من إدراك الإنسان لذاته واتساع الوعي لديه إلى مرحلة الطوطمية وظهور اللغة وتشكل المعابد

0

أحمد بيرهات

تمهيد:

“الإنسان ليس شيئاً بديهياً وإدراكه لذاته ليس معرفة بديهية والانتقال بالذات أو الهوية من واقع صلب وكيان أنطولوجي قائم بمعزل عن الوعي والفكر وأحياناً بمعزل عن الزمان والمكان إلى معرفة متحصلة بواسطة الكلمات واللغة وموضوع من موضوعات الوعي، هو جوهر الوعي بالذات بالمعنى الفردي والجماعي لهذه الكلمة فالهوية لا توجد خارج الإنسان والإنسان لا ينتمي لها بل هي التي تنتمي للإنسان، أي أن الإنسان شيء أكبر من الهوية لأنه من الوعي ولأنه ينطوي على قدرة لتجاوز ذاته باستمرار كل ما يوجد في الزمان والمكان له تاريخ والتاريخ نفسه دائماً يوجد في الزمان وله تاريخ سابق وأن الوعي بهذا التاريخ هو أيضاً وعي تاريخي وأن هذا الوعي يتم من خلال العقل وأن العقل نفسه يوجد في الزمان وخاضع للتاريخية.

بمعنى أن العقل يختلف ويتغير بمرور الزمان وليس جوهراً نهائياً مطلقاً لذلك الوعي بالإنسان والكون سوف يؤدي إلى الخروج من حالة الجمود والتعصب وحالة اللاتسامح مع الآخر.

إدراك نسبية الإنسان يمثل شرطاً ضرورياً للمضي للأمام والبحث عن آفاق جديدة للمعرفة والوجود، فالخطابات الدينية نفسها أنتجها عقل إنساني”. 1

فالوعي هو المحرر وهو السجن في الوقت نفسه.

سنحاول في بحثنا هذا البحث في ثنائية الكون والإنسان وتشكل اللبنات الأولى للوعي وإدراك الإنسان لذاته عن طريق العقل ومحيطه الخارجي وتأثير الطبيعة في ذلك وكيفية تحصيله للمعارف وتطور اللغة عبر مراحلها وتشكل خيال الإنسان والبحث عن هويته المجتمعية ودور المعابد والرهبان في ذلك.

 

ثنائية الكون والإنسان

الكون يعني كل ما هو موجود فهو يشمل الزمان والمكان كله.

“نحن جميعاً جزء من الكون الذي يشمل كل ما نعرف والشمس والأرض وبقية الكواكب التي تدور حول الشمس ليست سوى نجم بين بلايين النجوم وهذا التجمع الهائل من النجوم يسمى بالمجرة.

نظرية الانفجار(بيغ بانغ) هي النظرية السائدة لنشأة الكون وأُطلقت هذه التسمية لأول مرة من قبل الفلكي الإنكليزي فريد هويل عام 1949، وقد بدأ هذا الانفجار منذ 13,8 مليار عام تقريباً بانفجار كتلة ابتدائية مضغوطة جداً، بعد التمدد الأول برد الكون بما يكفي لتكوين جسيمات دون ذرية كالبروتونات والنيترونات والالكترونات، ومعظم الذرات التي نتجت عن الانفجار العظيم كانت من الهيدروجين والهيليوم مع القليل من الليثيوم، ثم التئمت سحب عملاقة من تلك العناصر الأولية بالجاذبية لتكون النجوم والمجرات واعتمد على نظرية إينشتاين (1879-1955) النسبية كإطار عام لنموذج الانفجار العظيم

تتألف مجرتنا “درب التبانة” أو “الدائرة اللبنية” من حوالي مئة بليون نجمة تدور كلها حول مركز المجرة بسرعة متفاوتة ولهذه المجرة شكل قرص تقع الشمس مع مجموعتها في موضع أقرب قليلاً إلى حافته منه إلى مركزه.

ويظن علماء الفيزياء الفلكية أن “درب التبانة كان قد نشأ منذ 12-14 مليار سنة تقريباً وأن نجم متوسط العمر تكوّن منذ 12.3 مليار سنة.

تقديرات عمر الأرض تقدر ب 4 أو 5 مليارات من السنين اعتماداً على:

1- دراسة المواد المشعة التي يعثر عليها في القشرة الأرضية.

2- وعلى فحص الاجسام المماثلة الموجودة في النيازك لان النيازك هي بقايا أجرام سيارة اخترقت جو الأرض وسقطت على الأرض بفعل الجاذبية”. 2

تسمح البيئة على الأرض بالحياة بسبب بُعدها المناسب عن الشمس ووجود الماء والأوكسجين والكربون والنيتروجين التي تكون المادة الحية.

“نظام الجماعات البشرية الذي دام مرحلة اجتماعية طويلة تبدأ بانفصال الموجود الإنساني عن فصيلة الثدييات الرئيسية البدائية وتنتهي بظهور المجتمع الهرمي وعادةً ما تطلق تسمية المرحلة الباليوليتية (العصر الحجري القديم)  والباليوليتية (العصر الحجري الجديد) على هذه الحقبة من التاريخ البشري وتعود التسمية إلى استخدام تلك الجماعات الأدوات الحجرية، كانت تلك الجماعات تتغذى على الصيد وجمع الثمار شبيهة بما تسلكه الفصائل الحيوانية القريبة منها في قوتها لذا لا يمكن الحديث هنا عن وجود مشكلة اجتماعية”. 3

“إن العطاء النابع من ملاءمة المناخ لأجل الجماعات البشرية في هذه البقعة (ميزوبوتاميا)، واحتضانها عدداً جماً من النباتات والفواكه على شكل حقول طبيعية، واحتواءها غنى وافراً من حيوانات الصيد، ووجود كهوف مُثلى للحماية والامن، وتأمينها الغزارة القوية للأنهار والينابيع، كل هذه المزايا كانت مناسبة لدرجة جعلتها تمهد السبيل  لظهور مصطلح “الجنة” في ذاكرة البشرية لاحقاً، وبمقارنة هذه المزايا الإيجابية الآنفة الذكر مع الصحارى والبوادي الواقعة في مناطق الجوار، يصبح تعشش ثنائية الجنة-النار كإحدى الاصطلاحات الأساسية في ذاكرة الإنسانية أمراً مفهوماً وانطلاقاً من هذه المزايا يمكننا الافتراض بكل سهولة أن هذه الساحة الميدان الثاني الهام لتجمع وتكاثف النوع البشري بعد “ريف” أفريقيا الشرقية “العيش المهيأ لفقس وتفريخ التطور الحضاري في تاريخ البشرية هذا، هو ويمكن تقديسها باعتبارها موطن تدوين، أو بالأحرى نشوء، القصص الملحمية والأساطير الإنسانية، لتكون الثورات العظمى اللاحقة ثماراً لملاحم التقديس تلك”. 4

الإنسان: هو الكائن الذي يُصنف ضمن خانة الجنس البشري Homo Sapiens (الإنسان العاقل).

“يمكننا تصور الإنسان كترتيب منتظم ومتسق للمادة الحيوية المفكرة ومثلما أن تصوراتنا لا تعتبر الانسان مجرد مُجمع من المادة، فهي لا تنظر إلى المادة كبنية خالية كلياً من الحس الحي. في حين أن عقد الروابط بين المادة ذات الحس الخاص بها، وبين معنى الانسان المتجاوز لكونه مجمعاً من المادة الصرف يُعد مشكلة إدراك عصيبة وعويصة.

مجموعة الحقائق المتكاثفة في الانسان:

1-الذرات التي تشكل منها بنية المادة، تتميز بوجود وتكوين غني للغاية في الانسان، سواء من جهة تعدادها أو ترتيبها.

2-يتميز الانسان بأفضلية تمثيله لكافة البنى النباتية والحيوانية للعالم البيولوجي (علم الأحياء).

3-أسس الانسان أرقى أشكال الحياة الاجتماعية.

4-يتمتع الإنسان بعالم ذهني مرن للغاية وحر للغاية.

5- يمكنه العيش بشكل ميتافيزيقي.

وتعتبر هذه الخصائص بداية صحيحة لفهم الكون”. 5

العقل: هو مجموعة من القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي-المعرفة-التفكير-الحكم-اللغة والذاكرة.

ومن خصائصه:

1-“يتميز بمرونة للغاية ومن النادر جداً وجود بنى ذهنية- من المتعارف عليها في الكون-قادرة على الاختيار والانتخاب الحر فيما خلا عقل الإنسان.

2-يتميز ببنية ذهنية مرة منفتحة لتلقي كم كبير من الإدراكات الصحيحة، بقدر تلقي الخاطئة منها، وتأسيساً على هذه الميزة، بالإمكان تحريف وتوجيه هذه المرونة كيفما يراد، وفي كل لحظة من خلال الضغط وعبر شبكة العواطف والمشاعر ولهذا السبب، يتم اللجوء إلى سياسات العصا والجزر الساعية لاصطياد العواطف والايقاع بها عبر آليات القمع والتعذيب والقهر إلى جانب الأساليب التضليلية والإيقاع بها.

فالاختيار الحر غير ممكن بالغالب إلا بتحقيق استقلالية العقل وثمة عُرى وثيقة بين الإدراك الغني الشامل والتمتع بالاستقلالية وما يقصد باستقلال العقل هنا قابليته للتحرك بموجب معايير العدالة بالأغلب.

المرونة التي يتميز بها ذهن الإنسان هي الأرقى في مستواها

تتميز البنية العقلية للإنسان بمرونة بالغة لأنها تتكون من القسم القديم في الدماغ (الفص الأيمن منه ) الذي يُعنى بالفكر العاطفي، والذي هو أرقى و أكثر تطوراً نسبة لمسيرة التطور التدريجي، ومن القسم الجديد(الفص الايسر من الدماغ) الأقرب إلى الفكر التحليلي، والقابل للتطور الدائم، في حيث أن الفكر والعاطفة متساويان في المستوى على وجه التقريب لدى عالم الحيوان، فالمشاعر والعواطف تتجاوب مع ما تعلمته، أي تقوم بما هو مطلوب منه، من خلال الافعال المنعكسة (وهو رد فعل آلي مباشر على منبه خارجي وهو ظاهرة عصبية بسيطة مخصوصة بغدة أو عضو حركي). المشروطة والغير مشروطة وهي ردود فعل تلقائي وآني بمجرد قربه من نار محرقة، دون الحاجة للفكر التحليلي والتمهل

ولكن، إذا ما تسلق قمة أفرست، فيشرع حينها بتحليل المئات من الظروف والشروط ليقرر بعد دراستها بإمعان فيما إذا سيتسلقها أم لا، لا يمكن البحث عن الخداع والضلال في الفكر العاطفي، حيث يتصرف الإنسان كيفما تكون ردود الفعل الفطرية(الغريزية)

في حين أن الفكر التحليلي قد يتطلب سنيناً طويلة إذا فمن الأولوية معرفة طبيعة العقل جيداً” 6

ذكاء الإنسان:

هي القدرات العقلية المتعلقة بالقدرة على التحليل والتخطيط وحل المشاكل وبناء الاستنتاجات وسرعة التصرف والقدرة على التفكير المجرد وجميع وتنسيق الأفكار والقدرة على الإحساس وإبداء المشاعر.

فذكاء الإنسان يجعلنا نطرح بعض الأسئلة متعلقة بالإنسان والحياة وقضايا فلسفية هامة

“كم بالمستطاع التفكير بذكاء مجرد من الوجود والتطور الطبيعي؟

كم هو واقعي التفكير بحصر ظاهرة الذكاء بالإنسان فقط؟

فحتى الموت يتبدى كضرورة اضطرارية لإدراك الحياة، وبالتالي الوجود؟

حيث بمقدورنا الجزم باستحالة إدراكنا للحياة لو لم يكن الموت فالحياة اللامتغيرة اللانهاية تغير في مضمونها اللاحياة، لا وجود فيه لأي شيء حتى في هذه الحالة يبدو الموت وكأنه ضرورة لا ملاذ منها لكي تتحقق الحياة، لِمَ نهابهُ ونخافه وكأنه نهاية الحياة، رغم وجوب اعتباره نعمة؟ وعوضاً من الخوف من الموت من الأنسب فهم وإدراك الحياة الممكنة بفضل الموت والانطلاق منها لنيل النتائج المرجوة للمشاركة الكونية، فكيفما يستحيل الفرار من قبضة الموت، هكذا مُحال الهرب من الحياة أيضاً، أو يَلوح أن الهدف الوحيد من الحياة هو العثور على لغز الكون وأسراره في تحليل هذه الثنائية، إذا بمستطاعتنا تسمية وضع المعرفة التامة والوقوف عند أسرار الكون وإدراكها بالنصر النهائي للحياة، من هنا يمكننا النظر إلى مفهوم الجنة في الكتب المقدسة والنيرفانا في البوذية والوجد في الصوفية على أنها تقديس الحياة وتصييدها عيداً دائماً”. 7

الإدراك: هو اعتقاد أو رأي يحتفظ به الناس اعتماداً على هيئة ظهور الأشياء (الادراك الحسي-الادراك العقلي)

كلما ما ذكر آنفاً هو الاعتقاد ” بأن البحث في المادة داخل الإنسان هو الأسلوب الأقرب إلى الصحة.

فالإدراك الصحيح غير ممكن لدى الإنسان إلا بالاستبطان (أي الدخول في باطن الشيء)

إن مكان المبادئ الأساسية موجود في الإدراك الحسي فيما يخص الإنسان

بالمستطاع ملاحظة كافة القوانين الفيزيائية والكيميائية في الإنسان على نحو أقرب إلى الكمال بمستوى الانتظام والترتيب الفني الموجود في الإنسان ويمكن الوصول إلى المعلومة الفيزيائية أو الكيميائية الأقرب إلى الصحة عبر بنية الإنسان كما يمكننا استيعاب كيفية جريان التحول بين المادة-الطاقة والتفاعلات الكيماوية (الأيض) (والتي تعني مجموع العمليات المتصلة ببناء البروتوبلازما ودثورها وبخاصة التغيرات الكيماوية في الخلايا الحية).

الأوسع والأغنى الحاصلة عبر بنية الإنسان، علاوة على أن أغنى ضروب استنتاج المعاني السليمة فيما يتعلق بالعلاقة المتبادلة بين المادة-الطاقة موجودة في الإنسان إضافة إلى إمكانية التماس الوحدة بين المادة-الطاقة-الفكر في دماغ الإنسان”. 8

الاستنتاج والاستنباط مما ذكر هو أن:

“الإنسان محظوظ بالقدرة على معرفة الكون بأفضل الأشكال داخل الإنسان باعتباره نوعاً بيولوجياً حيوياً

كل الموجودات في العالم مختزلة في الإنسان ذاته، ويمكن مشاهدة كافة مزايا الحياة التي ندركها في عالمي النبات والحيوان أيضاً، وهذا ما معناه من ناحية ما أن الإنسان هو غاية التطور لعالمي الحيوان والنبات وهو وريثهما”. 9

التعريف ببعض المصطلحات يحمل أهمية قصوى لِمّا نصبو إليه في بحثنا:

الوجود: يعني كل العالم المحيط بنا والموجود موضوعياً بغض النظر عن وعينا فالوجود هو كون الشيء حاصلاً بنفسه وبالتجربة، أما حصوله فعلياً فيكون موضوع إدراك حسي أو وجداني فالوجود هو الحقيقة الواقعية الدائمية ولا يمكن عزل الوجود عن المادة.

الكينونة: يشمل الميزات الموضوعية والذاتية للواقع والوجود كما أن أي شيء يشارك في الوجود يسمى “كينونة” ويستخدم على الكيانات التي لديها ذات كما الإنسان، لأن الكينونة الوحيدة القادرة على إدراك الوجود.

فالكينونة هي الحياة، إنها الوجود وتعبيراً لها في مختلف نواحي الحياة في التفكير والتكلم والعمل والاختبار والشعور وإن جميع نواحي لها أساسها في الكينونة.

“تكييف ديناميكية النشوء الكوني مع واقع المجتمع بسبب الوجود وإذا كان الوجود(الكينونة) يسعى لإيجاد الجواب لقضية ما بحد ذاتها فحينها ينبغي القفز إلى سؤال: لماذا نحن موجودون إذاً؟

فلولا الوجود، لما كان ثمة داع لهذا السؤال بالأساس حيث لا مكان لما ليس موجوداً، أي، وفي حال عدم الكينونة والوجود، لا يمكن الحديث سوى عن عدم النشوء، وعدم وجود أي شيء، وهذا بحد ذاته شيء يسمى بالهذيان والهراء.

إذا ما كنا نقبل بالكينونة والوجود، فسيكون الحديث عن نمط النشوء أمراً ذا معنى، ذلك أن كل معاني الحياة، وكل مراحل وتطور الفكر قد استشعر وحَدّسَ بأن التغير والتطور ينبعان من النشوء، فابن الام والأب يشبه أمه وأباه كثيراً ويشتمل على بقايا الاثنين و”ولكنه يمثل كياناً متمايزاً في شكل جديد (هذا الاختلاف والتمايز يجري على مهل وهو كذلك في كل حوادث الطبيعة) ويُمكن تفسيره على أنه ذرة من النشوء الأزلي وبهذا الطراز فقط يمكن” للنشوء أن يظفر بصراع الوجود.

وما هو صراع الوجود؟ كيف يكون الحفاظ على الوجود؟ إن الحفاظ على الوجود يعني الديمومة عبر تغيير الذات ولكن لماذا؟ ربما كي يثبت أنه موجود وربما لمشاهدة آلوهية وروعة الوجود والكينونة من خلال التغير.

الانسان كائن قادر على التفسير والتغيير حسبما يشاء وبقدر ما يتوافق التفسير والرغبة (أو بمعنى آخر التفكير والاحساس والطلب) مع ديناميكية النشوء والكينونة تزداد فرصة تطور الشكل الجديد بنفس القدر”. 10

“العجز عن استيعاب العلاقة بين الزمان والمكان وعدم التمكن من الادراك أن العلاقة بين الوجود والزمان تتبدى في هيئة النشوء والتكون، أي التغيير، واللاإدراك يقحم هذه العقليات حتمياً في اشكال التفكير بالتقدم على خط مستقيم أو حلزوني وأهم تجديد أتت به الفلسفة الديالكتيكية في هذا الصدد، هو ذاك المعني بجوهر التطور الكوني فالزمان والمكان غير ممكنين إلا بالوجود والنشوء، أي أن التغير ثمرة طبيعية لتواجد الوجود (المكان) والزمان، والتغير شرط لابد منه لأجل الوجود والزمان وهو برهان على تواجدهما من هنا فتحليل مضمون مصطلح التغير يتحلى بأهمية أكبر إذا ينبغي تواجد شيء لا يتغير من أجل إمكانية حصول التغير حينها يكون التغير نسبة إلى اللامتغير واللامتغير هو ما يبقى دوماً كما هو، بمعنى آخر، فالذي لا يتغير هو الوجود الوجود ذاتياً وهو الجوهر الباقي دوماً والذي ينبثق منه النشوء

استنتاج كهذا ضرورة حتمية ولا يتنافى مع العلم، بيد أن القول بأن وعي الإنسان ذو كفاءة تامة بشأن إدراك النشوء والزمان والمكان، هو أمر ميتافيزيقي، حيث أن الإنسان على المطلق أمر محفوف بالشك.

بناء عليه فعدم إنكار التغير في علم التاريخ والمجتمع، وعدم المغالاة فيه يتصف ببالغ الأهمية فالمجتمع الثقافي أكثر رسوخاً واستدامة ويشكل أصل المجتمع ووجوده أما المجتمع المتكون بمتانة ثقافياً فهو مجتمع محظوظ في تأمين وجوده وتتيح المجال أمام تغير جد محدود ووفق ذلك يجب إدراك التاريخ والمجتمع”. 11

“من المهم بمكان الإدراك وعدم الإغفال بأن طراز النشوء المعتمد على الثنائيات في الكون والذي يمكن من حصول النشوء بدءاً من الذرات اللامتناهية في الصغر وحتى التكامل على المستوى الكوني”. 12

قبل البحث في حاجة الإنسان للمجتمعية لابد من التعرف على البذرة الأولى للمجتمعية أي الكلان.

الكلان CLAN: “كلمة لاتينية تعبر عن مجموعات فرعية من القبيلة وجاءت التسمية للطبيعة القبلية للمجتمع الإيرلندي وأُدخل في اللغة الإنكليزية عام 1425، والكلانية جاءت من كلمة HOLOS الإغريقية وتأتي بمعنى الكل-التام والنظر إلى كل الأنظمة المادية المعنوية البيولوجية الكيميائية الفيزيائية الاجتماعية الاقتصادية العقلية اللغوية يجب النظر إليها على أنها متكاملة”. 13

“هو الإنسان المنتمي لقاعدة إحياء ذاته مع بقية أعضاء الكلان التي يعيش ضمنها ككل متكامل لا يتجزأ وكقانون أولي لا مناص منه تتراوح أعداده بين 20-30 شخص ولا يمكن لعضو في الكلان أن يفكر في حياة امتيازية تميزه عن غيره، كالحياة خارج نطاق الكلان بمقدوره ممارسة الصيد، بل وحتى القيام بالياميامية (أكل لحوم البشر) ولكن بشرط أن تكون بهدف إعالة الكلان القاعدة الأساسية في حياة الكلان هي: “إما الكل أو اللاشيء، إنها كتلة واحدة وشخصية واحدة ولا يمكن التفكير بوجود شخصية أو حكم مغاير لذلك بالنسبة للأفراد، أهمية الكلان في كونها الطراز الأول والأساسي لوجود الإنسان إنها شكل المجتمع الخالي من الامتيازات والطبقات واللاهرمي والجاهل للاستعمار والاستقلال، يعتمد لفترة طويلة على مبدأ التعاضد والتكافل وينقش الطبيعة في ذاكرته “كأم” انشأ وترعرع في أحضانها، التكافل بين أفراد المجتمع من جهة وبينهم وبين الطبيعة من جهة ثانية شرط أساسي

“تشكل الكلان الأرضية الخصبة لولادة المجتمع وذاكرته الاولى وأن المساواة والحرية مخفيتان في نموذج حياة الكلان بحالتيهما الطبيعية قبل أن تتحولا إلى مصطلح”. 14

الطبيعة الأولى والثانية وحتمية الانسان والمجتمع:

“كل نوع مضطر للعيش على شكل تجمعات متقاربة ومشتركة، فلا أشجار بلا غابة، ولا أسماك بلا سرب، ولكن تجمع الإنسان متميز بالماهية والنوعية، ولربما كان المجتمع إنسان أعلى، أو أنه الجهاز المنظم الذي خلق وسيخلق الإنسان الأعلى، فلو أخذنا بإنسان ما من مجتمع ورميناه في وسط غابة (بعد ولادته مباشرةً، وبعد تأمين الحصانة والحماية)، فلن ينجو من التحول إلى كائن ثديي بدائي، وإذا ما وضعنا بجانبه عدة أناس آخرين يشبهونه في الحالة، فستكون المرحلة المبتدئة أشبه كثيراً بالمرحلة الانتقالية الحاصلة لدى الثدييات البدائية، ولكن الأمر لا يسري على عالم الحيوانات، هذا الوضع لوحده يدل بشكل صارخ على القيمة المتمايزة للمجتمع الإنساني، وينير بشكل فريد دور الإنسان في بناء المجتمع، ودور المجتمع في إنشاء الإنسان”. 15

“يتميز النوع البشري بأنه بقدر ما يحقق مجتمعية ذكائه الكامن، فهو يبرزه بنفس الدرجة والأهم من ذلك، أن البنية الحيوية للإنسان تقتضي المجتمعية بالضرورة أي أن الإنسان مرغم على المجتمعية.

أما اصطلاح المجتمع بأنه الطبيعة الثانية، فهو تقرب أعمق بكثير فالمجتمعية بذاتها تفيد بخروج الذكاء من كونه طاقة كامنة، ليبدأ مرحلة الفاعلية بكفاءة، فالتجمع يستلزم الفكر على الدوام، وما التطور الاجتماعي في أساسه سوى تطور الفكر، وبه أصبح ممكناً، وتتطور عوامل التكاثر والتغذية والحماية مع تنامي المجتمعية، هذه العناصر بكافة الكائنات الحية، ليست سوى ضرب من ضروب العقل، إنها النمط الفطري الغرائزي الأكثر فظاظة للمعرفة وحركات الأحياء هي حركات معرفة وبشكل أعمق، فالتقدم والتطور الكوني بأجمعه يُذكرنا بالذكاء والمعرفة، من هنا فالمجتمع باعتباره الطبيعة الثانية هذه حالة من حالات انعكاس الطبيعة الأولى ولكن بمراحل أعلى.

من المهم الإدراك أن القوة الذهنية البالغة مستوى دماغ الإنسان عبر التطور والارتقاء البيولوجي قد نشطت وتميزت مع الارتقاء الاجتماعي.

أكثر مراحل تطور المجتمع المشاعي حرجاً هي العتبة التي بلغها بتعرضه للبنيوية الهرمية، فالخبرات والتجارب المجتمعية المتراكمة تتجه صوب غنى المعاني، وبالتالي صوب تكوين اللغة وترميز الأشياء وتقدس هذه المرحلة مع ظهور الديانة الطوطمية، تأتي أهمية الدين من لعبه دور الهوية الاولى الخاصة بالمجتمع، إنها حالة الوعي البدائية، تنبع قدسية الوعي بشكله هذا من الحياة المجتمعية ذاتها، فالإنقطاع عن حياة فصيلة الثدييات البدائية الحيوانية، يجلب معه أول فارق هام في المعنى، وحداثة هذا الفارق مؤثرة ومُرعشة، حيث تحتوي في ثناياها خصائص كونها الأولى (البدائية) والممارسة العملية المجتمعية تنم عن مستجدات باعثة عن الغبطة والنشوة في كل خُطاها الهامة.

هذا الوضع هو الوعي المتزايد، مرحلة اكتساب الوعي تسفر عن بث الأصوات على شكل لغة واللغة تؤدي إلى التسمية والتسمية إلى الترميز، تتميز مرحلة اكتساب الوعي بأهمية مصيرية بالنسبة للإثمار والإنتاج العملي ومع الزمن يغدو الصمود والثبات صعباً من دونها”. 16

توكيداً لكل ما قيِل:

“معروف علمياً أن مرحلة التحول المجتمعي هي الظاهرة الأساسية التي حققها الإنسان في كرتنا الأرضية وتواصل المجتمعات البشرية بمعرفة وفهم وإرادة مراحل التطور الطبيعي المستمر عند الكيانات الحية غير الإنسانية.

إن القفزة التي حققها نوع الإنسان في مرحلة الفهم والادراك التي مهدت السبيل أمام البنية اللغوية الحالية في نوع Homo Sapiens (الإنسان العاقل) أتاحت الامكانية لقفزة في التكوينات الاجتماعية الإرادية، كانت المجموعات البشرية تعيش في مستوى المجموعات الحيوانية المتطورة في مرحلة المجموعات البدائية ومع تطور العقل واستخدام أدوات وتقنيات العيش حدثت قفزة نوعية في نوع Homo Sapiens (الإنسان العاقل)، إذ تحققت المرحلية الأولية والأساسية للثورة المجتمعية، وأهم خاصية لهذه الثورة المجتمعية هي فهم رقي العيش بشكل جماعي، وكما تتشكل العناصر الأولية الأساسية في المادة، ففي المجتمعية أيضاً هناك تطور للوحدات المتينة والثابتة في خط تصاعدي مع مرور الزمن وبالتالي لدينا تاريخ مجتمعي استمر على هذا المنوال لآلاف السنين قبل ظهور التاريخ الحضاري.

إن كافة مؤسسات المجتمع الأمومي والأبوي والسحرية والشمانية والكهنوتية والبنيوية تهدف إلى تخليص الإنسان من غرائزه الحيوانية والتزامه بالقواعد الاجتماعية والنظام، لذلك قد نرى أن الطرق المستخدمة مأساوية وغير مفهومة

كان يتم تلقي المراسيم والهدايا وفي مقدمتها حول جعل الإنسان قرباناً كقسم من مرحلة التدريب البدائي وكل ذلك من أجل إظهار القوة المجتمعية لنوع الإنسان

يجب ألا نقول بأنه مجتمع وحشي ونغض النظر عنه، بل رؤية الجهود الأصلية الكبيرة التي بذلها الإنسان من أجل الخروج من الحيوانية، وترويض الطبيعة بحيث تخدم الإنسان والذي نطلق عليه العيش الانساني”. 17

اللغة

عوامل تشكلها – تحولها لأول ثورة في التاريخ – مراحل تطورها – دورها في تشكيل الهوية الإنسانية

اللغة: “عبارة عن مقاطع صوتية مترابطة تعبر عنها رموز معينة تشكل جملاً لها معنى ومجرد تلقيها بسمع الإنسان يمكن خلق أفكار وصور في الذهن ربما لم تكن موجودة من قبل مما يخلق جسراً بين المتكلم والمخاطب من أجل تبادل أفكار جديدة.
بدأت اللغة عبر العصور برسوم تمثل أشكالاً معينة رسمها أسلافنا على جدران الكهوف لشرح أو نقل شعور معين، ثم تطورت لتصبح رموزاً على شكلها الحالي.
ويمكن نقل المعرفة من دماغ لآخر عبر اللغة واللغة تساهم في تشكيل مواقف الإنسان.
وتُشبه اللغة بكائن حي ينمو ويتغير ويمتلك صفات التطور البيولوجي وأن العوامل الاجتماعية والإدراكية تشكل اللغة مع مرور الوقت”. 18

وبشكل آخر تعتبر اللغة: “إحدى الأمور المعقدة القليلة التي تجعل من الحيوان إنساناً
واللغة تعني نظاماً كاملاً من الكلمات والرموز.

الأشياء البسيطة للغاية في بيئتنا المحيطة كانت ذات يوم الكلمات الأولى التي تَلفظ بها الإنسان.
ويقال أن الكلمات الأولى كانت تشبه كلمات أخرى أساسية نستخدمها اليوم مثل شش طلبا للهدوء وبست للفت الانتباه و واو للتعبير عن الدهشة.
-ربما بدأ البشر الأوائل التعاون وكثفوا من أحاديثهم من أجل استغلال بيئتهم وتناول أطعمة مختلفة.
وقد كان الانسان البدائي يقتات على ما تبقى في أجساد حيوانات اصطادتها حيوانات أخرى مفترسة وأكبر حجما، والمعادلة هي أنه: “إذا حدث يوما وكنت بعيداً وعثرت على وليمة جيدة، عندئذ انت بحاجة إلى إبلاغ باقي اعضاء الجماعة بالأمر”.
وتلك إحدى مميزات التواصل البشري والمتمثلة في استخدام اللغة للإخبار عن شيء غائب عن مكان الحديث لكنه حافر في مكان آخر أو حتى في وقت آخر.
ولربما كان في البحث عن الطعام والرغبة في البقاء باعث وحافز للإنسان على تطوير قدرته في التحدث عن أشياء لا يمكن رؤيتها، لكنها موجودة”. 19

“هناك احتمال لأن يكون للدردشة أيضا دور في تطوير اللغة والتعرف على كيفية تدشين تحالفات هو أيضا أحد عوامل التطور المهمة.
أي تحسين قدرتنا على العمل معا كان عاملا أساسيا في تطوير اللغة.

يرجع تاريخ أصول الكلام إلى ظهور الانسان البدائي أو أن الكلام لابد أن يكون قد نشأ في طور الحيوان الشبيه بالإنسان- شبيه الانسان المنتصب ذلك لأنه لا يمكنهم تصور إمكان قيام اولئك بالصيد متعاونين معاً وبصنع الأدوات في غياب نظام اتصالات معقد وحتى أنه بدلاً من اللغة والكلام يستطيع الصيادون الذين يعرف بعضهم بعضاً معرفة وثيقة الاعتماد على مؤشرات صامتة مثل تحريك العينين وتعبيرات الوجه وإشارات اليدين ومنهم من طور نظام اتصالات مبنياً على إشارات باليدين يستعمل اثناء تعقبهم، دون إصدار صوت.

منذ حوالي ٥٠,٠٠٠ عام بدأ الإنسان باستعمال أدوات صنعها بمواد اكتشفها حديثاً آنذاك، تتغير فقط في مناح ضئيلة نسبياً قبل ٣ ملايين من السنين (الإنسان الماهر).

فالكلام المكتمل لا يمكن ان يكون قد نشأ في اشباه الإنسان الذين جاؤوا قبل النوع الإنساني، فالكلام يتطلب تغيرات تشريحية لم تحدث حتى ظهور الإنسان الحديث وهذه التغيرات هي تناقص في حجم الفك وتغير في وضعه واتزان دقيق للجمجمة على العمود الفقري، وقد سببت هذه التغيرات إعادة ترتيب الأحبال الصوتية والحنجرة واللسان التي يجب أن تكون جميعا متناسقة في عملها لإنتاج الأصوات المستعملة في الكلام الإنساني، ولو لم يكن هناك فك أصغر وبروز الذقن إلى الأمام وهي التي انتجت هذه التحورات في الإنسان الحديث-لما أمكن للسان أن يتحرك بحرية، ولأن الحنجرة ابتعدت عن الحلق واللسان أمكن للإنسان الحديث أن يصدر بعض أصوات (حروف العلة) التي لا يستطيع الشمبانزي إصدارها مثلاً.

ونتيجة دراسة بالعقل الحاسب الالكتروني (الكمبيوتر) لجماجم إنسان Homo Neanderthalensis  (الإنسان البدائي) قبل عدة سنوات استنتج الباحثون أن  Homo Neanderthalensis (الإنسان البدائي) كانت تنقصهم هذه التحورات وغيرها، وأنهم لذلك لم يكن بوسعهم الكلام بشكله المتطور المتكامل.
-من المحتمل أن يكون اشباه بني الانسان قد امتلكوا منذ القديم نظام اتصال كفء، ولكنه لم يظهر التعقيدات الإدراكية-المعرفية التي يتصف بها الكلام الحديث والتي لم تظهر قبل خلق الانسان الماهر الحكيم وعلى ذلك فالعقل الانساني بما له من قدرة على الرمزية وإبداع الثقافة والتخاطب ونقل الأفكار عن طريق اللغة يمثل ميزة لا تقدر للإنسان بالإضافة إلى ميزات تشريحية أخرى وتكيفات سلوكية موائمة وبذلك حقق هذا التفوق الهائل على الحيوان، فعملية صنع الأدوات مثلاً، تطلبت أن يكون للإنسان دماغ معقد (مع تخصص الجانب الأيمن من الجسم بدرجة اكبر من الجانب الايسر وكذلك نشوء تعاون وترابط على مستوى عال بين الدماغ والعين واليد).
وأن يسير منتصب القامة على رجلين (مما حرر يديه من السير عليهما وتركهما لصنع الأدوات؟ كما حرر بصره وجعله ينظر إلى الأفق والسماء).
وأن تكون يداه غير متخصصتين مع إمكان أن يقابل الإبهام كل إصبع آخر في اليد ثم أن صنع الأدوات أصبح جزءا من نظام سلوكي ثقافي يتضمن الملكية الفردية والمشاركة والتعاون في الحصول على المواد الخام والمقايضة على الأدوات المصنوعة ووضع القيود على استعمال بعض الأدوات من حيث العمر أو الجنس”.20

ولابد من التوكيد بأن تمتع الإنسان بدماغ كبير معقد وانتصاب قامته وسيره على اثنتين بكفاءة عالية كان ضرورياً لتمكنه من إنتاج آلات معقدة.
هناك عدة نظريات في كيفية تكوين وانشاء اللغة:
-“نظرية المحاكاة والتقليد
-نظرية “يو-هي-هو”
-نظرية فندريس
-نظرية بوووه-بوووه
-نظرية النشوء والتناسل
-نظرية الغريزة الكلامية
-نظرية التوقيف وغيرها”. 21

للأستاذ والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي (1928 -…) رأي آخر حيث أكد على فرضية: “أن جميع البشر يولدون بقدرة فطرية على اكتساب اللغة وهو ما أسماه بجهاز امتلاك اللغة ويسمى منهجه بالمنهج ” التوليدي”
ويفترض أن العقل خلاق فهو يكتسب اللغة، بل ويطورها بشكل غريزي حتى يكون الطفل مالكاً للغة منذ سن الرابعة أو الخامسة، إذ يعتمد على الملكة اللغوية لدرجة تسميتها بمعجزة اللغة ويهمل عوامل البيئة والمهارة والتجربة وغيرها.
اكتساب اللغة أمر أشبه بتطور الرؤية وتمييز الألوان
الوصول إلى اللغة مشروط بالذكاء الحسي الحركي، فاكتساب اللغة عملية تدريجية، فالتمكن من اللغة هو إذن تعبير عن ذكاء عام يتطور على مراحل لا يمكن من هنا بلوغ الفئات التجريدية إذا لم يكن الحسي موجودا قبل ذلك ويتكون المنطق الذي يشكل أساس المقدرات التنظيمية للغة على شكل جمل من البسيط إلى العام، من الحسي إلى التجريدي”. 22

“على الرغم من حديث المؤرخين عن احتمال نشوء اللغة الرمزية ضمن البنية الجيوبيولوجية لأفريقيا قبل العصر الجليدي الأخير، أي في أعوام ١٠٠,٠٠٠ ق.م تقريبا، إلا أنهم يجمعون على ثورة اللغة الرمزية الأصلية قد حققت انفجارها في البنية الجيوبيولوجية للشرق الأوسط بعد العصر الجليدي الأخير، أي حوالي أعوام ٢٠,٠٠٠ق.م حيث هناك ملاحظات تاريخية ومعلومات أثنية وأنثروبولوجية أكثر وضوحا، تشير إلى أن المجموعات المسماة “السامية” قد كونت “نظاما قبليا” واسعا ملتفا حول أصول اللغة السامية قبل حوالي ستة آلاف عام، وذلك ضمن الأراضي الممتدة من الصحراء الكبرى إلى الصحراءين العربية والإيرانية، والتي تتميز بأرضية نباتية خصبة. إن الانتقال من لغات الاشارة الأفريقية الغنية جداً إلى النظام القبلي المعتمد على بنية اللغة السامية الرمزية، يعد إحدى مراحل التاريخ الكوني الرئيسية. وهذه المجموعة اللغوية والثقافية ستؤدي دوراً عظيماً، سواء في ثورة الزراعة وتربية الحيوان في المرحلة النيوليتية، أم في ثورة المدينة (المدنية).
كما برهنت الملاحظات التاريخية والنشاطات الأثنية والأنثروبولوجية بوضوح أكبر أن ثاني ثورة للغة الرمزية الكبرى قد تحققت على يد المجموعات الآرية ذات النظام القبلي والمسماة “المجموعة الهندوأوروبية” وذلك استنادا إلى البنية الجيوبيولوجية في سلسلة جبال زاغروس-طوروس ويعد أداء هذه المجموعة دورا رئيسيا في ثورتي الزراعة والمدينة إحدى الخصائص المهمة للحقيقة المُبَرهَنة. حيث أدت هذا الدور في الأساس ارتباطاً بالبنية الجيوبيولوجية لساحة الاستقرار والاستيطان.
أما ثالث مجموعة كبرى في اللغة الرمزية، فتتشكل من الأنظمة القبلية للمجموعة التي اعتمدت على غابات سيبيريا وقطنت في جنوبيها، والتي تسمى أيضاً “مجموعة لغة أورال”. 23

“حدثت التطورات في هذه الساحة (ميزبوتاميا) على أساس اللغة الرمزية قبل خمسين ألف عاماً.
فالانتقال من التفاهم بوسيلة بدائية للغاية كلغة الاشارة إلى التفاهم عبر لغة الرموز احتضن في طواياه طاقات كامنة عظمى للتطور، فنشوء مساحة لغوية واسعة منح النوع الإنساني فرصاً كبرى لتحقيق المجتمعية وحماية الذات وتأمين القوت، ولربما كان هذا أعظم ثورة في التاريخ لم تكتشف، ولم يطلق عليها اسم بعد، لذا قد يكون من الأنسب تسمية أول ثورة عظمى ب “ثورة اللغة”، لأنه ما من ثورة خدمت المجتمعية في هذه الجغرافية بالقدر الذي فعلته هذه الثورة فكل يوم يشهد صياغة مصطلح مقدس جديد (النباتات وحيوانات الصيد المكتشفة حديثا) والانتقال إلى الاستقرار الأقرب إلى نظام المنازل(العيش لأول مرة في الأماكن الآمنة) وعيش المواسم الأربعة بأفضل أحوالها، وكلما صيغت جميع هذه المراحل على نحو مصطلحات، كلما تشكلت اللغة المشتركة للجماعات على نطاق واسع، وبالتالي تشكلت “الهويات” “المتمايزة فيما بينها لأول مرة”. 24

“بدأت ثورة اللغة تتقدم مع تطور الظروف الفيزيولوجية للكلام، بلغت الجماعات البشرية مستوى لغة “الرموز” بعد بقائها حقبة زمنية طويلة تستعمل لغة الاشارة، وأساس اللغة الرمزية هو الانتقال بوساطة الكلمات إلى التفكير المجرد، فالتفاهم عبر الاصطلاحات بدلاَ من الإشارات إنما هو ثورة عظيمة في تاريخ البشرية وما تبقى عمله هو تسمية الأشياء والحوادث والوقائع التي تلبي حاجياته الأكثر ضرورة والتسمية مرحلة عظيمة يتماشى معها”. 25

لغة الإشارة: “(ضرب من ضروب لغة الرموز والمُجسمات)، بالتالي من المفهوم تماماً دوافع اللجوء لاصطلاحات الإله المُجسد في الرموز والأصنام، في حين أن التماثيل الجمة للمرأة البدينة، والمتبقية من عهد الإلهة-الأم، أكثر تواضعاً وترمز للمرأة-الأم المعطاءة والخيرة والمبدعة”. 26

“وقد ساهم تطور الذكاء العاطفي والتحليل والأخلاق في تطور الاصطلاحات اللازمة لعقد الروابط فيما بين مختلف الأسماء، وسواء الأسماء التي تمثل خصائص الشيءNesne، أو الوظائف فيما بينها، فهي تقضي إلى ظهور الأفعال وحروف العطف الرابطة بينها ومع الانتقال إلى تركيب الجملة تكون الثورة اللغوية قد حققت انتصارها.
هذا ما معناه بروز شكل فكري جديد، فترسيخ الكلمات والمفردات في الذهن يمكن من التفكير بشأن الأشياء والاحداث وإن لم تكن موجودة إننا على عتبة الذكاء التصوري أو النظري، إنه تطور رائع مدهش”. 27
“اللغة الانسانية تساعد المتكلمين بها على أن يبتدعوا باستمرار تعبيرات لم يسبق أن قالوها قبلاً وقد تكون مبتكرة لم يسبق أن قالها أحد في تاريخ تلك اللغة، وبهذا الشكل يمكن القول إن اللغة الإنسانية هي وسيلة للإبداع الخلاق بأشكال عديدة متنوعة تنوعا لا حدود له”. 28
ولادة التفكير الإنساني

“الإنسان منذ لحظة وجوده على الأرض هو كائن مفكر وظهر مصطلح الخرافة أولاً ومصطلح الأسطورة ثانياً.

فالخرافة هي تفسير الانسان لمظاهر الطبيعة (فيضانات – رعد – برق) على أنها من تدبير كائنات خرافية تحاول قتل الإنسان.

أما الأسطورة فهي الحكاية التي ألفها الإنسان لكي يفسر بها ليس مظاهر الطبيعة فحسب بل سر الكون ومن هنا بدأ وعي الإنسان بذاته والكون المحيط به فالإنسان اخترع الحكاية التي كانت هي الأسطورة في البداية”. 29

“الإنسان الذي يعتبر كوناً عارفاً لنفسه، مضطر لإنشاء ذاته بما يفوق المستوى الطبيعي (فوطبيعي) كي يتمكن من تلافي ما يحل به من حوادث وانفعالات (سواء بجوانبها المؤلمة أو المفرحة)، ولا مجال آخر أمامه للتغلب على الآلام والأفراح الجسدية، فإبداء قدرة التحمل إزاء مفاهيم عديدة من قبيل الحروب، الموت، الشهوات، الرغبات، الجماليات وغيرها بحاجة ضرورية واضطرارية للأفكار والمعتقدات والمؤسسات الميتافيزيقية وحتى لو لم يكن الله موجوداً، فإنه يسعى لإبتداعه، ويعمل على تطوير الفن والسمو بمعارفه لتلبية احتياجاته هذه والشعور بالسكينة والطمأنينة.

حقيقة الإنسان هو الموجود الأكثر تحاملاً على الحدود الطبيعية، فعيشه الميتافيزيقيا والتي تعني ما بعد الطبيعة، يتأتى من طباعه وخاصياته الوجودية (الأنطولوجية).

إن البقاء داخل الحدود الطبيعية سيؤدي بنا بالأغلب إلى تعريف الإنسان الميكانيكي الآلي وقد عرفه ديكارت بمصطلح الروح الذي لا إيضاح علمي له”. 30

العناصر المؤثرة لانبثاق الوعي لدى الإنسان البدائي

الفتشية:

“تعني هذه الكلمة مصطنع وهي الاعتقاد بأن كائن من صنع شخص له قوة خارقة، أو يمكنه التحكم في الآخرين.

وهي الجزء الخاص الذي يشير مباشرة إلى مغزى عام، إلى كلي يقف خلفه وتكمن هنا العلاقة النموذجية التي تقضي إلى الترميز والانواع الأخرى للصورة فالفتش هو صورة نموذجية، أي هو هذه الشجرة، أو هذا الحجر، وفي الوقت نفسه لا هو بهذه ولا هو بذاك، إن الفتش كيان مميز، يتكون من جسم مادي واحد (جزء-خاص) ومن مغزى كلي يختفي وراءه، هو المضمون الروحي الاجتماعي، وهو فعل سحري، إنه يعيش بفضل عمليه تقديسه والخضوع له، وهكذا فإن الأشياء يصبح لها، لا بذاتها، ولكن بوصفها قوى إمكانات خفية تستطيع أن تؤثر فيها على الإنسان لذلك لا تكتسب الأشياء تحديد الخاصة وتتحول إلى (فتشات)، أي تصبح الأشياء حوامل لقوى سرية، وهذه القوة ليست على الإطلاق صفة هذا الشيء بل الموقف الاجتماعي البشري منه، وفي الفتش وما يتصل به من خطوات الوعي الأولى خصوصاً في التجسد، يتجلى أمامنا جوهر الصورة في طوره الأدنى، تتجلى بنيتها الأكثر عمومية، التي هي بالتالي عديمة المضمون.

نمط الصورة سيكون منبثقاً كل مرة من نمط العلاقات بين الفرد والكل داخل الكيان الاجتماعي المعني.

وفي مرحلة الوعي الفتشي كان الوعي غماً بأحاسيس سلبية، باستجابات غريزية بردود فعل على منبهات آنية خارجية، لكن ماهي بنية التصور عند هذه الدرجة؟

عندما أصبح في وسع الانسان أن يصنع شيئأ، وليكن أبسط أنواع الفؤوس، صار يعرف سلفاً لماذا؟ أي صار يعرف غاية-أو فكرة الشيء، ومن ثم ينتج الشيء نفسه” وفقاً لتصور أو تخطيط والشيء هنا يكتسب وجوداً مزدوجاً فيزيائي وآخر يدركه العقل مع أن الإنسان لم يكن يصنع الشيء كله-فهو يعطي الشيء شكلاً فقط، بينما المادة من الطبيعة-إلا أنه أصبح يمتلك جوهر الشيء، لأن الخشبة والحجر مثلاً ليسا جوهر الفأس المصنوعة منهما، ولكن الجوهر هو الشكل الذي أعطى لهما مجتمعين هذا الشكل هو تحقيق الهدف من الفأس، أي أنه هو جوهرها.

وهكذا ما إن بدا إنتاج الأشياء حتى بدأ إنتاج الأفكار، إذاً فإن فعل الشيء تسبقه كل مرة فكرة الشيء أي مخططه (إذ لا توجد في الطبيعة فأس جاهزة).

الجماعات البدائية نسخوا بعضهم من بعص لذلك كل واحد يحمل قدرات الناس الآخرين وقدرات الجماعة، أما الآن التشابه لم يعد تطابقاً بل هو وحدة لأن المجتمع لم يعد ركاماً بل صار جسداً، والوحدة في الجسد لا تتحقق من خلال تشابه أجزائه كلها، بل عبر الصلة المتفردة (الخاصة) والتفاعل، وعبر التبادل بين مختلف الأعضاء، إذا أن الأشياء المختلفة وحدها هي التي تترابط وهذه العلاقة بين أجزاء الجسد هي الجوهر وهي العلاقة الجامعة.

كان الرسم بالنسبة للإنسان البدائي فن نفعي، قصد منه الانتفاع بكل قوى الطبيعة بل والسيطرة على القوى الخفية المحيطة به عن طريق الرسم السحري، فرسم نفسه وهو يصطاد الحيوانات لكي يقدر على اصطيادها في الواقع ويقدر على التغلب عليها كما تغلب عليها في رسوماته وكان الانسان البدائي يرسم صورة في مناطق يصعب الوصول إليها لكي يجعل تلك الرسوم السحرية فعالة ولا تفقد طابعها السحري واعتقاداً منه أيضاً أن تلك الرسوم لو وضعت في مكان من السهل الوصول إليه فسوف تؤثر عليه.

ويحتل السحر مكانة هامة في حياة الشعوب كما ذكرنا من خلال الرسوم الصخرية التي ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ ويعد السحر بمثابة حجر الأساس في عقيدة وفكر الجماعات البدائية الكلانية”. 31

فهو يمتلك قوى أعلى من قوى الطبيعة والأرواح والأمراض والأعداء.

لنركز على الطوطمية لما تحمله من معنى وهوية للمجتمع.

الطوطم: “هو رمز وعي الكلان ولربما يعتبر الطوطم أول نظام اصطلاحي تجريدي.

هو مجموعة من الأشياء المادية التي يحترمها البدائيون، ويعتقدون بوجود علاقة خاصة لهم بتلك الأشياء

يشكل هذا النظام، الذي يعتبر دين الطوطمية، التقديس الأول ونظام المحرمات (المسلمات) الأول، أي أن الكلان تقدس ذاتها بقدر تقديسها لرمز ذلك الطوطم، من هنا تم الوصول لأول اصطلاح للأخلاق.

حيث يعي الجميع أنه يستحيل مواصلة الحياة من دون جماعة الكلان. إذن والحال هذه فوجودها المجتمعي مقدس، ويُرمز إليه بأسمى المعاني والقيم لتُعبد، من هنا تتأتى رصانة ومتانة العقيدة الدينية، فالدين هو الصياغة الأولى للوعي المجتمعي، وهو متكامل مع الأخلاق، ومع مرور الزمن يتحول من كونه رمز الوعي إلى عقيدة متصلبة، ليبتدي الوعي المجتمعي على شكل تطوير لصياغة الدين، الدين بخاصيته هذه يُعتبر المنبع العين لأول أشكال الذاكرة والتقاليد والأعراف الجذرية والأخلاق الأساسية في المجتمع، ومهما سما مجتمع الكلان بوعيه عبر ممارساته العملية، فإنه يُرجع ذلك على الدوام إلى الطوطم وبالتالي إلى مهاراته وقدراته أما ما يتجلى في حقيقة الطوطم من الناحية الرمزية، فهو أن تواصل انتصارات ونجاحات الجماعات البشرية أسفر بالتوازي عن تصاعد التقديس أيضاً ويغدو التقديس بذلك قوة للرمز المقدس لتمثل القدسية بدورها قوة المجتمع.

تعبر قدسية القوة المتشكلة مع المجتمع عن ذاتها بجلاء أكبر، في الشعوذة والسحر فالشعوذة هي تجربة تعزيز المجتمع لذاته، فمستوى الموجود لا يمكن إدراجه حيز التنفيذ إلا على شكل شعوذة وسحر، الشعوذة هي أم العلوم”. 32

والطوطمية ثلاثة أنواع:

1-“طوطم العشيرة الذي ينتقل من جيل إلى آخر

2-الطوطم الذي يميز الرجال من النساء

3-الطوطم الفردي

والأهم هو النوع الأول الذي تتكون من محرماته ديانة العشيرة ويعتقد أبناء العشيرة أنهم نزلوا من صلب طوطمهم

ولا يقتلونه سواء أكان حيواناً أو نباتاً ولا يستعملونه إذ كان شيئاً

نذكر بأسس الطوطمية وأحكامها بنقاط أهمها:

1-تحريم قتل الطوطم والتعامل باحترام شديد مع الطوطم الميت والحزن عليه

2-تقديم القرابين وغالباً ما تكون حيوانات فإذا ضحى بالحيوان المقدس فإن ذلك يتم بطقوس خاصة تتضمن الحداد.

3-الأفراد والعشائر تتسمى باسم الطوطم.

4-والعشائر تتخذ صور الحيوانات الطوطمية شعاراً لها ويزينون اسلحتهم بها.

5-الطوطم يحمي العشيرة ويحرسها وإن كان مفترساً فيرحمهم ويشفق عليهم.

6-الطوطم ينبئ العشيرة بالمستقبل ويهديها للطريق الصحيح والصلاة له لتأدية فروض الطاعة والولاء”. 33

ما تم ذكره يعني أن “طوطم يتحلى بميزة معينة من العبادة والتحريم وعبادة الطوطم تشير إلى تقديس وإجلال القبيلة لذاتها وبالتالي تُعبر عن طموحها في الوصول إلى حياة آمنة طويلة المدى أما الإيمان بحياة ما بعد الموت، فهو حصيلة الارتباط العظيم بالأسلاف

بالتالي فوجودهم مطابق تماماً لأسلافهم من هنا فارتباطهم وتقديرهم لأجدادهم يؤول بهم إلى عقيدة الإيمان بحياة خالدة بعد الموت والأديان التوحيدية اللاحقة ما هي إلا سوى حالة متطورة لهذه العقيدة القبلية ولذلك المفهوم الديني والالهي

لا يمكن للقوانين المحفورة في الهوية المجتمعية أن تُمحى أو أن تفقد تأثيرها بسهولة”.34

“والطوطمية ماهي إلا ممارسات تقليدية تخلق نوع من التوازن البيئي لضمان الاستخدام الرشيد للحيوانات والنباتات وقد ضمت الطوطمية اعتقادات منها الإيمان بوجود أرواح تسيطر على الطبيعة بطريقة أو أخرى ولابد من رضاها.

ومن هنا كان بزوغ معتقداً لآلهة اعتمادا على عيادة مظاهر الطبيعة ويمكن أن يكون “الشكل الأول للدين”.

وبصفة عامة يمكن القول أن فكرة الإله موجود لدى جميع الشعوب البدائية ولكن اختلفت طبيعة شكل وتصور هذا الإله من مكان لآخر، وربما كان تبدل أشكال الحياة هو الذي خلق الأساطير والخرافات.

فالسحر والروحانية هما الوجه الآخر للعقيدة الطوطمية وتنوعت الرموز الطوطمية كالوشم والخدش كعلامات تُرسم أو تُخدش على الجسد كي يتوحد الجسد مع صاحبه ومع الرمز الطوطمي الذي يشير إليه فيصبحا كيان واحد وكان الألم الناتج عن تنفيذ الوشم أو الخدش بالجسد هو العامل المشترك الهام الذي يحدوثه تطهر الروح وتتحد مع طوطمها ولعبت عبادة الأسلاف دور هام في العقيدة الطوطمية.

كانت عمليات الخدش أو الوشم كأفعال روحانية محورها إخراج الدم من الجسد فأفراد القبيلة يشعرون براحة روحية حينما يشاهدون الدماء.

والدم منذ القدم هو رمز الروح وهو الروح وهو رمز الطاقة الحيوية.

عمليات الخدش كانت مؤلمة جداً إلا أن مفهوم قبول الألم والتغلب عليها هو المسار الواقعي لمعالجة ألم النفس.

إن العلاج الحقيقي يتمثل في القدرة على تقبل الألم كوسيلة لإنهائه والخدش هو ممارسة السحر في الجسم ولقد اكتسب الخدش طبيعة سحرية روحانية عقائدية وهو الاعتقاد باكتساب قوى سحرية تمكنه من السيطرة على الآخر مستمدة من أرواح الأسلاف بالتالي يمتلك قوى غيبية وله علاقة بقوى لاهوتيه تمكنه من الحصول على القوة والسيادة والنفوذ.

وفق الروحانيات فإن الانسان والحيوان وغيرهم من الظواهر الطبيعية ماهي إلا انعكاس لله على الأرض، والاعتقاد بوجود أرواح غير مرئية وأن الاشباح والارواح الخيرة- هي التي تساعد على توفير الصيد والحماية من الامراض وتقف في وجه الشياطين والارواح الشريرة التي تسكن الغابة.

كانت العبادة آياً كان نوعها هي الرداء الذي يرتديه المرء ليحتمي به، ويحيا من خلاله في إطار تنظيمي يطمئن به على استقرار حياته وكانت الطوطمية من أهم العبادات والديانات التي عرفت في العديد من البلاد في عصور ما قبل التاريخ بوجه عام.

للنار البدائية تأثير ودور ويُشار أن الحب هو الافتراض العلمي الأول لإنتاج النار (احتكاك قطعتين من الخشب هناك اعتقاد أن النار هي ابنة الخشب وكيف أنها بمجرد ولادتها قد التهمت أبيها وأمها أي قطعتا الخشب التي انبثقت منها فجأة)

إن الإنسان البدائي لم يكن يستطيع أن ينظر إلى النار إلا كشيء مماثل لعاطفة الحب والاحتكاك بين الذكر والأنثى.

وكان هناك معتقد واضح بأن الكائن الحي يتألف من جسد مادي وروح لطيفة وأن هذه الروح تستقل عن جسد الميت لترحل إلى عالم آخر موازٍ لعالم الأحياء، ويبدو أن الروح في اعتقاد Homo Neanderthalensis (الإنسان البدائي)، كانت تكتسب عند استقلالها قوة غير عادية، تتخذ شكلاً نافعاً أو ضاراً وفقاً لموقف الأحياء منها وهذا هو التفسير الذي يقود إليه ثني ركبتي الميت في حيزه الضيق القصير لأن هذا الوضع من شأنه منع الجسد من التمدد والخروج إلى عالم الأحياء، إذا عاودته الروح التي غدت بانفصالها غريبة عن عالم الأحياء ومحملة بالقوى المؤذية”. 35

 

دور الميتافيزيقية بانبثاق وظهور الأخلاق:

“إن عدم قدرة المجتمع على الاستمرار بدون الأخلاق يستلزم التميز بالميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) لا يمكن تنظيم المجتمع إلا بوساطة الأخلاق باعتبارها محاكمة حرة.

فمزايا الاخلاق هي:

– القدرة على تحمل الآلام وتلبية متطلباتها

-تحديد إطار الرغبات والشهوات والمغوات

-ربط التناسل بالضوابط الاجتماعية بدلاً من الطبيعة

-إصدار القرارات إزاء ترجيح الامتثال أو الإخلال بالتقاليد والأعراف والدين والقوانين

لا يمكن تحقيق ديمومة المجتمع، ما لم يُضبط التعداد السكاني فيه

وما ذكرناه كان لتبيان الضرورة القصوى للميتافيزيقيا الأخلاقية.

يخلق الانسان كوناً خاصاً به عبر الفن، ولا يمكن استمرار المجتمع إلا عن طريق الابتكارات والابداعات القائمة في الميادين الأساسية، كالصوتيات، الرسوم، والمعمار، هل يمكن تصور مجتمع بلا موسيقا، بلا آداب، أو بلا عَمَار؟

كل الابداعات المتواجدة في هذه الميادين تندرج معانيها في الميتافيزيقيا، وهي ضرورة لا مفر منها لتأمين استمرارية المجتمع، فالفن يلبي احتياجات الإنسان في الجماليات كتصور ميتافيزيقي كلياً، فكيفما يُولي الإنسان المعاني للسلوكيات الأخلاقية عبر ترجيحه بين الفاضل-الرذيل، فكذلك يُضفي المعاني على السلوكيات الفنية عبر حُكم الجميل-القبيح”. 36

 

الزيقورات (المعابد) والرهبان والدور التاريخي لهما

المعبد: هو نوع من بناء المدرج و”أعمدة منتصبة وإرجاع عمرها إلى 15.000سنة ليست بمبالغة وبُنيِت الأعمدة الصخرية المنتصبة الظاهرة للوسط في حفريات كوباكلي تبه والتي تأكد أنها معبد فتشييد هكذا معبد مستحيل دون ارتكازه إلى خلفية ثقافية تمتد لآلاف السنين لأن المعبد يمثل النظام القبلي”. 37

ويعتبر الزيقورة هوية وأيقونة تاريخية وحضارية لبلاد الرافدين (ميزوبوتاميا).

والكلمة تعني باللغة الأكادية “المكان مرتفع”

“تم اكتشاف زيقورة أور عام 1918 من قبل عالم الآثار البريطاني السيرتشارلز

التي كان ارتفاعها قديماً 26 متراً ونصف المتر”. 38

هناك أسباب وتفسيرات لبناء الزيقورات:

-“كون السومريين عاشوا بالجبال في وقت سابق وخلال العصور الجليدية نزحوا إلى السهول ليبنوا الزيقورات بهذا الشكل تأثر بالحياة الجبلية.

-الخوف من الفيضانات.

وتم تخصص الزيقورات إلى الألوهية التي كانت تعلو فوق المدينة كمكان بني بين السماء والأرض، فكان لهذه المعابد طابع ديني ومهام أخرى منها:

-مكان لتنظيم حياة سكان بلاد الرافدين القدماء.

-استخدامها كمكان للطقوس والتضحيات ولمرصد فلكي للكهنة والرهبان.

-ومن وظائفها الأخرى الأمن والأمان.

الزيقورة تتكون من كتلة كبيرة من ثلاث طبقات و3سلالم ومبنية من اللبن ومكسوة من الخارج بطبقة سميكة من الآجر الأحمر المفخور وبطريقة هندسية تسمى السيط”.39

“يتواجد طابق العاملين في الأسفل، علينا بالاستيعاب الحسن لهؤلاء العاملين في الطابق الأول لأنهم -ربما- يشكلون الخطوة الأولى على درب ظهور أوائل العبيد والأقنان والعُمال،

من أين وكيف تم تأمينهم؟ وما دور الإرغام والإقناع في ذلك؟ من أي جماعات أتوا، ومقابل هذا؟  هل ثمة نساء بينهم؟ ما دور النساء والعائلة بينهم؟ إن الرد على هذه الأسئلة سيحقق إنارة هامة من المحتمل أن تكون قوة إقناع الراهب في الصدارة في تشكيل أولى مجموعات العمل.

من الممكن الافتراض بأنهم قاموا في مُستهل ترتيب وتنظيم الإنتاج بتغذية العاملين بنسبة أفضل من المكان الآتين منه من القُوت المتزايد مع بدء الري، فالمتعارضون وغير المتفاهمين مع قبائلهم حصيلة الاشتباكات القبائلية الناشبة مع زيادة تعداد السكان والهجرات، ربما رأوا المعبد ملاذاً لخلاصهم، والمؤثر الآخر والذي ربما لعبا دوراً أهم بكثير هو قدسية العمل في تشييد المعبد والمشاركة في إنتاجاته فلطالما نصادف في الشرق الأوسط تقليد فتح كل عائلة وقبيلة أولادها لخدمة المعبد ضمن حدود معينة، فعمل السُحرة الإرغامي في المعبد يشمل فئة عامة، بل ويمنح مرتبة الشرف، والعاملون في المعبد يستقبلهم المجتمع بالتشريف والعزة، إنه أشبه بالدير المسيحي، كما له جوانب مُشابهة للطرائقية أيضاً، فالعمل في مُلكية الشيخ شرف وثواب.

-الزقورات لا تُعنى بالدولة والإنتاج الوفير والمجتمع الجديد فحسب، بل وبإعادة الإنشاء والتخطيط لعالم كافة المصطلحات، والحساب، والسحر، والعلم، والفن، والعائلة وحتى المقايضة الأولى، إلى جانب الاهتمام بشؤون الرب، علاوة على إعادة تخطيط وإنشاء كل ذلك، وربطه بمشاريع ملموسة”. 40

دور ووظيفة الزيقورات (المعابد)

“دور الزقورات ساطع بجلاء في التجارة الناشئة كنشاط اجتماعي حديث العهد وأدت دور مركز تجاري في نفس الوقت وحتى ولو لم يُذكر ذلك في الوثائق الرسمية والمعابد تمثل النظام القبلي.

إذاً فكون أول بيت للرب في الطابق العلوي من الزقورات على شكل مجمع الآلهة الكنيسة” الكنيسد” الجامع، والجامعة أمر منير وتربوي لأبعد الحدود، فهذه السلسلة المتعاقبة من التشكيلات التاريخية المترابطة تعني ذاكرة المجتمع وهويته المقدستين فعلم اللاهوت، المعروف باسم الثيولوجيا، يُربي وينمي هذه الذاكرة بتحويلها إلى فلسفة بحيث تكون منقطعة ومجردة من نموذجها الأول، إن أفدح التحريفات والتحويرات في التاريخ حصلت في ميدان علم اللاهوت والإلهيات، لا يمكن إغفال أو إنكار دور الإلهيات المؤكد في تطور العلم والفلسفة لكن، وبسبب تأديتهم دورهم باللجوء إلى مُجرد المجرد، ووثن الوثن، دون إيضاح منابع الألوهية وجذورها الاجتماعية، فإن هذه الشريحة هي المسؤولة الأولى عن كيفية نشوء المدينة الراهنة خصيصاً عبر المجتمعية التي شادوها لاريب”. 41

لمعرفة وظيفة الزيقورات بشكل أوسع لابد من التعرف على من يديرها أي الراهب (الكاهن):

الراهب: “هو أول مهندس للمجتمع، وأول معماري، وأول رسم تخطيطي للنبوة، وأول اقتصادي وأول مدير، وأول رئيس عمل، وأول ملك.

رئيس الرهبان هو الشخص الناجح في تركيز فكرة في طابق (بيت الرب)، فلكي يكون تنظيم المجتمع الجديد مؤثراً، من المهم للغاية أن يسير وفق الكلام الدائر في المحادثة بينه وبين الرب، ولأول مرة توضع بعض التماثيل في هذا الطابق لتمثيل الرب، فهذا الابتكار يثير فضول الانسان أكثر، ولذلك وجدت الحاجة لمثل هذه الأصنام والهياكل الرمزية للإله الاصطلاحي، ذلك أن ذاكرة الانسان في ذاك الزمان أقرب عموماً لمثل هذه التصورات الذهنية المتجسدة في الهياكل، أكثر من التفكير بذلك النمط من المصطلحات التجريدية، ومن العسير جداً إدراك الفكرة الشفهية أو المجردة، أي غير المدعومة برمز أو هيكل”. 42

“وبتفصيل أدق الاعمال الأساسية للراهب:

  • يأتي إنشاء الدين الجديد والإله الجديد من صدارة الأعمال الهامة للراهب، فمضمون اختراع الرهبان السومريين للدين هو تشكيل حلقة الوصل لسد مايبدو وكأنه فراغ أو انقطاع لمرحلة الانتقال فيما بين عبادة “الطوطم” القديمة وبين الأديان الإبراهيمية المتجاوزة للوثنية.

إنهم ينشئون خليطاً من إله المصطلحات-القوة الناظمة للسموات-ومن دين الطوطمية المحددة لهوية المجتمع، فالكل يُجمع على الرأي القائل بأن الطوطم تعبير عن الهوية المحددة لكلان، وكذلك للقبيلة التي أوسع من الكلان فأي شيء هام في حياة الكلان يغدو مرشحاً ليكون طوطماً، فهم يأخذون الموجودات المعبرة عن القوة أساساً، وما التسميات التي لا نزال نصادفها في أسماء العشائر سوى بقايا في تلك المرحلة من قبيل الأسد-الصقر-الأفعى-الذئب-الشمس-الريح-المطر وغيرها من أسماء النباتات والأشجار الهامة، ومدى تشييد القدسية المتمحورة حول المرأة-الأم كقوة محركة للعهد النيوليتي يماثل هنا قوة الراهب الرجل، حيث أن ممثلي الطوطمية والإله السماوي يكتسبون الأهمية على شكل الإلهة- الام التي ترمز إلى الخير والعطاء.

واضح أيضاً أن ترتيب وتنظيم شؤون المرأة في الزقورات قد طُور لتسخيرها في خدمة المجتمع والدولة الجديدين وهذا ما يبين لنا بجلاء أن الرهبان فكروا بعظمة باهرة، ونظموا شؤون المجتمع والدولة الجديدين على نحو أقرب إلى الكمال بحق.

يجب استيعاب الدور التعليمي الأول والأصل للنساء-الأمهات في كافة المواضيع المعنية باكتشاف النباتات، تدجين الحيوان، صنع جرار الفخار، آلات النسج-الطاحونة-بناء المنزل وبيوت القداسة، أي هي صاحبة الاكتشافات والماءات ال104…

وظيفة الرهبان تكمن في هندسة المجتمع فهو يقوم بنفسه بالتخطيط للمجتمع الجديد وتشييده من جهة وبتدبير شؤونه بنفسه من جهة ثانية، هذه المهمة تسير في الطابق الثاني من الزقورات، أي في طابق الرهبان أنفسهم وهكذا سيتكاثر الرهبان كمفوضين عن الرب ليشكلوا طبقة مقدسة تحت إشراف رئيس الرهبان، بالتالي سيرمون لتشكيل أول هرمية (الادارة المقدسة) من حفنة إدارية لكل مدينة، ولهذا السبب لم نقل عبثاً بأن الرهبان هم الرسم التخطيطي الأول للمُعلم المتمرس، فبينما يشرفون على إنتاج القيم المادية عبر تشغيل رعاياهم في الطابق الأول (بداية الاستعباد والرق) ينكبون هم بمعية الإله على الانشغال بالعلم وتنظيمه.

هكذا شهدت عُرف الرهبان في الطابق الأوسط ووضع اللبنات الأساسية لعلوم الكتابة، الرياضيات، علم الفلك، الطب، الآداب، وبالطبع علم اللاهوت أيضاً إذن فالطابق الاوسط هو في نفس الوقت أول مسودة لمشروع المدرسة والجامعة

أي طابق الرب نموذج مصغر للمعابد، وطابق الرهبان نموذج مصغر للمدارس.

يؤمن الرهبان النسبة العظمى من شؤونهم الإدارية عبر المشروعية، وأفتك فنونهم هنا تكمن في النطق باسم الرب، واحتكار العلم، فتمثيل الرب، والاكتشافات العلمية تمنحهم قدرة إدارية عظمى، ولا ننسى أن العلم قوة، لا يمكن استصغار مساهمات الرهبان في الاكتشافات، فدور اختراعهم للكتابة وعلم الفلك والرياضيات والطب واللاهوت أمر أكيد في ترسيخ الأسس العلمية للحضارة وسيكون القول بأن الرهبان السومريين مكانة الصدارة في مرحلة البدء بالعلم أمراً في محله

تَلفت الزقورات الأنظار من حيث كونها أول نموذج شفاف للعمل الجماعي وتجمعات الحرفيين الأحرار أيضاً تندرج في مجموعة العمل هذه، إنها أشبه بإنتاج المعمل التجمعي أما الفائض من الإنتاج فيتم تخزينه.

ساطع تماماً أنه نظام فاضل لمواجهة القحط والجذب فهذا النمط من الإجراءات يضاعف من قوة الرهبان بشكل خارق تعجز عن الوصول إليه أية عائلة أو قبيلة، إنه تجمع وقوة تتفوق على كافة العوائل والقبائل، ولا يمكننا العثور على نموذج أفضل من الزقورات من جهة كونها تشكل رُشيم وجنين المجتمع والدولة الجديدين”. 43

“يمكننا الاستنتاج أن علماء الاجتماع سيئون جدا نسبة إلى الرهبان فالراهب الذي يبرز في المجتمع كأكثر الشاعرين به، يعيش مع المجتمع ومن أجله حسبما يعتقد ويفكر في حين أن صحة معلوماته ليست بالقسطاس الأساسي بل إن القسطاس (تعبير عن العدالة) الأساسي هو ارتباطه بمشاعية المجتمع أما عالم الاجتماع فأياً كانت صحة معلوماته، فهو لا يعتمد المشاعية المجتمعية أساسا بل يتقرب كعضو تكنيكي وهكذا تبدأ الكوارث.

إن لم يدرك هؤلاء قدسية مشاعية المجتمع فلن ينجوا وقتئذ من تسميتهم باسم “طبقة اللاأخلاقيين الكبار” 44

نستطيع القول أن “النواة الأساسية للمجتمع الجديد تتشكل في أحضان المعابد والتي تقوم بإنشاء الشكل الجديد للإنتاج اعتماداً على تقسيمها الجديد للعمل وبنيتها الفوقية الأيديولوجية، إذ إن الشكل الجديد للمجتمع المولود حديثاً لم يقم أساساً على العنف الفظ بل تأسس بعقيدة ميثولوجية تبعث على الثقة أكثر وتمتلك قوة إقناع أكبر، ونموذج إنتاجي قد بُرهن على صحته من خلال عطائه مجتمع ستخنقها فيما بعد لتنسحق تحت وطأتها”. 45

ولا ننسى أنه كان للمعابد دور في السيطرة والهيمنة الذهنية ومصدر للاحتكار الذهني ومنفتحاً على الاستغلال وممارسة عملية في تحريف الذهنية المجتمعية وغزوها”. 46

 

المصادر والمراجع:

1الإنسان بين الجوهر والمظهر-إريك فروم-عالم المعرفة.

2كتاب الطبيعة-دانييل بريفولت-منشورات وزارة الثقافة دمشق.

3مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

4مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

5 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

6مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

7مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية) المجلد الثاني-عبد الله أوجلان.

8 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

9 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

10 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية) المجلد الثاني-عبد الله أوجلان.

11مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) المجلد الخامس-عبد الله أوجلان.

12 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية) المجلد الثاني-عبد الله أوجلان.

13الموسوعة العالمية وكيبيديا.

14 مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

15مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

16 مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

17من دولة الرهبان السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الجزء الأول.

18موقع الشباب-ندى الشيخ.

19علم اللسانيات-الأستاذة تولرمن.

20كتاب بنو الإنسان-بيتر فارب-عالم المعرفة.

21 الموسوعة العالمية وكيبيديا.

22كيف نشأت اللغة-منه التلاوي-موقع الجزيرة.

23 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط) المجلد الرابع-عبد الله أوجلان.

24مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

25مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية) المجلد الثاني-عبد الله أوجلان.

26 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

27 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية الرأسمالية) المجلد الثاني-عبد الله أوجلان.

28كتاب بنو الإنسان-بيتر فارب-عالم المعرفة.

29مقال كيف يولد التفكير الإنساني-أكرم لمعي-موقع الشروق.

30 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

31عناصرأربعة من أجل الوعي البدائي-دراسة إقبال فرِشان-موقع الأوان.

32 مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

33الطوطمية بين السحر والدين-دراسة في مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية-زينب خميس.

34 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) المجلد الخامس-عبد الله أوجلان.

 

35عناصر أربعة من أجل الوعي البدائي-دراسة إقبال فرِشان-موقع الأوان.

36 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

37 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط) المجلد الرابع-عبد الله أوجلان.

38لقاء مع الأركولوجي العراقي الأستاذ عبد الرزاق-موقع الجزيرة.

39زقورة اور-علاء الكلولي-موقع الجزيرة.

40 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

41 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

42 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

43 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية) المجلد الأول-عبد الله أوجلان.

44 مرافعة “الدفاع عن شعب”-عبد الله أوجلان.

45مانيفيستو حرية المرأة في القرن الحادي والعشرين2003.

46 مانيفستو الحضارة الديمقراطية (سوسيولوجيا الحرية) المجلد الثالث-عبد الله أوجلان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.