خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:

هذا ولا يمكن الاستخفاف بنصيبِ حركةِ الاشتراكيةِ المشيدةِ أيضاً في ذلك، حيث اختارت الدولةَ القوميةَ والصناعويةَ هدفاً أساسياً لها، رغم كونِهما عنصرَي الحداثةِ الجاهدةِ لترسيخِ نفسِها كنظامٍ في المرحلةِ نفسِها. هكذا، صار الديموس، أي الشعب بذاتِه، وليس الديمقراطية لوحدِها، وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ الوجودِ أو العدمِ من حيث كونِه كياناً ثقافيّاً. حيث بالمستطاعِ اعتبار مراحل الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية وما بينهما كفترةِ طيشِ الحداثةِ الرأسماليةِ في حسمِ نفوذِها القاطعِ على الصعيدِ العالميِّ بعناصرِها الثلاثةِ الرئيسية (الرأسمالية، الدولتية القومية، والصناعوية). فبينما عانت العديدُ من الأممِ الشعوبِ والثقافاتِ من نيرِ هذا الطيش، وشَعَرَت بمخاطرِه حتى النخاع، فإنّ تلك التي وَجَدَت فرصةَ الخلاصِ منها، لم تتمالكْ نفسَها من تضخيمِ ذاتِها، والاستسلامِ بالتالي للنظامِ الحاكم. في حين أنّ الأمميةَ الثالثةَ التي لَم تستطِع تَخَطّي الحداثوية، لم تُحرزْ مكاسباً تُذكَر على دربِ الديمقراطيةِ من خلالِ تجربتَي جبهةِ الكادحين والشعوب (جبهة الشغيلة) والجبهةِ الموحدة ضد الفاشية، اللتَين سعت لتطويرِهما في ثلاثينياتِ القرنِ العشرين. كما أنّ الديمقراطيةَ الليبراليةَ المنتعشةَ في فترةِ الحربِ الباردةِ اللاحقةِ للحربِ العالميةِ الثانية، والديمقراطيةَ الشعبيةَ للاشتراكيةِ المشيدة، كانتا في جوهرِهما إنكاراً للديمقراطية. فخوضُ صراعِ الهيمنةِ بطلاءِ الديمقراطية، كان مجردَ مسألةٍ تكتيكيةٍ لا غير. وانهيارُ الاشتراكيةِ المشيدة، كان في حقيقةِ الأمرِ انهياراً لِلّيبراليةِ أيضاً. بالتالي، وبينما اهتزَّ عالَمُ ما بعد التسعينيات مع الأزمةِ البنيويةِ المتجذرةِ للنظامِ القائم، فقد فرضَت قضيةُ الديمقراطيةِ حضورَها في جدولِ الأعمالِ بكلِّ ثِقَلِها. حيث عَمِلَت على إعادةِ تعريفِ نفسِها شكلاً ومضموناً على الصعيدِ العالميّ، وعلى تصييرِ نفسِها نظاماً ممنهجاً في هيئةِ العصرانيةِ الديمقراطية.

بينما باتت تركيا وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ الوجودِ أو العدمِ في هذه الفترةِ من عدمِ الاستقرارِ في العالم، فقد حظِيَت من الجهةِ الأخرى بفرصةِ تحقيقِ بدايةٍ جديدةٍ كجمهورية. يُمكن اعتبار مصطفى كمال باشا والجمهورية كيانَين متطابقَين، بوصفِه شخصيةً تاريخيةً حَقَّقَت تنفيذَ هذه البداية. وتحليلُ هذَين الكيانَين لا ينفكُّ يحظى بأهميتِه حتى في راهننا. في الحقيقة، إنّ مصطفى كمال يَبسطُ للعَيان مدى هذه الأهمية، عندما يُبَيِّنُ بذاتِ نفسِه أنه احتفظَ بفكرةِ الجمهوريةِ سِرّاً باح به في اليومِ المناسب. وبقدرِ سؤالِ “تجاه ماذا شُيِّدَت الجمهورية، وكيف؟”، فإنّ سؤالَ “من أيةِ أكوانٍ انبَثَقَت؟” أيضاً لا يزالُ عالقاً بلا جواب. وهل كانت ديمقراطيةً اسماً، أم لا؟ ولماذا تمّ بلوغ هذا الوضع، إنْ كانت ليست كذلك؟ إنها أسئلةٌ أساسيةٌ ينبغي الردَّ عليها بنحوٍ صحيح. حيث أنّ التمكنَ من الاستيعابِ الكاملِ لقضيةِ الديمقراطية، التي تُوصِدُ أبوابَ الحياةِ بأكملِها في تركيا راهنناً، غير ممكنٍ إلا بتحليلِ الحقائقِ الكامنةِ وراء هذه التساؤلات.

لا يكفي البحثُ والتمحيصُ في تاريخِ تركيا القريبِ لوحدِه، من أجلِ تسليطِ الضوءِ على هذا الموضوع. فمثلما الحالُ في كلِّ بلدٍ من بلدانِ العالَم، لا يُمكنُ فهم وضعِ تركيا ومثيلاتِها، إلا ارتباطاً مع المدنيةِ الأوروبيةِ المهيمنةِ المتنامية. يَشهَدُ النظامُ المهيمنُ أقوى موجاتِ العَولمةِ في تلك المرحلة. لذا، ساطعٌ تماماً أنّ دراسةَ التطوراتِ الجاريةِ في الأقاصي النائيةِ بمنوالٍ منفصلٍ عن النظامِ المهيمن، سوف تبقى ناقصة. الأمرُ الثاني الهامّ، هو العلاقاتُ المحتَمَلةُ بين التحولِ الذي شَهِدَته تركيا والانطلاقاتِ الأصليةِ الحاصلةِ في أوروبا. والمصطلحُ المفتاحُ هنا هو “اليعقوبية” Jakobenizm. ذلك أنه، ومن دونِ فهمِ حركةِ اليعاقبة، التي ظهرت بأنقى أشكالِها في الثورةِ الفرنسية، وفَرَضَت حضورَها في كلِّ ثوراتِ الحداثة؛ سوف لن نستطيع إدراك اليعقوبيةِ ونتائجِها البارزةِ في الأصقاعِ الأخرى من العالَمِ أولاً، وفي تركيا ثانياً.

يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.