قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا
ظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:
تظهرُ قضيةُ الديمقراطيةُ إلى الوسطِ بوصفِها ظاهرةً كونية، لدى تَوَجُّهِ الإدارةِ الهرميةِ العُليا في المجموعاتِ القَبَلِيّةِ صوبَ التَّمَيُّزِ والانفصال. فالتَّمَيُّزُ الإداريُّ في المجتمعِ القَبَلِيِّ الذي يحتوي بين ثناياه على الديمقراطيةِ الطبيعية، إنما يَجلبُ معه نهايةَ الديمقراطيةِ الطبيعيةِ تلك. والانتقالُ من الهرميةِ نحو الدولةِ الاستبدادية، يُوَطِّدُ هذا السياق. وتتحدَّدُ ملامِحُ أنظمةِ المدنيةِ مضموناً من قِبَلِ هذا السياق. تَبسطُ المدنيةُ نفوذَها بمنوالٍ محدودٍ على المجتمع، إلى حينِ عهدِ الرأسماليةِ في أوروبا. ويَصُونُ المجتمعُ بِدَورِه قوتَه الأخلاقيةَ والسياسيةَ الكامنة. وبالامتيازاتِ التي تَعتَرِفُ بها المدنيةُ الأوروبيةُ لظاهرتَي الأمةِ والدولةِ القوميةِ بِحُكمِ الرأسماليةِ والصناعوية، فإنها تَقومُ بتمزيقِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ حتى الأغوار، وتتسللُ إلى قاعِه. يُؤدي هذا التسللُ إلى تَحَكُّمٍ لا نظيرَ له في التاريخ، من حيث كَونِه احتكاراً للسلطةِ الأيديولوجيةِ ورأسِ المال. هكذا تُقحِمُ الحداثةُ الفردَ في أَوهَنِ الحالات. وتَدُورُ المساعي لكَبحِ جِماحِ النضالاتِ المُخاضةِ عن طريقِ الإصلاحاتِ المحدودة. أي أنّ الديمقراطيةَ الأوروبيةَ تَجهَدُ للإبقاءِ على الفردِ والمجتمعِ صامِدَين من خلالِ الإصلاحات. وتُشَكِّلُ حقوقُ الفردِ وحرياتُه وقانونُ الدولةِ مضمونَ هذه الديمقراطيةِ وإطارَها. ويُعَبِّرُ الاتحادُ الأوروبيُّ عن الحالةِ النظاميةِ لهذه الأرضية. لكن، ونظراً لاستمرارِ النظامِ الاحتكاريِّ ببسطِ سيطرتِه من الأعلى، فإنّ النظامَ الديمقراطيَّ البارزَ لن يتعدى كونَه نظاماً سلطوياً مُحَجَّماً وخاضعاً للمراقبةِ إلى أقصى الحدود. هكذا تستمرُّ قضيةُ الديمقراطيةِ بوجودِها.
تَنتَقِلُ الكلاناتُ السيبيريةُ المُمَيَّزَةُ بطابعِها إلى عيشِ ثورتِها النيوليتيةِ الخاصةِ بها في أعوامِ 4000 ق.م بتأثيرٍ من الثورةِ النيوليتيةِ ذاتِ الأصولِ الشرقِ أوسطية، وذلك في غضونِ السياقِ المبتدئِ بانحسارِ الجليدِ من حوافِّ سيبيريا الجنوبيةِ اعتباراً من أعوامِ 7000 ق.م. وفي أعوامِ 2000 ق.م، يبدأُ الانتقالُ من الهرميةِ صوبَ المدنية، أي صوبَ الدولة. حيث تَظهَرُ أولُ مدنيةٍ مَركَزُها الصينُ الحاليةُ على مسرحِ التاريخِ في أعوامِ 1500 ق.م. وتَخُوضُ صراعاً مستمراً مع الأنسابِ المُجاوِرةِ لها، والتي تُعَدُّ الأسلافَ الأوائلَ للشعوبِ القاطنةِ في اليابانِ وكوريا وفييتنام وبلادِ المغولِ وتركستان الحالية. بالمقدورِ تقييم هذه الصراعاتِ على أنها ديمقراطيةٌ طبيعيةٌ في وجهِ المدنيةِ الصينية. يُلاحَظُ أنه يَجري ذِكرُ أَسلافِ الأتراكِ الحاليين لأولِ مرةٍ في سجلاتِ التاريخِ الصينيِّ باسمِ الهون. ونظراً لِكَونِ أنسابِ الهونِ قد شَهِدَت ديمقراطيةً بدائية، فإنها تبقى على صراعٍ دائمٍ مع المدنيةِ الصينية، بحيث لا يُمكنُ إضفاء طابعِ المدنيةِ عليهم بسهولة. ولدى مُلاقاتِها الصعوبة، تتوجهُ صوب الغرب. ويَستمرُّ الهونُ الغربيون بوجودِهم في أعوامِ 400 الميلاديةِ ضمن مساحةٍ واسعةٍ تمتدُّ حتى أوروبا الوسطى وروما. ولكنهم لا يتخلصون من الانصهارِ في بوتقةِ المدنية. حيث يتمُّ صهرُهم باستمرار على يدِ مدنيةِ الصينِ في الشرقِ والمدنيةِ ذاتِ الجذورِ السلافيةِ في الغرب. ورغمَ مساعي كسرِ شوكتِهم عَبرَ دينِ الهندوسِ والمانويةِ قَبلَ تلك الحقبة، إلا أنّ الانكسارَ الأصلَ يُعاشُ على يدِ الإسلام. في حين أنّ تجربةِ إمارةِ جوك تُرك Göktürk، التي عُمِلَ على تشييدِها قبلَ ذلك في 550، وتجربةِ دولةِ الأويغور Uygur، التي سُعِيَ لتأسيسِها في 740، لَم تتمَكّنا من تجاوُزِ نطاقِ الكونفدرالية.
يبدأُ التوجُّه الأصلُ للأتراكِ الأوائلِ صوبَ المدنيةِ في القرنِ التاسع، حين احتَكّوا بنحوٍ جادٍّ مع الإسلامِ واعتَنَقوه. وقضايا التركياتيةِ والدمقرطة، التي ابتدأَت مع القَرَاخانات[1]ولا تزالُ مستمرةً حتى راهننا، هي على علاقةٍ وثيقةٍ مع سياقِ المدنيةِ ذاك. وعموماً، يتمّ الابتداءُ بالمدنيةِ الإسلاميةِ – التركيةِ الشرقِ أوسطيةِ تزامُناً مع سلجوقِ بيك وإمارته. فقد سعى الأتراكُ الأوائلُ إلى إبرازِ حضورِهم في مدنياتِ الشرقِ الأوسطِ قبلَ ذلك أيضاً. ولكن، من المعلومِ على أفضلِ وجهٍ أنّ استقرارَهم في الشرقِ الأوسطِ في هيئةِ أنسابٍ حاشدةٍ غفيرة، قد حصلَ لأولِ مرةٍ في عهدِ سلجوق بيك وأولاده. وعندما تَوَجَّهَ سلجوق بيك بذاتِه صوب الشرقِ الأوسطِ للاستيطانِ والاستقرارِ فيه، فقد واجَهَ تيارَين دينيَّين: المُوسَويّ والمُحَمَّديّ. والأسماءُ الموسويةُ التي سَمَّى بها أولادَه الأربعة، تشيرُ إلى مدى تأثُّرِه الجادِّ بالدولةِ الخَزَريةِ اليهوديةِ ذاتِ الأصولِ التركيةِ في بدايةِ الأمر. ولهذا السبب، لا يمكنُ حسمُ مدى أَسلَمَتِه. هذا وبالمقدورِ ربط الاستتراكِ بالإسلام، حيث لا نُصادفُ أيةَ مدنيةٍ باسمِ “تُرك” قبل ذلك، سوى “جوك تُرك” القصيرة الأجَلِ للغاية. وبالإمكان التخمين بأنّ هذا الاسمَ قد أَطلَقَه العربُ عليهم. ولكن، ينبغي الإدراك بأفضلِ شكلٍ أنّ المجتمعاتِ قبلَ بدءِ عصرِ القومويةِ كانت تُحَدِّدُ هوياتِها بأسماءِ الأديان، لا وفق النَّسَب. وحينها، إما أنْ تَعتَنِقَ الإسلامَ أو ديناً آخَر. هكذا كان أُنشِئَ الواقعُ الاجتماعيّ.
تنعكفُ الإمارةُ السلجوقيةُ اعتباراً من القرنِ الحادي عشر على بسطِ سيطرتِها الصارمةِ فوق الأنسابِ الخاضعةِ لحُكمِها. وتُقاوِمُ الأنسابُ ذلك بلا هوادة. وحسبَما يُسَجِّلُ التاريخ، فقد حَصَلَ أنْ اشتكَت أنسابُ الأوغوز تورك[2] الأولى، التي انتقلت إلى إيران عام 1017، من مدى صرامةِ وَحِدَّةِ تَسَلُّطِ الإمارة. هذا الحشدُ الأولُ، الذي يُقارِبُ الخمسَ آلاف نَسَمة، كان قد وَجَدَ الخلاصَ في الهربِ إلى إيران. واضحٌ جلياً أنّه ثمة مقاومةٌ عنيفةٌ منذ البدايةِ لدى الأنسابِ التي انتقَلَت إلى الشرقِ الأوسط، تجاه المدنيةِ التي ستتنامى في هيئةِ التمدنِ والتمايُزِ الطبقيِّ والتَّدَوُّل. هذه الأنسابُ القَبَلِيَّةُ التي تَسَمَّت باسمِ التركمان، والتي يُرادُ لها أنْ تُسحَقَ وتتحولَ إلى أقنان، إنما تُشَكِّلُ النوى الأولى للشعبِ الحاليّ. بينما، ومثلما كان أرستقراطيو هذه الأنسابِ يَستَحقِرون “التركمانيّ”، فقد كانوا لا يُحَبِّذون أيضاً تسميةَ أنفسِهم حتى باسمِ “التركيّ”. بل كانوا يُفَضِّلون ألقابَ “العربيّ” و”الفارسيّ” و”الشاه” و”السلطان”. ويَنسَون اللغةَ التركية، ويَتحدثون باللغةِ العربيةِ أو الفارسية، أو بالعثمانيةِ التي هي لغةٌ هجينةٌ ومُكَسَّرةٌ منهما. في حين أنّ النَّسَبَ التركياتيَّ الأصليَّ يُعاشُ لدى الأنسابِ التركمانية.
يتبــــــــــــــــــــــــــع……………….
[1] القراخانات (Karahanlılar): ويُدعَون أيضاً آل أفراسياب، أو آل خاقان. وهي سلالة تنحدر من قبائل القرلق التركمانية التي استوطنت منغوليا. نزحت القبيلة إلى كشغر منذ القرن الثامن الميلادي. كانوا بداية من رعايا الأباطرة اليوغور. تولوا حكم المناطق التي استقروا فيها، ثم استقلوا بالأمر. دخل حكامها الإسلام منذ القرن العاشر، ودخلوا منذ عام 1008 في صراع مع الخزنويين ثم السلاجقة. وفي 1041 انقسمت دولتهم إلى مملكتين شرقية وغربية. ومنذ عهد هارون الثاني أصبحت دولة القراخانات تحت وصاية السلاجقة (المترجِمة).
[2] أنساب الأوغوز تورك (Oğuz-Türk boyları): من الفروع الرئيسية للأقوام التركية. يعتبرون أجداد الأتراك الجنوب غربيين، ويعدون مؤسسي عدد من الممالك والإمبراطوريات الشهيرة كالسلاجقة والعثمانيين. وكلمة “الأوغوز” أو “الغز” مشتقة من كلمة السهم، والذي استخدمه السلاجقة رمزاً، حيث كانت رايتهم تحمل صورة قوس وسهم. تعد منطقة الأورال والآلتاي في آسيا الوسطى بمثابة الوطن الأم للأوغوز. أطلقت تسمية التركمان على من اعتنق الإسلام منهم (المترجِمة).