي دوغمائيةٌ وثوقيةٌ أكثرَ من العقائدِ والقوالبِ الدينية الأكثرَ صرامةً، وأكثرُ هذياناً من الفلسفاتِ الأكثرِ تَجَرُّداً، مضارِبةٌ، ووثنيةٌ ضحلةٌ سقيمةٌ لدرجةٍ لم تَقَع فيها حتى الوثنيةُ بذاتها. وبينما تُخصي العِلمَ وتغتصبه عبر المدرسةِ الوضعية، فتُبرِزُه مقابلَ عالَمِ العقائد والأخلاق، فهي، ومن خلالِ الليبرالية، تُصَيِّر الدولةَ القوميةَ إلهاً ينخر المجتمع، ويُصَعِّدُ من الفرديةِ لدرجةِ ارتكاب الإبادة. لم تُوَلِّد أيةُ ذهنيةٍ دينيةٍ الحروبَ والقمعَ والتعذيبَ المبرح، بقدرِ ما فَعَلَت ذهنيةُ الرأسمالية. ولم يُوَلِّد أيُّ مجتمعٍ فرداً يماثلُ ما عليه ذهنيةُ الفردِ في المجتمعِ الذي انتصرَت فيه الرأسماليةُ، والمتسمةُ بهذا القدرِ من اللامبالاةِ، الانجرارِ الجَشِعِ وراءَ المصالحِ، الظلمِ، الإبادةِ العرقية، الصهرِ، والديكتاتورية.

والرأسماليةُ، باعتبارها النظامُ الاحتكاري المؤسَّسُ على دعائمِ دنيا المالِ والسلع، تُنشِئُ الذهنيةَ الماليةَ المعاصرة، لِتُقَيِّدَ المجتمعَ البشريَّ بقوالبَ ذهنيةٍ لا يمكنُ أنْ تَخطُرَ على بالِ أيِّ نمرودٍ أو فرعون؛ وبينما تَزُجُّ الإنسانيةَ العالميةَ للسجود أمام أوطأِ الأوثانِ سفالةً، فلا يمكننا حينذاك سوى الحديثُ عن الإفلاسِ الذهني وفسادِه وتفسخِه.

من الأهميةِ بمكان ملاحظة مضمونِ ذهنيةِ الرأسمالية عن قرب.

التعريفَ الأحاديَّ الجانبِ للرأسماليةِ ليس سوى محصلةٌ للنشاطات والعملياتِ الذهنيةِ في كَنَفِ التأثيراتِ الكبرى للنظامِ القائم. وبالمستطاعِ رؤيةُ مثل هذا التفسيرِ حتى لدى الماركسيين والفوضويين، الذين هم أكثرُ معارَضةً للرأسمالية، والزاعمين مزاولةَ السوسيولوجيا العلمية.

ولَرُبما كانت مَوضَعَةُ ماركس بِحَدِّ ذاته للبنيةِ التحتية الاقتصادية باعتبارِها منبعَ كلِّ الصياغاتِ الحقوقيةِ والسياسية والأيديولوجية، تأتي في مقدمةِ الأسبابِ الأولية لِفَشَلِ الاشتراكيةِ، التي تم خوض الصراعاتِ الضارية في سبيلها. من المهمِّ الإدراك جيداً أنه ما مِن جماعةٍ بشريةٍ قادرةٍ على إنشاءِ نمطِ الحياةِ المادية (الحياة الاقتصادية) وتَصيِيرِها نظاماً، ما لم تَتَعَرَّفْ على صياغةٍ ذهنيةٍ مُعَيَّنةٍ وتُجَرِّبها لمدةٍ طويلة. أما تحليلاتُ النظامِ المُبقِيَةُ على التطورِ الذهنيِّ مطموراً في الظلمات، فمن المحال أنْ تنجوَ من خدمةِ هيمنةِ تلك الأنظمةِ بالذات. الأمرُ هكذا، حتى لو أُنشِئَت على أسسٍ مناهِضةٍ ومعادِيةٍ بشدة. فالنظمُ المهيمنةُ السائدة تَعمَلُ أولاً على ضمانِ حاكميتِها عبرَ التمأسسِ الذهني والسياسي. ولا يمكن ترتيب شؤونِ الحياةِ المادية إلا بموجبِ هذا النطاق. أما مزاعمُ ماركس بقوله “إني أُقَوِّمُ وأُصَحِّحُ جدليةَ هيغل”، فهي – وعلى عكسِ ما يُعتَقَد – ضلالُه الوخيم، لا برهانٌ على صوابِه هو. لقد غدا مفهوماً للغاية كَونُ مثاليةُ هيغل، التي تُعتَبَر قمةَ الفكرِ الميتافيزيقي، من إحدى اللَبَناتِ الأساسيةِ المرصوفةِ على الدربِ المؤدية إلى الدولةِ القومية الألمانية. ومِن قَبلِه يأتي لوثر (مؤسسُ الأيديولوجية البروتستانتية)، وإيمانويل كانط (العاملُ أساساً بالذاتانية المثالية، وجزئياً بالأخلاقياتية، تجاه الموضوعانية الشيئانية الصارمة الفظة). في الحقيقة، وإن تَبَدَّى الأمرُ وكأنه متناقضٌ ظاهرياً، إلا أنّ كارل ماركس أيضاً قد استمرَّ على هذا النهج باسمِ البروليتاريا والنظامِ المناهِضِ للرأسمالية. والنتيجةُ هي انتهاءُ الأيديولوجيةِ (الذهنية) الألمانيةِ بالفاشية، وبقيادات من نموذج هتلر.

وأَفضَلُ مَن انتَبَهَ لهذا الخطرِ المحدِقِ في القضيةِ الذهنية، كان الفيلسوفَ الألمانيَّ نيتشه. فالنشاطاتُ الذهنيةُ على طرازِ نيتشه إنما هي مضادةٌ للحداثةِ الرأسمالية حقاً. إلا أنّ الخطأَ الأكبرَ يَكمُنُ في عدمِ تطويرِها وعدمِ تحويلِها إلى فلسفةِ السياسةِ وممارستِها العملية. أما المحاولاتُ والجهودُ المتأخرة، والتي بَذَلَها الفلاسفةُ الفرنسيون (دالاوز ، كواتاري ، ميشيل فوكو، وأمثالهم)، وكذلك الفيلسوفُ الألماني غرامشي ، فهي ناقصةٌ جداً، ولم تُتَرجَمْ إلى تمأسسٍ سياسي. وما تَحَقَّقَ أصلاً مع الاشتراكيةِ المشيَّدةِ لم يَكُنْ سوى الشراكةُ في الجُرمِ الموضوعيِّ باسمِ الجناحِ اليساريِّ للعصرنةِ الرأسماليةِ طيلةَ عقدٍ ونصف بأقلِّ تقدير. وتجربةُ روسيا السوفييتيةِ والصين برهانٌ صارخٌ على صحةِ حُكمِنا هذا.

إنّ انتقاداتِ الفوضويين لولادةِ الرأسماليةِ نَيِّرةٌ في العديدِ من النواحي، وبالأخصِّ الكلاسيكيون الأوائلُ منهم، وفي مقدمتهم برودهون ، باكونين، وكروبوتكين. لقد كانوا قادرين على رؤيةِ أبعادها الأيديولوجيةِ والسياسية على نحوٍ أفضل. إلا أنّ عجزَهم عن النجاحِ في صياغةِ فلسفةٍ سياسيةٍ سليمةٍ وتمأسُسٍ صائبٍ، وإغفالُهم مواضيعَ الأخلاق والتاريخِ لم يُنقِذهم من التحولِ إلى سلعةٍ أيديولوجيةٍ بِيَدِ الرأسماليةِ في نهايةِ المآل. فإذا لم يتكاملْ أيُّ نشاطٍ ذهنيٍّ مع النشاطاتِ السياسيةِ والأخلاقية والتاريخيةِ القديرة، فلن يَنجوَ من الاستعمالِ على يدِ المناهِض له، والذي سيَعمَلُ إما على إفنائه، أو صهرِه وشَلِّ تأثيرِه. ولَكَم هو مؤسفٌ أنّ ما حَلَّ بالعديدِ من النشاطات الذهنية المضادةِ للرأسمالية كان مشاطرتَها القدرَ عينَه، حيث نرى أمثلةَ ذلك كثيراً في التاريخ (وفي مقدمتها المسيحية، البوذية، الزرادشتية، والمانوية).

إذا كان ثمة تَطَلُّعٌ وطموحٌ في بلوغِ نظامٍ ناجحٍ بديلٍ تجاه الرأسماليةِ الراهنة وركائزها التاريخية، أو بالأحرى تجاهَ الرأسماليةِ باعتبارها الطَّورَ الأخيرَ للمدنية ضمن سياقِها التاريخي المتكاملِ كلياً (حسب التعريفِ المُصاغِ لها)؛ فلا بد من تسييرِ نشاطاتِ فلسفةِ السياسةِ والتمأسسِ السياسيِّ ونشاطاتِ الحياةِ المادية على هدى دليلِ العملِ المتمثلِ في النشاطاتِ الذهنية، وضمن تكاملٍ متلاحمٍ كلياً، وبشكلٍ متداخل؛ مع رصفِ هذا السبيلِ بِلَبَناتِ العشقِ والهيامِ والشغف.

يأتي تصنيعُ الثقافة، وبمعنى آخر إنتاجُها السلعيُّ المتفشي، في المرتبةِ الثانيةِ من بينِ أكفأِ أدواتِ العبودية. فالثقافةُ تعني بنطاقِها العامِّ العالَمَ الذهنيَّ للمجتمعات، وتتألفُ أساساً من ثالوثِ الفكرِ، الانتقاءِ القائمِ على الإعجاب، والأخلاق. أما محاصَرَةُ عناصرِ الثقافةِ تلك، وشراؤها على يَدِ السلطةِ السياسية والاقتصادية داخلَ كنفِ النظام القائم، فهو عملٌ يتحققُ على طولِ مئاتِ السنين. فتَكبيلُ العناصرِ الثقافيةِ بأوتادٍ وطيدةٍ ضرورةٌ لا مفرَّ منها على مَرِّ التاريخِ الحضاري برمته، بغرضِ تأمينِ الشرعيةِ اللازمة. ولا تتأخرُ الزمرُ الاقتصاديةُ والسلطويةُ إطلاقاً عن الانتباهِ إلى هذا الأمرِ مبكراً، واتخاذِ التدابيرِ تجاهه. ويمكن إرجاعُ صهرِ الثقافة على يدِ السلطات إلى مراحلِ تأسيسِ الهرميات. إنها الوسائلُ الأساسيةُ لمهنةِ الإدارة. ذلك أنهم لن يستطيعوا إدارةَ الاحتكاراتِ الاقتصاديةِ والسلطوية، ما لم يَبسطوا الهيمنةَ الثقافية. في حين أنّ النظمَ المعتمدةَ على العنفِ والاستعمار والاستغلال، لا يمكنها الحفاظُ على بقائها عبرَ النهب والسلبِ بالعنف إلا لمدةٍ قصيرة، إلى أنْ ينتهي ما يمكن نهبُه وسلبُه. وحينها، إما أنْ تتنازعَ فيما بينها، أو أنْ تنهارَ وتتشتت.

يتميز دورُ الثقافةِ بأهميةٍ حياتيةٍ في المدنيةِ الرأسمالية، باعتبارها الحصيلةُ الذهنيةُ لكافةِ الميادينِ الاجتماعية. حيث تَعمَلُ أولاً على صهرِ الثقافة (أَقْلَمَتِها ومواءمتِها مع السلطةِ الاقتصادية والسياسية)، ومن ثَمَّ تُصَيِّرُها صناعةً في سبيلِ نقلِها على أوسعِ النطاقاتِ وبكثافةٍ مرتفعةٍ إلى جميعِ الجماعاتِ في أرجاءِ المعمورة (الأمم، الشعوب، الدول القومية، المجتمع المدني، والشركات). وبتشييءِ الميادينِ الأساسية، وعلى رأسِها الآدابِ، العلومِ، الفلسفاتِ، الحقولِ الفنية الأخرى، التاريخِ، الدينِ، والحقوق؛ تَكُونُ قد بَضَّعَتها. أما الكتبُ، الأفلامُ، الجرائدُ، الفضائيات، الانترنيت، والإذاعاتُ وغيرُها من الوسائل، فتؤدي دورَ سلعِ هذه الصناعة. وبالإضافةِ إلى تمهيدِ هذه البضائعِ الثقافيةِ السبيلَ لإدرارِ أرباحٍ طائلة، فإنّ وظيفتَها المدمرةَ الأساسيةَ تتمثلُ في تحقيقِ أَسْرِ الذهنيةِ بأبعادٍ لا نظيرَ لها على مَرِّ المسارِ التاريخي، لِتتلاعبَ في نهايةِ المطاف، بعدَ أنْ تَكُونَ قد بَنَت من الطبقاتِ والأممِ والعشائرِ وشتى أنواعِ الجماعات جماهيراً تَغدو في حالةٍ أسوأ من حالِ الأبقار والمواشي، مفتقدةٍ لكل معانيها، وباختصار، خاوية المضمون، عديمةِ الملامح والشكل، وقريبةٍ في نَهَمِها إلى شهواتِ القِرَدَة. والبَنَّاؤون المشرفون على ذلك هم الدولُ القوميةُ والشركاتُ العالمية والاحتكاراتُ الإعلامية. ولا يَهُمُّهم من شؤونِ المجتمع شيءٌ أكثر من جنيِ الأرباحِ منه واستهلاكِه. فحتى الشرائحُ التي أُفقِرَت، أصبحَ لا هدفَ لها تُفَكِّرُ به سوى ربحُ المالِ الكثيرِ يوماً ما، لتعيشَ على هواها.

لننتبهْ إلى أنّ الإفقار يُستَعمَل كظاهرةٍ ثقافية. فبينما كان الإفقارُ دافعاً وباعثاً على التمردِ والعصيانِ في العصورِ الوسطى التي لا نُعجَب بها، فإنّ تَصيِيرَ التهافتِ على الأجرِ والمعاشِ هدفاً أولياً في كنفِ الهيمنةِ الثقافية الرسمية، إنما يَدُلُّ على الانتصارِ الثقافيِّ للنظامِ القائم.

والجانبُ الوخيمُ الأخطرُ في الهيمنةِ – وبالتالي الأَسْر – التي تُحرِزُها الصناعةُ الثقافية بالتداخلِ مع صناعةِ الجنس، يكمن في عيشِها طواعيةً، بل وتَسمِيتِها بانفجارِ الحرية. مؤكَّدٌ – بلا أيِّ شك – أنّ هذا يُشَكِّلُ الركنَ والعِمادَ وأداةَ الشرعنةِ الأقوى التي تَستَنِدُ إليها الإدارة الحاكمة. فمرحلةُ الإمبراطوريةِ الرأسمالية غيرُ ممكنةٍ إلا بالصناعةِ الثقافية. بالتالي، فالكفاحُ تجاه الهيمنةِ الثقافيةِ تقتضي أعسرَ وأصعبَ أنواعِ الصراعِ الذهني. وما من إمكانيةٍ لإحرازِ النجاحِ أمامَ أيِّ كفاحٍ في سبيلِ الحرية والمساواةِ والديمقراطية، ما لَم يُنَظَّمْ هذا الكفاحُ ويُصَعَّد شكلاً ومضموناً في مواجهةِ الحربِ الثقافيةِ التي يَشُنُّها النظامُ القائمُ عبر الغزوِ والصهرِ والتصنيعِ الذهني.

أما العالَمُ الافتراضيُّ المُسَيَّرُ على يَدِ الأجهزةِ الإعلاميةِ كأساسٍ وطيدٍ للهيمنةِ الذهنية الرأسمالية، فهو وسيلةٌ ذهنيةٌ أخرى جِدُّ هامة. فتَحَوُّل الحياةِ إلى خيالٍ افتراضي، يعني وصولَها أقاصي حدودِ العقلِ التحليلي. ولدى عَرضِ حادثٍ مُرَوِّعٍ كالحربِ على نحوٍ افتراضي، فمن غيرِ الممكن ألا تُفسِدَ الأخلاقَ لوحدها. قديماً كان يُقال عن الحياةِ التي لَم يُجَرِّبها الإنسانُ بذهنِه وجسدِه بأنها حياةٌ زائفة. ولا يمكن أنْ تنجوَ الحياةُ من الزيفِ والرياء بإضافةِ اسمِ الافتراضِ عليها. لا نتهم هنا تطور التقنياتِ المؤديةَ إلى الحياةِ الافتراضية بِحَدِّ ذاتها، بل نقوم بإعادةِ تناولها وتقييمها بخصائصها التي تَشُلُّ ذهنَ الفرد. إنّ التكنولوجيا المُتحَرِّرَةَ من قيودها مِن أخطرِ الأسلحةِ الفتاكة. والمؤثرُ الأوليُّ الذي يَفرضُ وجودَ الحياةِ الافتراضية هو تَحَكُّمُ الرأسماليةِ بالتقنية، وحاجتُها لإدارةِ الملايين من البشر. حيث لم تَعُد الحياةُ تُطاق، لأنها دوماً تتحولُ إلى افتراضٍ، والذي يعني فيما يعنيه الموتَ منتصباً. وما التشابهُ والمحاكاةُ سوى حالةٌ ملموسةٌ للغاية عن الحياةِ الافتراضية. ولكن، لا يَحصُلُ الإنسانُ على المعرفةِ عبر محاكاتِه وتَشَبُّهِه بكلِّ حادثٍ أو علاقةٍ أو إنجاز. ولا يمكن إحراز التقدمِ بتقليدِ جميعِ المنجزاتِ الحضارية. ما يتحقق هنا هو هيمنةُ ثقافةِ التقليد والمحاكاة. لكنّ التباينَ والاختلافَ المخفي في ثنايا جوهرِ الحياة لا يُطيقُ التكرارَ بتاتاً. حتى التاريخُ لا يكررُ نفسَه. فالتقليدُ ضدّ التقدم. في حين أنّ الحياةَ الافتراضيةَ ترتكزُ إلى التقليدِ اللامحدود. ذلك أنّ الكلَّ يُقَلِّدون بعضَهم، فيُشابِهون بعضَهم. وهكذا تُخلَق قطعانُ الماشية. فعصرُ التمويلِ لا يمكن عيشُه بدونِ الحياةِ الافتراضية. ولا يمكن إدارتُه إلا بسيادةِ الحماقةِ والغبنِ بلا حدود، والذي لا يتحققُ بدوره إلا مع الحياةِ الافتراضية.

ينبغي الإدراك تماماً أنّ الذهنَ التحليليَّ قد بلغَ أكثرَ أنماطِه حيلةً وتآمراً ومكيدةً مع الرأسمالية. والبورصة مثالٌ صارخٌ على هذه الحقيقةِ الواقعة. والذكاءُ المُضارِبُ (التصوري) هو مجالُها الذي يَدُرُّ عليها الأرباحَ الطائلة. أي أنّ المُضارَبةَ والذكاءَ التصوريَّ يغدوان توأماً في النظامِ الرأسمالي، مثلما هما في ميادينه السياسيةِ والعسكرية. فالحروبُ تنشبُ على أساسِ الحيلةِ والمكر والمكيدة، لِتَكُون بذلك ذروةَ ثقافةِ الصيد. لقد بات الذكاءُ التصوري أداةً لا نظيرَ لها في التلاعبِ والمناورة والتآمرِ اللامحدود في البورصة والميادينِ السياسية والعسكرية. إنه لا يَعبَأ بالوجدانِ والمشاعر، ولو بمثقالِ ذرة. فبينما تُشوى الأجسادُ في ألسنةِ لهيبِ القنابلِ النوويةِ وغيرِها من الأسلحةِ الفتاكة المروِّعةِ في لحظةٍ واحدة، يتم اكتسابُ الملياراتِ في ميدانٍ آخر خلالَ عدةِ أيام، ودون أنْ تَتَصَبَّبَ قطرةُ عَرَقٍ واحدة. بالمقدور القولُ أنّ الرأسماليةَ تكشفُ النقابَ عن ذهنيتِها بكلِّ جلاءٍ وعلانيةٍ في البورصة والسياسةِ والحرب. إذ، ما مِن قيمةٍ أو عاطفةٍ إنسانيةٍ لن تَنتَهِكَها الرأسماليةُ كَرمى لعينَي الربح.

بَيْدَ أنّ الذكاءَ العاطفيَّ ضرورةٌ لا غنى عنها لأجلِ الحياة. فكلما ازدادَ الانقطاعُ عن هذا النوعِ من الذكاء، تَخبو معاني الحياةِ وتخمدُ أكثرَ فأكثر. أما المخاطرُ المحدقةُ بالحياةِ بسببِ الكوارثِ الأيكولوجية، فكأنها تُبَشِّر بِحُلولِ ما يُشبِهُ يومَ القيامة. والمسؤولُ عن ذلك هو الذكاءُ التصوري المستَخدَمُ بمنظورٍ منحرف، والمقتاتُ تدريجياً وطردياً على اللغة، السلطةِ، المدينة، الدولة، العلمِ، والفن؛ لِيَتَحَوَّلَ إلى لوياثانٍ عالمي (الإمبراطورية العالمية لِرَأسِ المال العالمي). أما التصدي لهذا الوحشِ وصَدُّه، فيتطلب جهوداً شاملةً للغاية من الذكاءِ العاطفي. ولأجلِ شَلِّ تأثيرِه المدمِّر، يجب ردعَه عن قمعِه المسَلَّطِ على الحياةِ الحرة، ورَدَّه على أعقابه. يجب قطعَ أنفاسِه كي يعجز عن العيش، قبل أنْ يجعلَ الحياةَ على كوكبنا لا تُطاق. وستَكُونُ المَهَمَّةُ الأوليةُ لسوسيولوجيا الحرية بلوغَ الرؤية النظريةِ لهذا العملِ الحياتي، والنجاحَ في رسمِ تخطيطه السليم.”٨

 

المنظومة الأكاديمية في الحداثة الديمقراطية  :

المعرفة والوجود والإيجاد هي جدليات التنمية الإنسانية. يعتمد جوهر هذه الجدلية على البحث والوصول للمعلومات والتدريب. لهذا السبب تطورت الحاجة إلى إضفاء الطابع المؤسساتي على التدريب بالتوازي مع تاريخ البشرية ومع التغيير تعقدت أكثر. العلاقات والاحتياجات المعقدة للحضارة الطبقية سرعت هذا التطور ومن خلال إضفاء الطابع المؤسساتي والتطبيق العملي تحول إلى ضرورة. بلا شك الوصول للمعرفة ليس محصوراً بمؤسسة تدريبية متخصصة بمحتوى معين. عدا ذلك هناك مجال واسع للتدريب والوصول للمعرفة. إن النسيج الاجتماعي هو بحد ذاته قاعدة للتدريب. تم تنظيم الأنشطة التعليمية الناشئة على هذا الأساس وعلى أساس احتياجات الدولة أو المجتمع من خلال تغيير موازٍ للعلاقات الاجتماعية المعقدة.

وبالتالي فمن مطلع العصر الحجري الحديث إلى معابد النار لزرادشت،ومن  تشكيل الأديان التوحيدية إلى تطور الفلسفة اليونانية ، ومن هناك حتى جميع العصور التاريخية مثل عصر النهضة والثورة الصناعية كان التعليم والمعرفة هي القوة المحركة للتطور. ومع العصر الحجري الحديث تم نقل المعرفة في شبكة التواصل الاجتماعية ولأول مرة إلى الجيل الجديد ومنه إلى الجيل الذي يليه وأصبحت جزءاً مهماً من اجل تشكيل المجتمع. لعبت معابد النار الزرادشتية أدواراً مهمة في العبادة وفي الإنتاج الفكري أيضاً. نُظمت الجهود التعليمية بشكل أكاديميات أفلاطون وأرسطو ومدرسة ميليتوس. عمّق ظهور الأديان التوحيدية وتنظيمها بشكل معابد هذا العمل وجعله أكثر شيوعاً. كانت المعابد والكنائس والمساجد بمثابة مؤسسات تعليمية. وبهذا المعنى كانت الكنائس الصينية والمدارس الإسلامية أول نموذج للجامعات التي تأسست في العصور الوسطى. وكلما تسارع بحث الإنسان عن التطور الفكري زادت الجهود لتثقيف المجتمع. تسارعت الجهود لتلبية الاحتياجات المرتبطة بالخبرة مع الزمن وتشكلت في العصور الوسطى على شكل جامعة.

“إن كلمة جامعة (university) أصلها لاتيني. من كلمة universitas التي تعني (كل) انتقلت إلى اللغة اليوناية.  وفي الفارسية بشكل (université) والتي تعني المؤسسة المفتوحة لكافة المجتمع والمكان الذي يتم فيه تعليم كافة العلوم.

إن جامعات اليوم يستطيع المرء القول بأنها ” مؤسسات لإنتاج ونشر العلوم والبحث العلمي والتعليم العالي المستوى بما فيها الكليات والمعاهد ومراكز الأبحاث ومنح الشهادات لطلابها.”٩

تم تدريس الفلسفة اليونانية والقانون الروماني إلى جانب المدارس المسيحية في أولى الجامعات التي كانت تدعى بولونيا عام 1119، باريس 1200، أوكسفورد 1249 …إلخ.

تميزت نماذج كل من جامعة بولونيا وباريس في العملية التعليمية. حيث اعتمدت جامعة بولونيا على العلمانية، وتم دفع رواتب المعلمين من قبل طلابها المنتسبين ، إن رئيس الجامعة هو ايضاً طالب ، وتكون الجامعة تحت إشراف وإدارة الطلاب.

اما نموذج جامعة باريس يولي أهمية للجانب الديني. الإدارة تكون في أيدي مجموعة من المعلمين ، ومعظم المعلمين والطلاب هم أعضاء في الأديرة المميزة، و موضوع التعليم الأساسي هو اللاهوت.

كما تم تفضيل نموذج باريس على نموذج بولونيا بسبب هذا الهيكل.، وإن أوكسفورد وكامبريج هما استمرارية لهذين النموذجين ، أما ما تبقى من مدارس فهي مرافة لهم إن ظهور الدولة القومية في القرن التاسع عشر كان له تأثير على التعليم والأنشطة العلمية والجامعات،تقدم في هذا المجال خمس نماذج جامعية :

“الألمانية والفرنسية والبريطانية والأمريكية والسوفييتية ” .

يعتمد نموذج الجامعة الألمانية على التعصب العلمي المنفصل عن المجتمع ، وربط التعليم بالبحث .

أما النموذج الفرنسي  يقدم ذاته وفقاً لاستمرارية وجود المجتمع ، ومن الناحية الإدارية ينتهج النظام الإداري الهرمي الطبقي.

والنموذج البريطاني هو نظام يعتمد في مبدأه على استقبال رغبة الناس للتعليم.

النموذج الأمريكي  ضم المذهبية على شكل جامعة ، يعتمد بشكل كبير على التعليم المهني في مجالات العلم والتقنية. النموذج السوفييتي يهدف إلى بناء مجتمع كومينالي باعتماده على التعليم المهني والأيديولوجي.

لذلك فهذه النماذج ليست للبحث وإنما هدفها الأساسي هو التعليم والتدريب. لهذا السبب فالتطورات العلمية الموجودة في أمثلة كل من كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو ونيوتن تطورت خارج الجامعة. لهذه النماذج البارزة مهمتان رئيسيتان، الأولى تدريب المفكرين والمدراء والقوة العاملة على العدد والنوعية اللازمة التي يحتاجها المجتمع والدولة. الثانية هو خلق التجديد في نظام القيم في المجتمع. القدرة على تغيير المجتمع من خلال الإنتاج العلمي والثقافي والأيديولوجي. تلبية احتياجات الجامعات التي تم تأسيسها ضمن هذا الإطار إلى جانب تلبية احتياجات المختصين، كما أنها تقوم بعمل أبحاث في قسم العلوم وتجري المناقشات والتعليم وتقوم بنشر النتائج. في بداية عملية التطوير يكون من الصدارة تكوين المجتمع والفرد وكذلك الاستجابة لاحتياجات التطورات المهنية على أساس لاهوتي في التعليم في الجامعات. ومع عصر النهضة تغير هذا الوضع. بعد أن أصبح الحصول على المعلومات عن طريق المطبعة أسهل، حصل تغيير نموذجي. نتيجة لحركات الإصلاح والتنوير التي نشأت عن هذا التغيير، فقد تم إضعاف تأثير الكنائس على الجامعات واتخذت العلوم الإيجابية مكانها في المناهج التعليمية كما تمت معرفة الحقيقة من خلال علاقة السبب والنتيجة والتحقق من التجارب. وبهذا الشكل تم استبدال تعليم القانون الديني واللاهوت بنسبة كبيرة من الإداريين الحكوميين. ومع هذا التطور تم تشكيل أرضية علمية لبعض الجامعات. لكن كان هناك خطآن أساسيان منعا هذا التطور. الأول هو فصل التطورات العلمية والتكنولوجية عن المجتمع. وهذا ما أدى إلى تطور العلماء الذين انفصلوا عن المجتمع. وما يكمل هذا هو الدولة القومية وطبيعتها التي تكون ذهنيتها التي تقوم على الفصل بين الفاعل والمفعول وتفكك كل شيء وتجزئه. وبسبب هذا الأسلوب تم استبدال الهيمنة الخانقة للكنيسة في الجامعات بهيمنة الدولة القومية. بعد ذلك نظمت الدراسات العلمية والتقنية والجهود الفلسفية إلى حد كبير من أجل تأمين احتياجات الدولة القومية على أساس مذهبي. وبهذا الشكل أصبحت الجامعات معابد للدولة القومية، وأصبحت مجموعات النخبة التعليمية هنا كهنة معاصرين في يومنا هذا. ولهذا السبب عارضت قوى الحداثة الديمقراطية وأصبحت مع الزمن القوة المحركة للحداثة الرأسمالية. في البداية تم عزل الجامعات التي أقامت علاقة مع المجتمع بالعقائد الأخلاقية والدينية في الوقت المناسب. وبالتوازي مع تطور الليبرالية تم فصل نظام التعليم لنموذج بولونيا ومن ثم نموذج جامعة أمريكا والعلوم عن المجتمع. إن فكرة أن العلم يجب أن يتم من أجل العلم والفكر المذهبي الذي يركز على التعليم المهني حولت الجامعات إلى مختبرات تقوم الحداثة الرأسمالية بتوليد نفسها من جديد فيها. أدت هذه الحالة إلى ظهور العلماء الذين تم فصلهم عن المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى تحولت الجامعات إلى شركات لصناعة البضائع.ونتيجة لذلك لم يعد هناك طابع مؤسسي الذي يستجيب لطلب الحداثة الديمقراطية “الحاجة للعلم من أجل المجتمع”.

بعد القرن العشرين تحول التعليم إلى ساحة استثمارٍ بالكامل، حيث بدأت مرحلة التعليم المأجور التي هي دلالة كبيرة على الظلم الاجتماعي. أثرت الثورات الفرنسية والسوفييتية والحركات المجتمعية على التعليم الجامعي. لكن هذا التأثير لم يصل إلى مستوى يكون فيه بديلاً عن نظام التعليم في الحداثة الرأسمالية الليبرالية وعن المجتمع. إن متطلبات التعليم المجتمعي التي تطورت منذ زمن قريب تم دهسها من قبل الدولة القومية والجامعات التابعة لها. جزأت الحداثة الرأسمالية كافة العلوم في الجامعات تحت اسم التخصص وبهذا الشكل تم انتقاص الحقيقة. في البداية تم الانفصال عن المجتمع والطبيعة وبعد ذلك تم تجزئة علم الاجتماع وبهذا الشكل تم الابتعاد عن الحقيقة. وبالتالي تم الإجبار على هيكلية جديدة في هذا المجال. وخلال مدة قصيرة ظهرت (الأكاديمية) التي كانت تُعرف كبديل نتيجة هذه الحاجة وشكلت أرضية من أجل المستجدات في مجال الجهود العلمية. من الاشتراكيين الخياليين إلى الاشتراكيين العلميين، ومن الفوضويين إلى مدرسة فرانكفورت، ومن الظهور الفلسفي لفرنسا في النصف الثاني القرن العشرين إلى ثورة الثقافة للشباب عام 1968 وفي الأخير وحتى الأيكولوجية والحركية النسوية والحداثة وهي ذات ميراث علمي وفكري غني. الحداثة الديمقراطية مجبرة على القيام بثورتها العلمية والفكرية من جهة وفقاً لمبدأ الثورة وبريق الفكر في العصر المدني، ومن جهة أخرى وفقاً لامتلاك الخصائص الإيجابية للأفكار التي تعاكس الحداثة.  ومن أجل تشكيل أرضية ومعطيات تاريخية وتطوير علم وفقاً للنموذج الديمقراطي، يجب استبدال القانون بالفلسفة والعدالة واستبدال الاشتراكية الإيجابية بالاشتراكية الحرّة واستبدال الإدارة العامة بالإدارة الاجتماعية واستبدال علم النفس الفردي بعلم النفس الاجتماعي واستبدال الاقتصاد المنفصل عن الطبيعة بالاقتصاد البيئي المنضبط. على هذا الأساس وكلما تشكل مفهوم جديد للهندسة ومنهاج يستوعب الحاجات الأساسية وعلم يوضح للمجتمع كل ما هو غامض ويفتح الباب في جميع المجالات الضرورية أمام الأبحاث الحرة، عندها سوف يظهر تنظيم التعليم حسب القيم الديمقراطية. ذلك الغنى الذي يستطيع استيعاب الاحتياجات المجتمعية القصيرة والطويلة الأمد كالطب والهندسة …إلخ، سوف تحقق التوازن بين إعداد الفرد المتخصص ذو الخبرة والتعمق في البحوث العلمية.

حتى تتشكل أكاديميات الحداثة الديمقراطية وفقاً لهذا اﻷساس، فإنّ الإطار الفلسفي العلمي هو كالتالي :

1- يجب تطوير الجهود الفكرية والأنشطة العلمية والمعرفية في إطار المجتمع الأخلاقي والسياسي الذي هو الشرط اﻷساسي لوجود الطبيعة المجتمعية.

2- يجب ألّا يكون التثقيف كمصلحة أو عبئاً، فإذا أراد الباحث الحقيقي العيش بكرامته والوقوف على قدميه، حينها سواء أراد أم لا سيكون في جميع جهوده الفكرية مقاوماً ومن جهة أخرى سيكون بُعد المقاومة عاملاً للبحث.

3- في البداية يلزم إعادة تصحيح العلم الذي تم تطويره كـ `العلم المجتمعي`. يجب أن يتم قبول العلم المجتمعي كأمّ جميع العلوم.

4- الفكرة اﻷساسية للعلوم الاجتماعية أنه يجب ألّا يكون المجتمع اﻷخلاقي والسياسي كمادة، كما لا يجب أن يكون كأضداد مثل: الفاعل والمفعول، أنا وهو، الروح والجسد، الإله والعبد، الحي والميت التي شكلت حواجز كبيرة بين اﻷشخاص، يجب اعتماد البحث من أجل تلافي هذه اﻷضداد.

5- مهما كان هناك في أوربا ضياع للحقيقة وتجزئة العلم المركزي وخاصة العلوم الاجتماعية، لكن يجب على المرء استيعاب مكتسباتهم الإيجابية ومساهمتهم في إظهار الحقيقة. ومهما تم انتقاد الفلسفة الوضعية وتجاوزها، في الوقت نفسه يجب الاعتراف بمساهمتهم في إظهار الحقيقة.

6- إن طريقتنا الرئيسية في البحث عن الحقيقة لا يمكن أن تكون الموضوعية الوضعية أو الذاتية النسبية. بدلاً من ذلك ، يقترب الاثنان من بعضهما البعض ، حتى لو لم يقال إنهما متشابهان، لكن يجب أن يكونا متشابهان في المضمون.

7- كما أن الحداثة الوضعية حرّفت التوجيهات والطريقة الكونية، التقدمية والخطية، فإن الطريقة الدورية النسبية للعديد مما بعد الحداثة منفتحة لنفس الانحرافات. ولكي لا يبتعد المرء كثيراً عن هذه الجوانب، عليه أن يفهم المبادئ الأساسية (التي سوف نحاول سردها) ويلتزم بها.

8- يجب ألّا تصبح اﻷماكن اﻷساسية للأبحاث وعلى رأسها الجامعات مؤسسات رسمية للمدنية والحداثة.

 

الإطار الإداري الأكاديمي  للحداثة الديمقراطية :

إن تقليد مؤسسات الحداثة في بناء الأكاديميات سوف يجلب معه الفشل. من جانب الموقع والوقت فإن الأكاديميات تُبنى ويتم العمل بها حسب الحاجات العملية. كما مرّت عبر التاريخ أمثلة مثل: (معابد النار الزردشتية فوق قمم الجبال وحدائق أفلاطون وأرسطو وأرصفة سقراط والرواقيين والتكايا والأديرة في القرن الوسيط… إلخ) وهي مؤسسات طوعية وبسيطة. يمكن اختيار أي مكان من قمم الجبال وحتى أزقة الحارات. ولكن بلا شك لا يمكن اختيار اﻷبنية التي تدل على هيبة السلطة. كما هو موجود في اﻷديرة والمدارس المدنية يتم توضيح مرحلة التعليم وفقاً لوضع المنضمين ووفقاً لمشاركة الطلاب. لا يلزم أن تكون كالمؤسسات الرسمية ذات شروط صعبة ولا يستوجب التفكير بهذا بأي شكل من اﻷشكال. يمكن اقتراح كل من الاستقلالية والديمقراطية الذاتية وإعداد الكوادر والبرامج ذاتياً والاعتماد على المعلمين والدراسة الطوعية، حيث يمكن للمعلم أن يكون طالباً وللطالب أن يكون معلماً، ويمكن للراعي كما يمكن للبروفيسور المشاركة فيها. كما يمكن بناء أكاديميات خاصة بالمرأة بنفس المحتوى لتطوير جوانبها المعرفية. وحتى لا ينحصر في الجانب النظري فقط فإن متابعة التطبيق العملي من عدة جوانب هي ضرورة ملحّة. بالتأكيد لابدّ أن تكون هناك قوانين أخلاقية وجمالية. إنّ اﻷكاديميات التي ستُبنى على هذا اﻷساس يجب أن :

1- تتكون الوحدات الأكاديمية في الحداثة الديمقراطية من مراكز للبحث. الوحدات الإدارية التي تحلّ محل كل من الوحدات الرئاسية مثل الرئيس ونائب الرئيس والمستشار والمجلس والهيئة الإدارية ذات النموذج الطبقي للنظام الرأسمالي، تعتمد على المجالس المؤلفة من الكادر التعليمي والطلاب والمنسقيات التي تتألف منهم.

2- إنّ اﻷشخاص الذين يعملون تحت مظلة أكاديميات الحداثة الديمقراطية وﻷنه لايزيد أي شيء على موقعهم، لهذا لا يُعتبر أداة استثمار. كما هو موجود في النظام النقابي في العصر الوسيط فإن أمن وأمان الأشخاص منفصل عن إدارتها الذاتية ومؤسساتها المجتمعية. كمثال على ذلك في المجتمع الرأسمالي مع ازدياد عدد المرضى فإنه تزداد أرباح ورفاهية الأطباء. في هذه الحالة فإن مستوى رفاهية اﻷطباء مرتبط بشكل مباشر بعدد الأشخاص اﻷصحّاء في المجتمع.

3- أكاديميات الحداثة الديمقراطية: هي بُنى ديمقراطية تشكلت وفقاً للمبدأ الذاتي من خلال الحضور والإدارة الذاتية. إن كافة آليات اتخاذ القرارات تستند إلى الحضور الديمقراطي المباشر من قبل الناشطين الأكاديمين والحضور الهرمي لطلاب الأكاديمية. وهذا ما نلاحظه في المجلس الذي يتألف من الباحثين والطلبة. هذه المُنسّقيات والمجالس التي تتكون منها وبنفس الوقت تقوم بدور إدارة الأكاديمية. كما أن اجتماعات هذه الهيئات تستقبل اقتراحات وآراء الطلبة. التنسيق بين اﻷكاديميات وتنسيق التعليم العالي هي مهمة تطوير استراتيجية التعليم العالي. تتكون هذه المنسقية من متحدثين باسم إدارات المدن والإدارة العامة للبلاد والأشخاص الذين تم انتخابهم في الأكاديميات من قبل المندوبين. مثلما تأخذ إدارة الأكاديمية مكانها في مجلس المدينة وفقاً لنسبة حصتها وفي الوقت نفسه يأخذ مجلس المدينة مكانه في مجلس الأكاديمية بنسبة مناسبة.

4- يعتمد قبول الطلاب في أكاديميات الحداثة الديمقراطية على الطلبات المحلية بدلاً من أي أنظمة اختبار. يتم قبول الطلاب واختيار المعلمين من قبل مجلس المؤسسة التعليمية. التعلم المفتوح والتعلم مدى الحياة هما أساس التعلم. كل لحظة من العملية التعليمية التي يقوم بها الطلاب مفتوحة للرأي العام. تُقدّم البرامج التي تم إنشاؤها لتعليم الكبار الفرصة لاكتشافات ونظريات وأبحاث جديدة. العلاقة بين المعلم والطالب هي علاقة إرشادية. لا يعتمد على الحالة أو الخبرة أو التسلسل الهرمي القائم على العمر.

5-  في أكاديميات الحداثة الديمقراطية يمثل التعليم إحدى مهام الإدارة العامة الأساسية تجاه مواطنيها. لذلك فهو مجاني ولا توجد رسوم في أي مرحلة من مراحل التعليم. الحرية المالية ضرورية مثل الحرية الإدارية للأكاديمية. في هذا السياق ، تحصل على حصة من ميزانية الحكومة المحلية ، كما تقبل الدعم والتبرعات على أساس المشاريع الاجتماعية.

6- إن التنسيق النظري والعملي ضروري في أكاديميات الحداثة الديمقراطية. لذلك ، يتم التدريس والبحث معاً. في التعليم والتعلم ، تنمية العقل والصحة البدنية والاحتياجات التقنية هي مبادئ أساسية. تحدد هذه المعايير الثلاثة أيضًا مستوى التطبيق العملي في مراكز البحث والتطبيق.

7- يتم نشر نتائج المعلومات والأبحاث الناتجة في أكاديميات الحداثة الديمقراطية من خلال المؤسسات ذات الصلة. وبالتالي ، فإنه يتعهد أيضًا بالإدارة وواجب اقتراح الحلول تجاه المجتمع. تقوم بإدارة أعمال منسقة مع غرف الصحة والبيئة والهندسة والفروع المشابهة وتحويلها إلى حلول. من الناحية السياسية ، تقوم بإجراء دراسات لإعلام الجمهور بالحقوق والمسؤوليات الأخلاقية والقانونية. المنشورات هي مصادر مفتوحة في خدمة العامة.

8- معيار المؤسسات في أكاديميات الحداثة الديمقراطية موازٍ للإدارة الذاتية. من المؤسسات المحلية ، يصلون إلى الكانتون ومن هناك إلى مستوى الاتحاد. يتم تمثيلهم من نطاق المدينة. إدارة الأكاديمية لها تمثيل وحق الكلام في مجلس المدينة. بالإضافة إلى ذلك ، يحق لممثلي هيئة الإدارة الذاتية في المدينة التمثيل في مجلس الأكاديمية. تتحد إدارات الأكاديميات مع ممثلين عن الإدارة الذاتية على مستوى الكانتونات.

9- في أكاديميات الحداثة الديمقراطية: أساس المنهج هو المنظور الاجتماعي-الإيكولوجي والوعي الجماعي والتكنولوجيا المستدامة والحلول التحررية. تحدد كل أكاديمية منهاجها الخاص من خلال اجتماعات سنوية تحضرها جميع المكونات. يأخذ الشكل النهائي من خلال تقديمه إلى مركز التنسيق والتناسب بين الأكاديميات. بالإضافة إلى العلوم الأساسية ، يشتمل المنهج على دورات مشاريع تهدف إلى إيجاد حلول تكنولوجية واجتماعية للمشاكل المباشرة.

 

الخلاصة  :

” إنْ لم تَحصلْ معرفةُ الذات، فأيةُ محاولاتٍ أو جهودٍ علميةٍ مبذولةٍ لن تنجوَ من الانتهاءِ بالأديان والفلسفات الدوغمائية الأفدحِ خطراً. ففلسفتنا تَعي الحياةَ وتدركها ككلٍّ متكامل، بدءاً من الشعور والإحساس بمعاني نظرةٍ من عينِ حصان، وصولاً إلى تحليلِ المعاني في تغريدةِ عصفور. وهي فلسفةٌ مفعمةٌ بالمعاني الثمينة، بدءاً من التقديرِ والاحترام الكبير تجاه حكيمٍ عجوز، وصولاً إلى الردِّ على الطموحات المخفيةِ في عَينَي فتاةٍ يافعةٍ جافلةٍ مرتعدةٍ كغزالٍ خائف. بل إنها – وبطبيعةِ الحال – تعملُ أساساً بالعلمِ الذي يسعى لتحليلِ دوافع الجهلِ الفظيع في إنجابِ الأطفال حصيلةَ مفهومِ الجنسوية الأخطر من الإبادة الجماعية، وأسبابِهِ الكامنة في الإنسان والنُّظُمِ السلطوية المهيمنة، وتحليلِ كافةِ حلقاتِ التطور الطبيعي للحياة في ذاتها.

على الفلسفة، كعلم اجتماع، أن تلعب دوراً في راهننا يطابق ما كانت عليه في ميلادها. وتُعَد العودة إلى الفلسفة، مقابل العلم المتسلط، المبدأ الأولي لظهور المجتمع الحر. وقد تبين من خلال أعداد لا حصر لها من الأمثلة، عبر التاريخ وفي حاضرنا؛ أن الديمقراطية غير المرتكزة إلى الفلسفة، ستعاني الانحطاط والتردي بكل سهولة، وستغدو الآلة الدنيئة على الإطلاق في يد الديماغوجيين، لكي يُديروا الشعوب بها. والسبيل الوحيد لعرقلة ذلك، هو تسيير الكفاح الذي تتوحد فيه السياسة والتقاليد والأعراف، لتشكل كلاً متكاملاً لا ينفصم، بحيث يشكِّل العلم جانباً منه، لتكون الإثنية جانبه الآخر. وبروح المسؤولية العليا هذه، سنبدأ مسيرة الحياة الأكثر حرية، والمعتمدة على المساواة، وسنخلق عالمها من أحشاء أزمة النظام القائم.

الممارسة السليمة، تعتمد على النظرية السليمة”، وإذا دققنا قليلاً، سندرك أن هذا الموقف هو الموقف ذاته الذي كان يبحث عنه كل من بوذا و كونفوشيوس وزرادشت.” عبدالله أوجلان .

————————————-

المصادر والمراجع  :

١- مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

٢- إيمانويل كانط (الدين في حدود مجرد العقل)، ترجمة د. فتحي المسكيني ، عن دار جداول للنّشر، بيروت، 2012.

٣- الثورة الذهنية – الدكتور منصور الجنادي .

٤- الوجودية مذهب انساني – جان بول سارتر .

٥- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

٦- نقد العقل الخالص- إيمانويل كانط .

٧- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية ) المجلد الثاني -عبد الله أوجلان.

٨- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط) المجلد الرابع-عبد الله أوجلان.

٩- موسوعة العالمية وكيبيديا .

١٠- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) المجلد الخامس-عبد الله أوجلان.

١١- من دولة الرهبان السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الجزء الأول.

١٢- مانيفستو الحضارة الديمقراطية (سوسيولوجيا الحرية ) المجلد الثالث -عبد الله أوجلان.

١٣-  الموقع الرسمي للجنة التدريب في  KCK منظومة المجتمع الكردستاني

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.