إله المال هو الذي كبلني بصخور امرالي

كَم أنا سعيدٌ باعتباري ابنَ المنطقةِ العاشق لأني لَم أَترُكْ شعوبَنا لرحمةِ إلهِ المالِ الماكر والدَّجَّالِ الأعمى

0

عبدالله أوجلان

كان قد ابتُدِئَ بالترويجِ لموجةِ الإرهاب في مستهلِّ الثمانينيات، مع هجومِ الزعيمَين رونالد ريغين ومارغريت تاتشر على نيكاراغوا وجزر مالفيناس (فولكلاند). حيث كانا يَقُودان أمريكا وإنكلترا كقوتَين مهيمنتَين في النظامِ السائد. وكانت السُلطَتان اللتان اعتَلَتا دفةَ الحُكمِ بالانقلاب العسكريّ في باكستان وتركيا، بمثابةِ مساعِدَين مُقَرَّبَين منهما. في حين تَمَّ وَصْمُ أمريكا اللاتينية قاطبةً بالإرهاب. أما تنافُسُ التسلحِ المستمرّ مع “حربِ النجوم”، فكان قد نَحَّى روسيا عن أنْ تَكُونَ قوةً مهيمنة. وإصلاحاتُ دينغ سياو بينغ[1] في الصين كانت بمثابةِ تنازلاتٍ للنظام. فأُنهِيَت التنازلاتُ المتحققةُ مع حروبِ التحرر الوطني ودولةِ الرفاه، لتَبدأَ عاصفةُ إرهابِ عصرِ المال بالهبوب من كلِّ النواحي. استمرَّ كلينتون بهذه السياسة بمنوالٍ أكثر نعومة، ولكنْ أقوى تأثيراً.

كان لَم يَبقَ سوى الشرق الأوسط، الذي لم يُقدَرْ على فتحِه تماماً. إذ كان قد صُيِّرَ ساحةً لقضايا تحولَت إلى عقدةٍ كأداء تتأتى من إشكالياتِ المدنيةِ والراديكالية والإرهاب والدين. فإنْ كان النظامُ لا يرغب في التراجع، فهو مرغَمٌ حينئذٍ على إتمامِ غزوه، بهذا السبيل أو ذاك. فضلاً عن أنه كانت هناك قضيةُ النفطِ المصيرية. فالبترولُ كان أكثر القطاعاتِ التي استثمَرَها النظام، ليَقِينِه من حاجتِه له لمدةِ قرنٍ آخر. والقضيةُ العربية-الإسرائيلية كانت مسلَّطةً على رأسِ النظام كسَيفِ ديموقليس. وكانت إيرانُ الشيعية خطراً جاداً يَلُوحُ في الأفقِ باستمرار.

إنّ تحَوُّلَ المنطقةِ إلى كومةٍ من الإشكالياتِ المتفاقمة، هو إرثٌ تركَته لها إنكلترا وفرنسا. في الحقيقة، فالحربُ العالميةُ الأولى لم تَكُن قد حملَت أوزارَها بَعدُ في المنطقة. فالانقلاباتُ والتمردات والحروبُ الأهليةُ وحربُ الكريلا كانت مؤشراتٍ ودلالاتٍ على تلك الحالة غيرِ المنتهية. كانت الحدودُ قد رُسِمَت بالمِسطرة، لا لِشيءٍ سوى لتعقيدِ المشاكل. كان بالإمكانِ التخمينُ بأنّ أمريكا ترمي إلى مشروعٍ ما منذ أجَلٍ طويلٍ من وراءِ تلك المشاكل. فلولا مشاكلُها مع الحرب الباردةِ والاتحاد السوفييتي وأمريكا اللاتينية وأوروبا، لَكانت مرغَمةً على التدخلِ في المنطقة منذ زمنٍ بعيد. فتلك المشاكلُ المذكورةُ كانت بالنسبة للنظام تسيرُ على دربِ الحل النسبيِّ في مطلعِ التسعينيات. أما قضيةُ الشرق الأوسط، فكانت مستمرةً مع استفحالِ الغرغرينا فيها. فإما أنْ يتراجعَ النظامُ كلياً، أو أنْ يتدخلَ كلياً. لكن، لو تراجعَ فسيَخسرُ النفطَ وإسرائيل، وستسمحُ الفرصةُ لإيران بالتالي لبسطِ هيمنتِها. كما كان صَدَّام حسين قد مَسَّه هَوَسٌ باعتقادِه بأنه “بسماركُ” العرب.

كان عصرُ التجارة قد سُيِّرَ بحروبِ النهب والسلبِ الاستعماريةِ الكبرى. والعصرُ الصناعيُّ مَرَّ مُثقَلاً بالحربَين العالميَّتَن والحروبِ الطبقيةِ الداخلية، عدا عن حروبِ التحرر الوطني أيضاً. أما رأسُ المال المالي، فكان قد أَقحَمَ المجتمعَ برمته في صراعٍ مع السلطة. وآخِرُ محطاتِ احتكاراتِ المدنية هذه، كان بمقدورِها الوصولُ إلى قعرِ الفوضى البنيويةِ مقابلَ فقدانِ الشرق الأوسط تماماً. والوضعُ المعاش أصلاً كان قريباً من ذلك. ففرصةُ النظامِ في النجاحِ غَدَت متعلقةً بنسبةٍ مهمة بالمستجداتِ الحاصلة في المنطقة. لهذا السبب، ولظروفها الخاصة، فما جرى كان حرباً عالمية ثالثة. والمستجداتُ اللاحقةُ كانت ستؤيد ذلك.

أَعتَقِدُ أنّ العلاقةَ الحرجةَ والاستراتيجيةَ بين هذا السياقِ وبيني ستُدرَك لاحقاً بنحوٍ أكثر شفافية. وبالأصل، فالموضوعُ يزداد وضوحاً بالتدريج. فقد طَرَقَ مَسمَعي أنّ نصفَ المداولات الدائرةِ في اللقاءَين المنعقدَين بين الرئيسَين القديرَين السوري حافظ الأسد والأمريكي كلينتون كانت تتعلقُ بي. إذ كان قد أُدرِكَ أني وصلتُ حالةً حرجةً ومفصلية. وكان قد فُصِّلَ للكردِ دورٌ استراتيجيٌّ طويلُ الأمَد ضمن مشروعِ الشرق الأوسط الكبير. حيث كان سيُستَخدَمُ الكردُ وكردستان كَكَبشِ فداءٍ في حلِّ مشاكلِ المنطقة مع رأسِ المالِ الماليّ. كان الأرمن وغيرُهم من الشعوب (الهيلينيون، الآشوريون، العرب والفلسطينيون، وحتى اليهود) قد استُخدِموا لمثلِ تلك المآربِ في وقتٍ ما. والعصا الكرديةُ قد تؤثرُ في انفكاكِ القوى الإقليميةِ الدوغمائية المسيطرة، والمتعصبةِ للدولة القومية، والمُكَبِّلَةِ للنظام بدلاً من مساعدتِه في حلِّ المشاكل، والمتشبثةِ بهَوَسِ الهيمنةِ على المنطقة.

كنتُ قد أُدرِجتُ كعنصرٍ مفاجئٍ ولكنه مفتاحيٌّ في هذا المخطط، الذي يَبدو أنه قد أُعِدَّت العِدّةُ له منذ السبعينيات. فإما كنتُ سأصبحُ جُنديَّهم المنصاعَ لِما سَيُملُونه عليّ، أو أنه كان ينبغي القضاءُ عليّ. بُنْيَتي الشخصيةُ لم تَكُن تسمحُ بأنْ أكونَ جندياً للنظامِ القائم. بالتالي، فمن المفهومِ بسهولةٍ أنْ أصبحَ أولَ عنصرٍ يجب القضاءُ عليه. ابتدأَت الحربُ العالميةُ الأولى مع مقتلِ وليِّ عهدِ النمسا على يدِ مناضلٍ صِربيّ. لكنّ الحربَ لَم تَكُنْ قد وضعَت أوزارَها بعدُ في الشرقِ الأوسط. بل وكانت ستستمرُّ بحِدّةٍ أكبر، ولكنْ كحربٍ عالميةٍ ثالثة. إلا إنّ الضحيةَ هذه المرة -وعلى النقيضِ تماماً- هي أنا؛ وذلك بموجبِ مخططِ جميعِ قوى النظامِ المنظَّمة. إنّ الشَّبَهَ في هذه النقطة، وتكرارَ التاريخ مع استحداثِه، أمرٌ ملفتٌ للأنظار حقاً. كنتُ قد قلتُ في مرافعتي المتعلقةِ بدعوايَ في محكمةِ أثينا الاستئنافية: “مثلما قامَ كلٌّ مِن الإلهِ زيوس ونائبتِه الإلهةِ أثينا، وبمعونةِ وتضامُنِ هاديس وآرس، بربطِ بروميثوس وتكبيلِه إلى صخورِ قفقاسيا؛ فإنّ أحفادَهم البَشرَ أيضاً كَبَّلوني وأَسَروني، ورَبَطوني إلى صخورِ جزيرةِ إمرالي”. يَبدو أنّ تقييمي هذا بَقِيَ ناقصاً إلى حَدٍّ ما.

وبتحليلي هذا، يتجلى بوضوحٍ أكثر أنّ إلهاً حقيقياً هو الذي كَبَّلني. ذلك أنّ فرخَ الإلهِ الصغير ذاك، المترعرعَ سراً، والمتضخمَ رويداً رويداً في دهاليزِ التاريخ المعتمة؛ قد طفا على سطحِ المجتمعِ مع حلولِ العصر الرأسماليّ. وجَعَلَ نفسَه مقبولاً لدرجةٍ زالَت معها كلُّ آلهةِ العصور السابقة عن وجهِ الأرض. فزَحَفَ الملوكُ على الأرض هَلَعاً، وقُطِعَت رؤوسُهم. وفَرَضَ الإلهُ على البشرية أكثرَ الأزمانِ دموية، وسلَّطَ الاستغلالَ حتى النخاع. ولَوَّثَ ما على الأرض وما في باطنها، وقَلَبَها رأساً على عقب. وقَضَى فِعلاً على الإنسان وغيرِه من الكائناتِ الحية اللامحدودة.

إنّ تأليهَ المالِ ظاهرةٌ تَبعَثُ على الدهشةِ أكثر من حقيقتِه ذاتِها. ولو أنني استطعتُ التعبيرَ قليلاً في هذه السطورِ عن نظامِه الذي يعتمد عليه ويَجُرُّه معه، فلَربما تُعَدُّ الظاهرةُ المسماة “السعادة” المكافأةَ الوحيدةَ التي كانت ستصبح من نصيبي. كان سبينوزا قد قال: “الفهمُ حرية”. أنا أيضاً أؤمن أنْ لا حريةَ سواه. فتَحَرُّري بقدرِ قدرتي على الإدراك، هو أعظمُ قوةٍ أتسلحُ بها لأجلِ الحياة. لقد اتَّحَدَ إلهُ عصرِ المالِ الأكبرُ مع جميعِ مساعديه وأزلامه، فقَيَّدوني إلى صخورِ إمرالي. لكنهم بالمقابلِ تَعَثَّروا بأولئك الذين أضرموا النار التي لَن تَخمُدَ أبداً في مشعلِ الحرية على ذرى جبالِ زاغروس وطوروس، التي تأسست فيها عروشُ جميعِ الآلهة والإلهاتِ المقدسة على طولِ التاريخ.

كان أبولو إلهَ النورِ والدفاع. إني أستسيغه نوعاً ما. وديونيسوس كان إلهَ العشقِ والمرح والخمر في الجبال. إني معجبٌ بثقافته أيضاً. فكِلاهما صورتان للآلهةِ الأعرق وذاتِ الأصولِ المنحدرة من جبالِ زاغروس-طورس، والمنقولة منها إلى بلادِ الأناضول. واضحٌ أنهما يُعَبِّران عن هوياتِ الشعوب التي بلغَت يومَنا عبر آلافِ السنين. النورُ والمرحُ هما أجملُ تعبيرَين عن الحياة. كما إنني أتعمق في موضوعِ “خودا” و”الله” كأقدمِ إلهَين في منطقتنا، وأسعى لتحليلِهما. حيث أودُّ معرفةَ أسبابِ تَركِ شعوبنا بلا نورٍ وبلا دفاعٍ في مواجهةِ المال-الإله، والإبقاءِ عليها متخبطةً في الدم والألم. وكَم أنا سعيدٌ، باعتباري ابنَ المنطقةِ العاشق، لأني لَم أَترُكْ شعوبَنا لرحمةِ إلهِ المالِ الماكر والدَّجَّالِ الأعمى. ولَطالما أؤمنُ بأنَّ أصدقائي والمجتمعاتِ التي يُشَكِّلونها سيَبقَون معي سعداءَ إلى ما لانهاية.

[1] دينغ سياو بينغ: شخصية بارزة في الثورة الصينية، ورئيس الحزب الشيوعي. بعد وفاة ماو، أدين هو وزوجة ماو بكونهما عضوان في العصابة الرباعية، بسبب دورهما في الثورة الثقافية. ثم اعتلى سدة الحكم في جمهورية الصين الشعبية، وفتح الطريق لالتحام الصين بالنظام الرأسمالي قبل إعلان انهيار الاشتراكية المشيدة (المترجِمة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.