الإعلامُ في روج آفا وشمال وشرق سوريّا والتَحَوُّل نَحوَ الاحترافيّة والالتزامُ بقضايا الثَّورة
ثورة شمال وشرق سوريا
جميل رشيد
تمهيد:
يعتبرالإعلام في زمننا الرّاهن، العصب الرَّئيسيّ في إدارة المجتمعات والثَّورات، بعد أن غدت دائرة تأثيره تتجاوز الحدود والخرائط، بعد اندلاع الثَّورة الرَّقميّة، وانتشارها عبر الأثير، لتصل المعلومة والخبر إلى مليارات النّاس، وخلال زمنٍ قياسيٍّ، ولم يَعُدْ مِقَصُّ الرَّقيب، كما في السّابق، قادراً على التحكُّم بالمعلومة ومنعها من الوصول إلى جمهور واسع من البشر، وباتت الضَّوابط والموانع لا معنى لها في ظِلِّ تَعدُّدِ وسائل نقل المعلومة، بدءاً من الصحافة الإلكترونيّة، ومروراً بالإعلام المرئيّ والمسموع، وصولاً إلى وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، وغدا الأسلوب التَّقليديّ في الإعلام عبر وسائل محدودة، مثل الصحافة الورقيّة والمجلّات، ورغم كفاءتها، غير قادر على مواكبة التغييرات الكبيرة التي تحصل في العالم كُلَّ يوم.
رغم التطوّر الهائل الذي أحدثته الثَّورة الرَّقميّة في المجال الإعلاميّ، لكن يبقى الإعلام الورقيّ الأساس الذي يُعتمد عليه كنقطة انطلاق نحو الأنواع الأخرى، وهو المؤسِّس للكادر الإعلاميّ المُتخصّص. فمعظم الأكاديميّات والجامعات ومراكز الأبحاث تتَّخذ من الكتابة أساساً في تدريب كوادرها وتنشئتهم، فالإعلاميّ البعيد عن الكتابة يُعتبر إعلاميّاً فاشلاً بكُلّ معنى للكلمة. فيما الإعلاميّ الذي يملك ناصية الكتابة وبارع فيها؛ يمكنه أن يصبح مراسلاً تلفزيونيّاً، وكذلك مذيعاً عبر الرّاديو، ومحرّراً وناشراً ويجيد صناعة الإعلام، باعتباره جزءاً أساسيّاً في صناعة الرَّأي العام، حتّى غدا في بعض البلدان المتقدّمة، مشاركاً في صناعة القرار السِّياسيّ، وعلى مستويات مختلفة ومتعدّدة.
لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال تجاهل الدَّور الذي يلعبه الإعلام في خلق المناخ العام ضمن المجتمعات وحتّى في الدَّوائر الرسمية، كونه يملك القدرة على تسليط الضوء على مكامن القوَّة والضعف، إلى جانب إبراز نقاط إمكانيّة أن يصبح رقيباً على أداء السُّلطات التَّنفيذيّة والتَّشريعيّة وحتّى القضائيّة أيضاً.
إلا أنَّ المرتكز الأساسيّ للإعلام يتمثَّل في المنهجيّة والمرجعيّة التي يستند إليها في صياغة لغته وخطابه الإعلاميّ، وكذلك الأهداف التي يرسمها لنفسه. وهي تغدو متباينة بين وسيلة وأخرى، تبعاً للفكر والإيديولوجيّة التي تؤمن بها. فلا يوجد في العالم بأسره إعلام يدَّعي الحياديّة المُطلقة، بل هو في النِّهاية ينحاز إلى فكر أو إيديولوجيّة ما، فلا إعلام حُرّ بالمعنى المتداوَل للكلمة.
لعب الإعلام – ولايزال – دوراً كبيراً في إثارة العديد من الحروب والأزمات في العالم عبر التّاريخ، وظهرت شخصيّات سياسيّة استخدمت الإعلام كسلاح في معاركها ضُدَّ أعدائها، ولعلَّ وزير الإعلام الألمانيّ في فترة حكم أدولف هتلر المدعو “غوبلز”، هو مثال ساطع على إيلاء الأوَّل أهميّة كبيرة للإعلام في إضعاف جبهات أعدائه إن كان في أوروبا أو العالم أجمع، رغم أنَّ خطاب وأسلوب “غوبلز” تَميَّزَ بالكَذِب والديماغوجيّة التي لا حدود لها، واعتمد على التَّضليل في بَثِّ الدِّعايات، ولم يكن يتَّبع النَّزاهة في العمل الإعلاميّ مطلقاً.
يبرز دور الإعلام في المجتمعات بشكل مباشر من خلال خلق رأي عام مؤثّر على مجرى التطوّرات السِّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وحتّى الفكريّة. فالإعلام يَهتَمُّ بكُلّ الجوانب الحيويّة في المجتمعات، ويعمل على تقويم سلوكه، بما يعزّز من قدرته على مواجهة كُلّ التحدّيات التي تواجهها، ويساهم في مواكبة تفاصيل حراكه.
كما أنَّ للإعلام دور كبير في تحقيق الانفتاح على العالم، ومَدِّ جسور التَّواصل الثَّقافيّ والمعرفيّ بين المجتمعات ومختلف الثَّقافات، ليخلق بيئة مناسبة لتمازجها وتلاقحها. فالرِّسالة التي يحملها الإعلام تُعَدُّ رسالة إنسانيّة إن وُظِّفَت بشكل جيّد.
سنحاول في هذه الدِّراسة المُقتَضَبَة تناول وظيفة الإعلام، وتبيان دوره في الثَّورات، كما سنركِّز بشكل أساسيّ على إعلام ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريّا، من خلال تَتّبع مسيرة تطوّره، وكذلك الدَّور الذي لعبه في الحفاظ على مكتسبات ثورة 19 يوليو/ تمّوز التي انطلقت شرارتها من مدينة كوباني. كما سنستعرض أهمَّ المفاصل الرَّئيسيّة التي مَرَّ بها الإعلام في روج آفا، وبكُلِّ فروعه، وهل تمكَّنَ من الوصول إلى الحالة الإعلاميّة التي تستند إليها الثَّورة لتحقيق مزيد من الانتصارات والإنجازات، أم هي تعيد إنتاج نفسها ضمن نمطيّة مُعيّنة، ولا تستطيع الخروج من الشَّرنقة التي حاكتها حول نفسها.
- الإعلامُ في روج آفا قبل ثورة 19 يوليو/ تمّوز:
إنَّ الادّعاء في روج آفا، بامتلاك إعلام متميّز ويملك أدوات تعبير كافية ومناسبة وقويّة قبل ثورة 19 يوليو/ تمّوز، رُبَّما يُعتَبَر مجافياً للحقيقة نوعاً ما. فلم تكن هناك حالة إعلاميّة يُعتَدُّ بها، ما عدا إعلام بعض الأحزاب والحركات الكُرديّة والتي تعمل في نطاق ضيّق، عبر بعض المنشورات والمجلّات التي لا ترتقي إلى مستوى الاحترافيّة في العمل. وبسبب الحظر المفروض عليه من قبل السُّلطات؛ لم يتحوَّل إلى إعلام مفتوح على المجتمع، بل ظَلَّ خطابه موجَّهاً إلى النُّخب الثَّقافيّة والسِّياسيّة، وهذا ما جعلها تدور ضمن حلقة معيّنة، وتفقد معها القدرة على التَّجديد وصنع إعلام مهنيّ يبحث في القضايا الرَّئيسيّة والمصيريّة للمجتمع، وخاصَّة الكُرديّة منها.
بالتَّأكيد يمكن تَفهُّم الظروف التي كانت سائدة قبل انطلاق الثَّورة، ولكن في ذات الوقت لم يضع أحد ضمن أهدافه تأسيس مؤسَّسات إعلاميّة قويّة، تحمل أعباء النِّضال وتضع في اعتبارها أنَّ من مهامها الارتقاء بالفكر وتناول قضايا المجتمع في الحُرّيّة ونيل حقوقه المشروعة، التي لطالما كانت هي أهداف الثَّورة. فلم تَدُرْ في خَلد أحد خلق إعلام ثوريّ يكون لسان حال الثَّورة التي أطلقها الشَّعب الكُرديّ قبلها بسنوات، بل ظَلَّ يعتاش على ما هو قائم قبلها، ويكتفي بما يتيسَّر له، ولم يقدم على إعداد كوادر إعلاميّة محترفة في مجالات متعدّدة ومتخصِّصة في صناعة الإعلام.
تبيَّن خلال انتفاضة قامشلو عام 2004 أنَّ الإعلام في روج آفا متخلّف جدّاً عن مواكبة تطوّر الانتفاضة ووصولها إلى حالة ثوريّة قائمة بحَدِّ ذاتها، فلم تتمكَّن من رصد الحراك الشَّعبيّ والجماهيريّ في الشّارع الكُرديّ بكُلِّ تفاصيله، بل ظَلَّت الكثير من التَّضحيات التي قدَّمها شعبنا طَيَّ النُّسيان، حتّى أنَّه لم يغدو لسان حال الانتفاضة. وباعتبار معظم الوسائل الإعلاميّة كانت حزبويّة وتتبع الأجندات السِّياسيّة للأحزاب التّابعة لها؛ فإنَّها لعبت في بعض الأحيان دوراً سلبيّاً مثبِّطاً للثَّورة والثوّار. ففي حين كانت الجماهير تخرج في تظاهرات عارمة في السّاحات والشَّوارع، كان إعلام بعض الجهات الحزبويّة يصفها بـ”الغوغاء” والخارجين على سُلطة النِّظام، بل وَجَّهت اتّهامات عديدة للمتظاهرين بالارتباط بجهات خارجيّة.
لم يتحوَّل الإعلام في روج آفا قبل ثورة 19 يوليو/ تمّوز إلى حالة مؤسَّساتية مهنيّة واحترافيّة، بل ظَلَّت المقاربات من الإعلام لا تتعدّى إطار الهواية في الكتابة، حيث اقتصر على الجانب الكتابيّ، دون المرئيّ والمسموع. كما لم يعمل في تلك المؤسَّسات الموجودة ويشرف عليها أكاديميّون متخصّصون، حيث ندرة الكوادر المتخصّصة، إضافة إلى ضعف، بل انعدام التَّمويل. فلم تُقدم أيّ جهة على تقديم الدَّعم الماليّ الكّافي لإدارة تلك المؤسَّسات، فظَلَّت تشكو العَوَز، وهذا أثَّر بشكل كبير في عدم رغبة العديد من الكوادر المهنيّة المتخصّصة للعمل فيها، ولم تستقطب أشخاصاً قادرة على إدارة المؤسَّسة بكفاءة عالية.
إنَّنا وعندما نُحلّل وندرس هذه الحالة الموجودة قبل الثَّورة، فإنَّنا لا نُلقي بالاتّهامات لها في التَّقصير جزافاً، وإنَّما نحاول كشف مكامن النَّقص فيها، لتلافيها لاحقاً. ورغم الضعف الذي كان يعتريها؛ إلا أنَّها كانت تعمل في إطار إمكاناتها المحدودة.
- الإعلام في روج آفا وشمال وشرق سوريّا بعد انطلاق ثورة 19 يوليو/ تمّوز:
إنَّ الاحتجاجات التي انطلقت في سوريّا عام 2011، والانفتاح الإعلاميّ لمعظم وسائل الإعلام الإقليميّة والدّوليّة عليها، شكَّلت سابقة لا نظير لها في تاريخ سوريّا القديم والحديث. ولا يمكن تجاهل أنَّ العديد من الوسائل الإعلاميّة المُغرضة خلقت حالة من الانحياز والاستقطاب لجهة معيّنة، ألا وهو التيّار الإسلامويّ، من خلال بَثِّ البرامج والتَّقارير التي من شأنها مخاطبة العواصف وإثارتها، لتحفِّزَ المواطن السُّوريّ للنُّزول إلى الشارع، حتّى أطلق البعض على عدد من تلك الوسائل بأنَّها “صانعة الثَّورات”.
لا شَكَّ أنَ تلك الحالة ألقت بتأثيراتها على مناطق روج آفا أيضاً، فانساقت بعض الجهات السِّياسيّة وراء ذاك الضَّجيج الإعلاميّ الضَّخم المُسلَّط على سوريّا، وغدت جزءاً من أجنداتها، وبرَّرت لنفسها بأنَّها “جزء من الثَّورة السُّوريّة”. في حين ساد بين ما كان يُسمّى “تنسيقيّات الثَّورة السُّوريّة” حالة شاذَّة، وغدا ما يُشبه “عُرفاً” لها، حيث تحوَّل بعض ممَّن يقودون تلك “التَّنسيقيّات” إلى “إعلاميّي الثَّورة”، حيث بدت تجارة مربحة بالنِّسبة لهم، عبر تصوير بعض مشاهد الحراك في الشَّارع، وبيعها إلى إحدى الوسائل الإعلاميّة التي لم ينقطع سيل ضخِّها المسموم للدّاخل السُّوريّ، فخلقت بذلك ما يمكن وصفه بـ”الإعلاميّ المأجور”.
لقد وصل الإعلام في تلك الفترة إلى وضع مُبتذَلٍ جدّاً، وكرَّس لحالة “ارتزاقيّة” في الإعلام، كسابقة لم تحصل في أيٍّ من بلدان العالم. وتحوَّلت ما كانت تدَّعي أنَّها تُمثّل الحالة الثَّوريّة السّائدة في سوريّا إلى الارتباط بأجندات دول خارجيّة، لتنشر الخطاب الطائفيّ والمذهبيّ المقيت، وتَحُضَّ على القتل وفق الانتماء الدّينيّ والعرقيّ، وبذلك ساهمت في تأجيج حالة الانقسام والتشرذم ضمن المجتمعات السُّوريّة.
أمام هذه اللَّوحة السَّوداويّة في المشهد السُّوريّ الدّامي، كان الاتّجاه العام في روج آفا وبين الشَّعب الكُرديّ بالدَّرجة الأولى، ينحو باتّجاه سلوك طريق خاصٍ به، يُبرز الخصائص الحضاريّة والقيم الثَّقافيّة التي راكمها الكُرد عبر تاريخهم الكِّفاحيّ الطويل على جغرافيّة وطنهم وفي المنطقة، فكانوا السبّاقون إلى طرح رؤى ومبادئ إنسانيّة في مقارباتهم من حركة الشّارع بشكل عام، وفي روج آفا بشكل خاص. وقد عكس الإعلام الذي بدأ يخطو خطواته الأولى ويَشُقُّ طريقه وسط تلك الفوضى الإعلاميّة التي سادت في سوريّا، ليتَّخذ من مطالب الجماهير نهجاً إعلاميّاً أساسيّاً وثابتاً له، عبر نقل الصورة الحقيقيّة من الشّارع، وتقديمها بصورة ناصعة دون أيِّ تحوير أو مبالغة فيها، أو تجييرها لصالح أجندات سياسيّة وعدائيّة، سعياً وراء تحقيق المكاسب الآنيّة.
لقد بدأ الإعلام في روج آفا بالعمل ضمن أجواء تَعُجُّ بالوسائل الإعلاميّة الضخمة والتي تمتلك إمكانيّات ماديّة وتقنيّة كبيرة ومتقدمة جدّاً، ورغم ذلك استطاع أن يُثبت حضوره المُميَّز، ويختطَّ طريقاً خاصّاً له. ونظراً لإمكانيّاته المتواضعة والبسيطة التي اعتمدت بالدَّرجة الأولى على إيمان وإرادة الكوادر العاملة في الحقل الإعلاميّ، فإنَّها تمكَّنت من خلق حالة إعلاميّة أكثر موثوقيّة، وساهمت في توفير بيئة ومناخٍ إعلاميٍّ ملائمٍ لتطوير قدرات كوادرها ورفدهم بالخبرات والمهارات الإعلاميّة الكفيلة بتحقيق نقلة تاريخيّة ومُهمَّة في مسيرة الإعلام في روج آفا، وكذلك على الصعيد الشَّخصيّ أيضاً.
اكتسبت التَّجربة الإعلاميّة في روج آفا خلال تلك الفترة، وعلى الرَّغم من عمرها القصير، تجربة وزخماً كبيراً، مقارنة بغيرها من الوسائل الإعلاميّة التي لم تكن أكثر من فقاعة صابون، سُرعان ما تختفي حينما تنفجر. وما حقَّقَ لها الاستمراريّة في العمل، إنَّما ينبع بالدَّرجة الأولى من مصداقية خطابها واعتمادها نهج الإعلام الثَّوريّ. فكانت تجربة فريدة من نوعها، في ظِلِّ كثرة الوسائل الإعلاميّة.
- تجربة صحيفة “روناهي”:
شكَّلَ صدور صحيفة روناهي في 16 تشرين الأوَّل من عام 2011، نقلةً نوعية كبيرةً على الصَّعيد الإعلاميّ في روج آفا وسوريّا عموماً. فرغم الإمكانيّات المحدودة جدّاً؛ تمكَّن أعضاء هيئة تحرير الصحيفة السَّهر عليها، إلى أن تَمَّ إصدارها، ولو أنَّها في البداية كانت بشكل متواضع، حيث طُبِعت باللَّونين الأبيض والأسود، واقتصر عدد صفحاتها على اثني عشر صفحة فقط، إلا أنَّ المواضيع التي نشرت على صدر صفحاتها، عبَّرت عن نبض الشّارع، وبصدق.
كان صدور الصحيفة موضع افتخار وإكبار لمعظم أبناء الشَّعب الكُرديّ، وكذلك الأوساط الثَّقافيّة والسِّياسيّة المُهتمَة بالشَّأنين الكُرديّ والسُّوريّ، فلم تنحاز الصحيفة في خطِّها السِّياسيّ والإعلاميّ إلى جهة حزبيّة كُرديّة أو سوريّة معيَّنة، بل اتَّخذت موقفاً وسطيّاً من جميعها، ما جعلها لسان حال كُلّ باحث عن الحقيقة والمعلومة الصادقة. حافظت الصحيفة على نهجها وخطّها الإعلاميّ مع مرور الزَّمن، ولم تنزلق إلى تبنّي الخطاب القوميّ أو الطائفيّ والمذهبيّ، بل كانت على الدَّوام تحارب تلك الاتّجاهات، وهو ما دفعها لأن تستقطبَ أكبر عدد من الكوادر يوماً بعد آخر، وتكون لها مكانتها في الأوساط الإعلاميّة، وتغدو مصدراً للمعلومة والخبر والتَّوثيق.
وباعتبار أنَّ صحيفة روناهي كانت التَّجربة الأولى في الإعلام المكتوب في روج آفا، بعد انطلاق ثورة 19 يوليو/ تمّوز عام 2012، فإنَّها تمكَّنت خلال فترة قصيرة من إنشاء فروع لها في كوباني وقامشلو وعفرين ومدينة حلب، وتَضُمَّ إليها كوادر إعلاميّة أكاديميّة متخصّصة، أضافوا إليها عمقاً مهنيّاً مُهمّاً، ولتتجاوز معها الهفوات والأخطاء الإعلاميّة التِّقنيّة التي كانت تقع فيها قبل ذلك.
حَظِيَت الصحيفة بانتشار واسع في روج آفا، وخاصَّةً في المدن الرَّئيسيّة وحتّى النَّواحي والقرى، ووصل عدد النسخ التي يَتُمُّ توزيعها خلال فترة قصيرة إلى الآلاف، وهو ما شكَّلَ حافزاً لدى العاملين فيها لتكثيف عملهم فيها، وتغطية معظم الأحداث في روج آفا وسوريّا، إلى جانب إجرائهم أبحاث ودراسات وتحقيقات مُهمَّة ولافتة، فضلاً عن التَّقارير والأخبار اليوميّة، وإيلائها الجانب الثَّقافيّ أهميَّةً كبيرة، من خلال تخصيصها صفحة للثَقافة، وكذلك اهتمَّت بالجانب الاجتماعيّ، حيث خصَّصت صفحة اجتماعيّة، وأخرى سياسيّة وصفحات أخرى متنوّعة.
الخطوة الكبيرة للصحيفة تمثَّلت في إصدارها بالحجم الكبير والملوَّن، بعد نحو أربع سنوات من الطبع بالحجم الوسط، وهو ما لاقى ترحيباً وقبولاً لدى الجماهير، وجعلها رائدة في المجال الإعلاميّ المكتوب. لم يكن وصول الصحيفة إلى ذاك المستوى المتقدّم، بدءاً من اعتمادها لغة إعلاميّة سلسة ومحايدة، وليس انتهاءً بشكلها وتصميمها، بالأمر السَّهل، فقد عانى العاملون فيها صعوبات عديدة ومروا بظروف قاسية، في ظِلِّ الأوضاع المتقلّبة التي شهدتها سوريّا وروج آفا، على حَدٍّ سواء، إلا أنَّ مجرَّدَ استمراريّة صدورها، يعتبر انتصاراً، ولا تزال تسير على ذاك الخطّ الذي اعتمدته في البداية إلى يومنا هذا.
ورغم تراجع الصحافة والإعلام الورقيّ في العالم أجمع، فلا تزال صحيفة روناهي تصدر مطبوعة مرَّتين في الأسبوع، مع صدورها إلكترونيّاً بشكل يوميّ.
- مجلَّة “الشَّرق الأوسطِ الدّيمقراطيّ”:
تأسَّست المجلة عام 2003، وهي تعنى بالشؤون الفكريّة على ساحة الشَّرق الأوسط بالدَّرجة الأولى، وساهمت إلى حَدٍّ كبير في نشر الثّقافة الدّيمقراطيّة وطرحت الرؤى والدّراسات التَّنويريّة، في خِضَمِّ نزوع بعض وسائل الإعلام إلى اتّباع نهج نشر الثّقافة الاستهلاكيّة، وعدم إيلائها الجانب الفكريّ أيَّ أهميَّة.
ورغم أنَّ المجلَّة فصليّة، إلا أنَّها تُركّز في أبحاثها ودراساتها على مواضيع تَهُمُّ القارئ الكُرديّ والعربيّ والتُّركيّ والإيرانيّ، وكُلّ باحث عن الفكر النَيِّرِ. وتمكَّنت خلال عمرها القصير أن تستقطبَ نُخبَةً من الأكاديميّين والباحثين في المجالات السِّياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة والاجتماعيّة، وتحتلَّ مكانتها في عالم الفكر الحُرّ، بتسلطيها الضوء على المواضيع التي تَهُمُّ القارئ في منطقة الشَّرق الأوسط، مدشِّنة طريقاً نحو نشر ثقافة التَّسامح والتَّلاقح بين الثَّقافات العربيّة والكُرديّة والتُّركيّة والإيرانيّة في المنطقة.
فهي اعتمدت لغة تُخاطِبُ بها جميع شعوب المنطقة، على اختلاف أديانها ومذاهبها وقوميّاتها، وابتعدت عن السِّياسة والقوى السِّياسيّة، عبر التُّركيّز على المواضيع الإستراتيجيّة والتّاريخيّة والفكريّة الهامَّة، كما أولت الجانب الاقتصاديّ أهميّة كبيرة، عبر إعداد دراسات تفصيليّة من قبل متخصّصين في الاقتصاد.
- تجربة تلفزيون روناهي:
يُعتَبرُ الإعلامُ المرئيُّ في زمننا الحاضر الوسيلة الأكثر انتشاراً وتأثيراً بين النّاس، فهو يستطيع نقل الصورة والصوت، وبشكل لحظيٍّ وآنيٍّ، ومن موقع الحدث، إلى جانب قدرته على التنوَّع والانتقال من مادَّةٍ إلى أخرى، عبر استخدام المؤثِّرات الصَّوتيّة والصّوريّة، في ظِلِّ الثَّورة التِّقنيّة التي تجتاح العالم أجمع.
توالدت الأقنية الفضائيّة التّلفزيونيّة مثل الباراميسيوم، واتَّجهت كُلُّ واحدةٍ منها لتتَّخذ لنفسها خطّاً إعلاميّاً مختلفاً عن الآخر، ولتمثِّلَ الجهة الدّاعمة لها. فلم تتمكَّن من الابتعاد عن الارتباط بسياسات بعض الدّول المموّلة لها، ولعبت بعضها أدواراً سلبيّة لأبعد الحدود في تسميم عقول النّاس، وحتّى في تغيير أذواقهم، عبر بَثِّ البرامج الهدّامة والتي تَحُضُّ على الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة، لتفكِّكَ النَّسيج المجتمعيّ للشُّعوب، وتخلق صراعات دمويّة بينها.
فكانت تجربة قناة “الجزيرة” القطريّة مثالاً ساطعاً على الدَّور التَّخريبيّ الذي لعبته في سوريّا، من خلال انحيازها لتيّار جماعة “الإخوان المسلمين” الإرهابيّة، وتبنّيها للخطاب والنَّهج الإسلامويّ التَّكفيريّ والطائفيّ، لتخلق شروخاً عديدة في المجتمع السُّوريّ، إضافة لارتباطها بأجندة قطر السِّياسيّة، من خلال التَّبريرات التي قدَّمتها لدولة الاحتلال التُّركيّ في احتلال مناطق شاسعة من سوريّا، وفي مقدّمتها عفرين وسري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض.
بالمقابل بدأ تلفزيون روناهي بثَّه في بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثّاني من عام 2011، كأوَّلِ قناة كُرديّة تعمل في أراضي روج آفا وسوريّا. وانتهجت القناة منذ انطلاقتها الأولى نهجاً إعلاميّاً وسطياً، ولتنقل المعلومة بحرفيّة وأمانة، وتُسلِّطَ الضوء على معظم الأحداث في كُردستان وسوريّا، على حَدٍّ سواء. واعتمادها لغتين للبَثِّ، الكُرديّة والعربيّة، أتاح لها بالوصول إلى جمهور واسع من المشاهدين، وفتح الآفاق أمامها لتنقل الحدث من مناطق مختلفة في سوريّا والعالم.
تمثّل قناة “روناهي” تجربة رائدةً في المجال الإعلاميّ، فلقد انتقلت القناة خلال فترة قصيرة من انطلاقتها إلى إعداد تقارير ميدانيّة مباشرة، ومن مواقع الحدث، حيث واكبت جميع حملات التَّحرير التي أطلقتها وحدات حماية الشَّعب والمرأة، ومن ثُمَّ قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة، في مكافحة جميع تنظيمات المرتزقة، وكذلك تنظيم “داعش” الإرهابيّ، منذ بداية الهجوم على عفرين في قرية “قسطل جندو” عام 2011، وكذلك على مدينة سري كانيه/ رأس العين عام 2012، وحتّى الآن.
كما نوَّعت القناة من برامجها، ما بين السِّياسيّة التَّحليليّة، والوثائقيّة، وكذلك الثَّقافيّة والتَّرفيهيّة والعلميّة، وتمكَّنت خلال زمن قياسيّ أن تصل إلى مستوى متقدِّم من الاحترافيّة في إعداد التَّقارير والبرامج.
حافظت القناة على خطِّها الإعلاميّ من قضايا الثَّورة والشَّعب، وتميَّزت من بين معظم القنوات الكُرديّة، وحتّى العربيّة، في مواكبتها لمسيرة النِّضال الثَّوريّ في روج آفا وشمال وشرق سوريّا، من خلال اعتماد سياسة تحريريّة ثابتة ورصينة، فكانت القناة الأولى التي امتلكت مصداقيّة نقل المعلومة والحقيقة كما هي على الأرض، دون الاعتماد على أسلوب التَّماهي مع ما هو سائد في السّاحة الإعلاميّة من خداعٍ للرَّأي العام والجماهير.
كما شارك العديد من مراسلي القناة في مواكبة الحملات العسكريّة في مناطق روج وشمال وشرق سوريّا، حتّى أنَّ عدداً من مراسليها وصلوا إلى مرتبة الشهادة مثل الشَّهيد “مصطفى مُحمَّد” في مدينة منبج، حيث كان يَنقل تطوّر المعارك بين قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة ومرتزقة تنظيم “داعش” الإرهابيّ. وحينها انفجر به لغم زرعه مرتزقة “داعش”، ما أدّى إلى إصابته بجروح خطيرة، أودت إلى استشهاده.
- تجربة وكالة “هاوار” للأنباء:
كانت هناك حاجَّة ماسَّةٌ إلى تأسيس وكالة أنباء في روج آفا، ولاحقاً في شمال وشرق سوريّا، لتنقل الخبر والمعلومة والتَّقارير من مختلف المناطق، بعدما تطوّر الحراك الثَّوريّ وحقَّق إنجازات كبيرة، وعلى كافَّة الأصعدة.
تَمَّ الإعلان عن تأسيس الوكالة في الأوَّل من مارس/ آذار عام 2013، وتَمَّ رفدها بعدد كبير من المراسلين في مختلف مناطق روج آفا وسوريّا، لتتمكَّن خلال فترة وجيزة من تغطية الأحداث في معظم المناطق السُّوريّة.
تميَّزت الوكالة بسرعة نقل الخبر، ومن مصادره، عبر التَّواجد الميدانيّ لمراسليها، إضافة إلى إعداد تقارير وتحقيقات متنوّعة، تتناول مختلف المواضيع، من خدميّة واجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة واقتصاديّة …الخ.
رغم أنَّ عدداً لا بأس به من مراسليها كانوا في عداد النّاشطين الإعلاميّين وحديثي العهد في الحقل الإعلاميّ، إلا أنَّهم، ومن خلال العمل اليوميّ المُكثَّف، تمكَّنوا من الارتقاء بأدائهم الإعلاميّ، ليصلوا إلى مرتبة المحترفين، فضلاً عن التحاق معظمهم بدورات تدريبيّة إعلاميّة معمَّقة، صَقُلت مهارتهم وأضافت مزيداً من الخبرة على أدائهم.
خاض إعلاميّو الوكالة تجارب عديدة، وجازفوا بحياتهم في تغطية المعارك والحملات التي خاضتها وحدات حماية الشَّعب والمرأة في مناطق عديدة من روج آفا، ولاحقاً مع قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة في مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابيّ، وكذلك أثناء هجمات الاحتلال التُّركيّ على مناطق عفرين، سري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض ومناطق أخرى في شمال وشرق سوريّا. فكانوا يتعرَّضون لشتّى أنواع المخاطر، فقط لينقلوا للرَّأي العام صورة ما يجري على الأرض، وبكُلِّ مصداقيّة. حتّى أنَّ العديد منهم وصلوا إلى مرتبة الشَّهادة مثل المراسلة “دليشان إيبش”، كما أصيب معها زميليها “رزكار دنيز وهوكر مُحمَّد” بجروح، وذلك في التَّفجير الإرهابيّ الذي نَفَّذَهُ مرتزقة “داعش” في تجمُّعٍ للنّازحين المدنيّين في دير الزور عام 2017. ونظراً لإصابته بجروح خطيرة، فقد استشهد لاحقاً المراسل “هوكر مُحمَّد” أيضاً.
كما استشهد المراسل “سعد أحمد” في قصف للاحتلال التُّركيّ على مدينة رميلان، إضافة إلى استشهاد المراسل “عصام عبد الله” منذ فترة قصيرة في قصف للاحتلال التُّركيّ مؤخَّراً وعلى مدينة رميلان أيضاً.
وأثناء شَنِّ الاحتلال التُّركيّ العدوان على منطقة عفرين، تواجد معظم مراسلي الوكالة في جبهات الدِّفاع عن المنطقة، وصمدوا رغم الظروف الجوّيّة السيّئة، وأصيب عدد منهم بجروح خطيرة. ففي حين فرض الاحتلال التُّركيّ سياسة الحصار والتعتيم الإعلاميّ على عفرين، كانت وكالة “هاوار” وتلفزيون “روناهي” ينقلان صورة ما يجري على الأرض من مجازر ترتكبها دولة الاحتلال التُّركيّ بحَقِّ المدنيّين العُزَّل، وكذلك ترصد بطولات ومقاومة مقاتلي وحدات حماية الشَّعب والمرأة في جبهات راجو وجندريسه وشران ومعبطلي وناحية شيراوا وشيخ الحديد، وتتابع عن كثب أحوال المدنيّين، خاصَّة بعد نزوحهم من قراهم، وتجمّعهم في مركز مدينة عفرين.
إنَّ نشر الوكالة أخبارها وتقاريرها باللُّغات الكُرديّة، العربيّة، الإنكليزيّة، والرّوسيّة، أضاف لها ميّزة المتابعة من قبل أوساط عديدة، فغدت مصدراً للخبر والمعلومة الصحيحة، تستقي منها معظم الوكالات العالميّة والقنوات التلفزيونيّة مادتها الإعلاميّة، لتغدو مع مرور الأيّام ذات موثوقيّة عالية في دِقَّةِ نقل المادة، وبالتّالي تمتلك جمهوراً كبيراً من المتابعين والباحثين عن الحقيقة.
بهذا الشَّكل تمكَّنت الوكالة من أن تُعبِّرَ عن صورة الثَّورة الحقيقيّة في شمال وشرق سوريّا، وخاصَّةً بعد الإعلان عن الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة عام 2014، وغدت تتابع الأعمال التي تقوم بها مختلف هيئات الإدارة ومؤسَّساتها.
- دور الإعلام المسموع “الرّاديو” في الثَّورة:
يَحتَلُّ الإعلام المسموع “الرّاديو” حَيّزاً كبيراً من السّاحة الإعلاميّة، فهو يَعبُرُ حدود الدّول، ويتخطّى كُلَّ الموانع والحواجز، ليصل إلى المستمع في بيته ومكان عمله وسيّارته وكُلَّ مكان.
يتميَّز الإعلام المسموع بإمكانيّة رسم الصورة في أذهان المستمع عبر الكلمات والمؤثِّرات الصَّوتيّة، فيُحلق معها المستمع في أجواء من التأمُّلِ والتفكُّر في إعادة تركيّب الصّورة في ذهنه، وتغدو واقعاً يتفاعل معه عبر الأثير.
لم تكن قبل انطلاق ثورة 19 يوليو/ تمّوز تتوفَّر إمكانيّة إطلاق محطَّة راديو تعبر عن هواجس ورغبات أبناء الشَّعب، وخاصَّةً باللُّغة الكُرديّة، فكانت السُّلطات تقمع أيَّ محاولة لإنشاء راديو يَبُثُّ بالكُرديّة، ويكون خارج سيطرته على وسائل الإعلام، وبكافَّة صنوفه.
بدأت فكرة إطلاق محطّات للرّاديو تناقش بين إعلاميّين في روج آفا، بعد الإعلان عن الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة وتحرير أراضي روج آفا من المرتزقة، وتحوَّلت الفكرة إلى واقع على الأرض مع مرور الأيّام، فأعلن عن العديد من محطّات الرّاديو في عفرين، كوباني، الجزيرة، وساهمت في توسيع دائرة نقل الحدث والتَّغطية الإعلاميّة، إضافةً إلى أنَّها تمكَّنت من إعداد برامج ترفيهيّة، وثقافيّة متنوِّعة تُعبّر عن ثقافة وأصالة المنطقة.
اللّافت في المسيرة الإعلاميّة في روج آفا وشمال وشرق سوريّا أنَّها لم تتعرَّض لأيِّ نوعٍ من الضغوط والموانع، بل مارست جميع الوسائل الإعلاميّة عملها في مناخات من الحًرّيّة والاستقلاليّة التّامة في عملها، ما انعكس بشكل إيجابيّ على أدائها وتفاعلها مع الأحداث والتطوّرات وأدّى إلى نقل صورة حقيقيّة للخارج.
إنَّ الكَمَّ الهائل من الإنجازات والانتصارات التي تحقَّقت في روج آفا وشمال وشرق سوريّا، خاصَّة بعد إعلان الإدارة الذَّاتيّة، وبدء معارك وحملات قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة ضُدَّ تنظيم “داعش” الإرهابيّ، والقضاء عليه جغرافيّاً في آخر معقل له في بلدة “الباغوز” بريف دير الزور الشَّرقي لاحقاً، أدى إلى توافد العديد من وسائل الإعلام المحلّيّة والإقليميّة والدّوليّة، لتغطية مجريات معارك دحر الإرهاب، لما له أهميّة على الصعيد العالميّ. فباتت مناطق شمال وشرق سوريّا تَعُجُّ بمختلف وسائل الإعلام العالميّة، حيث تواجد مراسلو عشرات القنوات التلفزيونيّة، وصحف عالميّة مشهورة، إضافة إلى محطّات الرّاديو والمواقع الإلكترونيّة.
وكان لوسائل الإعلام المحلّيّة حضور مميّز في جميع تلك التطوّرات، وسجَّلت عبر تغطيتها المباشرة والمستمرَّة، نقلة نوعيّة في مجال سرعة نقل الخبر والمعلومة، إضافة إلى التأكيد على مصداقيّتها وحرفيّتها في التَّعامل مع مختلف الحالات، ما أدّى إلى الارتقاء بمستواها المهنيّ العمليّ.
- المواقعُ الإلكترونيّة:
بعد اتّساع رُقعة الفضاء الإلكترونيّ وتدشين عصر الإنترنت، وسرعة نقل المعلومة عبر شبكتها، أصبحت الفرصة متاحة أمام الإعلام، في هذا المناخ العام، كي يوظِّفَ تلك الإمكانيّات في خدمة تطوير أدائه، وينتقل إلى أسلوب النَّشر والمتابعة الإلكترونيّة، من خلال إنشاء مواقع إلكترونيّة تنشر بشكل لحظيّ كُلَّ نتاج عمل الوسيلة الإعلاميّة، وبما يتوافق وروح العصر.
أضافت المواقع الإلكترونيّة ميّزة جديدة للإعلام، تمثَّلت بإمكانيّة نشر أكبر كَمٍّ وحجم ممكن من المادَّة الإعلاميّة في زمن قياسيٍّ، وبذلك انتقلت معظم وسائل الإعلام إلى اعتماد أسلوب النَّشر الإلكترونيّ، وابتعدت عن الأسلوب القديم في الطباعة والتَّوزيع والنَّشر، حتّى أنَّ العديد من الصحف العالميّة مثل الغارديان وغيرها أوقفت طباعتها الورقيّة واكتفت بالنَّشر الإلكترونيّ فقط.
انتشرت في روج آفا وشمال وشرق سوريّا عشرات المواقع الإلكترونيّة، حتّى أنَّ كُلَّ حزبٍ وحركةٍ سياسيّةٍ أنشأت لنفسها موقعاً خاصّاً بها تنشر فيه كُلّ نتاجاتها وأدبياتها السِّياسيّة، حتّى أنَّ أشخاصاً بمفردهم أطلقوا مواقع لهم، وهذا ما أدّى إلى حراك إعلاميّ متفاعل مع الأحداث وكُلّ التطوّرات في المنطقة.
هذا التنوّع في السّاحة الإعلاميّة؛ ساهم في إغناء عمل وسائل الإعلام، وكان سبباً كافياً في تنظيم العمل الإعلاميّ ضمن مؤسَّسة وهيئة تحفظ حقوق الإعلاميّ وتشرف على أداء عمل مختلف وسائل الإعلام، ولا تضع ضوابط على عملها؛ بل تُذلّل العقبات أمامها، فكان اتّحاد الإعلام الحُرّ، بمثابة نقابة للصحفيّين والإعلاميّين، ورأى النور في يوليو/ تمّوز 2012، واستمرَّ في عمله كجهة ومرجعيّة للصحفيّين، تدافع عن حقوقهم وتحميهم من كُلّ التعدّيات التي يمكن أن تحصل له، كما تفتح الطريق أمامهم، ليؤدّي كُلّ واحد منهم عمله في جَوٍّ من الحُرّيّة والشّعور بالأمان والثِّقة.
- الخاتمة:
إنَّ الزَّخم الهائل للتطوّرات الذي شهدته السّاحة الإعلاميّة في روج آفا وشمال وشرق سوريّا، على خلاف المناطق الأخرى من سوريّا، إن كانت تلك التي تحت سيطرة الحكومة السُّوريّة، أو الواقعة تحت الاحتلال التُّركيّ وإرهابيّي “هيئة تحرير الشّام/ جبهة النُّصرة سابقاً”، إنَّما يعكس حقيقة جوهريّة؛ مفادها أنَّ الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة وفَّرت المناخ الملائم لعمل وسائل الإعلام المختلفة، وحتّى تلك المعارضة لسياستها وتوجَّهاتها، وكرَّست لحالة ديمقراطيّة فريدة من نوعها في منطقة الشَّرق الأوسط، حيث يشهد العديد من الإعلاميّين والصحفيّين الأجانب ممَّن عملوا في المنطقة، وكذلك الذين لازالوا يواصلون عملهم فيها، بأنَّ روج آفا وشمال وشرق سوريّا باتت البيئة الأنسب والأكثر أماناً لهم، رغم التحدّيات الكبيرة التي تواجهها المنطقة، من خطر خلايا تنظيم “داعش” الإرهابيّ الذي لايزال ماثلاً على الكُلّ، وكذلك تهديدات دولة الاحتلال التُّركيّ في العدوان ومحاولاته المستمرّة في خلق وقائع جديدة على الأرض، أوَّلها فرض الاحتلال ونشر الفوضى ودعم التَّنظيمات الإرهابيّة المتطرّفة.
هذه الحقيقة غدت مكشوفة للقّاصي والدّاني، وقد نقلها الإعلام العالميّ للرَّأي العام، لتُكرَّس في أذهان الجميع بأنَّ ما تَمَّ في هذه المناطق يعتبر ثورة حقيقيّة في كُلّ المجالات. فحضور المرأة في جميع مفاصل الإدارة الذّاتيّة، وكذلك ضمن مختلف وسائل الإعلام المحلّيّة في المنطقة، اعتبره العالم المتمدِّن نقلةً نوعيّة هامّة نحو ترسيخ أسس الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، وبما يشابه معظم الدّيمقراطيّات في العالم.
لا شَكَّ أنَّ مسيرة الإعلام في روج آفا وشمال وشرق سوريّا لم تكن بتلك السُّهولة التي يتوقَّعها البعض، فقد شهدت العديد من المصاعب والعوائق، خاصَّة في ظِلِّ سيطرة الحكومة السُّوريّة على معظم المناطق، وإجراءاتها الصّارمة في المنع والحظر واعتقال كُلّ من يَخرُج عن الخَطِّ الإعلاميّ الذي رسمته، إضافة إلى ضعف الإمكانات والموارد في بداية انطلاقتهم، ولكنّه من خلال إصراره على مواصلة عملهم، ومهما كانت الظروف، تمكَّنت روج آفا وشمال وشرق سوريّا من الوصول إلى إعلام نوعيٍّ ومحترفٍ، وقادر على نقل الصورة الحقيقيّة لما يجري على الأرض، وبمهنيّة عالية، إضافة إلى زيادة خبرة العاملين فيه.
إنَّ الرِّسالة التي حملها الإعلاميّ في روج آفا وشمال وشرق سوريّا، ساهمت في بناء مجتمع ديمقراطيّ قادر على فهم المعادلات السِّياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، ويخلق لديه الإرادة القويّة في مقاومة شتّى أنواع الهجمات التي تستهدف وجوده، وتُرسِّخُ من مبادئ العيش المشترك والتَّلاقح والتَّلاقي بين الثَّقافات المتنوّعة، وتجعل منها عامل إثراء وليس تفرِّق وتشتّت، فأضحى الإعلام بذلك يلعب دوراً رئيسيّاً في فضح المخطَّطات التي تستهدف هذه المناطق، وتعزِّزُ من اللُّحمة المجتمعيّة بين سائر المكوّنات.
وعلى رغم أنَّ الإعلام في الغرب له دور في صناعة القرار السِّياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، إلا أنَّه في ذات الوقت يخشى منه كثيراً. هذه الثّقافة أودت لأن يطلق عليه البعض اسم “السُّلطة الرّابعة”، لدوره الرَّقابيّ على أداء المؤسَّسات الحكوميّة والدَّوائر المعنيّة بإصدار القرارات وتنفيذها. رُبَّما يعاني الإعلام في روج آفا وشمال شرق سوريّا من القصور في هذا المجال، نظراً لحالة الحرب الدّائمة التي يعيشها والمفروضة من الخارج عليها، وهي بطبيعة الحال لا تُبرّر لها تقاعسها عن استخدام أسلوب النَّقد البنّاء لأداء المؤسَّسات والإدارات، وخاصَّةً تلك التّابعة للإدارة الذّاتيّة، وهذا المأخذ رُبَّما تستطيع في قادم الأيّام من تجاوزه، لتغدو “سُلطةً رقابيّةً” تشرف على عمل وأداء مؤسَّسات الإدارة الذّاتيّة، ضمن إطار من المسؤوليّة الوطنيّة لها.