خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ

الإطار المبدأيّ:

10- مبدأ الدفاع الذاتيّ في الديمقراطيات:

لقد باتَ حقيقةً مألوفةً ومُبَرهَنةً علمياً أنّه ما مِن كائنٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، بدءاً من الكائناتِ أحاديّةِ الخلية، وصولاً إلى حياةِ الجُسَيماتِ الماتحتِ ذَرِّيّة، والتي اعتُقِدَ أنها جامدة، ثم أُدرِكَ أنها ليست كذلك، بل وأنها أساسُ مبدأِ الحيويةِ بِرِمَّتِها.

بالمقدورِ الملاحظةُ بكلِّ يُسرٍ وفي كلِّ لحظاتِ الحياةِ وميادينِها أنّ كائناتٍ كالمجتمعاتِ البشريةِ ذكيةٍ إلى أقصى الحدود، وذاتِ مستوىً عالٍ من المرونة، مستحيلٌ أنْ تَكُونَ بلا دفاعٍ ذاتيّ. بل حتى إنّ الحروبَ على صِلَةٍ كثيبةٍ بمفهومِ أنظمةِ المدنيةِ في الدفاعِ عن الذات، ولكن بمنوالٍ شاذٍّ ومُحَرَّف. لذا، فقد بَقِيَت المجتمعاتُ الديمقراطيةُ وأفرادُها الأحرارُ وجهاً لوجهٍ قضايا الدفاعِ الذاتيِّ الكبرى في عهدِ المدنياتِ الطبقيةِ من أجلِ حمايةِ أنفسِهم. بل حتى إنّ المجتمعاتِ المشاعيةَ البدائية، وإلى جانبِ تناقضاتِها التي شَهِدَتها فيما بينها خلالَ حَيَواتِها الطويلةِ المدى، ظلت وجهاً لوجهٍ أمام المخاطرِ المُميتةِ النابعةِ من الكياناتِ الحيةِ والجامدةِ في الطبيعة، واعتَبَرَت الدفاعَ عن الذاتِ وظيفةً أوليةً لها في كلِّ لحظةٍ وكلِّ مكان.

تأتي قضايا الدفاعِ الذاتيِّ في مقدمةِ المواضيعِ المصيريةِ تجاه القمعِ والاستغلالِ الاحتكاريَّين اللذَين تُطَبِّقُهما عناصرُ الحداثةِ الرأسماليةِ (الدولة القومية، الرأسمالية والصناعوية) على المجتمعاتِ الاقتصاديةِ والأيكولوجيةِ والديمقراطيةِ وعلى أفرادِها الأحرارِ والمتساوين. والحياةُ المجَرَّدةُ من الدفاعِ الذاتيِّ تنتهي فقط بعبوديةِ الأجر، وتُمَهِّدُ السبيلَ أيضاً أمام شتى أشكالِ البطالةِ والمَرَضِ والانحلالِ والفساد. والأنكى أنها تَحوي بين طياتِها أيضاً عدداً جماً من التطهيرِ والإفناءِ الجسديِّ والثقافيّ. إنّ الحداثةَ كنظامٍ تتركُ المجتمعَ وأفرادَه عموماً والمجتمعاتِ الديمقراطيةَ وأفرادَها الأحرارَ بشكلٍ خاصٍّ وأعتى مُرغَمين على مواجهةِ مشكلةِ الدفاعِ عن وجودِهم. وفي حالِ عجزِهم عن تحقيقِ الدفاعِ الذاتيّ، لا تتعرضُ حرياتُهم وحسب للزوال، بل ويتعرضُ وجودُهم أيضاً لخطرِ الإبادةِ والإفناء. لا تقتصرُ العناصرُ الاحتكاريةُ للحداثةِ على تعريضِ حريةِ ووجودِ المجتمعِ والفردِ للخطرِ كي تتمكنَ من الاستمرارِ بوجودِها، بل وتَستهلكُ في عهودِها الأخيرةِ أيضاً الظروفَ الأيكولوجيةَ التي لا استغناءَ عنها من أجلِ الحياة. إنّ استهلاكَ واستنفاذَ الظروفِ الأيكولوجيةِ ضربٌ من الإبادةِ المنتشرةِ على المدى الطويل، والمُسَلَّطةِ على الحياةِ بأكملِها.

إنّ المجتمعَ الديمقراطيَّ والفردَ الحرَّ مرغَمان على إيجادِ حلولٍ لقضايا الدفاعِ الذاتيِّ أيضاً، بالتزامُنِ مع التطوراتِ الثوريةِ والطبيعيةِ التدريجية، وبما يُعادِلُها. ذلك أنّ العهدَ الأخيرَ من الأزمةِ البنيويةِ للحداثةِ قد وضعَ الدفاعَ الذاتيَّ في مقدمةِ كافةِ القضايا الأخرى. لذا، فبقدرِ ما يَجبُ على كلِّ جماعةٍ أنْ تَكُونَ وحدةً Birim اقتصاديةً وأيكولوجيةً وديمقراطية، فينبغي عليها العيشَ كوحدةٍ للدفاعِ الذاتيِّ أيضاً وبنفسِ القدر. وفي الوقتِ ذاتِه، ينبغي على كلِّ فردٍ متساوٍ وحرٍّ العيشَ في وَحدةٍ أو وَحَداتٍ اقتصاديةٍ وأيكولوجيةٍ وديمقراطية، فينبغي عليه أيضاً العيشَ في وحدةٍ أو وَحَداتٍ للدفاعِ الذاتيِّ وبالمِثل. فالمَأكَلُ والمَأمَنُ والتوالُدُ الذي يَسري على كافةِ الكائناتِ الحية، إنما يُعَدُّ شروطاً ثلاثيةً للحياةِ لا استغناءَ عنها من أجلِ المجتمعِ البشريِّ بالأكثر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.