الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ
الإطار المبدأيّ:
9- مبدأ الأخلاق والضمير:
لا تعترفُ السوسيولوجيا الغربيةُ بمبدأِ الضمير. فهي تنشطُ كذكاءٍ تحليليّ، في حين يحتاجُ الضميرُ إلى الذكاءِ العاطفيّ. لذا، فالسوسيولوجيا العصريةُ المبتدئةُ كفلسفةٍ تحليلية، قد صارت تقنيةً إداريةً في راهننا. بينما يحتلُّ الضميرُ صدارةَ المبادئِ المُوجِدةِ للتأسيسِ الاجتماعيّ، ويَعملُ بوصفِه حُكماً عادلاً للمجتمع. ويَعمَلُ المجتمعِ كآلةٍ وحشيةٍ هي الأخطرُ على الإطلاق، لدى تجاهُلِ الضميرِ وتهميشه. هذا وبالمقدورِ النظر إلى الضميرِ على أنه جوهرُ الدينِ والأخلاقِ أيضاً. ولَئِنْ ما تَرَكنا التقاليدَ الجافةَ والفظةَ في الدينِ والأخلاقِ جانباً، فسيُلاحَظُ أنّ ما تَبَقّى من كِلا المؤسستَين هو الضميرُ الاجتماعيّ. الضميرُ الاجتماعيُّ هو الميدانُ الوحيدُ الذي يَلجأُ إليه من يَفتَقِرُ إلى القوةِ السياسيةِ والعسكريةِ والاقتصادية. ولدى تدميرِ هذا الميدان، فسيبقى مبدأُ القوةِ فقط في المجتمع؛ وحينها يَغدو الكلُّ ذئبَ الكلّ.
الديمقراطيةُ ليست نظاماً يَعمَلُ بلا ضمير. بينما تتأسسُ أنظمةُ القوةِ ورأسِ المالِ الاحتكاريةُ على إنكارِ الضمير. من هنا، بالإمكان تعريف الدمقرطةِ بأنها من حيثُ المضمونِ حركةُ إبطالِ إنكارِ الضميرِ ذاك، واكتسابِ الضميرِ الاجتماعيّ. ذلك لا يُمكِن حماية مجتمعٍ ضخمٍ باقٍ خارج إطارِ احتكارِ القوةِ ورأسِ المال، إلا بحركةِ الضمير. والكفاحُ الاجتماعيُّ في راهننا يعني بأحدِ معانيه اكتسابَ الضميرِ المفقود. كما لن تَبلغَ الدمقرطةُ بمعناها التام، ولن تنالَ حقوقَ وحرياتِ الأفرادِ والأقليات؛ إذا لم تُصبح حركةَ الحظيِ بِقِيَمِ الضميرِ المفقود. كلُّ هذه الحجج تقتضي بالتأكيد تفعيل مبدأ الضمير – الذي هو قيمةٌ اجتماعيةٌ مُصطفاةٌ من الدينِ والأخلاق – في حلِّ قضايا الدمقرطة.
لا يُمكنُ تحليلُ حقائقِ التطهيرِ العِرقيِّ من دونِ إدراجِ الضميرِ في الأجندة. إذ أنّ الاعترافَ بكلِّ جناياتِ وجرائمِ ومجازرِ الحداثةِ الرأسمالية، وتمهيدُ الطريقِ أمامَ ترسيخِ العدالةِ غيرُ ممكنٍ إلا في حالِ تفعيلِ مبدأِ الضمير. فالحداثةُ تَعمَلُ أساساً بمبدأِ القوةِ في كافةِ القضايا الاجتماعية. مَن يَمتلكُ القوةَ يربحُ أو يَحلُّ الأمر، ومَن يَفتَقدُها يخسرُ ولا يَعُودُ حقيقةً قائمة. وهذا هو أفظعُ مَرَضٍ كائنٍ في أرضيةِ الحداثة. وبهذا المبدأ، لا يُمكنُ للمجتمعِ إلا العودةُ إلى عربدةٍ وفوضى ليست أقل شأناً حتى من العصرِ الحجريّ. من هنا، ولَئِنْ كنا نَوَدُّ إيجادَ أجوبةٍ راسخةٍ وعادلةٍ للقضايا الاجتماعيةِ الجذريةِ تتقدمُها قضيةُ الدمقرطة، فعلينا – بالتأكيدِ – بتخصيصِ مساحةٍ لمبدأِ الضميرِ عِوَضاً عن مبدأِ القوة. وثقافةُ الشرقِ غيرُ غريبةٍ عن هذا المبدأ. بل بالعكس، قد خصَّصَت الصدارةَ له في جميعِ القضايا. ليس بمستطاعِنا التخلي عن هذا المبدأِ إكراماً للحساباتِ الجليديةِ للحداثةِ والقوة. بل نحنُ مُرغَمون على تخصيصِ الزاويةِ العُليا لمبدأِ الضميرِ واللجوءِ إليه مِن بينِ كلِّ المبادئِ الأخرى، لدى صياغتِنا الحلولَ لقضايا الدمقرطةِ في تركيا.