خــريطــة الطــريــق

عبدالله أوجلان

0

الإطار الاصطلاحيّ والنظريّ والمبدأيّ

الإطار المبدأيّ:

8- مبدأ التاريخانية والحاضرية:

ترتبطُ قضايا الدمقرطةِ واحتمالاتُ الحلِّ عن كثبٍ بعقدِ علاقاتٍ صحيحةٍ بين التاريخانيةِ والحاضرية. فالذهنيةُ التي تَغضُّ الطَّرْفَ عن القضايا المعنيةِ في التاريخ، وتتجاهلُ فُرَصَ حلِّها، وتَفرضُ رقابتَها؛ دعكَ من إدراكِها لقضايا الدمقرطة، بل ولكافةِ القضايا الاجتماعية؛ بل لا مَهربَ من قيامِها بزيادةِ ثِقَلِها والوصولِ بها إلى حالةٍ لا نفاذَ لها، ومن تحويلِها إلى مآزق وأزماتٍ وصراعاتٍ وحروب. المجرياتُ الحاصلةُ في التاريخ، هي الظروفُ الأساسيةُ التي تُحَدِّدُ الحاضر. والحاضرُ أو الراهن، هو عبارة عن حالةٍ يُقَدِّمُ التاريخُ فيها ذاتَه بكلِّ مشاكلِه وفُرَصِ حلِّها. الفارقُ الوحيدُ بينهما هو أنه لا يُمكننا التدخل في الماضي، في حين بمقدورِنا التدخل في الحاضر، في الراهن. حيث بمستطاعنا تغيير الراهن تأسيساً على الأرضيةِ الفكريةِ والقوةِ الماديةِ للتدخل. كما بإمكاننا تسريعُ عجلةِ التغير، أو تغيير مسارِه، أو تصييره حراً، أو أكثر عبوديةً. هذا أمرٌ متعلقٌ تماماً بأوضاعِ قوى التدخل. المهمُّ هو الجوابُ الذي سيُعطى على سؤالِ: “كيف ينبغي عكس الماضي بحلقتِه التاريخيةِ الرئيسيةِ على الحاضر؟”. إنّ تحليلَ الحاضرِ بوصفِه تعبيراً عن الميادينِ المعنيةِ بالقضايا التاريخيةِ التي نهتمُّ بها على وجهِ الخصوص، يُشَكِّلُ مفتاحَ الحلِّ للقضايا الاجتماعية. وبهذا المعنى، كلما تَمَكَّنّا من استيعابِ التاريخ، فسيصبحُ أكبرَ مصدرٍ للقوةِ لدينا. والعاجزون عن فهمِ التاريخِ بعينٍ سليمةٍ وتدوينِه صحيحاً؛ سيَكُونُ فهمُهم للحاضرِ وتحريرُهم إياه، ودَمَقرَطَتُهم له احتمالاً ضعيفاً للغاية. والحرياتُ والدمقرطاتُ التي ستُعاشُ بقبضةٍ من اليد، لن تَكُونَ دائمةً راسخة، بل قد تَفلتُ من أيدينا بالطريقةِ التي حظيناها بها.

يتوجب الإدراك على أفضلِ وجهٍ أنّ المجتمعَ بذاتِه أرقى تاريخ. وإذا لم نتعرفْ على هذا الوجهِ من المجتمعِ الذي هو تاريخٌ بِحَدِّ ذاتِه، فلن يتبدى للعيان احتمالُ التمكنِ من إنقاذه من قضاياه، والبلوغِ به إلى نمطِ حياةٍ وحلولٍ ديمقراطية. ولهذا السببِ بالضبط يَكُونُ أولُ عملٍ يقومُ به المستبِدّون هو القضاءُ على الذاكرةِ الاجتماعية. بالتالي، أولُ ما ينبغي على الديمقراطيين فعله، هو تَبَنّي الذاكرةِ الاجتماعية، أي تَبَنّي التاريخِ بكلِّ حقائقِه. وأفدحُ تخريباتِ الحداثةِ الرأسمالية، هو إلحاقُها الضرباتِ القاضيةَ بالذاكرةِ البشرية، وتقديمُها الحاضرَ وكأنه بلا نهاية، أو بالأحرى كأنه نهايةُ التاريخ. كلُّ شيءٍ في منظورِها عبارة عن حاضرٍ مَحصور. والمَرَضُ المُسَمّى بالفردية، على صِلَةٍ بهذا المفهوم. أي أنّ الفرديةَ القائلةَ “عِشْ وطَنِّشْ”، متعلقةٌ بإنكارِ المجتمعِ التاريخيّ. ومن المستحيل عقد الأملِ في هكذا ذهنيةٍ على الحقيقةِ الاجتماعيةِ أو على تجسيدِها العَينِيِّ متمثلاً في المجتمعيةِ الديمقراطية. من هنا، فالفرديةُ الليبراليةُ بجانبِها هذا تعني إنكارَ الديمقراطية. إنّ رؤيةَ اللحظةِ في التاريخ، ورؤيةَ التاريخِ في اللحظة يُعتَبَرُ المبدأَ الصحيحَ لعلمِ الاجتماع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.