قضية الثورة في الشرق الأوسط

ثورة شمال وشرق سوريا

0

عبد الله أوجلان

جميع الثورات هي ثمرات كدح الشعوب. وقد تنضم القوى القديمة أو الهرمية الدولتية إلى عمليات الشعوب بين الفينة والفينة. خاصة وأنها – أي تلك القوى – تتميز بعقلانيتها ومغامرتها في أيام ازدهار الثورة وانتصارها. إنها خبيرة ماهرة في استثمار مطاليب المسحوقين لصالحها هي. ولا تتناقص مثل هذه المحاولات أبداً في جميع الثورات، سواءٍ أحرزت النصر أم لا.  فعلى سبيل المثال؛ عندما خطط سيدنا عيسى لعمليته وتعمق فيها، لم يكن يفكر بها في سبيل تأسيس الإمبراطورية البيزنطية. بل وكان في جوهره ضد قوة الإمبراطورية. لكن الحركة التي أسفر عنها، لم تنجُ من أن تكون آلة بيد هذا الشكل من الدولة، والذي كان الساحة الموائمة لأكثر الأباطرة مكراً وخبثاً. قد يقال: “إذن، والحال هذه، ما من ثورة قامت بها الشعوب وفلحت”. سننوه هنا إلى ضرورة التحليل المغاير لهذه الظاهرة، مع التذكير بأننا سنعالج هذا الموضوع بشمولية. لذا، سنكتفي بالقول: “لا محاولات الشعوب ذهبت سدى، ولا مشكلة السلطة تم تحليلها”.

تتطابق مضامين المطاليب في “الحرية، الأخوّة، المساواة”، والتي تعد السمات العامة للثورات الأوروبية، مع المطاليب المنادى بها تجاه التسلطية والاستعمارية منذ تأسيس الهرمية. فكيفما أبدت سلطة الدولة تطوراً متتالياً كحلقات السلسلة المتعاقبة، فحركات الشعوب أيضاً تتميز إزاء ذلك بسياق تطورها التاريخي الخاص بها. كلا الظاهرتين الجدليتين تؤثران وتتأثران ببعضهما البعض بعلاقاتهما وتناقضاتهما. من العصيب جداً إدراك وتفهم التحولات المجتمعية الأساسية، وفي مقدمتها مراحل الثورة، عبر تعميمات مجردة، دون رؤية هذه الثنائية للدياليكتيك المجتمعي بخاصياتها وعمومياتها، ضمن مرحلة التطور التاريخي. (1) *

سوف أَعملُ على تَعريفِ الثورةِ بمنوالٍ مختلف، إذ بمقدورنا تفسير تاريخِ المدنيةِ الشرقِ أوسطيةِ بأحدِ جوانبِه على أنه تاريخُ الثورةِ المضادة. ثورةٌ مضادةٌ ضد مَن؟ إنها ثورةٌ مضادةٌ تجاه جميعِ العناصرِ الاجتماعيةِ المَطرودةِ من نظامِ المدنية. هي ثورةٌ مضادةٌ تجاه المرأة، الشبيبة، مجتمع الزراعةِ– القرية، القبائل والعشائر المستقرةِ والرّحّالة، أصحاب المذاهب والعقائد الباطنية، وتجاه مَن يُرادُ استعبادُهم أيضاً. فبينما تَكُونُ المدنيةُ نظاماً جديداً أو ثورةً بالنسبةِ لقواها الذاتيةِ المنفعية، فهي دمارٌ وثورةٌ مضادةٌ بالنسبةِ للقوى المضادة. أما بالنسبةِ لي، فالثورةُ تعني إعادةَ اكتسابِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ والديمقراطيِّ لماهياتِه تلك مجدَّداً وبمستوى أرقى، بعدما حَدَّ نظامُ المدنيةِ من مساحتِه وأعاقَ تطبيقَه على الدوام. إنَّ الثورةَ هي “المجتمعُ الاشتراكيّ” بالنسبةِ لاشتراكيٍّ ماركسيّ، وهي “المجتمعُ الإسلاميُّ” بالنسبةِ لثوريٍّ إسلاميّ، وهي “المجتمعُ الليبراليُّ” بالنسبةِ للبورجوازيّ.

في الحقيقة، ما من مجتمعاتٍ كهذه. إنها محضُ تسميات، مثلما كانت الحالُ في العصورِ الوسطى. فالمجتمعاتُ لا تُغَيِّرُ نوعيتَها بمجردِ إلصاقِ اليافطاتِ الأيديولوجيةِ بها. وعلى سبيلِ المثال؛ فقد أُدرِكَ بعد انهيارِ السوفييتِ بما فيه الكفاية أنه ما من فارقٍ جذريٍّ بين الإنسانِ الاشتراكيِّ في روسيا الاتحاديةِ والإنسانِ الليبراليِّ في أوروبا. كما أنَّ الفوارقَ النابعةَ من الدينِ بين مسيحيٍّ ومسلمٍ هي ذاتُ تأثيرٍ جزئيٍّ منخفضٍ جداً على حياتِهم. وإذ كان سيتمُّ القيامُ بتمييزٍ نوعيٍّ بين المجتمعات، فذلك غيرُ ممكنٍ إلا تأسيساً على صفةِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ والديمقراطيِّ الذي سعينا إلى تعريفِه. إذ لا يُمكنِ أنْ تتحدَّدَ الفوارقُ الجذريةُ بمنوالٍ واقعيٍّ إلا بهذه المصطلحاتِ وبالظواهرِ التي تَعكِسُها. ما من شكٍّ في أنَّ المجتمعاتِ الأكثرَ أخلاقيةً وسياسيةً وديمقراطيةً تتسمُ بمزيدٍ من فُرَصِ عيشِ الحريةِ والمساواة. ومَن شاء، فبمقدوره تسمية ذلك بالمجتمعِ الاشتراكيّ.

لدى صياغةِ تفسيرٍ واقعيٍّ لمجتمعِ الشرقِ الأوسط، فلن تكون ثمة صعوبة تُذكَر في تشخيصِ الماهياتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ والديمقراطيةِ للثورةِ التي يجب إنجازها. إذ يمكنُ من خلالِ الأحداثِ الجاريةِ الإدراكُ جيداً أنَّ كلَّ الأيديولوجياتِ التقليديةِ والحداثويةِ المُجَرَّبةِ قد جَعَلَت الوضعَ أكثرَ إشكالية. وهذه النتائجُ تُبَرهِنُ حقيقةَ استحالةِ الاستغناءِ عن الديمقراطيةِ السياسيةِ والأخلاقية. فقضيةُ الثورةِ الأساسية للمجتمعِ الذي تَغيبُ فيه السياسةُ الديمقراطية، وبالتالي للمجتمعِ المَحرومِ من الأخلاق؛ هي قضيةُ اكتسابِ هذه الماهيات. ولدى موضعةِ قضيةِ الثورةِ تأسيساً على ذلك، حينها يُمكنُ تحديد المنهاجِ السياسيِّ والتَّمَوقُعاتِ الاستراتيجيةِ والتكتيكيةِ والخطواتِ العمليةِ السليمةِ بموجبِ ذلك. وهكذا نمطٌ من مفهومِ الثورة مغايرٌ كثيراً لمُقارباتِ الثورةِ الإسلاميةِ أو الاشتراكيةِ أو القوموية. ذلك أنَّ تلك المقارباتِ لا تتخَلَّفُ في آخِرِ المطافِ عن الانتهاءِ إلى دولةٍ قوميةٍ بصورةٍ خاصةٍ في ظلِّ الحداثةِ الرأسمالية. أما الحداثةُ الرأسماليةُ بدَورِها، فهي ليست أداةَ حلِّ القضية، بل هي أداةُ تضخيمِ القضايا ونشرِها داخل المجتمعِ أجمع.

وعلى العكس من ذلك، فكلَّما قَطَعَت الثورةُ مسافاتٍ ملحوظةً في ممارساتِ الميادينِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ والديمقراطية، فإنها تشرعُ حينها في الابتعادِ عن الحداثةِ الرأسمالية، وتبدأ بالتطور أكثر من خلال تجسيدِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ بشكلٍ ملموس. هذا ومن الأهميةِ بمكان تحديد فرقٍ آخرَ لقضيةِ الثورة، معنيٍّ بنمطِ الحياةِ والممارسة. فبقدرِ ما يَكون السقوط في المقاربات المنادية بالتقدمِ المستقيمِ أمراً خاطئاً، فإنَّ تجذيرَ التمييزِ بين النظريةِ والممارسةِ العمليةِ يُفضي أيضاً إلى ممارساتٍ خاطئة. ينبغي الإدراكُ على أفضلِ وجهٍ أنه ما مِن أنماطِ حياةٍ مختلفةٍ بشأنِ ما قبلَ الثورةِ وما بعدَها، وخاصةً بالنسبةِ للثوريّ. فالتحولُ إلى إنسانٍ عمليٍّ يتمُّ بالتوازي مع التعبئةِ النظرية. ولا تُطلَقُ صِفَةُ الثوريِّ على مَن لا يُترجمُ المزايا الأخلاقيةَ والسياسيةَ والديمقراطيةَ إلى قولٍ وفعلٍ في حياتِه اليومية. ولا يُمكنُ أنْ تَكُونَ هناك حياة ثورية نضالية لأمثالِ هؤلاء. علاوةً على أنه من المستحيلِ التحوُّل إلى إنسانٍ عمليٍّ بالمَيلِ إلى المقاومةِ أو إلى حمايةِ المجتمعِ بأسلوبِ الدفاعِ الذاتيِّ فحسب. إذ ما مِن فرصةٍ للنجاحِ الدائمِ في أيّ شكلٍ من أشكال حربِ الدفاعِ الذاتيِّ والمقاومة، ما لم يتمّ توحيدها مع عملياتِ بناءِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ والديمقراطيّ. فكيفما أنَّ قضايا المجتمعِ تقتضي التكامُلَ الكلياتيّ، فمن الضروريِّ للثورةِ أو الثوريِّ أنْ يَحيا ويُطَبِّقَ المنهاجَ السياسيَّ والاستراتيجيةَ والمخططَ التكتيكيَّ بشكلٍ متداخلٍ في جميعِ أقوالِه وأفعاله. ذلك أنَّ الحياة كلٌّ متكامل ضمن تدفقها. وعلينا ألا نَعتَقِدَ بإمكانيةِ عيشِنا إياها على شكل مراحل متقطعةٍ منفصلة. (2) *

إذن، والحال هذه، إنْ كان التاريخ، بمعنى من معانيه، موجوداً للاتعاظ به من الماضي؛ فما علينا سوى صياغة الحل الدائمي والراسخ والمبدئي لصالح الشعوب؛ انطلاقاً من حالة الأزمة والفوضى الراهنة المنتصبة أمامنا. ما من واجب أسمى معنى من هذا، وما من مساعٍ أقدس من هذه. إني على قناعة أكيدة بأن النقطة الأولية المتسببة في الخسران هي، عدم العمل أساساً بالسلوك الديمقراطي والمشاعي للشعوب. فمهما تُطرَح تحليلات المجتمع، ومهما تؤلَّف الاستراتيجيات والتكتيكات وتوضع العمليات، بل ومهما تُحرَز النجاحات؛ فالنقطة المبلوغة ستكون – مرة ثانية – الالتقاء بالنظام بأسوأ الأشكال. كان لينين – داهية القرن العشرين – ينطق بالحقيقة الأولية عندما قال بأنه “ما من درب تؤدي إلى الاشتراكية عدا الديمقراطية”. لكنه، هو أيضاً، آمن بإمكانية العبور إلى الاشتراكية من أقصر الطرق – دون خوض تجربة الديمقراطية إطلاقاً – لدى إصابته في البداية بعدوى داء السلطة. أظن أنه لم يكن يتصور أن السلطة التي ارتكز إليها ستقوده إلى الرأسمالية الأكثر نهباً وسلباً، حتى ولو بعد سبعين عاماً. هكذا، فإن مدخرات السوفييت العظمى – الملايين من الشهداء وأصحاب التضحيات الجسام، التضحية بالآلاف من المتنورين النخبة – لم تنجُ من جلب الماء إلى رحى النظام الذي انشغلت به للتغلب عليه – حسب المزاعم – بسبب العدوى بداء السلطة.

الدرس الممكن استنباطه من هذه التجربة الكبرى للقرن العشرين (ثورة أكتوبر الكبرى) هو أنه لا يمكن صياغة وتطبيق الحلول الدائمية الراسخة والمبدئية تجاه الرأسمالية؛ إلا بتحويل سلوكيات الشعوب الديمقراطية إلى نظم ديمقراطية شاملة. ولا يمكن بلوغ النظام الديمقراطي سوى بتحرير الدمقرطة والديمقراطية من عدوى التدوُّل. (3) *

إنّ مخالَفةَ الثوراتِ لأهدافِها في أغلبِ الأحيان معنيةٌ بعدمِ تحليلِها الصائبِ لقضيةِ الهرميةِ والسلطةِ والدولة. والتاريخُ في هذا السياقِ أيضاً مليءٌ بأنقاضِ عددٍ جَمٍّ من الثوراتِ المخالِفةِ لأهدافِها. كما لَم تتخلصْ عشراتُ الأمثلةِ المثيلةِ من مناقَضةِ أهدافِها في غضونِ فترةٍ وجيزة، بدءاً بالثورةِ الإسلاميةِ التي زَعَمَت بالأكثر أنها إلهية، إلى الثورةِ الفرنسيةِ التي اعتَبَرَت نفسَها ثورةَ تنويرِ القرنِ الثامن عشر، وُصولاً إلى الثورةِ البلشفيةِ الروسيةِ للاشتراكيةِ العلمية. يتجسدُ الدافعُ الأوليُّ لهذه الظاهرةِ في أنّ التغلبَ على دولةٍ أو قوةِ سلطةٍ هرميةٍ قائمةٍ يَشملُها إطارُ “الفترةِ القصيرة”، لا يعني التغلبَ على المدنيةِ والحداثةِ اللتَين هما مؤسسةُ وثقافةُ “الفترةِ الطويلة”. بل وإذا كانت الدولةُ المهزومةُ قد باتت حجرَ عثرةٍ داخلَ نظامِ المدنيةِ أو الحداثةِ القائم، فالذي سيَتَعَزَّزُ شأنُه بالثورةِ أكثر فأكثر، هو المدنيةُ والحداثةُ اللتان تَصبغان طابعَهما على كافةِ الدولِ السائدةِ في ذاك العهد. أي أنّ التغلبَ على الدولةِ لا يعني هزيمةَ السلطةِ والحداثة. هذا هو الواقعُ الأساسيُّ الكامنُ وراء زيادةِ تَعَزُّزِ شأنِ السلطةِ في أغلبِ الأحيان.

تعيشُ الهرميةُ والسلطةُ على فتراتٍ تَمتَدُّ لمئاتِ السنين كظاهرتَين متداخلتَين. بينما الدولُ منتوجاتُ فتراتٍ أقصر. أما الثورات، فهي أحداثُ فتراتٍ لحظية. لكنّ هذا الوضعَ لا يدلّ على عدمِ أداءِ الثوراتِ دوراً مهماً. إلا أنّ خطرَ هضمِ الثوراتِ وصهرِها في بوتقةِ المدنياتِ وبُنى الدولةِ طويلةِ ومتوسطةِ المدى يَظَلُّ قائماً كاحتمالٍ وطيد. وعلى سبيلِ المثال، فثورةُ أكتوبر 1917م لَم تُهزَمْ تجاه أيةِ دولة. لكنها هُزِمَت إزاءَ الحداثةِ الرأسماليةِ المُتَمَيِّزةِ بنظامٍ بُنيويٍّ طويلِ الأَمَد. ما من ريبٍ في أنّه كان لِمُحاربتِها تجاه عنصرِ الرأسماليةِ فقط من بين ركائزِ الحداثة، ولنضالِها في ذلك بوساطةِ أشدِّ أشكالِها رجعيةً وتَزَمُّتاً تحت اسمِ رأسماليةِ الدولةِ نصيبُه المُعَيِّنُ في ذلك. في حين أنها عَملَت على تطويرِ عنصرَي الصناعويةِ والدولةِ القوميةِ إلى أقصى الحدود. وتَعويلُها على هكذا فكرٍ قالبيٍّ وثابتٍ دون تحليلِ الحداثة، كان بالنتيجة سيُوقِعُ الثورةَ في حالةٍ مُناقِضةٍ لأهدافِها بالطبع. والقرنُ العشرينُ مليءٌ بأطلالِ هكذا ثورات. من هنا، فالكفاحُ تجاه ثقافةِ الهرميةِ والسلطةِ والدولة، يقتضي التفسيرَ السديدَ لتاريخ العناصرِ والمُقَوِّماتِ الديمقراطية، والاستخدامَ القويمَ للعناصرِ الذاتيةِ المضادةِ المُعَرَّفة بمنوالٍ سليم. ولا يُمكِنُ للثوراتِ أنْ تَكُونَ ناجحة، إلا بالتحامِها وتكامُلِها مع العصرانيةِ الديمقراطيةِ التي هي نظامٌ طويلُ المدى، وذلك بناءً على هذا الأساسِ ودون التناقضِ مع أهدافها. (4) *

يجب ألاّ تَقَعَ الثوراتُ في خاتِمَتِها في مرضِ السلطةِ وألاعيبِ الدولتية، كي تَغدوَ قَيِّمَةً ثمينة، وكي لا تَدخُلَ في مفارقةٍ وتناقضٍ مع أهدافِها. فالثوراتُ الصائرةُ سلطةً ودولةً على الفور، لا تُعتَبَرُ منتهيةً زائلةً فحسب، بل وتُصبحُ خائنةً لأهدافِها في المساواةِ والحريةِ والديمقراطية. وبهذا المعنى، فتاريخُ الثوراتِ يَحيا مأساةَ تاريخِ الخيانةِ أيضاً. والثوراتُ الفرنسيةُ والروسيةُ والإسلاميةُ مُفعمةٌ بالعِبَرِ العظيمةِ على هذا الصعيد. بناءً عليه، من عالي الأهميةِ ربطُ الثوراتِ بقِيَمِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ الطويلِ المدى، عوضاً عن ربطِها فوراً بشروطِ السلطةِ والدولة. أما أُسُسُ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ، فلا يُمكِنُ رَصفها إلا بالسياسةِ الديمقراطية. ومن دونِ إنهاضِ المجتمعاتِ بالسياسةِ الديمقراطية، وتأسيسِ التنظيماتِ الديمقراطيةِ وتَنشِئَةِ القياداتِ الديمقراطيةِ في كلِّ مجموعة، وتجربةِ وتوطيدِ نمطِ الحياةِ الديمقراطيةِ على المدى الطويل؛ يستحيلُ بناء المجتمعاتِ الأخلاقيةِ والسياسية، أو تَكوين المجتمعاتِ الديمقراطية، وبالتالي الأممِ الديمقراطية، بوصفِها تعبيراً ملموساً وعَينِيّاً عن المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ. ينبغي تَخَيُّل سياقِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ والتنظير له كعصرٍ جديدٍ مُؤَلَّفٍ من هكذا كُلّيّاتياتٍ متكاملةٍ وطنيةٍ للمجتمعاتِ الديمقراطيةِ الطويلةِ الأَمَد، وتقييمه كشكلٍ لا غنى عنه في الحياةِ اليومية، كما الخبزُ والماءُ والهواء. (5) *

بمقدورِ حلِّ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ بصفتِه قوةَ الحل، أنْ يتغلبَ على هذه البنى المتضخمةِ بأسلوبَين: الأسلوبُ الثوريُّ والأسلوبُ الإصلاحيّ. وقد تجسدَت التجربةُ التاريخيةُ للأسلوبِ الثوريِّ المرتكزِ إلى الهدمِ الكليِّ لبُنى الحداثةِ الرأسماليةِ عموماً وبنى السلطةِ الدولتيةِ القوميةِ خصوصاً، في المزيدِ من ترسيخِ الدولتيةِ القوميةِ السلطوية، وعجزَت عن النجاحِ في خلقِ بُنى المجتمعِ المناديةِ بالديمقراطيةِ والحريةِ والمساواة. بينما عجزَت الديمقراطيةُ الإصلاحيةُ أيضاً عن الخلاصِ من الانحلالِ في بوتقةِ الحداثةِ المهيمنة. النتيجةُ التي ينبغي استنباطها هنا، أياً كان الأسلوبُ المُتَّبَع؛ هي أنّ صُلبَ الأمرِ يتمثلُ في المواظبةِ على وضعِ الخَياراتِ المؤسساتيةِ والذهنيةِ التي ستُطَوِّرُ نظامَ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الأجندة، وفي تطبيقِها ميدانياً. هذا ويَطغى احتمالُ الجَزمِ بأنْ يُضطرَّ نظاما كِلتا الحداثتَين على العيشِ سويةً ربما لمئاتٍ من السنين، وعلى تطويرِ الحلولِ الدستوريةِ الديمقراطية، سواءٌ ضمن بنيةِ الدولةِ القوميةِ الانفرادية، أم في ثنايا النظامِ العالَميِّ العابِرِ للقوميات؛ وذلك كي يتمكنَ كِلا النظامَين من تذليلِ التناقضاتِ وتعزيزِ العلاقاتِ فيما بينهما. وتطوُّرٌ في هذه الوِجهةِ قد يتمكنُ من تجاوُزِ الماضيِ السلبيِّ والاتجاه به نحو مستقبلٍ إيجابيّ. (6) *

أما في الشرق الأوسط، فلا يمكننا العثور على عوامل محاكية أو متماشية مع هذه النتائج. فإما أن تضع نصب عينيها محاربة نظام مستبد ومتزمت منذ أعوام 1250، وإلا، فعليها الانسحاب. فالحروب من قبيل ما حدث في أفغانستان والعراق غير كافية. وكل خطوة ستُخطى، لن تعني سوى الفشل الذريع، إن لم تتحطم أحلاف السلطة في المنطقة. أما تكتيكات الاستناد إلى دولة مستبدة في حل وتفكيك دولة أخرى، فهي بعيدة كلياً عن الإثمار. فثقافة الشرق الأوسط خبيرة في إفراز الاستبدادية في مثل هذه الحالات. وفي حال هدفت أمريكا إلى تحطيمها جميعاً، ستتولد عندئذ مشكلة مراقبة حشود الشعب وضبطها. في الحقيقة، فالورطة والمأزق العراقي مليء بالدروس والعظات، من ناحية ما سيجري لاحقاً، بقدر المجريات الحاصلة حالياً. لقد لقي النظام المسانَدة والدعم مدة طويلة. والمحصلة كانت مشاكل أشد وطأة. لقد دُكًّت دعائمه. لكن، ثمة أحلاف سلطة وأوساط ثقافية قادرة على تغذية بنى مشابهة للسابقة المحطَّمة. أما تخطي هذه الأوساط الثقافية عبر الفردية الغربية، فهو احتمال عسير. في حين أن تشتيت وتجزئة أحلاف السلطة، يعني القيام بحملة ثورية حقيقية. هكذا هو دياليكتيك المأزق.

بالتالي، فتَدَخُّل هيئة الأمم المتحدة وحلف الناتو في الأمر ضرورة لا بد منها. لكن هذا التدخل لا يمكن أن يكون سطحياً، كما حصل في أفغانستان والصومال. بل إن الظروف تستدعي كونه دائمياً وشمولياً. حيث تنكشف أهمية حل مشكلة الشرق الأوسط حديثاً. وستتم مواجهة مشاكل انهيارٍ، تتضمن مشقات ومصاعب تضاهي ما كانت عليه في النظام السوفييتي أضعافاً مضاعفة. لا تشبه النتائج التي ستتولد من تحطيم بنى الذهنية والسلطة المتزمنة دائماً على مر ثمانية قرون بحالها، ما حدث في أي بقعة أو منطقة من العالم. وستستمر العلاقات التي ستتحرر على مستوى الفرد والقبيلة والجماعة، لتنتصب في الوسط بحالة أشبه باللغم الموقوت. بأي ثورة ذهنية واقتصادية ستتمزق هذه الأحلاف الاستبدادية الصغيرة، لتنشأ البنى الذهنية والاقتصادية الجديدة عوضاً عنها؟ كيف، وبماذا سيتم تخطي الفوارق الجذرية بين كلٍ من الفرد الأوروبي المستند إلى تقاليد جذرية في النهضة والإصلاح والتنوير، والفرد الشرق أوسطي المعرَّف سابقاً؟ رغم عدم وجود بُعد كبير بين ثقافة أوروبا الشرقية والبنية الثقافية العامة لأوروبا، فإن الأولى فلحت حديثاَ في ولوج العبور من نظام تحديثي للغاية – من قبيل الاشتراكية المشيدة – إلى النظام الليبرالي، وذلك بعد مرورها بمتغيرات دامت ربع قرن بحاله. ثمة حل كامن داخل النظام ذاته. أما بلوغ الانهيار الحاصل في الشرق الأوسط للحلول المرتقبة من داخل النظام ذاته، فهو ادعاء قابل للنقاش والجدل بكثرة. جلي جلاء النهار أنه ينتظره مستقبل مليء بالمشاكل.

-تتميز كل من إسرائيل وسوريا بأهمية كبرى بالنسبة لعملية الدمقرطة، باعتبارهما عضوان استراتيجيان في الساحة العربية. ثمة ديمقراطية متعززة تماماً في إسرائيل. هذا ما يشكل عاملاً مهماً في قوتها، لا ضعفها. أما قول الشيء عينه بالنسبة لسوريا، فهو أمر عسير. تتواجد سوريا الآن على مشارف مفترق حقيقي. فإذا لم تُسَرِّع من خطواتها في الدمقرطة عبر الإصلاحات، ولم تحل مشاكلها وإسرائيل؛ فقد تقع في حالة تكون فيها عراقاً ثانياً. بإمكان الدمقرطة والسلام مع إسرائيل أن يحقق تحولات النظام الموجود في سوريا، دون اللجوء إلى العنف. حيث بمقدور المتنورين الأكفاء، والبنى الإثنية والمذهبية المختلفة، والطبقات الوسطى والفقيرة، أن تحقق مرحلة من التطور أكثر عطاء وإثماراً، في ظل ديمقراطية مشتركة. أما دور كرد سوريا، فهو قابل لتأمين فرص التحول الديمقراطي الليبرالي، أكثر من قربه إلى كرد العراق. والتقرب الحساس للدولة السورية هو الذي سيحدِّد ذلك.

أما العراق، فهو المرشح أكثر من غيره ليكون مختبراً للديمقراطية بين العرب، بل وحتى في عموم الشرق الأوسط. ما يُزيد من إنضاج ميزته هذه في أن يكون المختبر، هو احتضانه بين طياته لكافة الظواهر الإثنية والدينية والمذهبية والسياسية والاجتماعية الموجودة في المنطقة، على وجه التقريب. سيبلغ هذا البلد منزلة استراتيجية بالنسبة للديمقراطية، حصيلة مبادرات الدمقرطة المتزايدة لدى مختلف المجموعات السلفية الإثنية والمذهبية والاجتماعية، عبر مساعي أمريكا وشركائها، والتي ستتجذر مع الزمن. فإنْ استُخدِم الغنى التاريخي والنفطي بشكل صائب، سيكون فرصة ثمينة لأجل الديمقراطية أيضاً. هذا وسيتمخض إصرار الكرد على الفيدرالية الديمقراطية عن نتائج مهمة تتخطى وجودهم، لتشمل المنطقة برمتها. بمقدور الفيدرالية العراقية الديمقراطية أن تكون نموذجاً مصغراً لفيدرالية الشرق الأوسط الديمقراطي، التي ستجهر بصوتها، وسيتردد صداها مستقبلاً على نحو أفضل. لهذا السبب تتميز التطورات الجارية بأهمية قصوى. فقد تتعمم الحلول المطبقة في العراق، لتشمل منطقة الشرق الأوسط جمعاء. (7) *

يَمدُّنا شأنُ الكردِ الموجودين ضمن حدودِ الدولتَين العراقيةِ والسورية، اللتَين شُيِّدتا بعد الحربِ العالميةِ الأولى، بدروسٍ مفيدةٍ للغاية فيما يتعلقُ بتحليلِ الهويةِ الكرديةِ المعاصرة. فأثناء تمزُّقِ الإمبراطوريةِ العثمانية، وبحُكمِ معاهدةِ سايكس بيكو (عام 1916م)، أُسِّسَ في العراقِ وسوريا نظامان انتدابيان تحت هيمنةِ إنكلترا وفرنسا. ونظامُ الانتدابِ يعني الحُكمَ الانتقاليَّ المؤقتَ للمستعمَرة. وقد اعتُبِرَت سكةُ الحديدِ حدوداً فاصلةً بين الجمهوريةِ التركيةِ والدولةِ السوريةِ حديثتَي العهد. بينما خُطَّت الحدودُ العراقيةُ–التركيةُ بموجبِ معاهدةِ الموصل. إذ اتُّخِذَت مصالحُ النفطِ أساساً في تحديدِها. وقد وُقِّعَ على كِلتا معاهدتَي الحدودِ بتكلفةٍ ثمنُها انتهاكُ الميثاقِ الملّيِّ المُعلَن على أنه مقدس. ففي الحربِ العالميةِ الأولى عُمِلَ على رصدِ مصالحِ فرنسا، إحدى دولِ التحالفِ الثلاثيّ، ليجريَ التوقيعُ في الشهرِ الأولِ من عام 1921م على معاهدةِ أنقرة منذ بدايةِ حربِ التحريرِ الوطنية. كما لَم يُؤخَذ بعينِ الاعتبارِ بتاتاً وجودُ الكردِ ولا حتى التركمان المتروكين ضمن حدودِ الدولةِ التي سيُعلَنُ عنها لاحقاً باسمِ الجمهوريةِ العربيةِ السورية. بل سُوِّيَ الأمرُ سراً، وفُرِضَ أمراً واقعاً وفق توازناتِ القوى العسكريةِ والسياسيةِ لا غير. علماً أنّ وضعَ العربِ أيضاً لَم يُضَمَّنْ بأيِّ قانون، بل رُصِدَت –فقط وفقط– مصالحُ الدولةِ الانتدابية (فرنسا).

ومنذ البداية، يتبينُ من الوضعِ المسيطرِ المُشادِ بحَدِّ ذاتِه ما سيتمخضُ عنه من نتائج وخيمة. وبالفعل، لَم تدخل الدولةُ السوريةُ سياقاً طبيعياً بأيِّ شكلٍ من الأشكال منذ أعوامِ العشرينيات. ولا تنفكُّ إلى الآن تُحكَمُ بقانونِ الأحكامِ العُرفية، وتفتقرُ لنظامٍ دستوريٍّ مرتكزٍ إلى الوفاقِ الاجتماعيّ. بل إنّ نسبةً مهمةً من الكردِ في سوريا ليسوا حتى مواطنين. أي أنه غير معتَرَفٍ بهم قانونياً. وما تَبَقّى منهم يفتقرون لأيةِ حقوقٍ قانونيةٍ أو ثقافيةٍ أو اقتصاديةٍ أو إداريةٍ أو سياسية. بمعنى آخر، فوضعُ الكردِ أكثر تخلفاً من وضعِ المستعمَرة. إذ ابتدأَ تنظيمُ الإنكارِ والإبادةِ والتطهيرِ الثقافيِّ ضد وجودِهم (تماماً كما الحالُ في نظامِ الدولةِ القوميةِ التركياتية)؛ وذلك بحُكمِ المصالحِ الانتدابيةِ الفرنسيةِ ثم المصالحِ العربيةِ القومية. وقد استمرَّ هذا الوضعُ حتى يومِنا مع بعضِ التعديلاتِ الجزئيةِ المتماشيةِ وحساباتِ توازناتِ السلطاتِ المهيمنة، ولكن بنحوٍ متكاثفٍ في نهايةِ المطاف. هذا وللمؤامرةِ المُحاكةِ على الواقعِ الكرديِّ أهميتُها المصيريّةُ في رسمِ الحدودِ العراقيةِ–التركية. إذ وُضِعَت مئاتٌ من السنين القادمةِ في الحُسبان عندما نُسِجَت حِبالُ هذه المؤامرةِ ضد التكامُلِ الكرديّ. أي إنّ هذه المؤامرةَ هي بدايةُ فرمانِ الإبادةِ بالنسبةِ للكرد. لَطالَما أصبحَ تقسيمُ كردستان إلى أربعةِ أجزاء موضوعَ الآدابِ في تلك المرحلة. لكن، وللأسفِ الشديد، لا يُسرَدُ ولا يُحَلَّلُ صُلبُ الموضوعِ بواقعية. بَيْدَ أنه من العصيبِ صياغةُ تعريفٍ أو سردٍ صائبٍ للواقعِ والوجودِ المجتمعيِّ الكرديِّ وللمجرياتِ والأحداثِ الحاصلةِ في عمومِ كردستان، لو لَم يُحَلَّلْ أو يُشرَحْ هذا الواقعُ بكلِّ شفافيتِه.

تُحاكُ اللعبةُ نفسُها لأجلِ جميعِ الكردِ متجسدين في هؤلاء. أما الحركاتُ الثوريةُ والديمقراطيةُ والوطنيةُ والقوميةُ الحقيقيةُ التي تسعى إلى إفسادِ تلك اللعبة؛ فيُفرَضُ عليها التجريدُ والعزلةُ بكلِّ يُسر. وتُكالُ لها اتهاماتٌ مفادُها أنها تزُجُّ الكردَ في المخاطر (هذه في الحقيقةِ لعبةٌ تُتقنُها تلك القوى على أتمِّ صورة)، وأنها جاهلة دبلوماسيّاً (التبعية لأسيادِهم)، وتُقَسِّمُ الكُرد (الوظيفة الأساسية هي شرعنةُ ذواتِهم وشرعنةُ الحدودِ التي تُجَزِّئُ الكردَ وكردستان في الصميم)، وأنها لا تُراعي التوازنَ العالميّ (الحفاظ على الوضعِ القائمِ الذي خلقَته قوى الهيمنة). بل وتستمرُّ تلك القوى في الترويجِ نظرياً وعملياً بأنّ الشعبَ الكرديَّ عاجزٌ عن فعلِ أيِّ شيءٍ بمفردِه (أي أنه يتعينُ عليه الرضى بما تتكرمُ به القوى المهيمنة)، سعياً منها إلى التأكيدِ على أنّ بناءَ مجتمعٍ ديمقراطيٍّ حرٍّ ومتساوٍ أمرٌ مستحيل. هكذا، فقد جُعِلَ الكردُ شعباً يتكون من العبيدِ القابعين في قاعِ العالَمِ وعلى عتبةِ الإبادةِ الشاملةِ انطلاقاً من تلك العقليةِ المهيمنة؛ بالرغمِ من احتمالِ تحوُّلِه إلى أحدِ أكثرِ شعوبِ العصرِ ثورية. ويُنعَتُ الكردُ بأنهم “شعبٌ بلا مُحامٍ”، سعياً إلى جَرِّهم دائماً وراء مُحامين زائفين. بَيْدَ أنّ الصحيحَ هو أنّ كلَّ شعبٍ قادرٌ حقاً على أنْ يَكُونَ مُحامياً لنفسِه بنفسِه.

يتجسدُ الحسابُ العميقُ الآخرُ المَعقودُ على الكردِ ضمن الحدودِ العراقيةِ في العملِ على الترويجِ للاعتقادِ القائلِ بأنّ السبيلَ الوحيدَ لحلِّ القضيةِ الكرديةِ يمرُّ من الحداثةِ الرأسمالية. ولَطالما يُجَنَّدُ الكردُ في العراقِ كأداةٍ اختباريةٍ في تخطيطِ علاقاتِ الهيمنةِ على المدى الطويل. إذ خُطِّطَ للواقعِ الكرديِّ القوميِّ ليَكُونَ كياناً أو ظاهرةً لا تتواجدُ إلا بالعلاقاتِ الرأسمالية. هذا ويُطرَحُ الواقعُ الوطنيُّ ذو الماهيةِ الثوريّةِ والديمقراطيّةِ والاشتراكيةِ دوماً كإدراكٍ مستحيلِ المنال. وأهمُّ أداةٍ بيَدِ قوى الهيمنةِ في هذا الشأنِ هي القومويةُ العربيةُ السُّنِّيّةُ أو الشيعيةُ التي مركزُها بغداد. إذ تُبقي على القومويّةِ العربيّةِ متأججةً كخطرٍ يهددُ الكرد، لتَحكُمَ عليهم بالبحث الدائم عن مأوى آمِن. كما وتُذْكي الخطرَ نفسَه من قِبَلِ الكردِ على العربِ أيضاً. زِدْ على ذلك تهديدَ أنظمةِ الدولِ التركيةِ والسوريةِ والإيرانية، بالتلويحِ لها بأنّ الدولةَ الكرديةَ ستُشادُ اليومَ أو غداً. وبالمقابل، يُبقى على هؤلاء الأعضاءِ الثلاثةِ أو الأربعةِ كمصدرٍ دائمٍ للخطر، بغيةَ تأمينِ وفاءِ الكردِ التامّ. يُلاحَظُ هنا أنّ المختَبَرَ مُثمِرٌ للغاية في رسمِ وحَبكِ الألاعيبِ السياسية. إذ تُقَوَّضُ الأنظمةُ وتُشاد. ولكن، محالٌ تشكيلُ أو إحياءُ أداةٍ (سياسة) مستدامةٍ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ داخلَ المختَبَرِ الكرديِّ في العراق. بل يُعمَلُ على إحياءِ الكردِ ليَلتزموا دائماً بأوامرِ أسيادِهم حتى تُتاحَ لهم الإنتاجية. يؤدي هذا المنطقُ دوراً رئيسياً في عدمِ حلِّ أو حلحلةِ القضيةِ الكرديةِ حتى الآن، رغمَ كونِها من أقدمِ قضايا الشرقِ الأوسط. (8) *

وإذ ما وضعنا كلَّ هذه العواملِ نُصبَ العين، فسنجدُ أنه ما من سببٌ لعدمِ تحوُّلِ الثورةِ الكردستانيةِ إلى ثورةِ الشرقِ الأوسطِ الديمقراطية، في حالِ تطورِها تأسيساً على العصرانيةِ الديمقراطية. وسيَكُونَ لا بدّ من التطورِ حينئذ، حتى لو اعترضَتها العراقيل. كما إنّ حلَّ القضيةِ الكرديةِ في كردستان ضمن إطارِ الأمةِ الديمقراطيةِ سيُقدمُ إسهاماً عظيماً حيالَ أزمةِ الدولةِ القوميةِ في الشرقِ الأوسطِ وما تسبَّبَت به من انسداد. هذا ويتجلى منذ الآن أنّ تجاوزَ الصراعاتِ والمآزقِ والأزماتِ الناجمةِ عن الدولِ القوميةِ في العراق وإيران وسوريا وتركيا غيرُ ممكنٍ إلا عبر حلِّ الأمةِ الديمقراطية. فالإصرارُ على الدولةِ القوميةِ يعني مزيداً من القضايا والتناحرِ والنزاع. وحتى لو أُريدَ بناءُ دولٍ قوميةٍ أخرى (كالدويلتَين القوميتَين الكرديةِ والفلسطينية)، فإنها لن تجلبَ الحلّ. بل ولن تؤدي سوى إلى إضافةِ قضايا جديدة. أما المزيدُ من الرأسماليةِ والصناعوية، والذي سيُطرَحُ على أنه سبيلُ الحلّ؛ فلا يعني سوى مزيداً من الأزماتِ والبطالةِ والصراعِ ودمارِ البيئةِ واختلالِ المناخ، مثلما يُلاحَظُ في الجهاتِ الأربعِ من المعمورة. إنّ الثورةَ الكردستانيةَ التي لن تُنجَزَ ضمن إطارِ الأمةِ الديمقراطيةِ فحسب، بل وضمن عنصرَي الاقتصادِ الكوموناليِّ والصناعةِ الأيكولوجيةِ من العصرانيةِ الديمقراطية، سوف ترتقي على ميراثِ الثوراتِ المنصرمة، وستتخطاها، لتَكُونَ –ربما– واحدةً من أحجارِ الزاويةِ ونقاطِ العَلاّم لثوراتِ القرنِ الحادي والعشرين.

إنّ صياغةَ حلِّ القضيةِ الكرديةِ بالمقارباتِ السلميةِ والسياسيةِ مع الدولةِ القوميةِ التركيةِ أولاً، ومع الدولِ القوميةِ الإيرانيةِ والعراقيةِ والسوريةِ ثانياً، بل وحتى مع الدولةِ الفيدراليةِ الكرديةِ أيضاً؛ أمرٌ غيرُ واردٍ إلا باعترافِها بحقِّ الشعبِ الكرديِّ في أنْ يَكُونَ أمةً ديمقراطية (ويَسري هذا الحقُّ على الشعوبِ الأخرى أيضاً)، وبقبولِها بحالةِ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ كثمرةٍ طبيعيةٍ لهذا الحق. وقيامُ الاتحادِ الأوروبيّ، الذي هو موطنُ الحلولِ الدولتيةِ القومية، بفتحِ البوابةِ أمام حلِّ الأمةِ الديمقراطيةِ منذ الآن، يُعَدُّ خطوةً إيجابيةً واعدة. ولكي يُرسيَ دعائمَ هذا الحلّ، يتعينُ عليه تحجيمُ حيزِ الدولتيةِ القوميةِ وتوسيعُ آفاقِ المجتمعِ المدنيِّ الديمقراطيِّ تدريجياً. ولَئِنْ كانت الدولُ القوميةُ التركيةُ والإيرانيةُ والعراقيةُ والسوريةُ تودُّ فعلاً التخلصَ من القضيةِ الكردية، فعليها بولوجِ دربٍ مماثلةٍ للدربِ التي سلكَها الاتحادُ الأوروبيّ. (9) *

أما شعوبُ المنطقةِ ذات الثقافاتِ العريقةِ من عربٍ وكردٍ وأرمنٍ ويهودٍ وآشوريين (السريان – الكلدانيون) وأتراكٍ وتركمان، ومن ذوي الأصولِ القفقاسيةِ ومن بعضِ الأثنياتِ (العشائر والقبائل) ذاتِ الجذورِ الإيرانية، فعندَ إنشائِها بهويةِ الأمةِ الديمقراطية، ستَغدو قد أعطَت الجوابَ المناسِب للتشابُهِ الثقافيِّ التاريخيِّ من جهة، وتَخَلَّصَت من الجهةِ الثانيةِ من الدوامةِ العقيمةِ للصراعاتِ والاشتباكاتِ والحروبِ وسياسةِ فَرِّقْ– تَسُد التي تُؤَجِّجُها الحداثةُ الرأسماليةُ بوساطةِ الدولةِ القومية. فنظراً لأنها ستتوخى الحرصَ على أنْ تَكُونَ منفتحةَ الأطرافِ ومَرِنةَ الهوية، فستتمكنُ من تطويرِ الكُلّيّاتيةِ والتكامُلِ وبالتالي التآخي الغنيِّ والمعطاءِ للغاية فيما بينها. والمقاربةُ نفسُها تَسري على الهوياتِ الدينيةِ أيضاً، مثلما شُوهِدَت أمثلةُ ذلك كثيراً في التاريخ. فبحُكمِ كونِ غالبيتِها الساحقةِ ترتكزُ إلى عقيدةٍ ثيولوجيةٍ مشتركة، فبمقدورِ التكامُلِ أنْ يتطوَّرَ بنحوٍ أسهل. فالأديان الإبراهيمية، أي الموسويةُ والمسيحيةُ والإسلامُ بكلِّ مذاهبِها وطرائقِها، بإمكانِها الدنوّ من بعضِها البعض وتمهيد السبيلِ أمامَ تركيباتٍ جديدةٍ مثمرةٍ بموجبِ نفسِ مفهومِ الهويةِ الدينيةِ المرنةِ والمنفتحةِ الأطراف، مثلما شُوهِدَ مِراراً في التاريخ. وبناءً على الوطنِ المشتركِ والأمةِ المشتركة، لا يُعتَبَرُ تعددُ اللغاتِ ورموزِ الهويةِ قضيةً إشكاليةً ضمن الكُلّيّاتيةِ السياسيةِ التي ستتشَكَّل. أما المدنُ والمناطقُ والأقاليم، فستَكتَسِبُ معانيها كأماكِنِ تداؤُبٍ وتعاوُنٍ نموذجيٍّ لأجلِ التبايُناتِ الموجودة؛ نظراً لأنها ستُشادُ وفق ماهيةِ الوحدةِ أو المُكَوِّنِ الديمقراطيّ، بوصفِها هوياتٍ تتواءَمُ ومزاياها الثقافيةَ التاريخية. ستَكُونُ الماهيةُ الأخلاقيةُ والسياسيةُ أساساً لجميعِ هذه الهويات. وسيَكُونُ القانونُ في خدمةِ الأخلاقِ والسياسة، ولن يَحلَّ مَحَلَّهما. (10) *

وهذا ما معناه ضرورة البحثِ في ميدانٍ آخر عن العوامل ذات القيمة المُحَدِّدة بحالاتها التاريخية والراهنة على السواء. والعصرانيةُ الديمقراطيةُ كانت على الأغلب خَياراً تمَّ بلوغُه حصيلةَ البحوثِ الناجمةِ عن تلك المساعي والجهودِ الحثيثة. ولا أَبرَحُ أشعرُ بضرورةِ التنويهِ مِراراً إلى هذا الخيار. كما إنني على قناعةٍ بأنّ معرفةَ الخاصيات التي ينفرد بها هذا الخَيارُ ستَجعَلُ الجهودَ العمليةَ مُثمِرَة. وألتَزِمُ بالإرثِ الديمقراطي الإيجابي للتاريخِ الذي أُكِنُّ له أقصى درجاتِ التقديرِ والاحترام. بل وأَعتَبِرُ ذلك نقداً ذاتياً أيضاً بالنسبة لي. إذ لا أقتصر على القول بأني استَنبَطتُ الدروسَ اللازمة. بل وأؤمن بأنّ عَمَلَ اللحظةِ استناداً إلى التاريخ يتميز بقيمةٍ منهجيةٍ لا استغناء عنها. بينما لا أُكِنُّ نفسَ التقدير أو الالتزام تجاه كلِّ فكرةٍ أو ممارسةٍ عاجزة عن استيعابِ ضرورةِ أنْ يَكُونَ التاريخُ لحظةً حالية، وأنْ تَكُونَ اللحظةُ تاريخاً، أياً كانت قيمتها ونتائجها. ذلك أنني لا أؤمن بهكذا أفكارٍ وممارسات. وإدراكاً مني بأنّ المستقبل يَمُرُّ من اللحظة، فإني لا أؤمن بوجودِ مستقبلٍ لِمَن هو عاجزٌ عن حلِّ أو تحليلِ لحظته وراهنه. (11) *

ثقافةُ الشرقِ الأوسطِ هي في الآنِ عينِه نمطُ حياةٍ شَكَّلَته الثوراتُ التاريخيةُ الكبرى. والدولُ القومية، التي هي وسائلُ الإبادةِ الثقافية، تَقتلُ الحياةَ بمقدارِ ما تَقتلُ الحقيقةَ الاجتماعية. من هنا، فعناصرُ العصرانيةِ الديمقراطية، التي يُسعى لتعريفِها، هي بمنزلةِ القوى النظريةِ والعمليةِ لإيقافِ الإباداتِ وصَونِ الحياة. ولدى العبورِ صوب عصرِ الأممِ الديمقراطيةِ بناءً على خلفيةِ المجتمعِ الديمقراطيِّ– الاقتصاديِّ– الأيكولوجيّ، فستتمَكَّنُ الحياةُ في ثقافةِ الشرقِ الوسطِ المستَحدِثةِ لذاتِها من بلوغِ ساحريتِها وجاذبيتِها القديمةِ مجدَّداً. (12) *

لا يُمكنُ عيشُ الحياةِ البشريةِ إلا بنحوٍ مجتمعيٍّ حرٍّ وديمقراطيٍّ ومفعمٍ بالمساواةِ ضمن الاختلاف، سواء كان المرءُ طليقاً أم سجيناً، وسواءٌ تواجدَ في رحمِ أمِّه أم في أيةِ لحظةٍ أو مكانٍ داخل الفضاءِ المترامي. وكلُّ أشكالِ الحياةِ الأخرى هي شاذة، وبالتالي مَرَضِية. ولكي تُعادَ الحياةُ إلى مجراها الصحيحِ وتُداوى فتتعافى، ينبغي خوضُ كفاحٍ دؤوبٍ بشتى أنواعِ القولِ والعملِ الاجتماعيّ، بما في ذلك إنجازُ الثورة. وينبغي أنْ تَتكَوَّنَ في سبيلِ ذلك الذهنيةُ والإرادةُ اللازمتان أخلاقياً وجمالياً وفلسفياً وعلمياً. (13) *

*(1-3-7) مرافعة الدفاع عن الشعب.

*(2-4-5-10-12) المرافعة الرابعة.

*(6-8-9-13) المرافعة الخامسة.

*(11) المرافعة الثالثة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.