قفزة 15 آب بقلم القيادي عكيد-2
"حينها كنت أفكّر بأنّ بلدة أروه التي لا يعلم كثيرون بوجودها حتّى الآن، ستتحوّل إلى مكان يعرفه الجميع. وبهذه المناسبة سيتردّد اسم الكرد في العالم بعد الآن".
نعرض لكم، اليوم، الجزء الثاني من مذكرات المناضل معصوم قورقماز (عكيد) قائد يوم الانبعاث الوطني 15 آب، وشارك في عملية أروه (دهي) والذي يتناول فيها قفزة 15 آب، اليكم نصه:
كان يجب أن نصل إلى المكان المقصود بسرعة
بعد عدّة أيام، حلّ يوم 27 تشرين الثاني، كنّا نريد الاحتفال بيوم تأسيس الحزب بشكل مختلف، لكن نظراً لأنّنا لم نكن نملك الوقت لهذا، فقد اجتمعنا مع مجموعة من الرفاق بينهم الرفيق كريم في إحدى الكهوف، وجلسنا على صخرة تحت الكهف، وبالرغم من أنّ ركبنا كانت ترتجف من البرد، وكان سعال أحد الرفاق يعلو دائماً على صوتنا، إلّا أنّنا ألقينا خطاب التهنئة لساعتين، وكان أهمّ ما يميّز حديثنا هو ضمان المقاومة ولفت الانتباه عندما يحين الوقت.
وفي اليوم التالي شرعنا في مغادرة المنطقة، وبعد اجتيازنا للنهر، خطونا أولى خطواتنا في السهل منذ سنوات. كانت أمامنا رحلة مسيرٍ تستغرق 3 أيام في سهلٍ طيني، وفي الوقت ذاته لم تكن النقاط التي سنبيت فيها آمنة، لقد لزمنا الجبال لسنوات طويلة وأصبحنا غرباء عن السهول، وكان هذا يضعف من جرأتنا في دخول السهول، لكن في النهاية تمكّننا من أداء هذا الواجب حتّى لو اختلفت الأساليب، وتعرّضنا للخطر مراتٍ عديدة. كانت المنطقة الجبليّة التي وصلنا إليها تشهد تفتيشاً مكثفاً وعمليات شاملة، وكانت الشرطة قد داهمت منزلاً يقيم فيه مطلوبون للقانون، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين الطرفين ومقتل 3 جنود، ولهذا داهم المحتلّون المنطقة وكان يجري إنزال الجنود إلى القرى بالمروحيات، واستمرّت الاعتقالات الجماعيّة وعمليات التعذيب. وتوفي مسنّ كان قد هرب من العمليات ولجأ إلى الكهوف من البرد. وجوّلوا اثنين من أقارب هؤلاء المطلوبين، أحدهما امرأة بين القرى مجرّدي الملابس، ثمّ رموهما بالرصاص في موقع الحادث أمام أنظار الناس. وبالرغم من إصابة الناس بالذعر من هول هذه الواقعة، إلّا أنّهم أشادوا ببطولة الحكام وأثنوا عليهم.
بعد أن شاركنا في أعمال الرفاق في الميدان لفترة، راقبنا الطريق الذي جئنا منه وبدأنا بالعودة ونحن نحمل في جعبتنا ملاحظاتٍ مهمّة وبعض المعلومات، كان علينا الوصول إلى وجهتنا المقصودة بسرعة، ولم يشكّل الطقس مشكلةً كبيرة بالرغم من أنّنا كنّا في فصل الشتاء، وصلنا إلى وجهتنا بعد السير لـ 13 يوماً، وكانت قد بدأت الاستعدادات للموسم الجديد في المعسكر، وبعد اجتماعاتٍ ومناقشات مكثفة، أُعيد التنظيم والفرز بناءً على المعطيات الجديدة، وأُرسل الرفاق إلى مناطق العمل، لقد استشعر العدو انتشارنا، لذا حشد قوات ضخمة على الحدود، وقبل ذلك قام بإرسال عددٍ من الجواسيس لمحيط معسكراتنا، لجمع المعلومات، لكنّنا أمسكنا بعضهم وعرفنا هدف العدو. لم يستطع العدو منع عبورنا حتّى مع كل دفاعاته، لذا كان يستعدّ هذه المرّة لاستقبالنا في الداخل، لقد نشر قواتٍ كبيرة في النقاط المهمّة على الطرق، وتمّ تعزيز القوات المحليّة، وتمركزت وحدات الكوماندو في القرى وبدأوا بالدعاية المسلّحة. كانوا يقولون للأهالي: “لا تثقوا بالآبوجيين، فبينهم العديد من أعضاء أجهزة الاستخبارات التركيّة، الآبوجيون ليسوا كرداً، بل أرمن، إنّهم شيوعيون وأعداء للدين”، قالوا أشياء عديدة من هذا القبيل للأهالي وسعوا لإبعادهم عنّا. لكنّ الأهالي كانوا يضحكون عليهم ويسخرون من ادعاءاتهم، ففهموا ضحك الناس عليهم، على أنّه موافقة على كلامهم وحاولوا جعل الناس شركاء وحلفاء لهم، كان الضباط يقولون في الاجتماعات التي يعقدونها: “إنّ الآبوجيين أشبه بقنبلة موقوتة، فإن انفجروا سيقضون علينا وعليكم” كانوا يحاولون بث الرعب في قلوب الأهالي بهذه الأقاويل، لكن فشلت جميع محاولاتهم، وكانت أعمالنا تحظى بالتأييد يوماً بعد يوم، ونحظى بالدعم شيئاً فشيئاً. وتلقّى الجواسيس ضرباتٍ موجعة ومتتالية في قالبان، شرنَخ، باتمان وفارقين، وهو ما خلق حماساً كبيراً، لكن الأهالي لم يروا أن هذا كافٍ وأرادوا المزيد.
كان الشباب يأتون للمشاركة في النضال طواعيةً
لقد اتّسع مجال العمل السياسي كثيراً، فكان الشباب يأتون للمشاركة في النضال طواعيةً، وحتّى أنّ بعضهم كانوا يخرجون إلى الطريق وحدهم ويريدون الانضمام إلى التدريبات، وكان أولئك الذين لم تكن أسرهم تسمح لهم بالابتعاد عن الأسرة، يتوسلون لئلّا يعودوا إلى المنزل، فقد اختبأ أحد الشبان من أسرته 10 أيام للانضمام إلينا، وفي النهاية عثر علينا ولكن عندما قمنا بإعادته إلى والديه مجدداً كان يبكي ولم يفهم أسلوبنا.
وكانت أغلب مجالات العمل تشهد مثل هذه التطورات، فقد تجاوزت هذه التطورات الأهداف والمهام التي حُدّدت في سياق الاستعداد، وكان لابدّ من تطوير التقنية، إذ كان من الضروري بدء مركز حركة الكفاح المسلّح بمخطط محدّد. وعاش جميع الكوادر هذا التوتر مع الشعب.
في ربيع عام 1984، جاء إلينا رفيق مع مجموعة كبيرة، واستشعرنا من طريقة مجيئهم، بأنّ في جعبتهم قراراتٍ مهمة، وبعد الغداء، وعندما بدأنا الحديث مع الأهالي، سألنا القرويون مجدّداً عن سبب عدم بدء الكفاح المسلّح، ولأنّنا كنا نواجه هذا السؤال على الدوام، كنا قد مللنا من تكرار الجواب والإقناع، فانتظرت أن يجيب الرفيق الجديد على هذا السؤال، وبالطبع كنت أفكّر كالقرويين بيني وبين ذاتي، وعندما أجابهم الرفيق: “الاستعدادات” لزم القرويون الصمت، لأنّهم لطالما تلقّوا الإجابة ذاتها سابقاً.
عندما اجتمعنا خلال الساعات المتأخرة من الليل، رأينا أنّ العدد كبير جداً، واندهش القرويون أيضاً برؤية مثل هذا المجموعة الكبيرة وافترضوا أنّ شيئاً ما سيحدث، فقد كانوا يخبرون بعضهم أنّ الأمور هذه المرّة مبشّرة، انتقلنا إلى الغابة التي سنبيت فيها، وانتشرنا في المكان في عددٍ من المجموعات، ولأنّني توقعت سماع أخبار جيّدة في الصباح، لم أسأل عن شيء خلال الليل.
جاء اليوم الذي كنا نستعدّ له
استيقظنا مبكراً في الصباح، وتناولنا إفطارنا بالأطعمة التي جلبها القرويون معهم، ثمّ وقفنا أنا والرفيق المسؤول جانباً، وانتظرته حتّى يتكلّم بفارغ الصبر، وبعد أن استمعت إليه، تبيّن أن توقّعي في محلّه. كان سيتمّ الإعلان عن تأسيس HRK بالفعاليات التي ستُقام في مناطق مختلفة في ذات اليوم. إذاً جاء اليوم الذي كنّا نستعدّ له منذ 4 أعوام تنقّلنا خلالها بين العديد من الدول واجتزنا حدوداً عديدة وحضّرنا له في الداخل لمدّة طويلة حقّاً، لقد شعرت براحةٍ كبيرة وكان أوّل ردّ خرج من فمي هو: “جيّد لكنّ هذا تأخّر كثيراً، كان يمكن القيام بهذا أبكر” لكنّ هذا الخبر أسعدنا بغضّ النظر عن كل شيء، وكنت أريد أن أبشّر باقي الرفاق بهذا مباشرةً، لكنّ ذلك لم يكن صائباً، تلقّى الرفاق الخبر قبل 15 آب بأيام قليلة، فقد كان هذا ما يستدعيه أسلوبنا.
وكان هناك مخططاً تنظيمياً شاملاً بخصوص المرحلة الجديدة، كما كان يجب إنشاء تنظيمات تقود حشود الناس إلى التنظيم في لجان مباشرةً، وفي الوقت ذاته، كان هذا يعني انطلاق جبهة التحرير الشعبيّة وتشكّلها من الأهالي وتنظيمها، ثمّ إعلان هذه الجبهة لاحقاً، وبهذه الطريقة سيجري التغلّب على صعوبات إنشاء دوائر واسعة، بالإضافة إلى حلّ قضيتين أساسيتين كان القرويون يطالبوننا بحلّهما، إذ ستُحلّ مشاكل الوحدة والقوة العسكريّة بعد الآن.
وبدأت الاستعدادات لتنفيذ المخطّط الذي وضع لاتباعه في منطقتا، بعد مناقشة أسلوبه وبعض خصائصه، وأنشأنا وحدةً لاستكشاف الأهداف المحدّدة، وانطلقنا بعد إجراء بعض التغييرات، والاستعداد لمناطق مختلفة، وجمع أعضاء الوحدة المراد تشكيلها. فاتّبعنا قمم الجبال ووصلنا إلى حيث ينتظرنا الرفاق، وكان هذا المكان مرتفعاً ومطلّاً على جميع المناطق. كان الموقع وتضاريسه جيداً جداً، ولدى انضمامنا إلى المجموعة التي كانت بانتظارنا شعرنا بأمان، كنّا ندرك جميعاً أنّ شيئاً ما سيحصل، كنا متحمسون جداً، وكانت السعادة باديةً في العيون بوضوح.
ستكون عملية انطلاق تاريخيّة
بعد الانتهاء من الاستعدادات النهائيّة، اجتمع وحدتنا التي اسميناها بـ وحدة 14 تموز للدعاية المسلّحة، وقمنا بالإعلان عنها عبر بيان، ثمّ تحدّث الرفيق الذي نقل إلينا الخبر عن خصائص هذه العملية وتفاصيلها وواجباتها، وبعد الاستماع إلى خطابه، قرأت مذكرة الدعاية المسلّحة بصفتي قائد الوحدة، و وبناءً على هذه المذكرة، سُئل الجميع عمّا إذا كانوا مستعدين، وبمجرّد سؤالنا ارتفعت أياديهم عالياً، لم يكن هناك من هو غير مستعد أبداً، حينها قلنا، إذاً لنؤدّي جميعنا معاً قسم الثورة، فرفع الجميع قبضتهم في الهواء وارتفع صوتهم قويّاً يهزّ الجبال. وبقراءة التعليمات اكتمل كل شيء، وكان كلُّ ما يخصّ اسم الوحدة وأعضاءها وأهدافها وبرنامجها ونظامها الداخلي وأسلوبها واضحاً، وكان بحوزتنا العديد من الأمور وسلاحين ثقيلَين، وكنا جاهزين للتحرّك، ولم نكن قد أخبرنا الرفاق بعد بالمكان الذي سنعلن فيه للشعب عن تأسيس HRK ، وكنا قد أنهينا استطلاعنا النهائي لموقع العملية في 13 آب، وعدنا إلى الوحدة، واجتمعنا كوحدة قياديّة ووضعنا خطة العملية، ولم تكن هذه الخطة سيئة، فقد أخذت جميع الاحتمالات بعين الاعتبار، ولم تُترك أي نقطة غامضة، كان لابدَّ من ضمان نجاح العملية، لأّنها ستكون العملية الأولى والتاريخيّة.
في ال 14 من تموز نفّذت وحدة الدعاية المسلّحة قفزة 15 آب
عندما كنّا نخطّط، كنا نفكّر بمقولة لينين: “قبل أن تقصّوا القماش، قوموا بقياسه 7 مرات” بعد أن وضعنا الخطة النهائية، صنعنا نموذجاً لموقع العملية على مساحة مستوية وواسعة، وبعد أن أخذنا الوحدة لهذا الموقع، أعلنا عن هدفنا. وبعد أن قدمنا معلومات عن هدف الخطة وأهميتها وخصائصها، قمنا بمناقشة الخطة، وفي النهاية تمّت الموافقة عليها بالإجماع. انطلقنا مساءً بعد عدد من البروفات، وأخذنا عدداً من البغال لنقل أسلحة، ومعدات وإمدادات ومؤن العدو التي سنستولي عليها، ولأننا أخذنا احتمالية الانقطاع لفترة طويلة بعين الاعتبار، قرّرنا أن نقتصد بمواردنا ومؤننا، كان علينا الاكتفاء بقطعة خبزٍ يومياً.
وصلنا إلى النقطة المحدّدة عند الفجر بعد مسير 10 ساعات، وانتقلنا إلى الخنادق وحاولنا النوم لكن الرياح الباردة كانت تمنعنا من ذلك، وبعد شروق الشمس، أَريت الرفاق أروه التي تبعد عنا 3 كم وقلت، هذا المكان هو وجهتنا، فنظر كل رفيق إلى المنطقة بالمنظار وحاول استكشافها جيداً. ثمّ اجتمعنا مساءً بعد يوم طويل، ثمّ انطلقت المجموعات المسؤولة عن قطع الطرق والهواتف، نحو الأماكن المحددة أولاً، وبعد حلول الظلام، اتّجهت الوحدة الرئيسة التي تمّ تقسيمها إلى مجموعات عند الفرز إلى المدينة سيراً، وانتشرنا في أحياء المدينة بعد فترة قصيرة، كنا نسير في صفين متتابعين وملأنا الشوارع. وعندما أصبحنا على بعد 100متر فقط من سرية (وحدة عسكرية) العدو، ظهرت سيارة مفاجئة، لكنّ ركّابها لم يلاحظونا لأننا انبطحنا في الخندق لم نواجه مشكلةً خطيرة، وهذا حظٌّ كبير، وبعد أن تقدمنا أكثر، انقسمنا إلى ثلاثة أقسام، ووصلنا إلى أهداف خطتنا، وفي الوقت ذاته وصلنا إلى مبنى السريّة (الوحدة العسكريّة)، كازينو الضباط، المقاهي، البنك والمسجد. وتمّ بالرصاصة الأولى تحييد الحارس المناوب أمام باب السريّة، ثمّ بدأ إطلاق النار على الطوابق العلوية للوحدة ومدخل الكازينو لبضع ثواني، ووسط إطلاق نارٍ كثيف ورمي القنابل، تمّ الاستيلاء على المبنى المؤلف من طابقين دفعةً واحدة. وأطلق العدو النار من طرف الكازينو، فأصيب أصبع رفيق كان يدخل من باب الوحدة، لكن تمّ إيقاف إطلاق النار من قبل العدو فوراً، وخلال ذلك، أُصيب اثنان من أطفال القيادي بجروح في ذراعيهما وساقيهما بدون قصدنا، فاعتذرنا منهم وتمّ إجلاؤهم من موقع الاشتباك مع والدتهم ونقلوا إلى المستشف.
شرح أهداف قوات تحرير كردستان للجنود
بعد السيطرة على السريّة، جُمع الجنود الأسرى، في ساحتها، وشرحت لهم أهداف قوات تحرير كردستان، ففرح بعضهم، وحتى أن بعضهم قد قال: “أيا أصحابي لقد حررتمونا أيضاً” وأراد بعض الجنود الانضمام إلينا لكنّنا لم نرغب بذلك.
وعلى الجانب الآخر، كان الرفيق (ت) يقرأ إعلان تأسيس قوات تحرير كردستان عبر مكبرات المسجد بصوته الجهور، ومن حماسه كان يقرأ أحياناً أبياتاً شعرية مع الإعلان. وفي هذه الأثناء تمّ فتح مستودع السريّة ونقل ذخائر العدو إلى الخارج. وبعد أن تفحصت السريّة، اتجهت نحو مقهى تحت سيطرة الرفاق. كان أحد الرفاق القرويين ينهر الأهالي وينتقدهم على لعب القمار، فتدخلنا لأنّ هذا الأسلوب كان صارماً وغير مناسب، واعتذرنا من الأهالي وقلنا لهم أن يطمئنوا فنحن نحارب من أجلهم، وعلى إثر هذا وقف من كانوا في المقهى وأرادوا معانقتنا. ثمّ ضيّفونا السجائر والشاي والمياه. فشربنا كوب ماءٍ من ضيافتهم، ثمّ سألناهم بعد أن شرحنا لهم أهدافنا، هل نهرع لفتح باب السجن، فقال الجميع معاً؛ هيا. وفي باقي المقاهي والشوارع كان يعلو صوت ترديد شعارات “يحيا حزب العمال الكردستاني”، “يحيا القائد آبو”.
وبعد توزيع المنشورات في المقاهي، وتعليق اليافطات اجتمعت الأقسام المسؤولة داخل الحزام الآمن المحيط بالسريّة، واستطلعنا نتائج العملية التي لم نتكبد فيها أي خسائر بشرية فيما أسفرت عن مقتل شخص وإصابة ستة آخرين من العدو، وعالج طبيبنا رفيقنا الوحيد المصاب والتي كانت جروحه بسيطة، وكانت أعداد أسلحة ومعدات العدو التي تمّ الاستيلاء عليها كبيرة جداً. فكان من الصعب نقلها بالبغال، وبالكاد يمكن نقلها بشاحنة كبيرة، فحصلنا إلى شاحنة تابعة للـ (YSE) ونقلناها، ودمّرنا وأتلفنا الأسلحة المتبقية خلفنا، وتمّ إسقاط تمثال أتاتورك وإحراق الكازينو، تلفزيونين، سيارة القيادي، وشاحنة عسكريّة مصفحة، والمبنى الحكومي، البنك ومكتب البريد، لكنّنا علمنا لاحقاً بأنهم لم يحترقوا تماماً.
أصبحت بلدة أروه بعد الآن مكاناً سيعرفه الجميع جيداً
بعد سيطرتنا إلى أروه لعدة ساعات، قمنا بالانسحاب منها، وبعدها واجهنا مشكلة تفريغ الشاحنة، وبالإضافة إلى الحمولة المحمولة على البغال، كان كل رفيق يحمل معه ثلاث أسلحة أخرى مع سلاحه، وبالإضافة إلى ذلك كنا قد تركنا هناك جزءاً من الأسلحة والمعدات التي استولينا عليها.
كنا نحاول اجتياز الجبل العالي والوادي بهذه الحمولة الثقيلة، وخارت قوانا من العطش، لكنّ حماس الانتصار كانت تمنحنا القوة، جلسنا بقرب إحدى الينابيع واسترحنا قليلاً، وكنا نتأمّل أضواء المدينة التي تركناها خلفنا، وفكّرت حينها بأنّ بلدة أروه التي لم يسمع بها كثيرون حتّى الآن ستصبح الآن مكاناً يعرفه الجميع، وبهذه المناسبة سيتردّد اسم الكرد في العالم.
كان الحمل الثقيل قد أتعبنا كثيراً، ووصلنا إلى النقطة الآمنة مع حلول الفجر، كان موقعنا فريداً أكثر مما تتوقع. كان يمكن خوض جميع أشكال الحروب مع العدو هنا، لكن لم يكن ينقصنا إلّا أمر واحد، الماء، فقد نفذت مياهنا منذ الفجر. أحصينا الأسلحة والأدوات التي استولينا عليها وكانت عبارة عن؛ 60 سلاحاً ثقيلاً، 9 مسدسات، 4 آلاف رصاصة، جهاز لاسلكي كبير، جهاز راديو، عبوات مياه، سكاكين، وكشّافات ضوئية إلكترونية، والعديد من الأدوات الصغيرة غيرها.
ولم نكن نستطيع التحرك بسبب التحليق المستمر المروحيات والطائرات، لكن مع ذلك لم نكن نكترث لهم كثيراً، فلم يعد بإمكانهم فعل شيء، فقد كان من المستحيل لهم أن يعثروا علينا، كان بإمكاننا حماية نفسنا منهم، فجبالنا كانت محمية وفي صالحنا.
بدأنا الاستعداد للانطلاق مجدداً خلال الليل، كنا بحاجة ماسة إلى ماءٍ ومرشد للطريق، فلسوء حظنا فقدنا فرصة مقابلة من يرشدنا، أرسلنا عدداً من الرفاق إلى القرى القريبة لتأمين احتياجاتنا، لكنّهم تصادفوا مع الجنود وعادوا دون جاب شيء. فلم يعد أمامنا خيار سوى متابعة طريقنا، فانطلقنا إلى الطريق دونما وجهة واضحة، لكنّ البغال كانت تمشي بصعوبة لأنها لم تكن قد شربت منذ ٣ أيام، وخلال فترة قصيرة، لم نعد نستطيع المشي من العطش، ولم نكن نستطيع الأكل أيضاً بسبب العطش. واكتشفنا من خلال الخريطة والاستطلاع بأنّ هناك قرية قريبة من مكان استراحتنا، وبعد اجتيازنا للهضبة بصعوبة اقتربنا من القرية أكثر. لكن لم نجد دخول القرية مناسباً لأنّنا لم نتعامل مع أهلها قبلاً، فاكتفينا بإرسال عددٍ من الرفاق إليها لتأمين المياه وإيجاد مرشد وانتظرنا عودتهم، وعندما عادوا كانوا قد جلبوا معهم كميات وفيرة من المياه ومرشدين، فاسترحنا قليلاً بعد أن شربنا. وكان القرويان قد سمعا بالعملية ويتابعونها بسعادة واندهاش، فقد أذهلتهما أسلحة وأدوات العدو المستولى عليها، وبعد أن مشوا برفقتنا قليلاً، أرسلناهم إلى منازلهم، لأنّهم كانوا قد تركوا بيادرهم وأتوا.
بعد أن مشينا في طريق مستقيم لساعة، استرحنا في مكان مناسب لقضاء يومنا لأنّ الشمس كانت توشك على الشروق، وتمّ توزيع كأسٍ من الماء وقطعة من الخبز على كل شخص، ومرَّ ذلك اليوم بهدوء شديد، لكن بعد الظهر، جاءتنا امرأة برفقة شابين كانوا قد رأوا حيواناتنا، وجلبوا لنا إنائي ماء، ولدى وصولها إلى حراسنا أخبرتهم بأن الجنود قد داهموا قريتهم، وعذّبوا أهلها وقد يتّجهون إلى مكاننا أيضاً، وعندما حاول طمأنتهم، أدركنا أنهم لا يحتاجون ذلك فقد كانوا فقط قلقين علينا، وبعد أن بدأت المروحيات بالتحليق، جلست المرأة وتابعت حديثها، كانت تقول بأننا قد أبلينا حسناً. وبعد أن تحدثت قليلاً، عادت إلى القرية مجدداً، لتجلب لنا المزيد من الطعام والشراب، ومع حلول المساء، رأيت على الطريق السفلي، وحدة عسكرية كبيرة تتجه نحونا، فانتقلنا إلى الوضع الدفاعي مباشرة واستعدينا للاشتباك، لقد كانوا يحاولون الحصول على معلومات من القرويين الذين غادرونا. لكن يبدو أنّهم لم يتمكنوا من ذلك، فغيروا وجهتهم، واتّجهوا إلى القرية التي كنّا سنقصدها، كنا نريد أن نتوجّه إلى القرية قبلهم، لأنها كانت عند وادٍ وتشكّل نقطة عبور، والذي يسيطر على ذلك المكان أولاً يمنع الآخر من العبور، وقد وصلوا إلى نقطة العبور قبلنا لانّهم كانوا يسيرون في طريق مستوية.
كان قد حلّ الصباح مجدداً عندما وصلنا إلى مكان آمن
عندما وصلنا إلى القرية أبلغَنا قياديونا بدخول الجيش إلى القرية، فعبرنا الوادي بمساعدة بعض القرويين الذين صادفونا وتركنا نقطة الخطر وراءنا، وحتّى وصلنا إلى مكان آمن كان قد حل الصباح مجدداً، وبعد أن جهزنا مكاننا عقدنا اجتماعاً قصيراً، أشرنا خلاله إلى أنّنا نحتاج للاستعداد لاشتباكٍ ومعركة جديدة، لكسر الحركة الضعيفة وملاحقة العدو وبعد أن راقبنا القرية بالمنظار، رأينا أنّ العدو يقوم بتعزيز قواته في القرية بوحدات عسكرية جديدة، وكان الجنود قد سئموا الحر ويلقون بأنفسهم تحت ظلال الشجر. واستمر تحليق المروحيات والطائرات الحربية في سماء المنطقة التي تركناها بدون توقف، فقد كانوا يعتقدون بأننا لم نعبر الوادي وأننا في المنطقة المطوقة. ومع حلول المساء، تركناهم يواصلون تطويقهم، ودخلنا الغابة وانطلقنا على معدة فارغة. يومها كنا قد استهلكنا كل ما نملك من فتات الخبز، وكلّما مشينا أكثر كلّما ضعفت رؤيتنا وارتجفت ركبنا، واستهلكت أجسادنا طاقتها أكثر، لكننا مع ذلك اجبرنا أنفسنا على مواصلة السير، وبعد فترة قصيرة، صادفنا مجموعة من الخيم على المروج، فاتجهنا إليهم لأننا كنا نعرفهم، فرحبوا بنا بكل سرور وتعاون الرجال والنساء على تقديم الطعام والشراب لنا، وكنا قد شحننا طاقتنا مجدداً عندما غادرناهم. فاجتزنا الجبال العالية بسرعة ونزلنا من الجبل بخفة وكأننا نملك أجنحة، وعندما وصلنا إلى الغابة قضينا ذاك اليوم مع القرويين بسعادة، كنا نعرف منطقة ثكنتنا ككف يدنا، ولم يكن هناك من لا يعرفنا، لذا شعرنا وكأننا في قلعتنا، وكان هناك جواً احتفالياً في الثكنة، لقد أغدقوا علينا بالطعام والشراب واستعدنا قوتنا المفقودة.
استمرّ الجنود الأتراك بإطلاق الرصاص حتى الصبح بسبب استشعارهم لحركة ما
عندما وصلنا إلى قاعدتنا العسكرية السرية عقدنا اجتماعاً حول العملية، لقد تناولنا انتصاراتنا ونقاط ضعفنا، وكان يتوجّب علينا تكثيف أعمالنا العسكرية والسياسية للحفاظ على منجزاتنا، كان من الواضح أنّ العملية ستسفر عن نتائج سياسية مهمة. واتفقت آراء جميع أعضاء الوحدة في كافة المواضيع، واُختتم الاجتماع لإعداد تقرير التقييم والنتيجة، وانطلقت أعمال التدريب والاستطلاع للاستعداد لعمليات جديدة.
وسادت روح الحماسة والشجاعة والقوة التي خلقتها العملية لدى جميع الرفاق، وكان رفيقنا القروي (سـ..) مثالاً على هذا، فقد جسّد لنا سمات الشخصية القروية الوطنية والمقاومة والناجحة بشكل فريد، فقد شارك في جميع استعدادات العملية، وسبق الجميع إلى مبنى العدو، وقاتل بشجاعة وواجه كافة الصعوبات التي اعترضتنا خلال العودة ما جعله نموذجاً للصمود. وكان أقوى وأكثر نشاطاً منا جميعاً بالرغم من أنه كان الأكبر سناً في وحدتنا. سألته عندما كنا نراقب مبنى العدو: “كيف علينا أن نداهم ونهاجم العدو يا ترى؟”. فأجابني: “لا نتمكّن من فعل ذلك إن لم ندخل إلى الداخل ونستولي على الأسلحة”، وكان باقي القرويين أيضاً يسعون لإظهار قوتهم وشجاعتهم، وكانت القوة القروية الكردستانية بالقيادة الحكيمة تفجر بركان الثورة، وهذا ما تمّ إثباته.
بعد العملية، كان العدو يتضرع إلى الأهالي، فقد كانوا يقولون: “دولتنا لا تستحق هذا، لا تفعلوا هذا، سنوفر لكم الطرق والمياه والكهرباء، فنحن إخوة في الدين” وعندما كنا نسمع هذه الكلمات من القرويين كنا نتذكّر مباشرةً، خطابات السياسيين ووعودهم الانتخابيّة، إذاً “أصبح الجيش التركي العظيم” صغيراً لدرجة أنّه وصل لمستوى السياسيين المخادعين، وكان الجميع يسخر من محاولات الخداع هذه، كانوا الأهالي يقولون: “عاد الحمقى إلى رشدهم وأدركوا أنّنا إخوة بعد أن تلقّوا صفعةً على وجوههم” وليستعيد العدو هيبته المفقودة مجدداً، استقدم قواته الخاصة (الكوماندو) من الجبال وهاجم الأهالي، فبدأ الجنود هذه المرّة بالنواح، وكانوا يقولون بأنه لم يجرِ وهم يريدون أن يعيشوا، كانت جبالنا تحبط “مغاوير الجبل” فقد كان العدو قد نشر وحداته المؤلفة من الكوماندو، الجيش، الشرطة، وقوات مكافحة الكريلا، وأزال معظم مقراته، ووسّع باقي مقراته، وكان كل جندي يناوب لـ 3-4 ساعات، ولم يشعروا بالأمان على الرغم من ذلك، وكانوا يرسلون تحياتهم للثوار باستمرار، وكانت وحدات العملية قد أنزلت جنودها في الساحة عبر 20 ..طائرة مروحية على الأقل. لكنّهم اجتمعوا مجدداً في المراكز المحدّدة بعد فترة، وبدأوا بتنفيذ عمليات سرية، وكانوا حمقى وصاخبين لدرجة أنّه كان يتمّ ملاحظتهم قبل وصولهم، وبهذه الطريقة، فشلت مناورات الاجتماع والانتشار، ولم تكن تفيد بشيء سوى التعب. وأدرك عددٌ من قيادي الاحتلال هذا جيداً، فعلى سبيل المثال قال أحد الضباط للأهالي: “لو كنا نواجه جيشاً، لقضوا علينا أو قضينا عليهم خلال يوم، لكنّ هؤلاء (الثوار) يهاجموننا فجأة ويختفون، وإن لاحقناهم، سنستغرق 10 ساعات على الأقل لقطع المسافة التي يقطعونها في ساعتين”. وكان محقاً في ذلك، كان يحدّد نقاط ضعف جيشه البرجوازي، كما أُصيب أحد الضباط بالإحباط بسبب الظروف، فلم يتمكّن من الوصول إلى القرية إلّا بالاتكاء على العصا، وصاح عند وصوله: “أين هم هؤلاء الآبوجيون، فليخرجوا ويطلقوا عليَّ رصاصة وينقذوني من هذا العذاب”، وقام الجنود بقطع أشجار الجوز لأنّ تساقط الجوز منها خلال الليل كانت ترعبهم، كما قتلوا العديد من الحيوانات لأنها لم… وكان المحتلّون الفاشيون أعداء كلّ ما هو حي، يستمرّون بإطلاق الرصاص حتّى الصباح، بمجرّد سماعهم أي صوت حتّى لو كان حفيفاً. وكانوا قد فقدوا ثقتهم بكل شيء، ويطردون القرويين الذين يتولون حراستهم ويقولون لهم بأنّهم (ميلشيات) للآبوجيين. وكان الجواسيس الذين يجلبون لهم الأخبار يتعرّضون للضرب لأنّهم قاموا بتعريضهم للخطر.
وتعبّر هذه الأمثلة التي قدّمناها عن الحالة النفسيّة للعدو، لقد دفع الخوف العدو إلى الجنون، وحلّ وحدة الجيش بالكامل وأضعف انضباطه. ووفقاً لأحد الجنود الأسرى، فقد كانوا يقومون كل ليلة، بتعذيب أحد الجنود لإعادة الانضباط مرةً أخرى.
كان هناك أمل، لكن كانت هنالك مخاوف أيضاً
لتجاوز هذا الوضع، اجتمع الزعماء المستبدون في المنطقة بداية شهر تشرين الأول، لكنّهم كانوا يلتزمون الصمت عندما لا ترضيهم الإجابات، وواجه كنعان أفرن، تورغوت أوزال، رئيس الأركان العامة ومسؤولين آخرين الثوّار في شرنَخ، شمزينان، جله، أله في العمليات التي كان يباركها شعبنا. وبدلاً من قيام المسؤولين الفاشيين بإنقاذ الموقف، فقدوا هيبتهم أيضاً، وكان هذا صعب عليهم كثيراً، وللحفاظ على ما تبقّى من هيبتهم كانوا يقومون بتوزيع الأسلحة على الأهالي، لكنّ رد الأهالي كان سلبياً كانوا يقولون إنّهم لن يدافعوا عن دولةٍ لا تستطيع حماية نفسها و: “إنّ الأسلحة التي تقدمونها لنا ستقع بيد الآبوجيين بعد أيام” فوضعوا الدولة في مأزق كبير، ولم يتوقف العدو عن تسليح الشعب، كما لم يهدأ تحليق المروحيات والطائرات. وبالرغم من أنّ العدو لم يتوقّف عن حياكة الألاعيب والحيل، إلّا أنّه لم يحقّق أي استفادة تذكر من إحراق القرى، عمليات التعذيب وحتّى قتل القرويين، لم تنفع كافة قواتهم العسكريّة وتقنياتهم المتطورة، وكان الضباط الكبار يعتمدون على معلومات القرويين لحماية مقراتهم وكأنهم نسوا كافة معلوماتهم التقنية، فعلى سبيل المثال، سأل أحد الضباط قروياً يقف معه ما إن كان القيام ببناء جدار أمراً صائباً فقال له: “هل سيكون ذلك جيداً يا ترى؟” فيجيبه القروي قائلاً: “إن قمت ببناء جدار سيبقى الحراس في الخارج وسيكون من السهل استهدافهم”، فيوافقه الضابط الرأي ويأمر بحفر “الخنادق”، في الواقع يمكننا ذكر أمثلة عديدة مشابهة لهذا لكن هذا المثال كافٍ.
وعندما كان يُطلق عدد من الرصاصات في المقرات التي كانوا يشعرون فيها بالأمان، كان مزاجهم يتعكّر هنا ويقومون بإنارة المحيط بالكشافات الجويّة حتّى الصباح. وكلّما رأى الأهالي ضعف العدو وعجزه، كلّما تخلصوا من سوء الفهم أكثر، في الواقع لم يكونوا يأملون الكثير من العدو، وكانوا يستعدون نفسياً واقتصادياً لهجمات أكبر ويعزّزون شجاعتهم. كان هناك أمل، لكن كانت هناك مخاوف أيضاً، كان الشتاء يقترب، ولم يكن الأهالي مطمئنون لأنهم يعلمون قساوة الشتاء في المنطقة. كانت الثلوج تغطّي أشجار العفص (نوع من البلوط) أحياناً، وكانت العواصف والانهيارات الثلجيّة تتسبّب بمقتل الناس سنوياً، وتسبب انهيارٌ ثلجيّ باستشهاد رفيقنا عبد العزيز كانات، لقد كنا ندرك هذه الصعوبات لأنّنا كنّا نعيش في هذه الظروف لسنوات. لكن في الواقع اعتاد أغلب الرفاق على التكيف مع قساوة الشتاء، لأنّهم تدرّبوا على ذلك وخاضوا تجربة الشتاء في وادي بمزورت. وادي بمزورت هو مكان لا يمكن أن يمرّ فيه عام دون ضحايا، كان عرض الوادي يساوي مسيرَ 14 يوماً وكان من الصعب السير هناك لأنّ مستوى ارتفاع الثلوج كانت تصل إلى العنق تقريباً، وحتّى لو أردت الجلوس فمن المستحيل أن تعثر على جزءٍ من اليابسة، وإن توقفت للحظة قد تتجمّد. وخطر هبوب عاصفة ثلجيّة محدق دائماً، لذا لابدّ من السير بسرعة، فإن تعرّضت للعاصفة الثلجيّة هذه لن تستطيع أن تخطوَ خطوة واحدة، إنّها تخنق الشخص، وكان قد اختنق 6 أشخاص عام 1982، وفي عام أضلّ 20 شخصاً طريقهم هناك وكانوا على وشك التجمّد وبُترت أرجلهم، وفي شهر تشرين الثاني من نفس العام، مات أحد المسافرين متجمّداً على حصانه، وفي عام 1984 وصل البرد في الوادي إلى درجة التجمد، وتسبّب في وفاة شخصين، ولعبور النهر كان يجب يدخلوا المياه حتّى صدرهم 12 مرّة، ولاحقاً عندما تمّ شقّ الطريق كان يجب اجتياز المياه مرة واحدة.
إثبات القوة العظيمة للإرادة
كان يتردّد في المنطقة خلال الشتاء مقولة: “من يبقى في الخلف سيتجمّد” لكنّ رفاقنا غيّروا هذه المقولة وجعلوها: “من يبقى في الخلف لن يتجمّد بل سيتمّ إنقاذه” كان أهالي المنطقة يدركون جيداً أنّه عند الترحال الجماعي لم يكن أحد منهم ينتظر من يبقى في الخلف، لكنّ رفاقنا كانوا كانوا ينقذون من يبقون في الخلف في مثل هذه الرحلات، وليس فقط من هم في مجموعتهم بل في باقي المجموعات أيضاً، وقبل أن خروج القرويين إلى الطريق كانت نصيحة سافروا مع “العمال” تتردّد كثيراً. وكان القرويون الذين يعيشون في هذه الطقس منذ آلاف السنوات يندهشون من صمود الأشخاص القادمين من مناطق حارة، كانوا يعتبرونها قوّة فريدة. وقد أثبت هذا القوة العظيمة للإرادة، وكان القرويون الموجودين في وادي بمزورت والذين يرون هذه الإرادة عن كثب يقولون هذه هي الإرادة والعزيمة التي ستنقذنا.
لقد علّق العدو آماله الآن على الشتاء، وكانوا يزدادون فرحاً كلّما اقترب الشتاء، وكانوا يهدّدون أهالي أي قرية يقصدونها ويقولون لهم سنتواجه قريباً، وحلّ الشتاء، وكان الشتاء الأقسى على مدار الـ 50 عاماً الأخيرة، كانت مرحلةً يتصارع فيها أملان، إذ كان العدو يأمل أن يسحق كياننا ووجودنا ويمنعنا من رؤية الربيع، لكنّ أمالهم هي التي سُحقت، وانبعثنا من جديد كأمّة.
دخل نوروز عام 1985 التاريخ بوصفه انبعاث لأمل شعبنا، ويتمّ الإعلان عن جبهة التحرير الوطنيّة نظراً لحقيقة تعزّز الإرادة الشعبية الأصيلة وتاريخ الأشخاص الذين يقودون هذا العمل. ويُعدّ نوروز 1985 يوم تجاوز كافة الهزائم، والسمو والانطلاق لتحقيق الأمنيات الأصيلة، وسيكون عيداً جديداً لعشبنا. ولأنّنا دخلنا في هذا المسار، سنكسب كل ما فقدناه. سنعيد اكتساب جميع القيم الإنسانيّة والاجتماعيّة المسلوبة، لقد تحوّل الشتاء الذي أرادوا جعله جحيماً لنا، إلى مرحلةٍ ستحقق إنجازاتٍ عظيمة، وسنعيش براحة لا نهاية لها من الآن وصاعداً.
نستقبل عام 1985 مع نوروز كعامٍ لإحياء آمال شعبنا، لقد استخدم شعبنا كلّ قوته وإمكانياته وهو يتمتّع الآن بسعادة تعزيز هذه المقاومة وتصعيدها، ولن تذهب الجهود العظيمة لحزبنا ودماء الشهداء سدىً، فنحن نتّحد حول هذه الأهداف ولن تستطيع أي قوى فاشية ورجعية سلبنا هذه الإنجازات.