قضية المجتمع الأيكولوجية
ينبغي أنْ نكُونَ مسؤولين في المجتمعِ ونسعى لقولِ وعملِ اللازمِ وذلك بالتحلي بالمسؤوليةِ اللازمة حيالَ الواجباتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ
عبدالله أوجلان
واضحٌ أنّ قضيةَ الصناعويةِ جزءٌ مِن القضيةِ الأيكولوجيةِ وسببٌ أساسيٌّ لها. لذا، فشرحُها ضمن بَندٍ مختلفٍ قد يعني التكرار. إلا أنّ الأيكولوجيا موضوعٌ اجتماعيٌّ إشكاليٌّ وأغنى معنىً من الصناعوية. فرغمَ تَضَمُّنِ هذا المصطلحِ معنى يدلُّ على علمِ البيئة، إلا أنه أساساً علمُ تحليلِ العلاقةِ المتينةِ بين التطورِ الاجتماعيِّ وبيئته. وقد باتَ حديثَ الساعةِ بالأغلب، عندما بدأَت قضايا البيئةِ تدقُّ نواقيسَ الخطر. فصُيِّرَ حقلَ بحثٍ مستقلاً بذاته، رغمَ ما يتخللُ ذلك من معانٍ مُريبة. فالقضيةُ الأيكولوجية، وعلى غرارِ الصناعوية، لَم يَبتَكِرها المجتمع. بل هي آخِرُ ابتكاراتِ احتكاراتِ المدنية. وقد دَخَلَت أجندةَ التاريخِ والعالَمِ والمجتمعِ كأشملِ قضيةٍ من حيث النطاق.
رُبما لَم تتميزْ أيةُ قضيةٍ بالأهميةِ والشأنِ اللذَين يُخَوِّلانها لبَسطِ الوجهِ الباطنيِّ الحقيقيِّ لأنظمةِ رأسِ المال–الربح (الأجهزة المُنَظَّمة) على أَجَندَةِ البشريةِ جمعاء، مثلما هي حالُ القضايا الأيكولوجية. فإحصائيةُ نظامِ مدنيةِ رأسِ المال والربح (بوَصفِها مجموعَ كافةِ الاحتكارات العسكرية والاقتصادية والتجارية والدينية البارزة على مر التاريخ) لَم تقتصرْ فقط على تَفكيكِ المجتمعِ من جميعِ النواحي (التردي الأخلاقيّ، اللاسياسة، البطالة، التضخم المالي والدعارة وغيرها). بل وبَلَغَت حدَّ تهديدِ البيئةِ وكلّ ما فيها من كائناتٍ حية. بالتالي، بماذا يُمكِنُنا بَرهنةُ مناهضةِ النزعةِ الاحتكاريةِ للمجتمعِ بشكلٍ ملفتٍ أكثر مما هي عليه هذه الحقائق؟
المجتمعُ البشريُّ أيضاً كيانٌ حيٌّ في نهايةِ المطاف، مهما تمَّ تعريفُه بالطبيعةِ المتحليةِ بأعلى مستوَيَاتِ الذكاءِ والمرونة نِسبةً إلى جميعِ الكائناتِ الحيةِ الأخرى. إنه مجتمعٌ دُنيَوِيّ. وهو ثمرةُ أجواءٍ مناخيةٍ مُنَسَّقةٍ بانتظامٍ بالغِ الحساسية، وثمرةُ التطورِ الطبيعيِّ للغطاءِ النباتيِّ والحيوانيّ. أما المنظوماتُ التي يتعلقُ عليها وجودُ هواءِ ومناخِ عالَمِنا وعالَمِ النبات والحيوان، فتَسري على المجتمعِ البشريِّ أيضاً، كونَه إجماليَّ مجموعِها. هذه المنظوماتُ حساسةٌ للغاية ومترابطةٌ ببعضها البعضِ بمتانة، وكأنها تُؤَلِّف سلسلة. فكيفما تَفقدُ السلسلةُ وظيفتَها بمجردِ انقطاعِ حلقةٍ منها، فكذلك لا مفرَّ مِن تَأَثُّرِ سياقِ التطورِ الطبيعيِّ برمته، إذا ما انقَطَعَت حلقةٌ مهمةٌ من سلسلةِ تَطَوُّرِه. والأيكولوجيا هي عِلمُ هذه التطورات. لذا، فهي مُهِمَّةٌ للغاية. لكن، إذا اختَلَّ أيٌّ من المنظوماتِ الداخليةِ للمجتمعِ لأيِّ سببٍ كان، فيُمكِنُ إعادةُ ترتيبها بيَد الإنسان. ذلك أنّ الواقعَ الاجتماعيَّ مُشَيَّدٌ بيَدِ الإنسانِ في نهايةِ المطاف. لكنّ البيئةَ ليست كذلك. من هنا، فإذا ما حَصَلَت انقطاعاتٌ جديةٌ مِن الحلقاتِ البيئيةِ بسببِ مهارةِ بعضِ المجموعاتِ التي تنبعُ مِن المجتمع، أو بالأحرى تَخرجُ على المجتمع، لتُنَظِّمَ أمورَها فوقه برأسِ المالِ والربح؛ فقد يَتركُ تَسَلسُلُ الكوارثِ الطبيعيةِ كلَّ البيئةِ والمجتمع وجهاً لوجهٍ أمام يومِ القيامة.
ينبغي ألاّ ننسى أنّ الحلقاتِ البيئيةَ تَكَوَّنَت بالتطورِ الطبيعيِّ الذي دامَ ملايين السنين. والأضرارُ الناجمةُ عن الخمسةِ آلاف سنة الأخيرةِ عموماً، وعن المائتَي سنة الأخيرة خصوصاً، قد حَقَّقَت اقتطاعَ آلافِ الحلقاتِ مِن سلسلةِ التطورِ الطبيعيِّ لملايين السنين خلالَ هذه الشريحةِ الزمنية، التي تُعتَبَر أقصر منها بكثير. وقد بَدَأَت تداعياتُ الانكسارِ بحيث لا يُعرَفُ كيف يمكنُ إيقافُها. كما يُتَوَقَّعُ وفقَ الوضعِ القائمِ عدم التمكنِ من القضاءِ على التلوثِ الناجمِ عن الغازاتِ المنتشرةِ في الغلافِ الجوي، وعلى رأسها المعدلُ المرتفعُ لغاز ثاني أوكسيد الكربون، حتى خلال مئاتِ بل آلافِ السنين المقبلة. وربما لَم تَظهرْ بَعدُ تداعياتُ حالاتِ الدمارِ الحاصلِ في عالَمِ النباتِ والحيوان بكلِّ معنى الكلمة. ولكن، يتضحُ جلياً أنّ كِلا العالمَين يُرسِلان إشاراتِ الإنذارِ بقدرِ الغلافِ الجويِّ على الأقل. ذلك أنّ تَلَوُّثَ البحارِ والأنهارِ والتَّصَحُّرَ السائدَ قد بَلغَا حدوداً كارثيةً منذ الآن. كلُّ المؤشراتِ تدلُّ بموجبِ السياقِ القائمِ على أنّ يومَ القيامةِ سيُفرَضُ على المجتمع بيَدِ المجموعاتِ المنتَظِمةِ كجزءٍ من الشبكات والأجهزة، وليس نتيجةَ اختلالِ التوازنِ الطبيعي. وبكلِّ تأكيد، سيَكُونُ للطبيعةِ ردودُها على هذا السياق، لأنها –هي أيضاً– حيويةٌ وذكية، ولأنّ قُدرةَ تَحَمُّلِها محدودة. لكنها ستَكشفُ عن مقاومتِها في الزمانِ والمكانِ المناسبَين، بحيث لن تَكترثَ بدموعِ البشرِ حينما يَحينُ الزمانُ والمكان. فجميعُهم سيَكُونون مسؤولين عن خيانتِهم لمهاراتِهم وللقِيَم الموهوبةِ لهم. أَوَلَم يُنظَرْ هكذا سلفاً إلى يومِ القيامة؟
لا أَهدِفُ هنا إلى إضافةِ سيناريو جديدٍ على سيناريوهاتِ الفواجعِ الموجودة. بل، وكأيِّ عضوٍ ينبغي أنْ يَكُونَ مسؤولاً في المجتمعِ بكلِّ تأكيد، أسعى لقولِ وعملِ اللازمِ وفق مهاراتنا؛ وذلك بالتحلي بالمسؤوليةِ اللازمة، وانطلاقاً مِن مفهومنا حيالَ الواجباتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ التي هي عِلَّةُ وجودنا.
يتمُّ سردُ الكثيرِ في تاريخِ البشريةِ عن عاقبةِ النماردةِ والفراعنةِ المنزوين في قِلاعهم وأهراماتهم. السببُ واضح. فمهما يَكُنْ، فكلُّ واحدٍ من النماردةِ والفراعنة كان احتكاراً مُحَصَّناً بمزاعمَ إلهية، شخصاً كان أم نظاماً. أجل، كانوا أعظمَ أمثلةٍ لاحتكاراتِ رأسِ المالِ اللاهثةِ دوماً وراء الربحِ في العصورِ القديمة. لَكَم هم شَبيهون بالاحتكاراتِ المنزويةِ في ساحاتِ المدنِ الراهنة! وحُكماً، ثمة فوارق بينهم مِن حيث الشكل، وليس مِن حيث المضمون. إذ لا تستطيعُ القِلاعُ والأهراماتُ مُنافَسَةَ الساحاتِ الحالية، رغمَ كلِّ عَظَمَتِها. علماً أنه لا يُمكِنُها مُنافَسَتها مِن حيث التعدادِ أيضاً. فإذا أحصَينا الفراعنةَ والنماردة، فإنّ إجماليَّ تعدادِهم لا يتعدى بضعةَ مئات. بينما يبدو أنّ عددَ الفراعنةِ والنماردةِ المعاصرين يناهزُ مئاتِ الآلافِ منذ الآن. لكنّ البشريةَ لَم تَتَحَمَّلْ بضعةً من النماردةِ والفراعنة في العصورِ القديمة، فراحت تَئِنُّ تحت وطأتهم. حسناً، فإلى متى ستُعاني البشريةُ مِن ثِقَلِ مئاتِ الآلاف منهم، وهم الذين يُعَرِّضون كلَّ البيئةِ والمجتمعِ للتَّفَسُّخِ والتشرذم؟ وكيف لها تَهدئةُ رَوعِها ووقفُ آلامها ومخاضاتها النابعةِ مِن كلِّ هذا القدرِ مِن الحروبِ والبطالةِ والمجاعة والبؤسِ الذي تَسَبَّبوا به؟
لقد أَردنا التطرقَ إلى هذه الحقائقِ على هُدى التطورِ الطبيعي، عندما قُلنا بأنّ المجتمعَ التاريخيَّ كلٌّ متكامل. فهل هي حقائق قليلةُ التأثيرِ أو بلا أهمية؟
لقد كان عِلمُ الحداثةِ الرأسماليةِ كثيرَ الثقةِ بنفسِه اعتماداً على بُنيته الوضعية. واعتقَدَ اكتشافاتِه الظواهريةَ الكبرى كلَّ شيء. واعتَبَرَ الحقيقةَ المطلقةَ مجرَّدَ معلوماتٍ سطحيةٍ بشأنِ الظواهر. كان واثقاً من الولوجِ في مرحلةِ التقدمِ اللامتناهي. ولكن، كيف ينبغي تفسيرُ عدمِ تَوَقُّعِه سلفاً للكوارثِ البيئيةِ الكامنةِ نُصبَ عينَيه؟ بِمَ يُمكِنُنا تفسيرُ عجزِه عن إيجادِ أو تطبيقِ الحلولِ الجذريةِ حيال كافةِ الكوارثِ الاجتماعيةِ السائدةِ في القرون الأربعةِ الأخيرة، وعلى رأسها الحروب؛ والتي تُضاهي إجماليَّ الكوارثِ التي شهدَها التاريخ؟ دعكَ جانباً مِن سَدِّه الطريقَ أمام الحروبِ المتسللةِ إلى كلِّ مساماتِ المجتمعِ في هيئةِ السلطة. فماذا سيَقُولُ عن عدمِ تشخيصِه السليمِ لهذه الحقيقة؟ واضحٌ جلياً –وعلى عكس ما يُعتَقَد- أنّه ما كان للعِلمِ في عصرِ الهيمنةِ الكبرى لسيطرةِ الاحتكارِ أنْ يَجِدَ جواباً لهذه التساؤلاتِ من خلال بُنيَتِه المُطَوَّقةِ أيديولوجياً بأعلى الدرجات، والمتأقلمةِ مع خدمةِ النظامِ القائمِ على أتمِّ وجه. فالعلمُ المنتَظَمُ والمُعلَنُ على أنه ببُنيتِه وأهدافِه ونمطِه يَهدِفُ إلى شرعنةِ النظام، قد أَثبَتَ عَجزَه عن التأثيرِ حتى بقدرِ الأديان. ولكن، من الضروريِّ استيعابُ استحالةِ وجودِ علمٍ ليس أيديولوجياً. المهمُّ هنا هو إدراكُ كَونِه يُمَثِّلُ أيديولوجيةَ أيٍّ مِن المجتمعاتِ أو الطبقاتِ كعِلمٍ ومعرفة، وتحديدُ الموقفِ بموجب ذلك. قد يصبحُ علمُ الأيكولوجيا قوةَ الحلِّ المُثلى للطبيعةِ الاجتماعيةِ برمتها، وليس للبيئةِ فحسب؛ فيما إذا حَدَّدَ موقعَه ضمن هذا الإطارِ كأحدِ أحدَثِ العلوم.