خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:

وإذ ما قمنا بتفسيرِ هذا التأريخِ الموجزِ على صعيدِ قضيةِ الديمقراطية، فبإمكاننا قول التالي:

ابتدأَ التمايُزُ الطبقيُّ بالظهورِ بين صفوفِ الأنسابِ التركيةِ بنحوٍ جادٍّ، مع عبورِها إلى الشرقِ الأوسطِ اعتباراً من القرنِ الحادي عشر، بحيث بالمقدورِ النظر إلى هذه الفترةِ على أنها بدايةُ بُروزِ قضيةِ الديمقراطية. وقيامُ الأنسابِ التركمانيةِ بِحَملِ السلطان سنجار، الذي هو آخِرُ سلطانٍ سلجوقيٍّ لها، ووضعِه في قفص، والاحتفاظِ به إلى أنْ وافَته المَنِيّة؛ إنما يُبَيِّنُ بما لا يَقبَلُ الجدلَ مدى تَشَبُّثِها بِحُرّيتِها وحياتِها الديمقراطية.

انقسامُ الأنسابِ التركيةِ إلى مجموعتَين أساسيّتَين مع الإسلام، إنما يُشَكِّلُ جوهرَ قضيةِ الديمقراطيةِ لديها. وبينما تَرَكَّزَت الأرستقراطية، أو بالأحرى الأرستقراطيةُ العسكريةُ والدينيةُ وأصحابُ الأراضي داخلَ الدولة، مُؤَلِّفين بذلك احتكارَ السلطة؛ فإنّ الشرائحَ الفقيرةَ المقهورةَ والمَطرودةَ من النظامِ القائم، إما أنها كانت تتجولُ ذهاباً وإياباً بين الخيماتِ والمراعي، مثلما حالُ الأنسابِ البَدَوِيّةِ القديمة، أو كانت تَستَمِرُّ بحياتِها المتواضعةِ والزهيدة، فتَقتاتُ على الحِرَفِ الحرةِ في المدينة، وعلى الفِلاحةِ في القرية. هذا الانقسامُ المُعاشُ بين صفوفِ كافةِ شعوبِ الشرقِ الأوسط، قد انتهى بعددٍ جمٍّ من عملياتِ التمردِ والهروب. والانقساماتُ المذهبيةُ أيضاً على علاقةٍ بهذه الحقائق. فبينما يصبحُ المذهبُ السُّنِّيُّ رسمياً كمذهبٍ للطبقةِ الحاكمة، تَسعى المذاهبُ المعارِضةُ كالعَلَوِيةِ والشيعيةِ والإشراقية[1] والمَولَوِيّةِ[2] والبكداشيةِ[3] إلى الاستمرارِ بوجودِها بمنوالٍ شبهِ باطِنِيّ. ويُخاضُ النضالُ من أجلِ الديمقراطيةِ خلال العصورِ الوسطى في هيئةِ هذه المشاهدِ المذهبية. حيث تَدورُ المساعي لتأمينِ دمقرطةِ العصرِ من خلالِ هذه المذاهب. فضلاً عن أنّ الحياةَ القَبَلِيّةَ البَدَوِيّةَ بِحَدِّ ذاتِها كفاحٌ ديمقراطيّ. من هنا، فتفسيرُ الجوهرِ المُقاوِمِ الموجودِ ضمن كافةِ الأنظمةِ القَبَلِيّةِ في العصورِ الوسطى على أنه نضالٌ ديمقراطيّ، إنما هو التعبيرُ الأصحّ.

إذا ما فَسَّرنا الإسلامَ الرسميَّ بالاحتكارِ الأيديولوجيّ، فسيكونُ بالإمكانِ تقييم أيديولوجياتِه المذهبيةَ شبهَ الباطنيةَ كعباراتٍ ومَقولاتٍ ديمقراطية. هذه الحركاتُ الشعبيةُ الديمقراطيةُ المُعاشةُ حتى مُستَهَلِّ القرنِ التاسعِ عشر، سوف تدخلُ سياقاً جديداً مع تغلغُلِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ الشرقِ الأوسط. فبينما تتبَعثَرُ الأنظمةُ الإمبراطورية، التي تُعَدُّ قوةً مُهيمنةً قديمة، تحت ضغطِ الهجماتِ الدولتيةِ القومية، فإنّ الدولَ القوميةَ الصغيرةَ التي احتَلَّت مكانَها بدلاً منها، سوف تُثقِلُ من وطأةِ قضيةِ الديمقراطيةِ أكثر. فالدولُ القوميةُ تُمَثِّلُ اغتراباً مُضاعَفاً: الاغترابُ بوصفِه سلطةً متبقيةً من المدنيةِ القديمةِ من جهة، واغترابُ الدولةِ القوميةِ الذي تَفرضُه الحداثةُ الرأسماليةُ من الجهةِ الثانية. واحتكارُ السلطةِ المُضاعَفُ يُسَلِّطُ على ثقافةِ الشعبِ أنظمةً تَبلغُ حَدَّ الإبادة. ذلك أنّ التحولَ الرأسماليَّ المُطَبَّقَ بِيَدِ الدولة، يسيرُ بالتداخُلِ مع التحولِ البورجوازيِّ والفاشيّ. وسوف تَشهَدُ تركيا هذه المرحلةَ بكثافة مع حُلولِ القرنِ العشرين. وما الحركةُ التي تَسَمَّت باسمِ “جمعية الاتحاد والتَّرَقّي”، سوى تعبيرٌ عن هذه الحقيقة.

كلُّ الدلائلِ تُشيرُ إلى أنّ جمعيةَ الاتحادِ والترقي نموذجٌ مُصَغَّرٌ من الحزبِ الوطني الفاشيِّ الإيطاليِّ[1] والحزبِ القوميِّ الاشتراكيِّ العمالي الألمانيِّ[2] في أعوامِ العشرينيات. وعيشُ تطوراتٍ مشابهةٍ في العديدِ من البلدانِ المُتَرَسمِلَةِ مؤَخَّراً ليس أمراً تصادفياً، بل معنيٌّ بِبُروزِ حضورِ الحداثةِ الرأسمالية. ومسؤوليةُ البورجوازيةِ البيروقراطيةِ في ذلك مُعَيِّنة، حيث تُعَوِّلُ – فقط وفقط – على الصراعاتِ الطبقيةِ الطاحنةِ وعملياتِ الإبادة، للتمكنِ من إخراجِ نفسِها منيعةً من أزمةِ الحداثةِ المُزدادةِ استعصاءً.

يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….

[1] الحزب الوطني الفاشي الإيطالي: أنشأه بينيتو موسوليني كوسيلة للتعبير السياسي عن الفاشية. لكنهم تصرفوا كرجال عنف وعصابات. وقد لبسوا القمصان السواداء التي أصبحت مع الهراوة علامتين تميزان حركة موسوليني. حكم إيطاليا بين 1922-1943 في ظل نظام استبدادي شمولي، حيث بدأ بإلغاء كل الأحزاب الأخرى، فكان على الشعب أن يصوت للحزب الفاشي فقط، وكان على الشباب أن يتعلموا مبادئ الفاشيين، وعلى الصغار الالتحاق بمعسكرات التسييس الفاشية لإعدادهم كجنود صغار (المترجِمة).

[2] الحزب القومي الاشتراكي العمالي الألماني:أو الحزب النازي. أسسه آنتون دريكسلر وكارل هارير 1919. ثم ترأسه هتلر الذي كان يحلم بإقامة دولة قائمة على تفوق الجنس الآري. كانت رؤيا الحزب وأسسه المبنية على العنصرية، الذريعة الأولى لاحتلاله مناطق واسعة، وارتكابه جرائم ضد الإنسانية، لم ير لها التاريخ نظيراً، من معسكرات الاعتقال إلى المحرقة إلى التعذيب والتهجير القسري وغيرها. انتهى به المطاف إلى دخول الحرب العالمية الثانية، التي كانت نهاية لمسيرته في حكم ألمانيا لأكثر من خمسة عشر عاماً (المترجمة).

 

[1] مذهب الإشراق (illuminationism) أو (İşrakîlik): ويعني كلمةً “تجلي النور” أو “إشراق الشمس”، والمقصود بذلك ظهور الحقيقة وانكشافها. والإشراق في كلام الحكماء يعني ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها على الأنفس الكاملة عند التجرد عن المواد الجسمية. وهو تيار فلسفي وصوفي في آن معاً. تعد هذه المدرسة إحدى أكبر التيارات في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وراصفة أرضية تيار الإشراق الغنوصي. تختلف الحكمة الإشراقية عن الفلسفة الأرسطية باعتمادها على الذوق والكشف والحدس بدل الاستدلال والعقل. من أهم حفنة المأثورات المتبقية حتى يومنا من هذا التيار كتابا “حكمة الإشراق” و”نزهة الأرواح” (المترجِمة).

[2] الطريقة المولوية: إحدى الطرق الصوفية السنية. أسسها الشيخ جلال الدين الرومي، ناظم معظم الأشعار التي تنشد في حلقة الذكر المولوية (1207 – 1272). اشتهرت الطريقة بتسامحها مع أهل الذمة ومع غير المسلمين، وبالرقص الدائري لساعات طويلة حول مركز دائرة يقف فيها الشيخ، ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى الصفاء الروحي فيستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي. يؤمن المولويون بالتسامح غير المحدود، وتقبُّل الآخرين، والتفسير والتعقل الإيجابي، والخير، والإحسان، والإدراك بوساطة المحبة. يسمى المريد المولوي بالـ”درويش” والتي تعني الفقير أو الممتن بأقل الحاجات المعيشية (المترجِمة).

[3] الطريقة البكداشية: طريقة صوفية شيعية سرية. تأسست في القرن الثالث عشر عن طريق الحاج بكداش ولي. الارتباط بعلي بن أبي طالب صفة أساسية للبكداشية (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.